"ادلب" .. معركة تحديد النفوذ بين المعسكر الروسي ومعسكر تركيا

"ادلب" .. معركة تحديد النفوذ بين المعسكر الروسي ومعسكر تركيا

 

مع سيطرة قوات الرئيس السوري بشار الأسد بالتعاون مع قوات إيرانية ومن حزب الله وروسيا، وميليشيات شيعية اخري، على قرابة 80% من أراضي سوريا، ظهرت أهمية "إدلب"، التي تعد المعقل الأخير لمسلحي المعارضة وإسلاميين حاربوا ضد القوات الحكومية السورية على مدار أعوام، ومقر قرابة 3 مليون لاجئ هارب من بطش الأسد.

ولأنها تجاور تركيا، واجتياح قوات الأسد وروسيا وإيران لها، معناه انتقال غالبية هؤلاء اللاجئين لها، فضلا عن أنه ينهي دور وأوراق تركيا السياسية في أزمة سوريا ويسمح للمعسكر الروسي بتحقيق انتصار استراتيجي هام، تحاول تركيا اجهاض الهجوم الحالي الذي يقتصر حتى الان على قصف روسي سوري لمواقع قوي معارضة سورية بعيدة عن مواقع التواجد العسكري التركي في ادلب.

ولا تسيطر مجموعة مسلحة واحدة على إدلب، بل يوجد فيها عدد من الفصائل المتنافسة، ومن بينهم تحالف مسلح مرتبط بتنظيم القاعدة والمعركة في إدلب ستكون حاسمة لأن هزيمة المعارضة فيها يعني نهاية معارضتهم المسلحة التي دامت أكثر من سبع سنوات لحكم الأسد.

ولخص المتحدث الرئاسي التركي "إبراهيم قالن" في مقال نشرته صحيفة "ديلي صباح" التركية الناطقة بالإنجليزية، الجمعة، الازمة الدولية في أدلب بقوله إن "معضلة إدلب هي اختبار آخر للنظام الدولي"، وأضاف: "إننا نشهد حرب وصاية تجري بين القوى العالمية والإقليمية، والأسلحة ليست المسبب الوحيد لهذه الوحشية الناجمة عن الرغبة في كسب المزيد من القوة والنفوذ والدوافع الجشعة".

ومع أنه قال إن "دمشق وحلفاؤها لن يجرؤوا على مهاجمة إدلب طالما جنودنا هناك"، فقد اعترف أنه "لا يمكن لأي دولة، بما فيها تركيا، أن تتحمل بمفردها أعباء وقف الاشتباكات العسكرية والتوصل إلى حل سياسي والدفاع عن اللاجئين"، ما يشير لقلة أوراق الضغط التركي.

فقد بدأت الطائرات الروسية والسورية مهاجمة ادلب في اعقاب فشل قمة طهران في فرض "وقف إطلاق النار"، وقصر الحديث على خطط لـ "خفض التصعيد" التي واجهت انتقاد لاذع من اردوغان بقوله «غالبية الاتفاقات في مناطق خفض التصعيد لم يتم الالتزام بها»، وباتت تركيا في أزمة حقيقية بين التصدي وحدها للهجمات الروسية والسورية لو طالت قواتها في ادلب، واحتمالات اندلاع أزمة جديدة بينها وبين موسكو في وقت يقتصر فيه الدور الأمريكي على الرفض الكلامي للهجوم على أدلب دون تحرك على الأرض.

ولم يتمكن الزعماء الثلاثة رغم خطاباتهم المفرطة بالدبلوماسية في قمة طهران لحسم مصير ادلب، من إخفاء خلافاتهم التي برزت في القمة الثلاثية خصوصاً بين روسيا وإيران، وبين تركيا حول عموم الملف السوري، خصوصاً إدلب ومصيرها، بين رفض تركي لعمل عسكري، وإصرار روسي إيراني على حسم معركة إدلب، ما يهدد باختبار ساخن للنظام الدولي.

يعزز هذا الاختبار الساخن، سعي إيران لحسم ملف سوريا للتفرغ للهجمات الإسرائيلية ضدها هناك، ورغبة روسيا في اكتساب أرضية استراتيجية في سوريا تنطلق منها لقواعدها السابقة في الشرق الأوسط (قواعد الاتحاد السوفيتي)، بعد رفض بوتين عرضًا لأردوغان بوقف إطلاق النار في إدلب وتجميع "الإرهابيين" في مِنطَقة مُغلقة؟

اذ يعتبر بوتين ان هذه فرصة له بعدما نجح في تجميع "الإرهابيين" في ادلب ومن ثم توافر فرصة للقضاء عليهم، خاصة ان هؤلاء المسلحين في ادلب قد يشكلون خطرا علي الوجود العسكري الروسي في سوريا خاصة أنهم اطلقوا عشرات الطائرات المسيرة علي القواعد العسكرية الروسية.

أما تركيا فهي تعاني من أزمات داخلية اقتصادية تتمثل في تحالف قوي المال الغربية بزعامة ترامب ضدها بغية اسقاط اقتصادها واخضاعها سياسيا، ومن أزمات على حدودها مع الاكراد ومع أزمة ادلب، وتواصل حشد قواتها هناك لعلها تعرقل الخطط الروسية لاجتياح ادلب، ولكن دون أمل حقيقي، وسط مخاوف من وقوع حوادث عسكرية تنتهي بصدام عسكري تركي روسي أو تركي سوري.

هل يشعل ترامب المأزوم حربًا عالمية؟

رغم ان الموقف الأمريكي من أزمة "ادلب" غامض بسبب تعارض الرغبة في التدخل مع الحسم الروسي المنتظر للمعركة، وبسبب الرغبة الامريكية في الضغط على اردوغان على خلفية أزمة القس الأمريكي والحرب الامريكية على الاقتصاد التركي، يدرك ترامب أن حسم بوتين ملف ادلب سيكون له تداعيات علي تعظيم النفوذ العسكري والسياسي الروسي في الشرق الأوسط.

وكان الرئيس الأمريكي ترامب وجّه خطاباً غير مباشر إلى الرئيس التركي في محاولة لليّ ذراعه قبيل القمة الثلاثية، عندما قال في مقابلة مع وكالة «بلومبرغ» "إن خيبة أمله الشخصية من اردوغان جاءت بعدما توسطت الولايات المتحدة لدى إسرائيل لإطلاق مواطنة تركية كانت تحتجزها .. لقد أعدت له شخصا، أنا محبط جدا منه (اردوغان)، لكن سنرى كيف ستسير الأمور".

وقبل ذلك كانت واشنطن أرسلت إشارات عن استعدادها التفاهم والتوصل إلى صفقة أو صيغة لتمرير معركة إدلب دون اعتراض، كما حصل في الجنوب السوري عندما وافقت إيران على سحب مستشاريها بعيداً عن الحدود مع فلسطين المحتلة مقابل قبول أمريكا ضرب المعارضة السورية هناك.

وهذه مواقف تبدو متعارضة مع كل ما تقوله الإدارة الأمريكية وحلفاؤها عن استخدام سوريا المرتقب للسلاح الكيميائي في هذه المعركة وتهديدها مع بريطانيا وفرنسا بضرب النظام السوري.

اذ يخشى مراقبون أن يستغل الرئيس ترامب أزمته الداخلية خاصة بعد صدور كتاب "بوب وودورد" الذي فضح العديد من سياساته، واستمرار تضييق المحققين في فضيحة انتخابات الرئاسة، الخناق عليه، في استغلال قضية ادلب لتفجير حرب في المنطقة بأكملها لإنقاذ نفسه وابعاد الأنظار عن أزماته الداخلية.

وقالت الخارجية الأمريكية أن "بشار الأسد ليس له مستقبل في سوريا وليس من مهماتنا التخلص منه"، بعدما سبق لترامب ان تحدث عن التخلص منه.

وسبق الرئيس الأمريكي ترامب القمة ووجه تغريده لبشار الأسد، حول معركة إدلب، أن "تكون غير شديدة كيلا تحدث مأساة بحق المدنيين فيها"، الأمر الذي يعني اعترافاً أمريكياً واضحاً بالرغبة في التوصل إلى تفاهمات في مناطق أخرى وأن معركة إدلب قد تكون المفصل نحو التحول بشكل كامل إلى الحل السياسي (على حساب المعارضة).

واستقبل الأسد قبل القمة بأيام، السيناتور الجمهوري الأمريكي ريتشارد بلاك وبحث سياسات واشنطن إزاء سوريا وقضايا المنطقة، بعد تقارير عن زيارة وفد أمني أمريكي إلى دمشق ونفي واشنطن لذلك.

وتعمد "بلاك" خلال لقائه الأسد التأكيد أن السياسات التي انتهجتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة في الشرق الأوسط أفقدت شعوب المنطقة الثقة بكل سياسة واشنطن، مؤكدًاً أن تحقيق المصالح الأمريكية يتطلب من إدارة البيت الأبيض العمل على تغيير هذا الأمر.

أيضا يتحدث السوريون عن وجود ليونة خليجية وأكثر من 20 اتصالاً أمنياً وسياسياً من مسؤولين غربيين وعرب بينهم سعوديون، بعضهم بحث المشاركة في إعادة الإعمار، ما يعكس تغيرا ملموسا في الموقف الأمريكي والدولي.

وهو ما يعكس تناقضا أمريكا ما بين التدخل في ادلب وضرب الأسد واشعال حربا في المنطقة لإنقاذ ترامب من أزمته الداخلية، وبين رضاء امريكا عن الحملة العسكرية الروسية باعتبار انها تصب في صالحها بالقضاء على ما تبقي من "الجهاديين" في سوريا بعد تجميعهم في ادلب.

معركة ادلب التي بدأتها الطائرات الروسية والسورية تبدو بالتالي موقعة عالمية قد تغير وجه العالم لو تدخل ترامب وقصف الأسد، وتصدت موسكو للضربات الامريكية، وحتى لو يتدخل ترامب فسوف يترتب علي العدوان الروسي والسوري على ادلب حسابات سياسية معقدة، ستطال مستقبل منطقة الشرق الأوسط.

ماذا بعد ادلب؟

وتطرح نتائج معركة ادلب التي بدأت بقصف روسي سوري مشدد وحشد عسكري علي الأرض لقوات الأسد وارتال عسكرية تركية دخلت ادلب، العديد من التساؤلات التي لا يعرف إجابات الكثير منها ولكن المؤكد أنها ستكون مقدمة لتغييرات في المنطقة على النحو التالي:

1-    هل ستنتهي بذلك ثورة الربيع السورية التي اندلعت عام 2011 باعتبار أن ادلب هي المحطة الاخيرة، بعد حلب، بعد اتمام انهاء المناطق المحيطة بدمشق وكذلك في حمص، لتكون الثورة عبر ست سنوات داخل مربع ادلب الذي تجري عمليات تصفيته بالتوافيق بين كل الأطراف الدولية ولكن بمواقف معلنة تخدم سياستها؟

2-    الي اين سيذهب مقاتلو المعارضة المسلحة وقوات الجهاديين المتبقية سواء من داعش أو القاعدة وغيرها، ولم يعد لهم مكان يهربون اليه إلا الحدود التركية، خاصة بعد تصنيف انقره تنظيم "الشام" كمنظمة إرهابية؟ هل يضطرون لقتال معركتهم الاخيرة بشراسة، أم يهربون الي جيب حلب الشرقي المتبقي بيد تركيا، أم يسعون لتفجير أنفسهم في الروس وجيش الأسد أم ينتشرون بين المدنيين تحسبا لقيامهم لاحقا بهجمات على طريقة "الذئاب المنفردة"؟

3-    هل ينقل الروس نفوذهم من سوريا الي المحطة التالية (مصر السيسي) في ظل التقارير عن السعي لتشغيل قواعد عسكرية روسية في مصر؟ وهل ستقبل إدارة ترامب ذلك وهي التي اغدقت السلاح والأموال علي السيسي ودافعت عنه ضد اتهامات بارتكابه جرائم في ملفات حقوق الانسان؟

وأكد تقرير سابق لموقع "ستراتفور" الاستخباري الأمريكي، أن روسيا تتفاوض مع مصر بالفعل لاستخدام ميناء "سيدي براني" ومطاره العسكري الذي استخدمته مصر والامارات لضرب ليبيا، وأن المفاوضات الروسية حول هذه القاعدة، جزء من خطة روسية للعودة لقواعدها السوفيتية السابقة في مصر وفيتنام وكوبا وإيران.

وقال الموقع الامريكي ان ما كشفته صحيفة "ازفستيا" نقلا عن مسؤولين بوزارة الدفاع والخارجية الروسية بشأن تفاوض القاهرة وموسكو على منح روسيا تسهيلات عسكرية في مصر وتجديد وجودهم في قاعدة جوية سوفيتية سابقة في المدينة المطلة على البحر المتوسط "​​سيدي براني"، ليس سوي جزء من خطة استراتيجية روسية لإعادة قواعد الاتحاد السوفيتي السابقة من مصر إلى فيتنام وكوبا وإيران.

ويشير تقرير "ستراتفور" أن القاهرة تسعي للعب بين واشنطن وموسكو، مشيرا لأن القاهرة تحاول التخلص من الضغوط والتهديدات الروسي، منذ إسقاط الطائرة الروسية في سيناء، لتعزيز الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة.

ويقول الموقع الاستخباري الامريكي إنه يمكن لمصر ان تلعب بالبطاقة الروسية (طلب الحصول على قاعدة سيدي براني) لجذب انتباه الولايات المتحدة.

ويحاول التقرير التقليل من اهمية الخطط الروسية للحصول على قواعد عسكرية جديدة بالخارج، على المظلة الأمنية الأمريكية، ولكنه يشير لأن المقصد الروسي من وراء القواعد الجديدة هو القيام بـ "تحولات كبرى في قدرة روسيا على فرض النفوذ أو الدخول في تحالفات استراتيجية مع البلدان المضيفة لإمالة التوازن الاستراتيجي في المنطقة كلها في اتجاه واحد.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة