تجميد مسار العائلة المقدسة بقرار المخابرات العامة تهديد للسياحة المصرية

 تجميد مسار العائلة المقدسة بقرار المخابرات العامة  تهديد للسياحة المصرية

 

وسط حالة اليأس التي أصابت قطاع السياحة المصري في أعقاب تفجير الطائرة الروسية فوق شبه جزيرة سيناء في 31 أكتوبر 2015م، والتي أسفرت عن مقتل 224 شخصا روسيا بينهم طاقم الطائرة؛ بزغت فكرة إحياء «مسار العائلة المقدسة» والتركيز على السياحة الدينية في محاولة لتدارك نزيف الخسائر المتواصلة في قطاع السياحة الترفيهية والثقافية؛ وذلك بإغراء مليارين من أنصار الكنائس المختلفة بأهمية الحج على خطى رحلة السيد المسيح عليه السلام إلى مصر هروبا من اضطهاد  الملك اليهودي "هيرودس" الذي كان يقتل الأطفال الرضع خوفا من تحقق نبوءة تقول إن طفلا سيولد سوف يرث الملك بدلا من نسل هيرودس".

وبعد مرور أكثر من ألفي عام على الرحلة التاريخية للعائلة المقدسة، تسعى حكومة نظام 30 يونيو ممثلة في وزارتي السياحة والآثار، بالتعاون مع الكنيسة الأرثوذكسية، لإعادة اكتشاف محطات مسار الرحلة من جديد من خلال وضع خطة سياحية لاستقطاب السائحين الأجانب، لزيارة تلك المناطق التاريخية والأثرية المهمة التي لا يوجد لها مثيل في العالم.

تتمثل فكرة المشروع  فى السياحة الروحية وهى سياحة عالمية، والرحلة محددة بـ25 محطة معظمها فى محافظات فقيرة وقرى مهمشة خاصة فى الصعيد. وفيما يتعلق بمراحل المشروع، فإنها تنقسم إلى ثلاث مراحل وهى المرحلة الأولى ومدتها 3سنوات، وبدأت في 2016م، ويتم فيها تنمية 8 مواقع تم التركيز عليها حاليا والتى تشمل الكنيسة المعلقة بمصر القديمة، وكنيسة العذراء بالمعادى وأديرة البارموس والسريان والأبنا بيشوى بوادى النطرون، وجبل الطير بالمنيا ودير المحرق ودرنكة بأسيوط، وكان من المفترض أن تدخل شجرة مريم بالمطرية، وكنيسة زويلة، ولكن العشوائيات بهذه المناطق تحول دون ذلك فى الوقت الراهن. وتم إنفاق 37 مليون جنيه، بإنشاء دورات مياه وأماكن للجلوس ومظلات ولافتات إرشادية باللغتين العربية والإنجليزية على الطريق وطرق مختصرة مثل الذى تم إنشاؤه فى جبل الطير بالمنيا».

أما المرحلة الثانية، فهى مدتها من خمس إلى سبع سنوات، فى حين تستغرق آخر المراحل من سبع إلى عشر سنوات. ما يعني أن المشروع يستغرق ما بين 15 إلى 20 سنة.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية كبيرة؛ ويعززها عدة عناصر إيجابية:

أولا، يعتقد أهل الكتاب من النصاري،  بقدسية نقاط مسار العائلة المقدسة فى مصر، وأن دخولها من قبل السيد المسيح وأمه العذراء مريم عليهما السلام، والرجل الصالح يوسف النجار الذي يصفه النصاري بالقديس، جاء بأمر إلهى وليس اختيارا منهم كما جاء فى الإنجيل: (إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: (قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ). فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ). متى "2/13،14"... وهو ما أشار إليه القرآن أيضا {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} المؤمنون آية رقم "23". كما أن مصر البلد الوحيد الذى عاش فيه السيد المسيح وأمه بعد بيت لحم فى القدس، وأن النقاط الـ25 التى مكث أو مر بها المسيح خلال إقامته فى مصر كانت تتم بوحى وفق معتقدات أهل  الكتاب من النصاري، وهو ما يشير لدلالات على البركة والخير، وهو ما يحظى باهتمام واسع من جانب رعايا جميع الكنائس في العالم.

ثانيا، المشروع حال نجاحه له فوائد اقتصادية كبيرة على الوضع الاقتصادي  المأزوم في مصر وعلى قطاع السياحة على وجه الخصوص، وربما يحقق مكاسب استثمارية ضخمة، حيث يشير تقرير منظمة السياحة العالمية إلى أن 350 مليون سائح قصدوا مزارات دينية فى العالم، العام الماضى 2017، وإذا ما تم تسيير الرحلات فعليا لمسار العائلة المقدسة سيكون نصيب مصر من هذا الرقم كبيرا، وهذا يعنى إضافة كبيرة للدخل القومى إذا ما أخذنا فى الاعتبار أن المعدل المتوسط لإنفاق السائح الواحد للمزار الدينى لا يقل عن 120 دولارا فى اليوم.  بخلاف ذلك، فإن موضعا واحدا بالأردن يتضمن مكان تعميد السيد المسيح على نهر الأردن يحظى بزيارة نصف مليون سائح سنويا، بينما تفشل مصر التي تملك مسار العائلة المقدسة في استثمار مواردها بصورة ناجحة تسهم في نمو الاقتصاد وتعافي السياحة وزيادة موارد الدخل القومي.ويؤكد المهندس عادل الجندى مدير العلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجى بهيئة التنمية السياحية بوزارة السياحة، أن المشروع له أهداف تنموية فهو يوفر 4 ملايين فرصة عمل وتقدر أرباحه التى يدرها على البلاد بثلاثين مليار دولار[1].

ثالثا، حظي المشروع بدعم كبير من جانب البابا فرانسيس حبر الفاتيكان  الأعظم، والذي أقام قداسا بهذا الشأن يوم 04 أكتوبر 2017م، بارك فيه ــ وسط أجواء احتفالية ــ أيقونة رحلة العائلة المقدسة إلى مصر بحضور وزير السياحة السابق بحكومة 30 يونيو، يحيى راشد، على رأس وفد رسمي رفيع المستوى، والذى ثمن وقتها الفكرة واعتبروا ذلك بمثابة دعوة للحجاج الكاثوليك على مستوى العالم للحج إلى مصر للتبرك بنقاط مسار العائلة المقدسة والتي تم إدراجها على خريطة السياحة المصرية.

 

تباطؤ وتلكؤ

ورغم الأهمية الكبيرة للمشروع، إلا أن النظام العسكري يتحرك ببطء شديد وبيروقراطية، فلم تشهد الفترة التي تلت مباركة بابا الفاتيكان لمسار العائلة المقدسة في أكتوبر 2017 تحركات جادة ملموسة من جانب النظام تعكس الاهتمام بالمشروع والعزم على تنفيذه؛ وهو ما دفع بعض الأقباط إلى انتقاد الأداء الحكومي. وتساءل د. نجيب جبرائيل: «ماذا فعلت مصر أو بالأحرى وزارة السياحة والأجهزة الحكومية اهتماما لهذه الرحلة المقدسة؟. أعتقد حتى الآن وزارة السياحة لم تعط هذا الحدث الأهمية التى تليق به ولم ترفع رحلة المقدسة كحدث سياحى على المرتبة الأولى على خريطة السياحة فى مصر فوعدت الحكومة المصرية مسارات العائلة المقدسة من رصف الطرق المؤدية إلى مسارات العائلة المقدسة خاصة منطقة وادى النطرون وعمل فندق لاستراحة السائحين وتوفير الأعمدة الكهربائية والإنارة. ولكن للأسف لم نر شيئا من ذلك، فماذا نفهم من ذلك؟ هل الدولة المصرية امتلأت خزانتها من دخل السياحة فى مصر، وأصبحت أعداد السائحين بالملايين؟ أم لأن السياحة الدينية المسيحية لم تروق لمسؤولين لا يهتمون بمصر، هل هناك أيضا تطرف لدى بعض المسؤولين جعلهم لا يهتمون بأى شأن مسيحى حتى لو كان يدر دخلا على البلد؟.»[2].

وطالب جبرائيل السيسي بصفته الرئيس الأعلى للمجلس الأعلى للسياحة  أن يتدخل فى هذا الأمر  منتقدا سماح من وصفه بمسئول متنطع ببناء عمارتين متجاورتين حال دون رؤية كنيسة العذراء الأثرية بمسطرد، وهي إحدى نقاط مسار العائلة المقدسة، كما تحاصر القمامة شجرة مريم  بم لها من قيمة روحية وأثرية كبيرة.

الأمر الثاني هو ما كشفه مصدر مسؤول بملف رحلة العائلة المقدسة، أن إدراج مؤسسة "أوبرا رومانا " المسؤولة عن ملف الحج بالفاتيكان، مسار رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، في الكتالوج الخاص بحج الفاتيكان عام 2018، والذي شمل برنامجين لمصر أحدهما يشمل الأماكن التي مرت بها العذراء مريم والسيد المسيح بمصر، والآخر زيارة المناطق الأثرية التاريخية من أسوان للقاهرة، وتصل مدة الرحلة 8 أيام، ما زال قيد التجهيزات؛ مشيرًا إلى أن تأخر العمل يهدد البرامج بالفشل. منتقدا عدم تطوير  أي نقطة في المسار منذ موافقة بابا الفاتيكان عليه في أكتوبر الماضي[3].

أما المشهد الثالث للتدليل على التباطؤ والتلكؤ المتعمد هو قرار  صندوق السياحة بتأجيل اعتماد المبالغ المخصصة لتطوير مسار الرحلة، ففي شهر مارس الماضي، قرر مجلس إدارة صندوق السياحة، إعادة دراسة ما تم اعتماده من مبالغ لرفع كفاءة مواقع مسار العائلة المقدسة والبالغ قدرها 250 مليون جنيه، بخلاف تمويلات أخرى، لتطوير 5 نقاط ضمن المرحلة الأولى. الأمر الذي عده مختصون في السياحة إهدارا لفرصة سانحة  ودليلا على أن وزارة السياحة فقدت الحماس لتنفيذ المشروع[4].

رابعا، في يوليو الماضي، أصدرت الدكتورة رانيا المشاط وزير السياحة بحكومة العسكر، قرارا وزاريا بإنشاء وحدة العائلة المقدسة بوزارة السياحة برئاسة سراج سعد الدين رئيس هيئة التنمية السياحية، وإلغاء اللجنة الفنية المسئولة عن الترويج لمسار إحياء رحلة العائلة المقدسة.وضمت اللجنة أعضاء من وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة وهيئة التنمية السياحية وهم: أحمد يوسف، رئيس هيئة التنشيط، وحمدي صبحي، مساعد الوزير، والمهندس عادل الجندي، مدير العلاقات الدولية بهيئة التنمية السياحية، ويمنى أسامة، معاونة الوزير. واستبعد التشكيل تماما أعضاء اللجنة الفنية المنحلة التي كانت تضم ممثلين عن الكنيسة الأرثوذوكسية والكاثوليكية وممثلا عن اتحاد الغرف السياحية. وحسب قرار الوزيرة فإن هذه الوحدة الوزارية تتولى كل ما يخص المشروع من تنمية وتنشيط وذلك بالعمل على تنمية المحور اللوجيستي والترويجي للمواقع التي يتضمنها مسار العائلة المقدسة بكل مراحلة المختلفة[5].

 

تغطية على العجز الأمني

مؤخرا، بدأت الحقيقة تتكشف، وأن تباطؤ النظام وتلكؤ الحكومة ماهو إلا انعكاس لحالة العجز الأمني وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على تأمين الوفود السياحية المختلفة، حيث كشفت مصادر مطلعة أن "أروقة الحكومة شهدت حالة من الغضب داخل عدد من الوزارات؛ بسبب قرارات أصدرتها مؤسسات سيادية، انتهت إلى وقْف العمل بمسار العائلة المقدسة وتجميد الملف بشكل تام، والذي كانت تعوّل عليه وزارة السياحة في فتح مجالات وأسواق سياحية جديدة". القرار جاء بتوصية واجبة النفاذ من جهاز المخابرات العامة لسببين[6]:

الأول، بدعوى استحالة تأمين مسار الأفواج السياحية، لكون معظم مزارات مسار العائلة المقدسة في مصر، تقع في مناطق نائية وجبلية"، وأن "الدولة لا تملك الإمكانات التي تمكّنها من توفير الحماية اللازمة للأفواج السياحية في الوقت الراهن، وهو ما يعني جعلها صيداً سهلاً للعناصر المتطرفة، حال تم تنفيذ المشروع في ظل الأجواء الحالية".

والثاني، وهو السبب الأبرز الذي دفع جهاز المخابرات العامة لرفض إحياء مسار العائلة المقدسة، على الرغم من المكاسب السياحية الكبيرة المتوقعة منه، كون أن جزءاً مهمًا من ذلك المسار يقع في شمال سيناء، التي تعد منطقة خارجة عن السيطرة في ظل المعارك العسكرية هناك بين القوات المسلحة وعناصر ولاية سيناء فرع تنظيم داعش في مصر".

وكان قد تم تشكيل لجنة من وزارة الآثار بالتعاون مع الكنيسة المصرية لإعداد الدراسات الخاصة بالمواقع الأثرية الموجودة على مسار رحلة العائلة المقدسة، ووضع المسار على قائمة التراث لمنظمة اليونسكو. وقررت اللجنة وضع برنامج زمني للانتهاء من إعداد الدراسات اللازمة ورفع مسار رحلة العائلة المقدسة على قائمة التراث اللامادي لمنظمة اليونسكو في نهاية عام 2018م، قبل أن تفاجأ بالقرار السيادي الذي أوقف كافة التحركات الخاصة بالمشروع.

خلاصة القول، أن مسار العائلة المقدسة يعتبر مشروعا سياحيا ضخما يمكن أن يسهم في دعم قطاع السياحة ووقف النزيف المتواصل منذ انقلاب 03 يوليو 2013م بصورة كبيرة ويسهم كذلك في زيادة الدخل القومي، خصوصا وأن المشروع حظي بمباركة البابا فرانسيس حبر الفاتيكان الأعظم، ولكن الفوضى الأمنية التي تضرب البلاد تجعل من المستحيل أن يتمكن النظام من تأمين الوفود السياحية المختلفة ومع تباعد الأديرة والكنائس ووجود بعضها في جوف  الصحراء وكذلك وجود بعضها في شمال سيناء وهي منطقة خارج سيطرة النظام يجعل من استكمال المشروع أمرا بالغ الصعوبة حيث يخشى النظام من عمليات إرهابية تستهدف بعض الوفود ما ينعكس على وقف السياحة تماما ويعكس للعالم صورة عدم الاستقرار من جهة وعدم مشروعية نظام الحكم الذي تأسس عبر انقلاب عسكري منتصف 2013، ولا يحظى برضا جموع الشعب المصري من جهة أخرى.

 


[1] محمد عبدالخالق مساهل/«إحياء مسار العائلة المقدسة» يمكن أن يدر 30 ملياراً لمصر/ المصري اليوم الجمعة 06 يناير 2017

[2] د. نجيب جبرائيل/مسار العائلة المقدسة والمجهول/ المصري اليوم الأربعاء 18 يوليو 2018

 

[3] يوسف عفيفي/رحلة العائلة المقدسة لمصر.. مصير غامض والسياحة "غير مستعدة"/ مصراوي الجمعة 20 أبريل 2018

[4] المصدرالسابق

[5] ننشر أسماء التشكيل الجديد لوحدة العائلة المقدسة بوزارة السياحة/ مصراوي الأربعاء 11 يوليو 2018

[6] المخابرات المصرية توقف العمل بمشروع إحياء مسار العائلة المقدسة/العربي الجديد 1 أكتوبر 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة