مستقبل القرن الافريقي في ظل سحب اثيوبيا بساط النفوذ من مصر

 مستقبل القرن الافريقي في ظل سحب اثيوبيا بساط النفوذ من مصر

 

ظلت منظومة النفوذ في منطقة القرن الافريقي محسومة لسنوات طويلة لمصر، في ظل هيمنتها على قضية المياه ومنع دول أعالي النيل من بناء أي سدود أو تغيير نظام تقسيم مياه النيل بموجب اتفاقيتي 1929 و1959، إضافة لتمدد نفوذها التقليدي وقوتها الناعمة (الازهر + الدراما + السلع المصرية التقليدية)، الي ما قبل انهيار نظام مبارك.

وجاء انسحاب نفوذ القاهرة التدريجي من القرن الافريقي، بفعل اهمال نظام مبارك للقارة، وكذا حالة السيولة السياسية التي شهدتها مصر عقب ثورة 25 يناير، متزامنا مع خطوات اسرائيلية متصاعدة لبسط النفوذ في المنطقة للضغط على مصر بملف المياه وضمان الملاحة في البحر الاحمر، وذلك عبر استغلال نفس الادوات المصرية في بسط النفوذ خاصة إقامة مشروعات مائية وزراعية وتجارية مع دول أعالي النيل خصوصا.

كما جاء هذا التراجع المصري، متزامنا ايضا مع خطوات اثيوبية قادها رئيس الوزراء الراحل "ملس زيناي" والحالي "ابيو احمد" لتحويل بلادهم الي مركز قوة يناطح القاهرة، بدأت بطرح فكرة "الاتفاق الاطاري لدول حوض النيل" او "اتفاقية عنتيبي" عام 2010، الذي يلغي حقوق مصر التاريخية واتفاقي 1929 و1959، ويلغي أي فيتو مصري على كيفية استخدام دول حوض النيل لمياه النيل ويجعلها بالتساوي ويسمح ببناء السدود، وانتهت هذه المرحلة ببناء "سد النهضة" الذي يسلب مصر حقوقها المائية التاريخية ويلغي نفوذها المائي القديم.

وعقب قبول السيسي اتفاقية سد النهضة واعترافه بالتالي ضمنا بنهاية نفوذ مصر المائي وحقوقها التاريخية في اتفاقيتي 1929 و1959، بل وحضوره قمة دول اتفاقية عنتيبي عام 2017، وانحياز الخرطوم لمصالحها في بناء سد النهضة ضد مصالح مصر، تسرب النفوذ تماما في القرن الافريقي من ايدي مصر الي اثيوبيا.

 

القرن الأفريقي إلى أين؟

ارتبط القرن الأفريقي، الذي يشق مياه البحر في شرق إفريقيا إلى نصفين جنوب خليج عدن، بالعديد من الأزمات والمشكلات الإقليمية والدولية، حتى بات يعرف في الأدبيات السياسية بأنه جزء من "قوس الأزمة" التي تمتد لتشمل منطقة الخليج العربي، ولذلك أصبح يشكل أزمة امنية وسياسية وايدلوجية نظرا ﻻهميته الاستراتيجية والتدافع الدولي عليه قديما وحديثا طلبا للسيطرة والنفوذ، وخضع الإقليم بسبب ذلك لعمليات فك وتركيب جيوستراتيجية لم تنته بعد.

ويقول د. حمدي عبد الرحمن استاذ الشئون الافريقية بجامعة القاهرة أن القوى الدولية التي سعت لإعادة صياغة القرن الأفريقي بما يخدم مصالحها، أسهمت في خلق العديد من الازمات، منها أزمة الصومال، واريتريا وتقسيم السودان، فضلا عن التصارع على ملف مياه النيل والتدخلات الدولية والصهيونية في هذا الملف الحساس الذي يستهدف أعداء مصر استخدامه ضدها كسلاح، عبر تشجيع اثيوبيا ومشاريعها المائية على النيل.

هنا من المهم رصد الخطوات الإصلاحية المتسارعة لرئيس الوزراء الإثيوبي ابي أحمد علي المستوي الداخلي (التصالح مع المعارضة وعودة قادتها للبلاد) وعلى المستوي الخارجي بتصفير المشاكل بين بلاده ودول الجوار على طريقة السياسة التركية (صفر مشاكل مع دول الجوار)، وأبرزها المصالحة مع إريتريا، لعلاقة الامر بمستقبل القرن الأفريقي واستقراره.

ففي ظل خطوات رئيس الوزراء الاثيوبي الجديدة زاد النفوذ الاثيوبي في منطقة القرن الافريقي، مقابل تقلص النفوذ المصري خاصة بعد تسليم مصر جزر تيران وصنافير للسيادة السعودية وهي الجزر التي تتحكم في مسار الملاحة بالبحر الاحمر مع باب المندب.

ايضا ستنعكس المصالحة الاثيوبية الاريترية على ازمة الصومال التي تتدخل فيها اثيوبيا بقواتها، كما ستنعكس على السودان الذي يسعي للحفاظ على علاقات متوازنة مع الجميع.

وأطاح "ابيو أحمد" بـ "ثوابت" السياسة الخارجية الاثيوبية حين أعلن تغيير موقف بلاده بالكامل إزاء جارتيه الشرقية والجنوبية، متصالحا مع واحدة ومنهيا لصراع بينهما منذ استقلالهما، ثم وسع دائرة المصالحة الإقليمية لتشمل خصوم ومنافسين تقليديين تناصبهم بلاده الشك بل والعداء منذ نصف قرن.

 

وبدأ "ابيو أحمد" حكمه بالإفراج عن آلاف السجناء ممن يقضون عقوبات لها صلة بالصراع السياسي بما في ذلك صحفيين وخصوم سياسيين وأحد المحكوم عليهم بالإعدام، وأطاح بمدير المخابرات العامة وعدد من الشخصيات الأمنية المكروهة، وأعلن عن حزمة من الإصلاحات الديمقراطية لإنهاء سيطرة مجموعة بعينها على مقاليد الحكم وفتح المجال العام أمام الراغبين في المشاركة السياسية السلمية، وقرر رفع الحجب عن كل المواقع الإخبارية المحجوبة معلنا أن حرية الرأي ضرورية لأي مجتمع صحي.

وحين سألوه عن الإرهاب قال إن الأجهزة الأمنية التي تلوي عنق القانون وتعتقل الناس وتعذبهم هي أيضا تمارس الإرهاب بل وتبذر بذوره في المجتمع، وأنه لم يعد هناك قرية واحدة في البلاد تخلو من شخص تم اعتقاله وتعذيبه من قبل الأمن، وأن كل هذا يجب أن يتوقف كي يتوقف الإرهاب.

وفي مواجهة أزمة اقتصادية طاحنة، أعلن رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد، نهاية سيطرة الدولة على الاقتصاد وضرورة تغيير دورها بحيث تكون محفزا وداعما للنشاط الاقتصادي للأفراد والمجموعات لا بديلا عنهم.

وقال إن سيطرة الدولة على الاقتصاد تفتح باب الفساد، وتقضي على المبادرة والابداع اللازمين للمنافسة الاقتصادية في عالم يقوم على المنافسة، وتهدر المال العام في مشروعات ومجالات لا تشكل بالضرورة أولوية.

ويُعتقد أن محاولة الاغتيال التي تعرض لها "ابيو" بعد هذه السلسلة من التغييرات العنيفة التي قام بها داخليا وخارجيا، تعبر عن رفض بعض أركان الدولة العميقة لسياسات التغيير المتسارعة هذه، فقد أقال رئس الأركان ومدير المخابرات، كما ان المصالحة مع ارتريا لم تحظ بالتوافق داخل التحالف الحاكم.

ويمكن أن يكون هدف محاولة الاغتيال هو التخويف واجبار رئيس الوزراء الجديد على التريث وربما التراجع عن بعض سياساته، بيد أن ابيو احمد قد ينجح في التخلص من معارضيه وفرض سياساته الإصلاحية، خاصة أن بلاده (اثيوبيا) باتت رقما هاما في معادلة القرن الافريقي تنافس مصر، بل وسحبت الكثير من نفوذ القاهرة لصالحها.

ويري مراقبون أن رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد يسابق الزمن بمبادراته في الداخل والخارج، ويحاول عن عمد أو غير عمد إعادة صوغ هندسة إقليم القرن الافريقي جيوستراتيجيا، لهذا ركز على السلام مع جيران بلاده اولا، وانهاء حرب حدودية خاضتها اثيوبيا واريتريا استمرت من 1998 حتى 2000 وأسفرت عن سقوط نحو 80 ألف قتيل، وفق الإحصائيات الدولية، ومع هذا فهو يواجه تحديات كبري داخليا وخارجيا، في سبيل فرض نفوذه.

 

العلاقة بين القرن الافريقي والازمات العربية

يمكن رصد أبرز التحديات التي تواجه القرن الافريقي حاليا ومستقبلا، وتشابكها مع الصراع الخليجي والممرات البحرية على النحو التالي:

قد تكون مصر خسرت معركة النفوذ في القرن الافريقي لصالح اثيوبيا (المدعومة اسرائيليا وأمريكيا) وخسرت ايضا معركة سد النهضة وحقوقها التاريخية في مياه النيل، بيد أنه لا يمكن اغفال ضرورة حل مشكلة توفير المياه الكافية لمصر وإلا تحول الامر لمسألة حياة أو موت تدفع الشعب لمواجهة سلطة الانقلاب وهدم المشاريع الصهيونية والامريكية لدعم السيسي كأفضل خادم ومنفذ لمصالح الغرب واسرائيل، لهذا سيكون على دول حوض النيل واثيوبيا خصوصا حل هذه المشكلة.

مصر كانت تلعب بكروت إقليمية منها أرتيريا للضغط على أديس أبابا في سد النهضة، ولكن تقارب اديس ابابا واثيوبيا، أفقد القاهرة ورقة مهمة في هذا الملف، لهذا فالحديث عن أن مساعدة الإمارات والسعودية في هذه المصالحة بين ارتيريا واثيوبيا هو لصالح مصر يبدو غير منطقيا، بل أن إيداع الإمارات وديعة تقدر بثلاثة مليارات دولار في البنوك الإثيوبية، بدعوي أن ساهم في التقارب الذي حدث بين أديس أبابا وأسمرا، يثير تساؤلات، لأن هذا المبلغ الضخم ستستفيد منه اثيوبيا في بناء سد النهضة الذي يضر مصر.

"أبيو أحمد" هو أول رئيس وزراء من عرقية "أورومو" المضطهدة في أثيوبيا، وأول رئيس وزراء من أصل مسلم ، فوالده مسلم من عرقية أورومو، وأمه مسيحية من عرقية أمهرة، ومتزوج من زوجة مسيحية أمهرية، وهو ما يتصادم مع سيطرة حزب "التيغري" على مفاصل الحكم منذ عام 1991، خاصة أنهم يتحفظون على قبول قرار ترسيم الحدود مع إرتريا لأنه يعني ضمنيا تخليهم عن أراض استولوا عليها، ما يعني أن حل أهم مشكلة في القرن الافريقي بعد الصومال سيظل عقبة.

المصالحة بين أديس أبابا وأسمرا إذا تم تنفيذ تفاصيلها بشكل كامل، وصمدت بمواجهة الأطراف المعارضة لها في الداخل ووكلائها في الخارج، فستدفع إلى تغيير نوعي في منطقة القرن الأفريقي التي تعيش منذ عقود على وقع صراعات عرقية تغذيها تدخلات خارجية متعددة، بل وقد تدفع في إطار حل مشكلات اخري مثل الصومال وصراعات اخري في المنطقة، إذ أن إنهاء حالة (الحرب الباردة) بين إثيوبيا وأرتيريا ستكون تأثيراته الايجابية على الإقليم وعلى ملفات حاضرة مثل النزاع في جنوب السودان، ومستقبل الاتفاق على سد النهضة.

هناك من يتصور أن منطقة القرن الأفريقي شهدت هجوما لأجندات مختلفة بينها أجندة تركية، بحسب هذا التصور، وأن انقره تحاول تطويق مصر والتسلل إلى البحر الأحمر (بالتعاون مع السودان) وكذا تداخل الصراع الخليجي بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخري، في القرن الافريقي لتأمين الممرات المائية والملاحة الدولية في البحر الأحمر، ولكن المؤشرات تدلل على أن هذا الصراع الافريقي سينتهي بانتهاء الأزمة الخليجية نفسها.

 

مستقل ازمة سد النهضة

أحد أخطر العقبات في مسار العلاقات المصرية الاثيوبية هي "سد النهضة" الذي بات النظام في مصر يدرك، مع الوقت، أنه تورط في توقيع اتفاقية تشييده، إذ أن السد تحول الي رمز قومي في اثيوبيا وهدف وطني ينظر له – مثل بناء مصر للسد العالي – على انه قاطرة التقدم والتنمية في اثيوبيا ونقلها من حالة الفقر والمجاعة التي طالتها عدة مرات، الي الرخاء وتصدير الكهرباء للعالم.

بالمقابل أصبح بناء السد وتشغيله، الذي يعني حجز أكثر من 75 مليار متر مكعب مياه عن مصر (حصتها السنوية 55 مليارا)، أزمة حياة او موت بالنسبة للمصريين، وأصبح امل نظام السيسي الوحيد هو موافقة اثيوبيا – بضغوط امريكية – على إطالة امد فترة ملء السد وتشغيله (أي حجز المياه عن مصر لملئه).

إذ طرحت اثيوبيا فترة 3 سنوات للملء، ما يعني حجز نصف كمية المياه (25 مليار متر مكعب) التي تصل سنويا لمصر من النيل، ومن ثم تعطيش مصر وتبوير اراضيها خاصة أن ما تحصل عليه مصر حاليا (55 مليار متر مكعب + 18 مليار اخري هي حصة السودان التي لا تستخدمها وتذهب الي مصر) لا يكفي احتياجات مصر.

بالمقابل تتحدث القاهرة عن 7 الي 10 سنوات، ويطرح الوسطاء فترة 5 سنوات كحل وسط.

وفي كل الاحوال ستعاني مصر من احتجاز كميات مياه سنويا من حصتها من مياه النيل سواء كان 25 مليار متر مكعب على 3 سنوات، أو 15 مليارا على 5 سنوات أو حتى 10 مليار فقط سنويا لمدة 7 سنوات.

وما يزيد الازمة المائية مصريا أن خبراء الري يؤكدون أن ما تعلنه اثيوبيا عن حاجتها الي 75 مليار متر مكعب من مياه النيل غي صحيح وأنها ستحتاج لكميات أكبر قد تصل الي 100 مليار متر مكعب بسبب تشرب تربة السد لكمية لا تقل عن 25 مليار متر مكعب.

فضلا عن أن استمرار تدفق مياه النيل عبر الهضبة الاثيوبية غير مضمون كميته سنويا وقد تشهد بعض الاعوام قلة في هطول الامطار في اثيوبيا تقل بموجها كميات المياه المتدفقة في النيل خلال سنوات حجب نسبة من حصة مصر المائية ما يزيد الازمة اختناقا ويهدد باندلاع حرب في أي لحظة، مع ما يتصل بهذا من تداعيات على القرن الافريقي والخليج العربي.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة