المعركة المحتملة على أدلب: بين المواقف الدولية والسيناريوهات المتوقعة

المعركة المحتملة على أدلب: بين المواقف الدولية والسيناريوهات المتوقعة



بدأت قصة الهجوم العسكري على أدلب رسمياً خلال معركة الجنوب السوري عندما سربت المصادر الروسية أن اجتياح إدلب سيتم في سبتمبر . وبعد استعادة السيطرة على مدينة البوكمال؛ توالت تصريحات المسؤولين الروس والإيرانيين عن العمليات العسكرية المستقبلية، فصرح علي أكبر ولايتي -مستشار المرشد الإيراني- بأنه يتوقع أن يبدأ الجيش السوري قريباً السيطرة على محافظة إدلب الخاضعة للمعارضة المسلحة. وتلا ذلك تصريح وزير خارجية روسيا لافروف بأن عام 2018 سيكون عام القضاء على جبهة النصرة سابقاً (هيئة تحرير الشام حالياً) المسيطرة على إدلب .



وشهدت الأيام الماضية تراشقًا إعلاميًا بين واشنطن وموسكو، حيث أكد مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، جون بولتون، أن واشنطن سترد بقوة في حال استخدم نظام الأسد أسلحة كيميائية في عملية استعادة إدلب. فردت روسيا، باتهام فصائل المعارضة السورية بالتحضير لـهجوم كيميائي في محافظة إدلب، وزعمت، في بيان أذيع على لسان الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف: أن "هيئة تحرير الشام تُعِدّ لاستفزاز آخر، يتعلق باستخدام القوات الحكومية السورية أسلحة كيميائية ضد سكان محافظة إدلب المسالمين". واتهم كوناشينكوف أجهزة بريطانية خاصة بـالتورط تورطًا مباشرًا في الاستفزاز الذي سيشكل مسوغًا جديدًا للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا؛ لتنفذ ضربات جوية ضد أهداف تابعة لنظام الأسد .



وبنظرة سريعة على أدلب يتضح لنا مدى أهميتها لجميع الأطراف المتصارعة، فأدلب تعتبر الملجأً الاخير لمعارضي الأسد من مقاتلي الفصائل المسلحة، وهى أكبر تجمع سكاني للثورة الشعبية، ممن رفضوا التسويات التي أجبرت عليها مناطق حمص وحلب وريف دمشق ودرعا، وهى المنطقة المحررة الأخيرة التي يريد نظام الأسد استرجاعها تحت سيطرته، لاستكمال مشروعه بإعادة إنتاج نفسه أمام المجتمع الدولي. كما أنها المجال الحيوي للتسوية الدولية التى تجمع بين روسيا وتركيا، والتى تم الإتفاق على جعلها منطقة خفض تصعيد، على أن تكون تركيا ضامن لقبول المعارضة لهذه التسوية. كما أنها طوق النجاة الذي يبحث عنه كل من الأسد وإيران، في مواجهة حملة الترحيل المستعجلة التي تعلنها الولايات المتحدة الأميركية عليهما . وتحاول الورقة التعرف على موقف مختلف الأطراف من الصراع على أدلب، مع وضع تصورات محتملة حول مسار هذا الصراع.





أولاً: موقف الاطراف المختلفة من الصراع



*الموقف الروسى

قامت روسيا بحشد بوارجها وسفنها الحربية بكثافة في البحر المتوسط ‏استعداداً للمشاركة في الهجوم على إدلب، فتم حشد ما لا يقل عن 10 بوارج حربية وغواصتين في منطقة الشرق ‏المتوسط فيما يعتبر أكبر حشد عسكري بحري للقوات الروسية منذ بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015‏. ويتمثل الهدف من الحشد ليس فقط فى دعم قوات الأسد في هجومها على إدلب عبر قصف مواقع ‏المعارضة من البحر والجو معاً، لكن يهدف أيضاً إلى منع تدخل الولايات المتحدة عسكرياً إذا استخدم الأسد أسلحة ‏كيمياوية في هذا الهجوم

.

وبحسب "مركز إدلب الإعلامي"، فقد شهد يوم واحد فقط هو الثلاثاء (4/9) أكثر من 25 غارة جوية روسية بالصواريخ الفراغية، استهدفت بلدات: جسر الشغور، الجانودية، محمبل، بسنقول، كفر دين، بيدر شمسو، الشغر، السرمانية، إنّب وجدرايا. وخلّفت هذه الغارات بحسب المركز، 18 قتيلاً مدنياً، فضلاً عن وقوع أكثر من 20 جريحاً معظمهم بحالة خطرة، جراء الإصابات الشديدة .



وتهدف روسيا من خلال الهجوم على إدلب إلى بسط نفوذها على جميع الأراضى السورية بما فيها مناطق خفض التصعيد، فبعد مؤتمر أستانة وما نتج عنه من اتفاقات خفض التصعيد ، يسير الملف السوري عسكرياً وفق بوصلة روسية بإتجاه استعادة مناطق سيطرة المعارضة، سواء عبر الضغط العسكري أو التوافقات الإقليمية-الدولية، والتي تفضي في النهاية إلى تسويات محلية على الأرض لصالح موسكو وحليفها، وذلك بهدف روسي قريب، يتمثل باستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، سواء عسكرياً أو إدارياً (مؤسسات الدولة)، وإعادة ضبط الحدود واستكمال عمليات نزع السلاح الثقيل والمتوسط من أيدي المعارضة المسلّحة وتحييد الجيوب المصنفة إرهابية وفتح وتنشيط شبكة الطرقات الدولية. في حين يتمثل الهدف على المستوى البعيد، بالسعي لترجمة كل تلك الإنجازات على الأرض إلى حصيلة سياسية تساهم في إعادة ضبط مسار الحل السياسي لصالح موسكو. وضمن هذا السياق، لا يمكن اعتبار محافظة إدلب استثناءً .



وتسعى روسيا -في الآونة الأخيرة- لإعادة اللاجئين السوريين من دول الجوار، بعد سيطرتها على الجنوب السوري؛ كي يتسنى لها فتح باب إعادة الإعمار. ولكي تتمكن من فرض هذا الملف دوليًا، لا بدّ من أن تقنع الجميع بأنها انتصرت كليًا في الحرب السورية، ولم يبقَ هناك ما يحول دون عودة الاستقرار إلى البلاد، ومباشرة إعادة الإعمار. لكنّ وجود مناطق خارجة عن سيطرتها، كمحافظة إدلب، بوصفها رمزًا للمعارضة، ومعقلًا أخيرًا لها، يحول دون ذلك.



ولذلك، تسعى روسيا إلى السيطرة على أدلب سواء أكانت معركةً جزئية، بعد تفاهمات مرحلية مع تركيا، كما يشاع في الأوساط السياسية؛ بحيث تمنح المناطق القريبة من الساحل، ومناطق شمالي حماة؛ حتى جنوبي إدلب للروس، في مقابل محافظة المعارضة على ما تبقى من المنطقة، بعد القضاء على التنظيمات الإرهابية، أم كانت معركة مفتوحة، تسعى من خلالها إلى فرض سيطرتها كاملة عليها .

وتسعى موسكو إلى إبعاد قوات المعارضة عن ساحل البحر الأبيض المتوسط قدر الممكن، حيث تعرّضت قواتها البحرية والجوية القابعة هناك إلى أكثر من هجوم بطائرات مسيّرة أو بقذائف الهاون، خصوصاً وأن جغرافية إدلب جعلت منها منطقة حدودية لمنطقة اللاذقية، حيث ينتشر الجنود الروس . وقد قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في كلمة ألقاها في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية: "أن هناك أعداداً كبيرة من الطائرات من دون طيار لضرب قاعدتنا العسكرية في حميميم، وقد أسقطت أكثر من 50 طائرة في هذه الحوادث" . وقد تم الحديث عن نجاح هذه الطائرات المسيرة بتدمير سبع طائرات روسية .



*الموقف التركى

تعتبر تركيا هى المعنية الأولى بملف أدلب، فقد قامت تركيا بإبرام اتفاق مع روسيا وإيران بخصوص إدلب، والتى أصبحت بموجبه من ضمن مناطق خفض التصعيد ( بعد اجتماعات أستانا6 فى 15 سبتمبر 2017)، وإن كانت روسيا منذ دخول الجيش التركي إدلب، لم تتوقف عن خرق الإتفاق بقصفها مناطق مختلفة بينها أماكن تمركز المدنيين ومناطق تجمع لقوات المعارضة المسلحة تحت غطاء محاربة الإرهاب. حيث مثل وجود هيئة تحرير الشام والمعروفة بـ "جبهة النصرة سابقاً" المصنفة إرهابية المبرر الرئيسى للقصف الروسي، فيما كان الرد التركي منحصرًا في المسار الدبلوماسي، حيث يرجع ذلك بشكل رئيسى للطبيعة التي تفرضها فجوة القوة بين الطرفين، ففي حين قامت روسيا بعشرات الخروقات، فقد اكتفت تركيا بالتنديد بتلك الخروقات داعية روسيا إلى الالتزام بالاتفاق .



وفى ظل الحديث عن سعى روسيا لشن حرب على أدلب، تحاول تركيا منع هذا التصعيد من خلال زيارات مكوكية بين أنقرة وموسكو، وعلى أرفع المستويات، كان آخرها زيارة وفد تركي لموسكو، يتألف من وزير الخارجية، ووزير الدفاع، ورئيس جهاز الاستخبارات، والتقى الوفد بنظرائه في الحكومة الروسية، بحضور بوتين نفسه، وبحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، فقد اتفق الطرفان مبدئيًا على ضرورة إنهاء ملف المنظمات الإرهابية، وفي طليعتها هيئة تحرير الشام .



وفي نهاية أغسطس الماضي، حاولت تركيا إقناع فصيل جبهة تحرير الشام بحل نفسها في محاولة لإيقاف عملية النظام السوري ضد إدلب خاصة الأمر الذي رفضته الجبهة، ما أجبر الأتراك على إعلان الجبهة كمنظمة إرهابية ، وهو ما يراه البعض محاولة من جانب تركيا لمنع روسيا من السير فى الهجوم على أدلب.





وتتمثل أهمية أدلب بالنسبة لتركيا فى:

- من الناحية الاستراتيجية:
تمثل إدلب أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا، لأن حمايتها والدفاع عنها يعني بالنسبة إلى تركيا قطع الطريق أمام الفصائل الكردية الممثلة في وحدات حماية الشعب الكردية، وحزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني، التي تصنفهم أنقرة كمنظمات إرهابية، كما أن إدلب مهمة بالنسبة إلى تركيا لكونها من أولى المناطق التي انخرطت في الثورة السورية، كما أن قرب إدلب من مدينة اللاذقية التي تعد بمثابة القلب بالنسبة إلى النظام، يزيد من أهميتها الاستراتيجية أيضاً. بالإضافة إلى وجود نحو اثني عشر مركزاً عسكرياً متقدماً للجيش التركي فى أدلب، إضافة إلى القوات التركية المنتشرة في مدينتي عفرين والباب .



- من الناحية الجغرافية:
تتميز محافظة إدلب بموقعها الجغرافي المهم، فتحدّها من الشمال ولاية هطاي التركية ومدينة عفرين السورية التي كانت خاضعة للسيطرة الكردية قبل أن تسيطر عليها تركيا، فإدلب تبعد مسافة 45 كيلو متراً فقط عن مدينة الريحانية التابعة لولاية هاطاي التركية.



- من الناحية الديمغرافية:
 تأتي أهمية إدلب لكونها مدينة ذات تعداد سكاني كبير، يبلغ ما يقارب مليونين و400 ألف، بالإضافة إلى احتوائها على 1.3 مليون نزحوا إليها من مدن سورية مختلفة، لذلك باتت مركز نزوح للآلاف الذين قدموا إليها من ولايات سورية مختلفة، لذلك فإن تفاقم الأوضاع فيها سيؤدي إلى كارثة إنسانية حقيقية، الأمر الذي يهدد الأراضي التركية بوجود احتمالية تعرضها لعملية نزوح جديدة لأراضيها عبر الحدود التركية السورية .



وقد حذّرت المخابرات التركية من أن 250 ألف نازح سوري سيحاولون اللجوء إلى تركيا في حال تمّ الهجوم على إدلب، وذلك لا يناسب الحكومة التركية التي تواجه ضغوطاً من بروكسل لحدّ تدفق اللاجئين إليها .



- من الناحية الاقتصادية:
 تخشى تركيا من قيام روسيا بتوفير ممر تجارى لكردستان العراق نحو البحر المتوسط، تصدر من خلاله النفط إلى أوروبا فى ظل الحصار الإقليمى على كردستان، حيث وقعت شركة روسنفت الروسية فى يونيو 2017، اتفاقية لتقاسم إنتاج 5 مناطق نفطية فى كردستان، باستثمارات تجاوزت 400 مليون دولار .



*الموقف الإيرانى

وصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الاثنين الماضى إلى دمشق لإجراء محادثات حول الهجوم الذي تحضر له القوات السورية على محافظة إدلب. وقال الناطق باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي خلال مؤتمر صحافي في طهران إن "إيران ستواصل دعم الحكومة السورية في حملتها المقبلة في إدلب" .



وكان هناك خلاف بين إيران وتركيا حول اتفاق خفض التصعيد فى أدلب تمثل فى سعى إيران إلى تواجد قوات لها بالقرب من نقاط المراقبة على أدلب، فى حين أصرت تركيا على إمساك الملف الأمنى بمفردها. وسمح هذا الخلاف إلى قيام النظام بالتعاون مع روسيا وإيران بالتقدم فى مناطق بريف حماة وأدلب بعمق وصل إلى 28 متر . ما يعنى أن هدف إيران من معركة أدلب يتمثل فى وجود قوات تابعة لها بالقرب من نقاط المراقبة على أدلب.



وفى ظل الحديث عن وجود إتفاق أميركى روسى بالسماح بزيادة روسيا لنفوذها فى سوريا مقابل تقليل النفوذ الإيرانى، زاد القلق الإيرانى من إمكانية قبول روسيا لهذا العرض خاصة فى ظل الصمت الروسى على الضربات الإسرائيلية للأهداف الإيرانية فى سوريا . إلى جانب نفى الأسد في لقائه مع قناة «روسيا اليوم» في 31 مايو الماضي قيامه باستدعاء إيران (ما يعنى أن وجودها فى سوريا غير شرعى)، معتبراً أن دعوته اقتصرت على القوات الروسية فقط. فقد رفضت إيران في تصريح لوزارة خارجيتها في 21 مايو 2018 الإنسحاب من سوريا رداً على دعوة الرئيس بوتين كل القوات الأجنبية للخروج من سورية، مؤكدة عكس ما صرح به الأسد لاحقاً، بأن وجودها هو بناء على طلب من حكومة دمشق، و يستغل النظام الإيرانى معركة إدلب لضمان بقائه في المعادلة، وكسب المزيد من النفوذ العسكرى على الأراضى السورية، وإرسال رسالة لكل الأطراف الفاعلة بأن إيران لا يمكن إزاحتها من المشهد السورى.





*موقف النظام السورى

بدأ الجيش السوري بإرسال تعزيزات عسكرية إلى جبهة ريف إدلب الجنوب الشرقي وتحديداً إلى محور بلدة أبو الظهور بالتوازي مع إرساله تعزيزات عسكرية إلى محور ريف حماة الشمالي تحضيراً لبدء معركة إدلب . وقال المرصد السوري المعارض أن الجماعات المسلحة رصدت دبابات وآليات عسكرية للجيش بالقرب من منطقة الجسرين الذين تم نسفهما من جانب المعارضة، وأكد مصدر عسكري سوري أن هدف المرحلة الاولى من معركة ادلب هو محيط المحافظة وليس مركز المدينة .



وواصلت الطائرات الحربية التابعة للنظام السوري، يوم الأربعاء (5/9)، عمليات القصف على مدن وبلدات محافظة إدلب شمال غربي سورية، موقعة عدداً من الجرحى، كما قصفت قوات النظام بلدة حيش بريف إدلب الجنوبي، بصواريخ تحمل قنابل عنقودية، ما أدى إلى إصابة طفلين بجروح خطيرة، وتم نقلهما للعلاج .



وتعتبر إدلب هي المحافظة الأخيرة التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة المعارضة، وهي فرضت سيطرتها عليها منذ أربعة أعوام تقريباً. وبالنسبة إلى النظام السوري، فإن إعادة بسط السيطرة على إدلب يمثل، بطريقة أو أخرى، نهاية الحرب، وانتصاراً للنظام. كما أنّ إعادة انتشار القوات الحكومية في هذه المحافظة بالذات يعدّ أمراً في غاية الأهمية بالنسبة إلى دمشق لأن لهذا الانتشار أبعاد إقليمية، حيث ترى دمشق في عودة الجيش السوري إلى إدلب كسرَ شوكة تركيا المجاورة التي دعمت المعارضة .



كما يسعى النظام السورى إلى تأخير الحل السياسي المبني على بيان جنيف1، ولاحقاً القرارات الأممية ومنها القرار 2254، وإرادة الولايات المتحدة الأميركية التي أعلن عنها وزير خارجيتها "أن ما يحدث في سورية حرب أهلية ويجب ألا يكون للأسد مستقبل في أي حل سوري مقبل"، ما يجعل وسيلته لتمديد بقائه في السلطة استمرار المعارك المسلحة .



وترجع أهمية أدلب أيضاً إلى أن الأسد صرح سابقاً عن نيته إعادة سلطته على كل الجغرافية السورية، لذلك فإن السيطرة على أدلب تعنى استعادة السيطرة على الشمال السوري (الذي يضم محافظة إدلب وشمال حلب وشمال ريف اللاذقية). كما أن حلب التي سيطر عليها النظام نهاية عام 2016، تعتبر بلا جدوى بدون السيطرة على أدلب، فأهم طريقين يربطان حلب باللاذقية ودمشق يمران بإدلب .





*موقف المعارضة

يتواجد في إدلب خمس فصائل كبرى: الجبهة الوطنية للتحرير، هيئة تحرير الشام، جيش العزة، كتيبة البخاري الأوزبكية، والحزب الإسلامي التركستاني. بالإضافة إلى جبهة التحرير المعارضة هي نتيجة اندماج حركة أحرار الشام وكتائب نور الدين زنكي وعدد من فصائل من الجيش الحر .



وتسعى تركيا إلى حلّ هيئة تحرير الشام ودمج الأعضاء المنتمين إليها في صلب الجبهة الوطنية لتحرير سوريا، وهناك بعض الفصائل المسلحة التي أعلنت ولائها للجبهة منها أحرار الشام وفيلق الشام وجيش الأحرار ومجموعات أخرى كانت تحارب تحت لواء الجيش الحر، ولا توجد هناك أرقام رسمية لعدد المقاتلين المتواجدين في إدلب حالياً، ولكن الأمم المتحدة تقدّر أعداد هؤلاء بثلاثين ألف مقاتل . وترفع تقديرات أخري الرقم إلي 80 ألف مقاتل.



إلا أن هيئة تحرير الشام رفضت حل نفسها والإنضمام إلى الجبهة الوطنية، فقد أكد القيادي في الهيئة مظهر الويس، إن سلاح الهيئة خط أحمر، مهدداً بقطع اليد التي ستمتد لسلاحها. وأضاف القيادي في تدوينات على تطبيق "تلغرام"، "من يتحدث عن حل الهيئة فعليه أن يحل الأوهام، والوساوس في عقله المريض، وقرار الهيئة بيد أبنائها الصادقين"، وإن كان الويس ترك الباب مفتوحاً "لأي تعاون أو تنسيق، بل حتى اندماج يحافظ على ثوابت الساحة ويكون فيه قرار المجاهدين مستقلاً وليس إملاءات من هنا وهناك"، حسب قوله . وقد أدى رفض الهيئة لحل نفسها قيام تركيا بتصنيفها كمنظمة إرهابية.



وقد أكد قائد فصيل "صقور الشام"، عضو مجلس قيادة "الجبهة الوطنية للتحرير"، أبو عيسى الشيخ، حالة التأهّب والاستعداد في إدلب لمواجهة أي عدوان من النظام وحليفيه روسيا وإيران على الشمال السوري، مضيفاً في تغريدة له على "تويتر" الأربعاء: "خيارنا المقاومة".



كذلك دعا ناشطون سوريون إلى الخروج بتظاهرات كبيرة يوم الجمعة تحت شعار "خيارنا المقاومة"، للتأكيد على مشروعية خيار مقاومة أيّ هجوم على إدلب، ورفضاً للتدخّل الروسي في سورية. وما زال يؤكد قادة المعارضة المسلحة على قدرة فصائل الأخيرة على التصدي لأي تقدّم بري من قبل قوات النظام التي تحشد في ريف حماة الشمالي، استعداداً لمعركة متوقعة، إذ استقدمت تعزيزات من مناطق "المصالحات"، وخصوصاً من الجنوب السوري .

وتواجه المعارضة العديد من الصعوبات التى تتمثل فى ضعف الموقف التركى حالياً خاصة فى ظل العلاقات المتوترة مع أمريكا، التى أدت إلى حدوث تدهور اقتصادى على اثر تخفيض قيمة الليرة التركية، وهو ما تحاول روسيا الأن استغلاله سواء بشن الحرب على أدلب أو بالحصول على تنازلات من جانب تركيا. هذا إلى جانب وجود جبهة تحرير الشام، التى تصنف كجماعة إرهابية ورفضها حل نفسها، وهو ما قد يعطى مبرراً لروسيا بالهجوم على المدينة بدعوى مكافحة الإرهاب.



وبالتالى فإنه يجب على المعارضة أن تقوم بإنشاء "هيئة للدفاع عن إدلب"، تشتمل على كل القوى المدنية والعسكرية، وينحصر هدف هذا التشكيل بالدفاع عن إدلب، وتجنيبها الاستقطاب الفصائلي، والصراعات السياسية، من أجل إضفاء شرعية شعبية على المعركة، ويكسبها حاضنًا شعبيًا في الخارج، تستطيع من خلاله الفاعليات المدنية في دول اللجوء التحرك والضغط؛ لإيقاف الروس عن مسعاهم، وسحب ذريعة سيطرة القاعدة على إدلب.



كما يجب على هيئة تحرير الشام القيام بحل نفسها، وتسليم عتادها للتشكيل الجديد؛ فوجود هيئة تحرير الشام هو الذريعة الأولى للنظام وللروس؛ كي يشرعوا في عمليتهم العسكرية، وحلّها سيؤخر خطط الروس، وسيخلط الأوراق من جديد؛ فيتسنى للمعارضة السورية وحلفائها بذلك إعادة تشكيل المواقف، والمحافظة على إدلب تحت سيطرتهم .





*الموقف الأمريكى

قامت واشنطن بتحريك بارجة مدمرة نحو سوريا مُهددة بشن ضربة عسكرية فى حالة وقوع هجوم كيماوى على سوريا ، وقامت واشنطن بدعوة مجلس الامن – الذى ترأسه حالياً – لعقد جلسة لمناقشة الوضع حول أدلب يوم الجمعة القادم.



وعلى الرغم من ذلك يبدو أن واشنطن لن تسير فى خيار التصعيد ضد روسيا، وهو ما ظهر فى تصريحات رئيس هيئة الأركان الأمريكية، جوزيف دانفورد، الذي أوصى بعمليات محددة بدلاً من معركة شاملة . إلى جانب تصريح السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي خلال مؤتمر صحافي إنّه "إذا أرادوا مواصلة استعادة السيطرة على سورية يمكنهم ذلك، ولكن لا يمكنهم فعله باستخدام أسلحة كيميائية" . كما أن أمريكا قامت بربط الرد العسكرى فى حالة حدوث هجوم كيماوى. بل وسبق أن قام النظام السورى باستخدام السلاح الكيماوى ولم ترد الولايات المتحدة، وعندما قامت بالرد لم يكن ذا تأثير كبير.



واخيراً، يبدو أن هناك اتفاق بين روسيا وأمريكا حول سير الأوضاع فى سوريا، والتى تمثلت فى الاتصالات الودية منذ قمة ترامب - بوتين بين ممثليهما، بما في ذلك لقاء مسؤولي الأمن القومي في سويسرا، وربما اتفق الجانبين على السماح لروسيا بزيادة نفوذها فى سوريا مقابل الحفاظ على الأمن الإسرائيلى وإبعاد إيران .





ويرجع العديد من المحللين التصعيد الأمريكى – والذى لن يصل إلى حد المواجهة – إلى ثلاثة أسباب:

(أولها)

تأتي من العلاقة الروسية الأمريكية إذ إن ترامب يريد أن يرفع تهمة العمالة لروسيا عن نفسه ولذلك يتخذ بعض المواقف المغامرة في سوريا.



(الثاني)

هو الخلافات الداخلية الأمريكية بمعنى أن ترامب يُصعّد و يجاري تيار الدولة العميقة الذي يسعى للَجْم روسيا في سوريا والإبقاء على القوات الأمريكية.



(الثالث)

للتهديدات الأمريكية هو ما تم تسريبه مؤخراً عن زيارة مسؤولين أمريكيين إلى سوريا، و إن صحّت المعلومات الواردة في هذه التسريبات فهذا يعني أن النظام السوري رفض المطالب الأمريكية، لأنه يرى أنه في موقع المفاوض القوي نظراً لطبيعة الصراع، وهذا الرفض السوري دفع الطرف الأمريكي للتهديد بضربة عسكرية للرد على الموقف السوري الرافض لمطالب واشنطن والقول بأن الأخيرة تستطيع تغيير الموقع التفاوضي و ميزان القوى بشكل أو بآخر .







ثانياً: سيناريوهات الصراع



-  سيناريو الحرب:

حيث يمكن أن يتطور الصراع إلى حالة حرب شاملة يقوم بها النظام بدعم روسى وإيرانى، وهو السيناريو المتوقع حدوثه فى حالة عدم الوصول إلى حلول دبلوماسية بين روسيا وتركيا، والتى ظهرت مؤشراته فى فشل الاجتماعات العسكرية التركية الروسية التقنية (التي عُقدت في أنقرة خلال الأيام الأخيرة بين 31 أغسطس و4 سبتمبر) فى الوصول إلى اتفاقات حول إدلب، والتى تأتى بالتزامن مع تواصل القصف الروسى على إدلب الذي بدأ يوم الثلاثاء (4/9) . وقيام تركيا بتعزيزات عسكرية جديدة، تشمل دبابات ومدرّعات وعدداً كبيراً من الشاحنات العسكرية إلى ولاية هاتاي جنوبي تركيا على الحدود مع سورية .



وقد يدفع الفشل فى المفاوضات تركيا إلى التقارب مع أمريكا، خاصة إذا وجدت تركيا جدية من الجانب الأمريكى فى منع روسيا من الحصول على مزيد من الأراصى السورية، وهو ما يبدو أن تركيا تحاول اللاعب عليه من خلال الإتصالات الكثيفة التى تمت فى الأيام الأخيرة بين واشنطن وأنقرة، المتمثلة فى لقاء وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو والممثل الأميركي الخاص إلى سورية جيمس جيفري، فضلاً عن اتصال هاتفي جرى بين جاووش أوغلو ونظيره الأميركي مايك بومبيو أيضاً .



-سيناريو التسوية:

يتمثل هذا السيناريو فى قيام تركيا بتقديم تنازلات مقابل منع حرب شاملة على أدلب، فقد نشرت صحيفة سفوبودنايا بريسا الروسية فى 14 يوليو الماضى، مقالًا للكاتب زاؤور كاراييف؛ أعلن فيه أن تركيا بدأت بإخلاء مواقعها المُتقدمة في إدلب. وردًا علي ذلك الأمر، أوضح الخبير التركي كرم يلدريم أن مشكلة تركيا الرئيسية في سوريا هي الجماعات الراديكالية الكردية، وأن تركيا كانت بحاجة إلى إدلب فقط لتنظيم إجراءات فعالة ضد هذه الجماعات، وهو ما يمكن أن تضمنه روسيا لتركيا مقابل انسحابها من هذه المواقع .



ويوجد أمام تركيا أربعة خيارات إذا ما سارت فى هذا الإتجاه، الأول، يتمثل فى الانسحاب التركي الجزئي من إدلب، والإبقاء على الوجود المباشر في بعض المناطق الحدودية. أما الخيار الثاني "وهو ما رجحه البعض"، يتمثل فى الانسحاب الكامل حتى المناطق الحدودية التي تُنشئ فيها تركيا قواعد عسكرية كبيرة، والسيطرة غير المباشرة على بعض المناطق المحاذية لأراضيها، من خلال تأسيس مجالس محلية من الفصائل السورية كافة، بما فيها جبهة النصرة، والتوافق مع روسيا بإشراك المجالس بأي تسوية سياسية قادمة، أو اتباع استراتيجية الضرب من أسفل الجدران عبر توظيف عدد من الفصائل تستهدف النظام، بما هو أشبه لحالة أفغانستان. ويتمثل الخيار الثالث، فى الانسحاب التركي الكامل، والركون إلى الضمانات الروسية ضد أي تحرك كردي، كما تم في الجنوب، من أجل تجنيب ذاتها أي مسؤولية في الملف السوري. أما عن الخيار الرابع، فيتمثل فى تبادل الأراضي، بحيث يتم منح تركيا، أراض شمال شرق سوريا، مثل منطقة تل الأبيض وبعض مناطق الرقة الأخرى، مقابل انسحابها أو رفع يدها عن إدلب .



وما قد يدفع تركيا إلى الذهاب فى هذا الإتجاه، اتساع الفجوة في القوة العسكرية بين كل من تركيا -الموصوفة بكونها مخذولة دوماً من قِبل حلف الناتو الذي تنتمي إليه- وبين روسيا ، إلى جانب إمكانية وجود توافق روسي أمريكى، وفي هذه الحال فإن الجانب التركي لا يمكنه الوقوف بوجه الروس والأمريكيين .



وبالنسبة لروسيا، فإنها لا تريد خسارة تركيا تمثل تركيا طريقاً حيوياً للتجارة الدولية التي تسعى روسيا لإحيائها عبر فتح الطريق الواصل بين عنتاب والرمثا، كما تمثل المضائق المائية التركية منفذاً حيوياً لبوارج روسيا العسكرية، وهي منافذ سيكون بمقدور تركيا إغلاقها بوجه السفن الحربية الروسية عند الحاجة وهو ما لا ترغبُ به روسيا بأي حال.



بالإضافة إلى ما سبق، فإنه بمقدور تركيا زيادة دعمها وتعاونها مع الحكومة الأوكرانية وجميع القوى الرافضة للوجود الروسي في حوض شرق البحر المتوسط، وهو ما سيؤثر سلباً على موسكو التي ما زالت قابعة تحت وطأة العقوبات الدولية والأميركية بسبب ضمها شبه جزيرة القرم بالقوة العسكرية في 2014، وهي عقوبات لم تستجب لها تركيا منذ ذلك الحين، وبالتالي فإن كل ذلك يمنح أنقرة تأثيراً كبيراً في صناعة شكل المعركة القادمة .



 

ختاماً بعد عرض مواقف الدول المختلفة من المعركة المحتملة على أدلب، ووضع سيناريوهات لطبيعة ما ستؤول إليها الأحداث، فإنه يبقى أن نوضح أى السيناريوهات أقرب إلى الحدوث، فمن المتوقع أن يكون سيناريو التسويات السياسية هو الاقرب إلى الواقع فى ظل الاهمية الاستراتيجية لكلاً من تركيا وروسيا، وإن كان سيتم السماح لروسيا بالقيام بضربات عسكرية لمناطق تمركز هيئة تحرير الشا، خاصة بعد تصنيف تركيا للجبهة كجماعة إرهابية، دون أن تتحول هذه الضربات إلى استهداف للقوات التركية، وبدرجة أقل عدم استهداف الجبهة الوطنية لتحرير سوريا (الحليفة لتركيا). وربما تحمل الايام القادمة مزيد من المفاجئات، التى قد تحدث خلال القمة المنتظرة بين روسيا وتركيا وإيران فى طهران يوم الجمعة المقبل.

 

 
.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة