زيارة البابا تواضروس لأمريكا.. أهداف سياسية بغطاء رعوي

زيارة البابا تواضروس لأمريكا.. أهداف سياسية بغطاء رعوي

 

بدأ البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية  الخميس الماضي 13 سبتمبر  2018م زيارته الثانية منذ جلوسه على كرسي الباباوية عام 2012  للولايات المتحدة الأمريكية والتي تستغرق عدة أسابيع يزور خلالها ولاية نيوجيرسي والشطر الشمالي من أمريكا.

وكان البابا قد  زار الولايات المتحدة الأمريكية للمرة الأولى في 2015؛ بمناسبة مرور 20 عامًا على تأسيس إيبارشية جنوبي الولايات المتحدة، وكان من المقرر أن تكون الزيارة الثانية له العام الماضي إلا أن البابا قرر تأجيلها نظرا لخضوعه لعملية جراحية.

وقال القس بولس حليم المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إن البابا غادر القاهرة على رأس وفد يتكون من: "الأنبا دوماديوس أسقف 6 أكتوبر وأوسيم والأنبا ماركوس الأسقف العام لكنائس حدائق القبة والوايلي والقس أنجيلوس إسحق والقس أمونيوس عادل سكرتيري البابا" كما رافقه الأنبا دافيد أسقف نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

إجراءت أمنية مشددة

وفرضت الكنيسة السرية على برنامج الزيارة من أجل تأمين تحركات البابا والوفد المرافق له حتى إنها استعانت بشركة أمن أمريكية خاصة لتأمينه بجوار طاقم الحراسة الشخصي المرافق له. كما أن تلك الزيارة تم وضع جدولها منذ العام الماضي ولم يحدث تغيير كبير واستعد المقر البابوي لتلك الزيارة بتوفير تأمين مكثف للبابا خلالها، وتم تنظيمها بفتح الباب للأقباط الراغبين في لقاء البابا واستقباله بتسجيل بياناتهم واسمائهم، من أجل التأمين، وحسن التنظيم.[1]

ويمكن أن نفسر  هذه الإجراءات الأمنية المشددة  ونعزوها إلى سببين:

الأول: أن الزيارة تأتي في سياق الخلافات الكنسية اللاهوتية بعد مقتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبو مقار على يد كاهنين تابعين لتلامذة البابا شنودة الثالث بابا الكنيسة الراحل بينما كان الأنبا المقتول من تلامذة الأسقف متى المسكين وهناك تصنيفات تضع البابا الحالي من تلامذة هذه المدرسة ما يثير مخاوف كبيرة عليه من متطرفين أقباط.

الثاني: يتعلق بالحضور السياسي الطاغي للبابا تواضروس منذ مشاركته في مشهد انقلاب 03 يوليو 2013م وما تلاه خلال السنوات  الماضية حيث تحول البابا من رئيس طائفة دينية إلى زعيم سياسي يتولى حشد الأقباط ورعاية الكنيسة لخدمة النظام ضمن صفقات مصالح مشتركة بين الجانبين.

 

أهداف رعوية

الكنيسة أعلنت أن أهداف الزيارة رعوية[2] تتعلق بمتابعة البابا لرعايا الكنيسة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تكتسب هذه الزيارة أهمية كبيرة في هذا الشأن لعدة اعتبارات:

أولا:  من المقرر أن يعقد البابا خلال الزيارة لقاءات مع أقباط المهجر ومع الشباب القبطي والخدام والكهنة بالولايات التي يزورها والتي تشمل: "نيوجيرسى، نيويورك، ماين، ماسشوتس، نيوهامشير، رود إيلاند، فيرجينيا". وهي المناطق التي عانت الكنيسة خلال السنوات الماضية من وجود انفلات فيها، كما  شهدت اتهامات بتغلغل فكر الشماس السابق بالكنيسة عاطف عزيز وسعيه لتكوين كنيسة أخرى، واستقطاب الشباب والخدام الأقباط من تلك المناطق.[3]

ثانيا: يسعى البابا إلى تشديد قبضته على كافة الكنائس في الداخل والخارج في ظل خروج الخلافات اللاهوتية داخل الكنيسة إلى العلن وانتقال هذه الخلافات من دائرة النقاش والحوار إلى دائرة تبادل الاتهامات وسفك الدماء كما حدث في مقتل رئيس دير  الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبو مقار يوم الأحد 29 يوليو الماضي 2018م.  على يد راهبين ينتميان إلى تلامذة البابا الراحل شنودة الثالث. وقد اتخذ البابا عدة قرارات سابقة من أجل تقليص نفوذ أتباع البابا شنودة وتصعيد الموالين له كما تستهدف الزيارة طمأنة رعايا الكنيسة في الولايات المتحدة الأمريكية على وحدتها وتماسكها ونفي وجود أي انشقاقات في ظل ما يتردد عبر وسائل الإعلام حول تباعد المسافات بين تيار الأسقف متى المسكين الذي ينتمي له البابا تواضروس والأنبا إبيفانيوس المقتول في دير أبو مقار  والتيار الثاني أو ما يسمى بالتيار التقليدي الموالي للراحل شنودة ويمثله الأبنا بيشوي صاحب القبضة الحديدية في عهد البابا شنودة والذي تقلصت صلاحياته إلى حد بعيد في عهد تواضروس.

 

أهداف سياسية بغطاء رعوي

بنظرة تحليلية لزيارة البابا والتصريحات التي صدرت عنها في عظاته ومحاضراته حتى كتابة هذه السطور تؤكد أن الزيارة لها أهداف سياسية ربما تفوق في أهميتها  الأهداف الرعوية التي أعلنتها الكنيسة ذلك أن الزيارة تستغرق شهرا كاملا  وهو أمر لم يحدث من قبل أن تطول زيارة بهذا الشكل الكبير للبابا خارج البلاد كما أنها تتزامن مع الزيارة المرتقبة للجنرال عبدالفتاح السيسي للمشاركة في فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد ركزت تصريحات البابا على الدعاية لنظام الجنرال عبدالفتاح السيسي وأركان المؤسسة العسكرية  فقد زعم البابا  خلال اجتماعه بشعبة كنيسة "القديسة العذراء مريم والملاك ميخائيل" في ولاية كونيتيكت شمالي شرق الولايات المتحدة الأمريكية. أن السيسي يقود مصر نحو الاستقرار منذ خمس سنوات في إشارة إلى تاريخ انقلابه على الرئيس محمد مرسي وطالب البابا رعايا الكنيسة في الولايات المتحدة الأمريكية والأقباط عموما بالصبر من أجل إتاحة المجال للسيسي للعمل قائلا إن النخلة تنتظر  عشرين سنة حتى تعطي "بلحة" وهو التصريح الذي لاقى سخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي ذلك كلمة "بلحة" هي أحد الألقاب الساخر التي يطلقها النشطاء على السيسي، كما ان التصريح يمهد لاطالة مدد السيسي في السيطرة والتفرد بمقالبد الامور...

في محاضرة أخرى ألقاها بنيويورك قال البابا ساخرا إن "الأخبار لما تعدي الأطلنطي، تتغير خالص" في إشارة إلى انتشار الشائعات ضد السيسي. مدعيا أن الأحوال تتحسن من حوالي 5 سنوات، وهناك مؤشرات على هذا التحسن أبرزها شبكة الطرق والمواصلات الضخمة"[4].

والمثير في الأمر أن جميع مضامين تصريحات البابا سياسية وتمثل دعاية ممنهجة للنظام ما يعني أن هذه المضامين سوف يطوف بها البابا خلال زيارته جميع الكنائس المشمولة بالزيارة وفق البرنامج الموضوع.

تلك التصريحات السياسية التي يروج لها البابا تتصادم مع ما سبق أن قاله من قبل «إن الدين لو دخل في السياسة "يتلوث ويفقد قيمته"»[5].

وتكتسب زيارة البابا للولايات المتحدة في هذا التوقيت أهمية سياسية بالغة للأسباب الآتية:

أولا: حشد الأقباط لاستقبال السيسي في واشنطن؛ فمن الأهداف الرئيسية للزيارة حشد الأقباط في أمريكا لاستقبال الجنرال عبدالفتاح السيسي خلال مشاركته في الدورة 73 للأمم المتحدة؛ حيث يسافر السيسي الجمعة المقبلة 21 سبتمبر بينما تبدأ  فعاليات الدورة 25 سبتمبر الجاري، وهي الزيارة الأولى للسيسي بعد فضيحة مسرحية ما تسمى بالانتخابات الرئاسية وعزوف الناخبين عن المشاركة وسط ضغوط حكومية بالغة على الموظفين والمواطنين من أجل دفعهم نحو المشاركة دون جدوى ولذلك يريد السيسي بشدة أن يكون استقباله في واشنطن كبير ومؤثرا وملموسا في محاولة للتغطية على فضحية مسرحية الرئاسة.

يعزز من هذه الفرضية التسجيل المصور الذي بثه الناشط مجدي خليل أحد مؤسسي حركة الإصلاح القبطي المعاصر، على صفحته الرسمية على «الفيسبوك»، والذي قال فيه «زيارة تواضروس إلى الولايات المتحدة الأمريكية تأتي في إطار الترتيب للزيارة المرتقبة للسيسي» ويؤكد أن : «زيارة البابا تواضروس هي زيارة سياسية أنفق عليها ملايين تحت غطاء رعوي لأن الأساقفة في السنوات الماضية فشلوا في الحشد للسيسي، فجاء البابا نفسه» ما اعتبره خليل «عاراً» مضيفاً: «البابا يلجأ بنفسه لحشد الأقباط في مناسبة لا تستحق الحشد»[6]. وتابع: «لدينا ما يثبت أن الدولة المصرية تسير على نفس نهج الرئيس الأسبق حسني مبارك في التعامل مع الأقباط، ولذا رغم أننا رحبنا بالسيسي في زيارته الأولى إلى أمريكا، رفضنا الخروج للترحيب بالسيسي في الزيارات التالية، ومن خرج هم جماعة مرتزقة مرتبطون بالكنائس، أما التيار الرئيسي للأقباط الذين خرجوا لاستقباله في المرة الأولى لم يستقبلوه بعد ذلك».

ثانيا: تأتي الزيارة بعد شهرين فقط من زيارة اللواء عباس كامل للولايات المتحدة الأمريكية، في يوليو الماضي وقبلها بأسبوع كانت هناك زيارة لسامح شكري وزير الخارجية وكلها تستهدف إقناع الإدارة الأمريكية بقبول التعديلات التي يطمح الجنرال السيسي في تمريرها لتفضي إلى زيادة مدة رئاسته وبقائه في الحكم بعد سنة 2022م، ورغم الأجندة السرية لبرنامج عباس كامل خلال الزيارة إلا أنها ضمت بندا واحدا فقط هو إقناع الأميركيين ببقاء السيسي لما بعد مدته الرئاسية. وحاول عباس كامل أثناء الزيارة أن  يشرح للجانب الأميركي أن بقاء السيسي لمدة أطول هو الضامن الوحيد للحفاظ على الاستقرار الذي تحقق في مصر منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي صيف عام 2013.[7]

كما أن مشاركة السيسي في فعاليات واجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تتضمن كذلك لقاءات مع كبار المسئولين الأمريكيين بهذا الصدد، وإقناعهم ببقائه في الحكم لمدة أطول بدعوى ضمان المصالح الأمريكية واستمرار ما يسميه بحالة الاستقرار الحالية.

ويكثف حاليا وزارة الخارجية تواصلها مع الدوائر الدبلوماسية الغربية لتنظيم اجتماعات قمة للسيسي مع بعض الزعماء الذين يرغب في مقابلتهم أبرزهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإيطالي جيوسيبي كونتي فضلاً عن تنظيم استضافة السيسي عدداً من مجموعات الضغط السياسي الناشطة في الولايات المتحدة من اليهود ورجال الأعمال بالحزبين الجمهوري والديمقراطي والإعلاميين".

وبالتزامن مع الاتصالات التحضيرية لهذه اللقاءات تعمل اللجنة التي شكّلها السيسي أخيراً برئاسة مدير الاستخبارات عباس كامل على تحسين صورة النظام على إعداد تقرير سيتم إرساله وتوزيعه على الشخصيات المؤثرة بدوائر الاتصال السياسي الخاصة بالزعماء وعلى الشخصيات النافذة في الدوائر الأميركية عن موقف النظام المصري من بعض القضايا الإقليمية والمحلية التي تتلقى الخارجية المصرية أسئلة دورية عنها، كالظروف السياسية المحيطة بالحرب على الإرهاب واعتقال المعارضين وظاهرة الإخفاء القسري والتضييق على نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني والأحزاب المعارضة.[8]

ويستهدف النظام توظيف زيارة البابا سياسيا من أجل استثمار أدوات الكنيسة في تلميع صورة النظام حيال هذه القضايا وكذلك إقناع المسئولين الأمريكيين بضرورة التعديلات الدستورية وبقاء السيسي في الحكم لفترة أطول.

خلاصة القول أن زيارة البابا الحالية للولايات المتحدة الأمريكية تتزامن مع زيارة الجنرال السيسي لحضور الدورة العامة للأمم المتحدة.. وهو ما  يمكن تفسير بأن زيارة البابا سياسية بغطاء رعوي تستهدف أمرين: الأول حشد الأقباط لاستقبال السيسي لإظهاره بالزعيم الذي يحظيى بحب مواطنيه وشعبية جارفة للتغطية على فضيحة مسرحية الرئاسة في مارس الماضي... والثاني  هو  حث الإدارة الأمريكية عبر أدوات الضغط التابعة للكنيسة للقبول بالتعديلات الدستورية التي يطمح في تمريرها السيسي حتى يضمن  البقاء في الحكم لفترة أطول.

ويبقى الخطر الأبرز في تديين السياسة رغم دعوات النظام وتحذيراته من تسييس الدين...

 



[1] مصطفى رحومة:/تفاصيل الرحلة الثانية للبابا تواضروس إلى أمريكا/ الوطن الأربعاء 12 سبتمبر 2018/// مصطفى رحومة/ بالصور| "السرية والدواعي الأمنية" شعار الكنيسة على زيارة البابا إلى أمريكا/ الوطن الخميس 13 سبتمبر 2018

 

 

[2] طه عبيد/البابا تواضروس يغادر إلى أمريكا في زيارة "رعوية"/ مصراوي  الخميس 13 سبتمبر 2018

[3] مصطفى رحومة/ بالصور| "السرية والدواعي الأمنية" شعار الكنيسة على زيارة البابا إلى أمريكا/ الوطن الخميس 13 سبتمبر 2018

 

[4] سارة علام/البابا تواضروس من أمريكا: مصر تتغير فى عهد السيسى وأخبارها تصلكم كاذبة/ اليوم السابع الجمعة، 14 سبتمبر 2018

[5] تصريحات مثيرة للبابا تواضروس لدعم السيسي (شاهد)/ عربي "21" الإثنين، 17 سبتمبر 2018

[6] البابا تواضروس يحشد الأقباط في أمريكا لاستقبال السيسي..ناشط اعتبر أن زيارته سياسية تحت غطاء رعوي/ القدس العربي 17 سبتمبر 2018

[7] سارة الشامي/السيسي يتجه صوب تمديد مدته الرئاسية.. تفاصيل الزيارة السرية لعباس كامل لواشنطن، وهكذا رد الأمريكيون/ عربي بوست 05 سبتمبر 2018

[8]  لقاءات السيسي في نيويورك: رؤساء غربيون ولوبيات لتلميع صورة النظام/العربي الجديد 12 سبتمبر 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة