الصراع في افغانستان والحوار الامريكي مع "طالبان" .. مكاسب وخسائر كل طرف

 الصراع في افغانستان والحوار الامريكي مع "طالبان" .. مكاسب وخسائر كل طرف

 

بعد 17 عاما من الغزو الأمريكي لأفغانستان ومحاربة حركة "طالبان" بدعوي إيواءها لتنظيم القاعدة واسامة بن لادن، وفشل الحرب المستمرة هناك منذ ذلك الحين في توفير أجواء للاستقرار والسلام، لم تجد الولايات المتحدة بديلا للخروج من هذا البلد بعدما خرجت أغلب الجيوش الأجنبية التي دعمتها هناك، سوي محادثات سلام مع "طالبان".

ويقدر المستشار لدى معهد الأزمات الدولية، غرايمي سميث، إن "الحرب في أفغانستان على وشك أن تتجاوز حصيلة 20 ألف قتيل عام 2018 بما يشمل المدنيين".

وقال سميث: "أحصت الأمم المتحدة 1692 قتيلا مدنيا في أفغانستان خلال النصف الأول من العام 2018"، وقدرت الخسائر في صفوف الجيش الأفغاني التي لا تعلن بانها "مرعبة".

وقبل إجراء اولى جلسات هذا الحوار الأمريكي الطالباني في قطر، لفتت صحف أمريكية لأن استمرار إلقاء آلاف القنابل والصواريخ على أفغانستان لم يحقق أي استقرار، واستمر نزيف تواجد القوات الامريكية هناك ماديا وعسكريا.

 وعلى سبيل المثال، فرغم أن الولايات المتحدة أسقطت 947 قنبلة في أفغانستان عام 2015، كما ألقوا على أفغانستان 1337 قنبلة أمريكية جديدة عام 2016، بخلاف مئات أخرى عامي 2017 و2018، فقد أظهر تحليل لمجلة فورين بوليسي، أن حركة "طالبان" أصبحت تسيطر على مساحة من الأراضي أكثر من أي وقت مضى منذ عام 2001 الذي بدأ فيه الغزو الأمريكي.

وهذا ما اعترف به السيناتور الأمريكي الراحل جون ماكين، حين حذر في أغسطس 2017 من هذا بقوله: "نحن نخسر في أفغانستان، لذلك يعد الوقت عاملا جوهريا إذا كنا ننوي تحويل المد لصالحنا"، فيما اعترف الجنرال الأفغاني المتقاعد، عبد الجبار كهرمان، الذي كان يشغل منصب المبعوث العسكري للحكومة الأفغانية في مقاطعة هلمند، في حوار أجراه مع صحيفة نيويورك تايمز، خلال فصل الصيف أن "حركة طالبان تزداد قوة، بينما تتراجع الحكومة وتفقد أراضيها لصالح طالبان يوما بعد يوم".

ويبدو أن نجاح استراتيجية طالبان في اثبات أنها هي المنتصرة والمتحكمة في أراضي أفغانستان، و"الولايات المتحدة لا يمكنها الفوز في هذه الحرب"، عبر عمليات تفجير وهجمات يومية تطال القوات الأجنبية في البلاد وقوات الحكومة الأفغانية الموالية للغرب، واعتراف المسئولين ووسائل الإعلام الغربية بأنها "منتصرة"، دفع الامريكان للبحث عن مخرج سلمي من هذا المستنقع عبر فكرة التفاوض لوقف القتال لفترة من الوقت املا في ان ينتهي الامر باتفاق سلام شامل.

لماذا التفاوض الان؟

وساهم في دفع الامريكان نحو هذا الحل التفاوضي:

الخسائر المتزايدة ماليا وعسكريا ومعنويا في أفغانستان، ولو بإلقاء عشرات القذائف والصواريخ المكلفة ماليا للخزينة لقتل العشرات هناك، وعدم قدرة القوات على الصمود في أجواء غير مواتية، اذ يعد الدافع الاقتصادي من العوامل التي دفعت إدارة «ترامب» إلى إجراء محادثات مع طالبان؛ حيث تؤرق التكلفة الاقتصادية للحرب واشنطن بعدما أظهرت تقديرات لمركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن في أغسطس 2018 أن التكلفة المباشرة للحرب في أفغانستان بلغت 841 مليار دولار، بينما أعلنت تقديرات أخرى أن هذه الحرب قد تجاوزت تريليون دولار، وقد تصل إلى 2 تريليون مستقبلًا، أما على صعيد التكلفة البشرية؛ بلغ عدد قتلى القوات الأمريكية 2350 جنديًّا، إلى جانب إصابة ما يقرب من 20 ألف جندي.

أن حركة طالبان غدت منظمة مختلفة اليوم عما كانت عليه في فترة التسعينات عندما حكمت أفغانستان، حيث يديرها الان رئيس القضاء السابق هبة الله آخوند زاده، الذي يشغل منصب رئيس مجلس العلماء في طالبان، أعلى سلطة دينية بالنسبة لهذه الجماعة، وقد حاول آخوند زاده وغيره من قادة طالبان كسب قلوب وعقول الأفغان عن طريق تمويل بعض المشاريع التنموية وإعطاء وعود بإصلاح نظام التعليم في أفغانستان، والأهم انهم منفتحون على فكرة التفاوض.

التركيبة السكانية التي تجعل من طالبان ترتبط ارتباطا وثيقا بالجماعة العرقية البشتونية، صاحبة الأغلبية، وتسمح بإيواء القبائل لجنود الحركة وتوفير وسائل الاعاشة لهم، حيث يعتبر قرابة 80 % من كبار قادة طالبان الخمسون، من البشتون الذين يقطنون في مقاطعة قندهار.

القناعة أن هذا الصراع سيصل إلى طريق مسدود في المستقبل المنظور، في ظل رغبة طالبان في استعادة كابول، والإطاحة بالحكومة الأفغانية، في ظل صمودها في المناطق الريفية وتمكنها من شن هجمات متكررة رفيعة المستوى في كابول وغيرها من المدن.

القناعة أن هناك دعم ما يقدمه جنرالات في باكستان لحركة طالبان منذ عشرات السنين وأن هذا سبب بقاء الحركة قوية وبالمقابل فتور العلاقات الامريكية الباكستانية.

ان طالبان بالمقابل من الصعب ان تحقق ما ترنو اليه في ظل استمرار التواجد العسكري الأمريكي هناك لهذا يتمثل الخيار الأفضل للحركة في السعي للتوصل إلى تسوية عن طريق المفاوضات.

 

لماذا قبلت طالبان التفاوض ومحادثات السلام؟

برغم الحديث المستمر في الداخل والخارج عن قوة وقدرة حركة طالبان على الاستمرار في الحرب بل والتحذير على مستوي القادة والصحف في أمريكا من احتمالات انتصار وشيك لحركة طالبان، إلا أن الحركة تعاني من سلسلة ضغوط اضعفتها ودفعتها الي قبول فكرة التفاوض السلمي.

ويمكن في هذا الصدد رصد أسباب ذلك فيما يلي:

صعوبة توفير السلاح والدعم المالي في ظل حالة التدهور الاقتصادي للبلاد وهذا ما دفع الغرب لاتهام طالبان بانها تتاجر في المخدرات لتوفير السلاح لقواتها.

فشلت طالبان في الإطاحة بالحكومة الأفغانية، أو حتى السيطرة على العاصمة كابول أو أي أراضي أو مدن أفغانية هامة، بسبب استمرار التواجد العسكري الأمريكي واستمرار الضربات الجوية على معاقلها وقتل قادتها، ومنذ اخر عمليات قوية لها عام 2016 وخسارتها المناطق التي احتلتها، خلي سجلها من عمليات حيوية خلال 2017 أو 2018 الحالي، باستثناء الهجمات الفردية وقتل جنود في كابول.

تأجيل المفاوضات لن يعزز موقفهم التفاوضي، خاصة بعدما أعلنت إدارة ترامب أنها سوف تلغي المواعيد النهائية التي حددتها إدارة أوباما سابقا لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مما يجعل طالبان في مواجهة غريم أعيد تفعيل آلياته.

مواقف القوي الإقليمية مثل باكستان قد تتغير من دعمها او تسهيل وصول السلاح اليها في ظل تفاهمات أمريكية باكستانية جديدة ورغبة باكستانية في التركيز على التنمية لا الحروب.

تعاني حكومة (غني) الأفغانية، أزمة شرعية، وضعف في السيطرة، حتى على حكّام ولايات يتمرّدون على قراراتها، ما يصب في صالح طالبان.

على ماذا سيتم التفاوض؟

تري صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، بحسب تقرير نشرته الأسبوع الماضي، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس تغيير استراتيجيتها لبدء مفاوضات رسمية وموسعة تؤدي إلى إنهاء الحرب في أفغانستان، ضمن سعيها لتبريد ساحات خلافات أخرى مع كوريا الشمالية وربما إيران بغرض سحب القوات الامريكية (15 ألف جندي أمريكي في أفغانستان) وتوفير نفقات باهظة.

ورغم اعتبار الصحف الامريكية -مثل صحيفة "واشنطن بوست" -إن مفاوضات السلام بين واشنطن وطالبان تشكل انفراجه يمكن أن تؤدي إلى نهاية الصراع الدموي في أفغانستان، بعد الأنباء التي تحدثت عن محادثات جرت بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن حركة طالبان الأفغانية، وهي أول محادثات مباشرة بين واشنطن والحركة الأفغانية، لا يزال الحديث عن حل نهائي بعيد المنال لأن ما يجري هو التفاوض الاولي علي وقف لإطلاق النار يصمد عدة أيام.

فالمحادثات التي عُقدت في العاصمة القطرية الدوحة، ورغم أن واشنطن لم تعترف بالاجتماع بشكل رسمي، وشاركت فيها المسؤولة البارزة في ملف أفغانستان، أليس ويلز، في الدوحة، ركزت على وقف لإطلاق النار يستمر بضعة أيام ثم استمراره لفترة أطول، ومع هذا لم توقف طالبان هجماتها.

واعتبرت المحادثات اختراق كبير عقب أول اختراق في الحرب الأفغانية عندما تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، في يونيو 2018 خلال عطلة عيد الفطر، حيث عمت الأفراح العفوية القوات الأفغانية والمدنيين وحتى مقاتلي طالبان، في مؤشر واضح على الرغبة العارمة في تحقيق السلام من قِبل أطراف الصراع كافة.

ورغم استمرار القتال نقلت وكالة رويترز عن قياديين في حركة طالبان قولهم إنهم سيواصلون عقد اجتماعات مع المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان زلماي خليل زاد، في أعقاب لقاء عقده زلماي خليل زاد مع قادة من حركة طالبان مؤخرا في قطر لبحث الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية للنزاع في أفغانستان.

فوفق مصادر من طالبان، أثيرت في المباحثات نقاط أهمها سحب القوات الأجنبية والإفراج عن عناصر الحركة المعتقلين، وقال المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد إن الجانبين ناقشا وضع حد "للاحتلال"، وإيجاد تسوية سلمية للنزاع في أفغانستان.

بالمقابل طالب المبعوث الأميركي حركة طالبان بإعلان وقف لإطلاق النار لمدة ستة أشهر تبدأ من فترة الانتخابات التشريعية الأخيرة في سبتمبر الماضي 2018، والتي دعت الحركة الناخبين لمقاطعتها واستمرت في استهداف مقرات حكومية.

ومع عودة استئناف هذه المفاوضات بعد تأكيد راديو «صوت أمريكا» أن المبعوث الأمريكي خليل زاد وصل كابول الأسبوع الماضي بهدف تنسيق الجهود الرامية لإعادة حركة طالبان إلى طاولة المفاوضات، وذلك من خلال رئاسته لوفد دولي يضم ممثلين عن كل من السعودية وباكستان والإمارات العربية، تبدو الأمور تسير نحو مفاوضات سلام شبه دائمة.

اما القضايا المتوقع طرحها خلال المراحل المقبلة من التفاوض، فيتوقع تقرير لموقع "فورين افيرز" أنه بما أن طالبان تسيطر على بعض المناطق الريفية، فمن المحتمل أن يتفاوض قادتها على عدد من التنازلات من قبل الحكومة الأفغانية وحلفائها، ومن بين هذه التنازلات المحتمل التركيز عليها من جانب الحركة: إبداء أهمية أكبر لتعاليم الإسلام والشريعة داخل المؤسسات الأفغانية، وإدماج بعض قادة طالبان في مناصب حكومية، وقمع الفساد الحكومي، والاهم المطالبة بانسحاب القوات الأمريكية وغيرها من القوات القتالية الأجنبية من البلاد.

وكانت حكومة الرئيس الأفغاني قد قدَّمت لطالبان عرضا للمصالحة، في فبراير 2018، لعلَّ أهمَّ ما فيه الاعترافُ بطالبان، حزبا سياسيا؛ لتمكينها من المشاركة في انتخابات عادلة وحرَّة ونزيهة بهدف دمج طالبان في مؤسسات الدولة، وإنهاء الحرب فيما لا ترى طالبان إمكانية لوقفها القتال، ما دام الاحتلال الأمريكي قائما.

هناك مأزق يعاني منه بالتالي الأطراف الثلاثة (أمريكا وطالبان وحكومة أفغانستان)، ما يدفع الجميع نحو التوجه لخيار التفاوض لمحاولة الحصول علي أكبر مكسب ممكن، ولكن المؤكد أن أي حل ستصل اليه المفاوضات سيكون مكسبا لطالبان، بعدما عادت لها الشرعية باعتبار أمريكا بها على طاولة التفاوض، ومن ثم حصولها على بعض الامتيازات في صورة مطالب تقدمت بها ربما يكون ابرزها بدء السحب التدريجي للقوات الامريكية وهو مطلب يلقي هوي في نفس الرئيس ترامب.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة