"حج" الأقباط إلى القدس .. بين البزنس والتطبيع

 "حج" الأقباط إلى القدس .. بين البزنس والتطبيع

 

«مفيش حرام وحلال عندنا أصلًا».. كانت هذه هي إجابة  البابا تواضروس الثاني، بابا الكرازة المرقسية والكنيسة الأثوذوكسية المصرية، على سؤال أحد الأقباط: «هل السفر إلى القدس حلال أم حرام؟»[1] وذلك خلال زيارته لكنيسة السيدة العذراء والشهيد أبوسيفين في مدينة بيلفيل بولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية، في سبتمبر الماضي 2018م، والتي تزامنت مع مشاركة جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي في فعاليات الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

ولمزيد من التوضيح، أضاف البابا: «في عام 1967 حدثت الحرب والنكسة وإسرائيل احتلت القدس ومن يومها مابقاش فيه زيارات وتجدد الموقف في حبرية البابا شنودة، ولكن الكنيسة لها مدارس وكنائس ولنا مطران هناك ومن القرن الـ12 الميلادي كان الفلسطينيون عايشين على الزيارات التي مثلت مصدر دخل، ولما توقفت الزيارات حدثت مشكلة والرئيس أبومازن دعا المصريين لزيارة القدس لأن هذا يساعد الفلسطينيين، ولهذا السبب سألني البعض عن إمكانية زيارة القدس كهدية قدمها أبناؤهم لهم، فقلت لهم الكبار من 60 سنة فما فوق يروحوا، وأنتم تقدروا تروحوا وتزوروا المطرانية القبطية هناك، وإحنا بنبعت رهبان وراهبات للزيارة هناك أيضًا».

هذه الإجابة يحاول من خلالها البابا التهرب من الاتهامات التي تواجه الكنيسة بالتصميم على التطبيع مع الكيان الصهيوني في مخالفة واضحة لقرار المجمع المقدس الذي تلا  هزيمة 67 واحتلال الصهاينة للقدس، ورغم أن بيانات وتصريحات الكنيسة والمتحدثين الإعلاميين باسمها تمضي في إطار النفي المطلق لأي توجهات نحو التطبيع مع الصهاينة إلا أن الحقائق على الأرض تؤكد عكس ذلك. وهذه بعض الشواهد والأدلة التي تكشف عن  التوجهات الحقيقية للكنيسة.

 

البابا في القدس "2015"

الدليل الأهم على توجهات الكنيسة نحو التطبيع، هو الزيارة التي قام بها حبر الأرثوذوكس الأعظم البابا تواضروس، للقدس صباح الخميس 26 نوفمبر 2015م، على رأس وفد كنسي رفيع المستوى يضم وقتها مطران دمياط وكفر الشيخ الأنبا بيشوي، أسقف ورئيس دير الأنبا بيشوي في وادي النطرون الأنبا صرابامون، أسقف ورئيس دير الأنبا أنطونيوس في البحر الأحمر الأنبا يسطس، أسقف ورئيس دير مار مينا في مريوط الأنبا كيرلس آفا مينا، أسقف وسط الجيزة الأنبا ثيئودوسيوس، سكرتير البابا القس أنجيلوس إسحق، والأمين العام الفخري لمجلس كنائس الشرق الأوسط جرجس صالح.

هذه الزيارة مثَّلت تدشين مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة وخروجها عن الإجماع الشعبي الرافض لأي إجراء تطبيعي مع الاحتلال الصهيوني، رغم عقد النظام اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني، وعلى الرغم من تبرير الكنيسة للزيارة باعتباره  «رعوية»  واستثنائية من أجل إقامة الصلاة على روح مطران القدس، الأنبا أبراهام، وأنها لا تمثل خرقًا لموقفها التاريخي، منذ البابا شنودة لناحية التمسك بعدم التطبيع ولو كان دينياً، إلا أنها، عملياً، كسرت الخط الأحمر وإن كان طابعها رعويًا. [2]

ومع الإعلان عن الزيارة، واجهت الكنيسة انتقادات لتوجهات البابا تواضروس، وأن الزيارة تعد انتهاكًا واضحًا، خصوصًا أنها تأتي بعد 25 عاماً من قرار المجمع المقدس في 26 مارس/آذار 1980، بمنع سفر الحجاج المسيحيين إلى القدس كنوع من رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد.

وسعت الكنيسة للرد على هذه العاصفة بالتشديد على الطابع الرعوي للزيارة، وقال المتحدث باسم الكنيسة القس، بولس حليم، إن الكنيسة لم ولن تغير موقفها من زيارة القدس، وزيارة البابا تواضروس التي تُعد الأولى، منذ العام 1967، لبابا الإسكندرية إلى الأراضي المحتلة، هي زيارة رعوية لأبرشية القدس من دون أيّ أبعاد سياسية.

لكن الزيارة اعتبرت خطوة مقصودة وليست عفوية من جانب البابا؛ لكسر قرار منع زيارة المدينة المقدسة، ومن ثم بدء زيارة المواطنين الأقباط؛ حيث كان يمكن للبابا أن يرسل وفدا ينوب عنه لكن البابا فضل القيام بالزيارة بنفسه متناسيا رمزية دوره الروحي كحبر أعظم للكنيسة الأرثوذوكسية.

وبنظرة أوسع، نجد أن زيارة البابا للقدس في أواخر 2015، جاءت في سياق محلي وإقليمي تقوده النظم الحاكمة نحو تكثيف مظاهر وإجراءات التطبيع كرد لجميل الصهاينة الذين دعموا انقلاب 03 يوليو 2013م على المسار الديمقراطي في مصر، فخلال هذه الفترة صوتت حكومة العسكر في مصر  لصالح انضمام إسرائيل للجنة الأمم المتحدة للاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي لأول مرة في التاريخ، ثم المفاوضات لتوسيع نشاط اتفاقية الكويز في المنتجات الغذائية مع إسرائيل وأميركا، ثم مشاركة إسرائيل في عمليات البحث عن الطائرة الروسية في سيناء، وتوقيع اتفاق استيراد الغاز من إسرائيل، وأخيراً زيارة البابا إلى القدس"؛ فكلها  مشاهد وإجراءات تمضي في سياق واحد هو مكافأة الاحتلال على دعمه اللا محدود لنظام انقلاب 3 يوليو في مصر.

وكانت أزمة الشرعية هي البوابة التي انطلقت منها العلاقات المصرية الإسرائيلية. فاللوبيات الإسرائيلية قدمت دعماً سياسياً غير مفتوح لنظام الانقلاب، ويبدو أن جزءاً أساسياً من ثمن هذا الدعم هو مزيد من التطبيع في العلاقات، واستثمار ذلك في التطبيع مع المزيد من الدول العربية. ولعل قضية تيران وصنافير هي بوابة خلفية لتشكيل علاقات مباشرة لأول مرة بين السعودية وإسرائيل بوساطة مصرية غير مباشرة.

كما كان هناك منعطفات أخرى في مشهد التطبيع، كإعادة فتح السفارة الإسرائيلية في القاهرة في 2016، وإرسال سفير مصري إلى تل أبيب بعد 4 أعوام من سحب السفير أثناء عدوان 2012 على غزة. وزيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى إسرائيل وما صاحبها من تصريحات ودية، وحديث  السيسي عن سلامٍ دافئٍ مع إسرائيل أثناء افتتاحه لأحد المشروعات في أسيوط 2016.

 

زيادة  حجاج الأقباط وبزنيس الكنيسة

الدليل الثاني على توجهات الكنيسة في ظل قيادة البابا تواضروس نحو التطبيع وعدم الاكتراث لرد الفعل الشعبي الغاضب من مواقف الكنيسة الأخيرة، أنه بالرغم من  موقف الكنيسة الرسمي الرافض لزيارة القدس، استنادا للقرار الصادر عن المجمع المقدس للكنيسة في 26 مارس 1980 برئاسة البابا الراحل شنودة الثالث، إلا أنه للعام الثاني على التوالي، ينظم المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي التابع للكنيسة، بشكل علني، رحلات لحج الأقباط إلى القدس، عبر الشركة التابعة للمركز الذي يرأسه الأنبا أرميا الأسقف العام بالكنيسة، وأعلنت الشركة الكنسية عن برنامج زيارة القدس لعام 2019، مقدمًا، وكان المركز نظم تلك الرحلة عام 2018 عبر شركة أخرى.

وبعد زيارة البابا مباشرة، زادت أعداد الأقباط نحو القدس، وبلغ عددهم في 2016 نحو 6 آلاف بخلاف حوالي "1500" آخرين من أقباط المهجر، وافدين من أمريكا وأوروبا، وكانت جميع الرحلات قبل 2018 تتم عبر شركة "آير سينا" التي نقلت في 2015 نحو 4430 حاجاً إلى القدس على متن طائراتها. وتتنافس نحو 26 شركة لتنظيم حج المسيحيين.[3]

وكشف عضو الجمعية العمومية لغرفة الشركات السياحية، المشرف على الحج للقدس صبري يني، أن الإقامة ستكون بفنادق بيت لحم أو القدس". موضحا أن أسعار الرحلات تتراوح بين 13 و20 ألف جنيه بارتفاع نحو 6 آلاف عن 2015، ويتم الحصول على تصريح الزيارة من وزارة السياحة".

ويبدأ برنامج الحجاج المسيحيين لزيارة المعالم المسيحية في مدينة القدس خلال إبريل من كل عام، وذلك  للاحتفال بعيد القيامة، بزيارة عين كارم، وكنيسة يوحنا المعمدان، ثم حقل الرعاة، وبيت لحم لزيارة مغارة الحليب وكنيسة المهد. كما يتضمن برنامج الزيارة الذهاب إلى أريحا (أقدم مدينة في العالم)، حيث الصعود إلى جبل التجربة، وزيارة الكنيسة في أعلى الجبل، ثم زيارة شجرة زكا، ووادي قمران)، ثم الانتقال إلى بحر الشريعة. كما يتضمن البرنامج التوجه إلى جبل الزيتون. وتبدأ الزيارة من بيت فاجى ثم كنيسة الصعود وكنيسة أبانا ومشاهدة الكنيسة الروسية ذات التيجان الذهبية، ثم كنيسة الدمعة، والنزول حتى بستان جثسيماني لزيارة كنيسة كل الأمم وبعد ذلك قبر مريم، وغيرها الكثير من الأماكن المقدسة.

لا جدال قطعاً في القيمة الدينية والروحية للتراث المسيحي والإسلامي المنثور في القدس الشريف، ولا في مبدأ زيارتها. لكن الواقع يؤكد أن فتح المجال للحج الموسَّع للأقباط المصريين إلى مزارات القدس يمثل  مكسباً مُركَّباً للكيان الصهيوني؛ فالدخول إلى الأراضي المحتلة سيكون بتأشيراتٍ إسرائيلية، وسيكون الإنفاق هناك بالشيكل الإسرائيلي، ليبدو الأمر وكأنه ترويج للنشاط السياحي والاقتصادي في إسرائيل. ولن يغير كثرة الزوار العرب من واقع المدينة الرازحة تحت الاحتلال والتضييق اليومي شيئاً، بل سيكون إقراراً مفتوحاً بهذه الحقائق على الأرض.

ولعل هذه المكاسب الضخمة السياسية والاقتصادية للاحتلال يفسر أسباب الترحيب الواسع من جانب الصحافة العبرية بزيارة البابا، واعتبرتها محطة فاصلة في طريق التطبيع والاعتراف بشرعنة الاحتلال أو على الأقل التسليم بالواقع ما يمثل هزيمة نفسية كبيرة وشرخا في جدار التضامن الشعبي مع القدس والفلسطينيين.

 

"4" وفود كنسية نحو القدس

الدليل الثالث على توجهات الكنيسة نحو التطبيع مع الصهانية هو تواصل الوفود الرسمية من جانب الكنيسة للقدس؛ وحاولت الكنيسة التبرؤ من زيارة وفد كنسي رسمي برئاسة الأب إبراهيم فلتس للقدس المحتلة في السابع من شباط/ فبراير الماضي 2018م، ولقائه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتأكيدهم أن الزيارة جاءت استجابة لنداء عباس خلال مؤتمر القدس الذي نظمه الأزهر الشريف في كانون الثاني/ يناير الماضي بزيارة القدس من المسيحيين والمسلمين العرب. وبحسب الباحث القبطي المعارض للكنيسة جرجس فهمي فإن "هناك أربعة وفود كنسية زارت القدس بالفعل خلال الفترة من 2016 وحتى أبريل 2018م، وحصلت على تأشيرات من السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وقامت بالتنسيق مع المخابرات المصرية، وفي كل مرة تنفي الكنيسة رسميا علمها بالزيارة وأنها لا تمثلها، رغم أن الوفود يتقدمها آباء وكهنة وقسيسون يقدمون أنفسهم باعتبارهم ممثلين للكنيسة والبابا".[4]

ويؤكد فهمي أن "البابا تواضروس هو أكثر البابوابات تطرفا وتعصبا ضد المسلمين، وبالتالي فليس لديه مانع من التطبيع مع إسرائيل نكاية في المسلمين، سواء المصريون أو الفلسطينيون، وهو يرى أنه بذلك يتناغم مع رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الذي يهتم بالعلاقات الثنائية مع إسرائيل". وأشار فهمي إلى أن "الكنيسة تقدم تسهيلات للأقباط الراغبين في الحج بالقدس المحتلة"، مستدلا بأن "أكبر شركة تقدم هذه الخدمة مملوكة لصبري يني أحد المقربين جدا من البابا، وهو الذي يقوم بالحصول على الموافقات الأمنية الخاصة وكذلك إنهاء إجراءات التأشيرات من السفارة الإسرائيلية، مما يشير إلى أن الكنيسة تتابع هذه الرحلات بشكل غير مباشر".

فإذا كانت الكنيسة ترفض هذه الزيارة بالفعل، فلماذا لم تقم بتوقيع أية عقوبات على رعاياها الذين زاروا القدس خلال السنوات الماضية، ولماذا تسمح بنشر إعلانات الشركات المنظمة لهذه الرحلات داخل الكنائس والأديرة، بل وهناك آباء وكهنة يسمح لهم بالسفر ضمن الرحلات لشرح الشعائر الدينية للأقباط، باعتبار أن كثيرا منهم لم يقم بهذه الزيارة طوال عمره".إذا .. موقف الكنيسة هو منح الضوء الأخضر لرعاياها بالتطبيع العلني بمباركة كهنة الكنيسة، وهي توجهات تتسق تماما مع توجهات النظام وشيوخه من أمثال على جمعة المفتي السابق الذي زار القدس عام 2012 وكذلك أسامة الأزهري مستشار السيسي للشئون الدينية الذي يدعو المسلمين كذلك إلى زيارة القدس باعتبارها دعما للفلسطينين مخالفا بذلك الموقف الرسمي للأزهر الشريف الذي يتشدد على تحريم ذلك باعتباره تطبيعا مرفوضا يصب في صالح الصهاينة.

ويفسر البعض أسباب تراجع الأقباط للحج في 2018 بنسبة 20%  بأنه ليس نابعا من مواقف وطنية تضامنية مع الفلسطينيين، ولكن خوفا من التوترات التي تشهدها الأراضي المحتلة بعد قرار الرئيس الأمريكي بنقل سفارة بلاده للقدس الشريف. وبالتالي تراجع أعداد الحجاج المسيحيين المصريين كان خوفا من أن يكونوا هدفا في هذه التوترات".

 

حكم الدستورية .. تحريض على التطبيع

من المحطات الفاصلة كذلك في طريق التطبيع الكنسي مع الكيان الصهيوني برعاية ودعم نظام العسكر، حكم المحكمة الدستورية الصادر  في السبت 04 فبراير 2017م، والذي وصفته الكثير من المصادر القبطية، وغيرها، بالحكم التاريخي، ينطلق من باب مبدأ المساواة العامة بين جميع المواطنين في الدستور، وعدم التمييز بينهم على أساس ديني، ويقضي الحكم بأحقية الموظفين العموميين المسيحيين بالحصول على إجازة لمدة شهر كامل مدفوعة الأجر، مرة واحدة في العمر، وذلك من أجل الحج إلى بيت المقدس (رغم أنه ليس فريضة أساسية في الديانة المسيحية)، أسوة بأقرانهم المسلمين الذين يُسمَح لهم بالحصول على إجازة موازية لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة.

ونصَّ الحكم على عدم دستورية الفقرة الأولى من قانون العاملين المدنيين في الدولة، والذي أتاح تطبيقه منح هذه الإجازة الخاصة من أجل أداء فريضه الحج للمسلمين فقط، دون أن يكون للمسيحيين حقٌّ موازٍ في إجازة مماثلة للحج إلى المزارات المسيحية المقدسة في القدس الشريف.

بالطبع رفضنا هنا لا ينصب على الحكم الذي يرمي لعدم التمييز لكن ربطه بالحج هو ما يثير كثيرا من الشكوك ويمثل تحريضا من القضاء للأقباط للذهاب إلى القدس وهو ما يمثل فتح الأبواب الشعبية أمام مزيد من التطبيع الشعبي المدعوم من النظام العسكري والنظام الإقليمي والدولي. فقد كان يمكن للمحكمة أن تمنح للقبطي الحق في هذه الإجازة مرة في العمر مع تركها مفتوحة، دون ربطها بمسألة الحج.

وقد عبّر ممثلون عن الكنائس المصرية الثلاث الرئيسية عن تأييدهم لهذا القرار، وأنه تفعيل لدولة المواطنة. وركَّزت أغلب التعليقات المرحِّبة بهذا الحكم على أنه إقرار لمبدأ عدم التمييز، لكن بعض هؤلاء المؤيدين أظهروا تأييداً مشروطاً، مثل النائبة سوزي ناشد عضو لجنة الشئون الدستورية بمجلس الشعب والتي ذكرت في تصريحات صحفية،  أن الحكم خطوة جيدة، لكن لن يكون له معنىً بالشكل الكامل، إلا إذا تغيَّرتِ الأوضاع بفلسطين المحتلة وتحررت القدس، لأن الكثير من المسيحيين يتحفظون على زيارة القدس تحت الاحتلال.

كما صرح محامي الكنيسة القبطية المستشار منصف سليمان، عضو المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذوكس بأن الكنيسة لا تزال متمسكة بموقفها الوطني السابق بعدم زيارة القدس تحت الاحتلال بالرغم من هذا الحكم، وذكر نصاً أنه:«لا تطبيع إلا مع الجميع.. شيخ الأزهر وبابا الكنيسة»

لكن في الجهة الأخرى، يرى الكثيرون أن التطمينات الكلامية لا معنى لها، فالحكم يشرع مزيداً من الأبواب أمام التطبيع مع إسرائيل، وأنه يأتي في إطار توجه عام لنظام العسكري بعد الثلاثين من يونيو للتقارب مع إسرائيل، خاصة وقد قدمت إسرائيل ولا تزال دعماً سياسياً مفتوحاً للنظام، خاصة في الترويج لشرعيته في المحافل الدولية، واستغلال نفوذ اللوبي الصهيوني لمنع أية عقوبات عليه بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب مرسي في يوليو 2013، واكتساب المزيد من التأييد لنظام السيسي في أوساط النخب السياسية والإعلامية الأمريكية.[5]

وهكذا يواصل قطار التطبيع السريع انطلاقته ماراً بمحطات سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية وعسكرية. ويبدو أن الأيام القادمة ستحمل لنا المزيد من مفاجآت التطبيع الصادمة.

 

رهان الكنيسة على النظام

ودائما ما كان رهان الكنيسةعلى النظام الحاكم بعيدا عن الشعب ، ولعل زيارة البابا بنفسه إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال سبتمبر الماضي لحشد الأقباط لاستقبال الجنرال السيسي في نيويورك خلال المشاركة في فعاليات الجمعة العامة للأمم المتحدة خير دليل على ذلك.

كما كانت مشاركة الكنيسة والبابا في مؤامرة الانقلاب على المسار الديمقراطي والرئيس المنتخب  من الوضوح والفجاجة ما يمثل شرخا لن يندمل بسهولة على مر السنين، فقد أيقنت الغالبية المسلمة  أن الكنيسة تمارس أبشع صور العهر السياسي، ولا تمانع مطلقا منع التحالف مع النظم المستبدة والاحتلال الأجنبي على حساب الشعب والوطن وثقافته وحضارته ربما أملا منهم أن تعود مصر قبطية كما كانت قبل الإسلام الذي يؤمن بالمسيح كما يؤمن بمحمد عليهما السلام.

وفي إحدى محاضراته عدد البابا مكاسب الكنيسة بعد انقلاب 30 يونيو ومنها:

أولا، لأول مرة  يكون للأقباط محافظين اثنين منهما امراة.

ثانيا، لأول مرة يكون للأقباط 39 نائبا في البرلمان وليسوا  ثلاثة أو خمسة.

ومن المكاسب التي حققتها الكنيسة كذلك سن قانون بناء الكنائس في 2016، وكافأ النظام البابا بعد عودته مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية بتقنين بناء 120 كنيسة في 12 أكتوبر الجاري، وبذلك يرتفع عدد الكنائس والمباني المقننة إلى 340 كنيسة ومبنى منذ فبراير 2018م.[6] ووفق تقارير حقوقية محلية غير حكومية مطلع العام الجاري، تقدمت الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية) للحكومة بـ3730 طلبا لتقنين كنائس ومباني خدمات (ملحقة بالكنائس) غير مرخصة.

خلاصة القول، أن البابا تواضروس الثاني يأخذ الكنيسة نحو مسارات سياسة تتصادم مع الأغلبية المسلمة ويعقد مع نظام العسكر صفقات من أجل تحقيق مكاسب تجعل الأقباط «أقلية دينية» وليسوا جزءا من نسيح الشعب الكبير الذي يرزح تحت ظلم واستبداد العسكر، يعزز ذلك تصريحات البابا في أمريكا حول مكاسب الكنيسة فهو خطاب طائفي بإمتياز؛ يتحدث عن مكاسب الأقباط على حساب الشعب.

وموقف الكنيسة من التطبيع عليه أدلة وشواهد كثيرة، منها زيارة البابا للقدس في 2015 ، بخلاف 4 وفود كنيسة من 2016 حتى أبريل 2018م، وإشراف الكنيسة على حج الأقباط عبر شركة تابع لها، ورغم أن تصريحات الكنيسة تؤكد أنها لا تزال ترفض الحج باعتباره شكلا من أشكال التطبيع إلا أن الكنيسة لم تعاقب قبطيا على مخالفته لهذا القرار ما يؤكد أن الكنيسة تصرح بالمنع وتمنح ضوءا أخضر  لرعايا ليذهبوا إلى القدس حتى لو كان ذلك يخالف الإجماع الشعبي من جهة ويشرعن الاحتلال من جهة أخرى.

 



[1] مصطفى رحومة/ حج الأقباط إلى القدس بين "الحلال والحرام" ورحلات شركات السياحة/ الوطن  الإثنين  01 أكتوبر 2018

[2] زيارة تواضروس إلى القدس: تطبيع عملي وتمسك نظري بالمقاطعة/ العربي الجديد 27 نوفمبر 2015

 

[3] سعد عبالرحيم/ حج الأقباط إلى القدس... تهديدات كنسية لا تمنع التطبيع/ العربي الجديد 24 أبريل 2016

 

[4] سراج الدين محمدين/حج الأقباط للقدس.. هل هو تطبيع برعاية البابا تواضروس؟، "عربي 21" الإثنين، 09 أبريل2018

 

[5] محمد صلاح قاسم /بعد حكم حج الأقباط للقدس: التطبيع على قدم وساق/ إضاءات 13 فبراير 2017

 

[6] مصر.. تقنين أوضاع 120 كنيسة غير مرخصة/ الجزيرة نت 12 أكتوبر 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة