التنمية في مصر بين الحقيقة والسراب

 التنمية في مصر بين الحقيقة والسراب[1]

 

في المقالة البحثية التي نشرها المعهد المصري للدراسات، عن التنمية في مصر، للباحث ستيفان رول،  نائب رئيس قسم الشرق الأوسط وأفريقيا في المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية، يمكن رصد محورين متضافرين أو فرضيتين رئيسيتين:

 

 الأول: أنه مع غياب أي إصلاحات هيكلية للاقتصاد المصري، وفي ظل استمرار الانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في البلاد؛ فليس من الممكن أبداً أن يتعافى الاقتصاد على الرغم من الدعم الهائل الذي يتلقاه من صندوق النقد الدولي، خاصة وقد حال الجيش، صاحب النفوذ المتزايد في البلاد، دون الوصول إلى اقتصاد سوق فعال.

 

 الثاني: أنه ينبغي على الحكومة الألمانية أن تعمل على ضمان قيام صندوق النقد الدولي بإعداد تقييم نقدي للإصلاحات التي جرت حتى الآن. كما ينبغي عليها –أي برلين- أن تربط استعدادها لدعم حزم المساعدات المستقبلية بتحسين حالة حقوق الإنسان وتعزيز دور المجتمع المدني.

 

فيما يتعلق بالدوافع التي دعت النظام للإقتراض من الخارج، ترى المقالة أن القيادة السياسية في مصر لم يكن أمامها أي خيار سوى الإقتراض من الخارج لتلافي العجز، والموافقة على الالتزامات المطلوب منها الوفاء بها في المقابل. وقد اعتاد المصريون في الماضي على رفض توصيات المانحين الدوليين بإجراء تخفيض شامل للدعم (الذي تقدمه الحكومة على الخدمات الأساسية وخاصة الوقود والخبز والكهرباء والماء)، وزيادة الضرائب، وتحرير سعر الصرف.

 

وقد تناولت المقالة –ما اعتبرته- عدد من الجوانب الإيجابية في السياسات الاقتصادية المصرية، بحسب ما جاء في تقارير صندوق النقد الدولي، والتي رأت أنها نتاج إلتزام القاهرة بالسياسات المالية والنقدية المتفق عليها مع الصندوق، من هذه الجوانب، خفض قيمة الجنيه وكيف أسهم في خفض عجز الحساب الجاري إلى 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي زﻳﺎدة ﺗﻮاﻓﺮ اﻟﻌﻤﻼت اﻷﺟﻨﺒﻴﺔ، بالإضافة إلى ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي للبنك المركزي بشكل كبير. ومنها: تخفيض العجز في الميزانية بشكل أكبر من خلال خفض دعم الطاقة بأكثر من 40 % في بعض الحالات، وإدخال ضريبة المبيعات بنسبة 14 %.، هذا الوضع من شأنه أن يمهد الطريق لمزيد من الصادرات، وإعادة السياحة لسابق عهدها، وتحقيق نشاط استثماري أقوى – وإن كان الحقيقة يعتمد في معظمه على الدولة.

 

أما عن الجوانب السلبية لسياسات الإصلاح المتبعة من جانب القاهرة –والتي تجاهلتها تقارير الصندوق الدورية عن الاقتصاد المصري، فذكرت المقالة

منها: استمرار عبء الديون في مصر في الارتفاع منذ بدء البرنامج حتى الآن؛ ومن المتوقع أن يصل إلى أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي مع نهاية عام 2017.

ومنها: تدهور الوضع المعيشي لمعظم المصريين بشكل دراماتيكي.

 ومنها: زيادة كبيرة في التضخم، أكثر من 35% من المصريين أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر (45 دولاراً أمريكياً في الشهر).

ومنها: الغياب التام للشفافية فيما تخطط له الحكومة وتنفذه من مشاريع البنية التحتية المثيرة للجدل، مثل إنشاء عاصمة جديدة أو بناء أول محطة للطاقة النووية في البلاد.

ومنها: الفساد المستشري أو الأجهزة المختلة المنوط بها مراقبة السوق. ومنها: تمدد الجيش داخل الاقتصاد والذي يستفيد من (اﻟﻤﻌﺎﻣﻠﺔ اﻟتفضيلية، الإعفاء من الضرائب، العمالة الرخيصة).

 

وقد اعتبرت المقالة أن ما ترتكبه –ما أسمته- الدولة البوليسية في عهد السيسي من قمع مفرط يحول دون تمٌكن القاهرة من تفعيل إمكاناتها بشكل كامل كوجهة سياحية أو موقع استثماري جاذب، كما يزيد من حدة الاستقطاب داخل المجتمع، وأن القمع لا يقتصر على المعارضين السياسيين فحسب، بل يطال كذلك المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني بشكل عام، وهناك القيود الشاملة على حرية الصحافة، فلا يمكن للصحفيين القيام بعملهم بحرية، كما يتم حظر القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام المختلفة التي تعمل عبر الإنترنت. وتذكر المقالة أن الارتفاع الحالي في معدلات السياحة لم يتحقق إلا بسبب انخفاض التكلفة بسبب الوضع الأمني ​​المتوتر في البلاد.

 

وفي نهاية المقالة قدم الكاتب عدد من التوصيات بشأن دور ألمانيا في تقويم توجهات النظام المصري على الصعيد الوطني؛ وذلك استناداً إلى أن برلين تأتي في المرتبة الثانية كأكبر دولة دائنة لمصر بعد المملكة العربية السعودية (حوالي 8 مليارات دولار أمريكي في ودائع البنك المركزي)، كما لعبت دوراً رئيسياً في إبرام اتفاق صندوق النقد الدولي مع مصر، بصفتها الدائن الأكثر أهمية بين دول نادي باريس[2].

 

أما دوافع ألمانيا في الضغط على النظام المصري للتراجع عن الأبعاد السلبية لسياساته -خاصة المرتبطة منها بالقمع المفرط للدولة البوليسية، وتدهور الوضع المعيشي لمعظم المصريين بشكل دراماتيكي، والزيادة الكبيرة في التضخم، والغياب التام للشفافية، والفساد المستشري، وتمدد الجيش داخل الاقتصاد- أبرز هذه الدوافع تأتي على خلفية أزمة اللاجئين، حيث ترى برلين أن التنمية الاقتصادية ضرورية لمصر؛ لأن انهيار الدولة المتوسطية الأكثر كثافة سكانية سيكون له عواقب لا يمكن التنبؤ بها بالنسبة لأوروبا من حيث تصاعد ضغوط الهجرة غير الشرعية والتهديدات الإرهابية المتزايدة.

 

وأهم التوصيات التي قدمتها الورقة في نهايتها لصانع القرار الألماني؛ أولاً: ينبغي على الحكومة الألمانية إجراء تقييمها الخاص للإصلاحات الاقتصادية وأن تحث صندوق النقد الدولي بقوة على تحديد المشكلات شديدة الوضوح لمسار الإصلاح الاقتصادي، مثل تمدد الجيش داخل الاقتصاد المصري. ثانياً، يجب على ألمانيا، مع شركائها الأوروبيين، وضع الشروط التي يجب أن تكون مؤثرة وفعالة، ليس فقط من أجل تحقيق إصلاح هيكلي بشكل أكبر مما كان عليه الحال حتى الآن، ولكن أيضا تؤدي إلى تحسين حالة حقوق الإنسان وتعزيز المجتمع المدني.

 

في النهاية:

 سلطت المقالة الضوء على جوانب الارتباط بين حكومتي مصر وألمانيا وعلى المصالح المشتركة بينهم، خاصة في ملف اللاجئين بالنسبة لبرلين، وملف الاستدانة من الخارج بالنسبة للقاهرة. كما أشارت إلى أوراق الضغط التي تمتلكها ألمانيا في تعاطيها مع القاهرة، وأهمها دور برلين في موافقة صندوق النقد على إقراض القاهرة وموقعها باعتبارها ثاني أكبر دولة دائنة لمصر بعد السعودية. وسلطت الضوء كذلك على أهم أسباب إخفاق السياسات الاقتصادية للنظام المصري في الوقت الراهن وكما هو متوقع في المستقبل، وأهم هذه الأسباب يمكن تقسيمها على ثلاثة محاور:

 الأول (خاص بالعلاقات المدنية العسكرية): تمدد الجيش في الاقتصاد على حساب القطاع الخاص.

 الثاني (بإدارة المشهد السياسي): القمع الشديد للمعارضة والمجتمع المدني وإغلاق المجال العام وتأميم السياسة.

 الثالث (خاص بالديمقراطية والتحول الديمقراطي): تفرد النظام بصناعة السياسة بعيداً عن أية مشاركة من المجتمع والمجتمع المدني في ظل ضبابية شديدة وغياب واسع للشفافية وانتشار كبير للفساد.

 

 ويتضح من المقالة أنه رغم وجود مصالح مشتركة بين البلدين تدفع باتجاه تعزيز التعاون إلى أن الكاتب يؤكد أن حقوق الانسان وتحقيق الديمقراطية يجب أن تبقى دائماً في قلب العلاقات بين البلدين لأنها الضمانة الأهم لتحقيق المصالح الألمانية لدى القاهرة؛ ما يعني أنها علاقة مشروطة بالتزام القاهرة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك على خلاف العلاقات البرجماتية البحتة مع فرنسا وإيطاليا، والقائمة على المصالح الإقتصادية، الغاز في المتوسط مع إيطاليا، وتجارة الموت -أنظمة التسليح والتجسس- مع فرنسا. 


[1] ستيفان رول (مؤلف)، عادل رفيق (مترجم)، التنمية في مصر بين الحقيقة والسراب، المعهد المصري للدراسات، 31 اغسطس 2018، الرابط: https://bit.ly/2Q4Idag

[2] مجموعة غير رسمية من الدول الدائنة التي تسعى لإيجاد حلول ملائمة للصعوبات التي تواجهها الدول المدينة في سداد ديونها. أبرمت الدول الدائنة ما يزيد على 430 اتفاقية تتعلق بتسعين دولة مدينة، ووصل حجم الديون المتعامل معها إلى 583 مليار دولار. ويبلغ عدد أعضاء النادي 19 عضوا دائما هم النمسا وأستراليا وبلجيكا وكندا والدانمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وأيرلندا وإيطاليا واليابان وهولندا والنرويج وروسيا الاتحادية وإسبانيا والسويد وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. ويبلغ عدد الدول التي وقعت اتفاقا مع نادي باريس تسعين دولة. تنتمي الدول المدينة إلى أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية. الرابط: https://bit.ly/2NfLXa5

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة