ترجمة دراسة أوروبية بعنوان "مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط 2020"

 ترجمة دراسة أوروبية بعنوان "مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط 2020"

 

حددت الدراسة أربعة سيناريوهات لمستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بناء على التفاعلات بين الدور الأمريكي والاتحاد الأوروبي والقوي الكبري والفاعلين الاقليمين الهامين خصوصاً السعودية وإيران. وفيما يلي نعرض للسيناريوهات الاربعة التي عرضتها الدراسة.

السيناريو الأول: دور نشط للولايات المتحدة الأمريكية داخل الشرق الأوسط المتقلب.

تتحول الولايات المتحدة بحلول منتصف عام 2020،  من نهج  التدخل الحذر الذى اتبعته إدارة أوباما، تاركة بعض الآثار السياسية العسكرية داخل الشرق الأوسط الأوسع، إلى احتواء الأزمات التى اندلعت فى سوريا والعرق واليمن ولبنان  فى آواخر 2010، إلا أن الإدارة الأمريكية وشركائها عجزوا عن تحقيق السلام فى المنطقة، على الرغم من استمرار إيران فى تنفيذ خطة العمل المشتركة، فضلاً عن العلاقة مع المملكة السعودية ، حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى التماهى مع المصالح السعودية فى ظل ضرورة الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران.

يستمر التنافس ما بين إيران والسعودية، حيث يُنظر لإيران على أنها السبب فى زعزعة الأمن والاستقرار فى المنطقة، فعلى الرغم من التزام إيران بتنفيذ خطة العمل المشترك، إلا أن المملكة السعودية لا تزال غير واثقة فى النوايا الإيرانية، خصوصاً مع استكمال إيران لبرنامجها النووي.

إن توتر العلاقات السعودية- الإيرانية، يجعل من الصعوبة بمكان إيجاد تسوية دولية لتحديد مصير نظام الأسد، على الرغم من المحاولات المستميتة من الولايات المتحدة للتوسط فى عملية السلام، حيث أن استمرار الحرب فى سوريا يخلق صراعا بالوكالة بين إيران والمملكة السعودية ، بما فى ذلك حلفاء كلاً منهم، فى محاولة لجذب حزب الله اللبنانى بعيداً عن ساحة  المعركة فى سوريا، حيث عملت المملكة السعودية لسنوات على تقديم دعمها للسنة النشطين فى المناطق الحدودية فى لبنان، الذى بدوره أثار ردود الأفعال من حزب الله والجيش اللبنانى مما فاقم التوترات بين المجتمعات المحلية المتوترة بالفعل.

القوى الكبرى فى المنطقة، المملكة السعودية، مصر، إيران، تركيا، لم تتأثر كثيرا بالخلافات فى المنطقة، على الرغم من تعقد الوضع فى تركيا بسبب الحرب الأهلية التى يخوضها حزب العمال الكردستانى. حيث أن الانتعاش التدريجى لسعر النفط مع أوائل عام 2020، سوف يساعد فى تحسين اقتصاد الدول المصدرة له، وهو أحد الأسباب المهمة،  كما أن العراق قد استطاع بفضل النجاحات التى تحققت ضد داعش وإستعادة معظم المحافظات الغربية، أن يحقق الاستقرار من الناحية الأمنية.

يختلف هذا السيناريو عن الوضع فى عام 2016، حيث كانت تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق الاستقرار فى المنطقة بشتى الوسائل، بما فى ذلك العسكرية منها، إلا أنها عجزت عن تحقيق السلام فى سوريا ووقف الحرب، وأصبحت داعش تمثل العدو المشترك لمعظم البلاد فى المنطقة، هذا أسهم فى انتقال الحرب إلى لبنان، وبالتالى وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة لإعادة الانخراط من أجل تحقيق الاستقرار فى المنطقة، حيث أسهمت الفوضى وفراغ السلطة فى لبنان، إلى ترسيخ المنظمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة وهو ما لا تسمح الولايات المتحدة بوجوده.

كما أن هناك خطر حدوث أعمال عدائية مفتوحة بين إيران والمملكة العربية السعودية كسبب لاستمرار استخدامهم للعملاء بالوكالة وتصاعد الخلافات الثنائية، وبصرف النظر عن عواقب ذلك على المنطقة، فإنه يضع الاتحاد الأوروبى فى موقف صعب للغاية، حيث سيكون له تداعيات واسعة النطاق في مجموعة من المجالات السياسية والاقتصادية . حتى لو تم تجنيب الحرب بين القوى الإقليمية، فإن تدفقات الهجرة التى يتم تمكينها جزئيا وتغذيها بسبب الحرب الأهلية، سيجعل من الصعب على الاتحاد الأوروبى الاستجابة لها.

 

السيناريو الثاني: تعاظم الصراعات بين القوى العظمى.

 أهم الاسباب الرئيسية خلف تصعيد الصراعات بين القوى العظمى يتمثل فى انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، واستمرار النزاع بين إيران والمملكة العربية السعودية بحلول منتصف عام 2020، كما حدت الولايات المتحدة بشكل كبير من تواجدها العسكرى في الشرق الأوسط. فهناك العديد من التطورات مجتمعة معاً قد تسببت بهذا. فلم تعد الولايات المتحدة تعتمد على الشرق الأوسط في الحصول على الطاقة. وكانت تنطوى نظرية  "ذروة النفط " ، كما كان يطلق عليه في أوائل عام 2000 ، على النفاد الوشيك  لمصادر الطاقة الهيدروكربونية ، ولكن اتضح  فيما بعد أن ذلك كان من باب إساءة التفسير. ونظراً للتحسينات التى اُدخلت علي  تكنولوجيا استخراج البترول  ووجود الاحتياطات الضخمة من الغاز غير التقليدي ، أصبحت الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا فيما يخص مصادر الطاقة. وبيد أن الصين, وهى أكثر أهمية من  الحديث حول مسألة موارد الطاقة,  تتصرف بشكل أكثر حزما  في بحار الشرق وبحر الصين الجنوبى. وبالتالى فمن الصعب الضغط على الولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها في شرق آسيا وتحديد مدي أولوية الدخول هناك ، بما في ذلك التوسع فى تواجدها العسكرى .

إن استمرار التحديات في الهيكل الأمنى الأوروبى  من جانب روسيا ​​وتضارب المصالح الدائم بين روسيا والغرب يعني أن المزيد من الإمكانات العسكرية الأمريكية مقيدة في أوروبا. مع سحب الولايات المتحدة لقواتها العسكرية من الشرق الأوسط، فإنها تترك فراغاً في السلطة في المنطقة. وتحاول كلا من روسيا وبدرجة أقل الصين بشغف ملء هذا الفراغ، وكذلك إيران والسعودية. ونتيجة لذلك، أصبحت منطقة الشرق الأوسط تنقسم بصورة متزايدة إلى مجالات للمصالح. إن عجز المجتمع الدولي عن إيجاد طريق للمضي قدماً نحو إنهاء الحروب في الشرق الأوسط قد تفاقم  بسبب استمرار التوتر المتصاعد بين إيران والمملكة العربية السعودية. وهذا يعني أن الحروب في سوريا والعراق واليمن  لن تُحل فى عام 2020؛ مما يترتب علي ذلك استمرار عدم الاستقرار في كافة أنحاء الشرق الأوسط. وبسبب تصاعد التوترات بين القوى العالمية الكبرى ، لا يزال المجتمع الدولي في مأزق وغير قادر على الاتفاق على نهج مشترك يؤدي إلى إنهاء الأعمال العدائية. وفي المملكة العربية السعودية ، يزداد قمع الأقلية الشيعية في البلاد , وتحاول الحكومة السعودية التعامل مع ضغوط مقاومة التقدم الإيراني في الساحة الإقليمية ومجابهة التأثير المتزايد للجماعات الإرهابية المناهضة للسعودية في نفس الوقت.

ويتصاعد السخط الشعبي عندما تخفق المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى سلوكها القمعي تجاه الشيعة ، في ردع الهجمات الإرهابية التي تستهدف الأهداف الشيعية  داخل حدود البلاد.

تعافى الاقتصاد الإيراني ببطء عقب تنفيذ الاتفاق النووي في عام 2015، ولكن استمرار سوء إدارة الاقتصاد وفضائح الفساد المتكررة تسبب الاحتكاك.

وقد يتم استبدال أيه الله الخامنئي بمتشدد متطرف ، هذا وبالإضافه إلى تبنيه موقف أيديولوجي أكثر راديكالية من سلفه فإنه يفتقر أيضا إلى البراغماتية والمهارة لتحقيق التوازن بين النخب الإيرانيه ضد بعضها البعض. وقد يسُمح لمعسكر أية الله السياسي الجديد بأن يصبح مؤثراً وذو نفوذ بشكل غير متناسب.

السيناريو الثالث: تقارب العلاقات الإيرانية_السعودية والقيادة الأمريكية

يشهد العالم تقدما كبيرا نحو علاقات أكثر استقرارا وأقل عرضة للنزاعات، حيث كانت القيادة الأمريكية فى رعاية صفقات السلام مفتاحاً لجلب الحروب فى سوريا والعراق واليمن، وبالتالى ساهم إعادة توجية الإدارة الأمريكية فى التركيز على عمليات المفاوضات، فى استعادة الولايات المتحدة بعض المصداقية التي فقدتها خلال فشل إدارة أوباما في الحفاظ على خطها الأحمر في استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا.

في أعقاب العديد من اتفاقات السلام التي تناولت انهاء الحرب فى كلاً من سوريا والعراق واليمن، تعمل إيران والمملكة العربية السعودية على تصميم علاقات بناءة، بعد تأكد القوى الأقليمية أن القوي الجهادية  والإرهاب أصبحا غير قابلين للسيطرة وسيشكلان تهديد مباشر لاستقرار أمن المنطقة، فقد أدى انتشار إرهاب قوى ونشط داخل كلا من المملكة العربية السعودية وإيران، إلى أن تعترف القوتان بالحاجة إلى التوصل إلى حل وسط فى سوريا كدولة أولى كخطوة لتخليص المنطقة من المنظمات الجهادية.

بمجرد أن يمارس الرعاة الإقليميون لتشكيلات القتال الرئيسية في سوريا ضغوطًا للمشاركة بصدق في عملية سلام، سيسهم ذلك فى وقف إطلاق النار، وسيتبع ذلك مناقشات سياسية حول كيفية إعادة بناء سوريا. في العراق حقق الانتصار على داعش وسلسلة من الانتخابات الناجحة توازنا سياسيا إيجابيا. الحكومات المركزية المتتالية تظهر الآن المزيد من الاحترام من أجل حقوق الفصائل السياسية العديدة في العراق، والقضايا المتضاربة حول الأراضي والموارد الطبيعية مع الحكومة الإقليمية الكردية (KRG) قد تمت تسويتها نهائياً. لم تعد إيران والمملكة العربية السعودية تشعران بالحاجة الملحة إلى استخدامها الوكلاء للتأثير على هياكل السلطة العراقية.

ليس هناك شك في أن هذا السيناريو سيكون له نتائج إيجابية ليس فقط بالنسبة للمنطقة، ولكن أيضا بالنسبة لأوروبا. واحدة من هذه العواقب هى تخفيض تدفقات اللاجئين على أوروبا من الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إنكار أن يكون الشرق الأوسط ملاذاً أمناً لداعش والجماعات الإرهابية الأخرى.

لقد تسببت عملية البحث عن حلول للحروب الطويلة في إحباط شباب المنطقة، بشأن فكرة التغيير الديمقراطى، على الرغم من أنه ربما كان مصدر قلق هامشي بالنظر إلى حجم المعاناة الإنسانية الناجمة عن الصراعات، إلا أن الاتحاد الأوروبي قد يستثمر الكثير من رأس المال السياسي في تعزيز القيم الديمقراطية خارج حدود أوروبا.

السيناريو الرابع: الحلم الأورو-أمريكى، السلام والأمن الأقليمى بين المملكة السعودية وإيران.

بحلول منتصف عام 2020، تقلص الولايات المتحدة من مشاركتها في الشرق الأوسط وتتبع سياسة متوازنة في الخارج. بعد أن استخدمت جميع الأدوات ذات الصلة، بما في ذلك الوجود العسكري، للمساعدة في إحلال السلام في سوريا والعراق منذ أواخر عام 2010 ، تسحب واشنطن الكثير من أصولها العسكرية من الشرق الأوسط وتركز عملها على دعم إعادة إعمار البلدان التي دمرتها الحرب.

أما بالنسبة للأمن الإقليمي، فإن الولايات المتحدة تعتمد على بناء علاقات مع دول إقليمية على أساس ثنائي. حيث تعتبر الأمن هو الأولوية للمنطقة، إلى جانب التجارة والاقتصاد اللذان يشكلان أهم مصالح الولايات المتحدة. ولكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة رأت أن المشاركة غير العسكرية في المنطقة أكثر أهمية من حل الحروب في سوريا والعراق. لقد تنازلت الولايات المتحدة عن دورها الطويل كمزود للأمن في الشرق الأوسط الكبير وخاصة في الخليج العربي، كان لهذا نتائج عميقة على العلاقات الإيرانية السعودية.

بحلول منتصف عام 2020، تتجه إيران والسعودية نحو علاقة أقل تصادمية وتعاونية، بشكل غير متوقع، يبدو أن تحول الأحداث جاء جزئياً نتيجة للانسحاب الأمريكي من المنطقة، حيث  اعتادت كلاً من إيران والمملكة العربية السعودية (مع شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي)  على مدى عقود، إن لم يكن قرون، على مشاركة الدول غير الإقليمية في المنطقة كموازنين وموفرين للأمن تحت هيمنة الولايات المتحدة.

تضطر الدولتان إلى إعادة النظر في استراتيجياتهما وصياغة مصالحهما الأساسية، ومع غياب الولايات المتحدة، حيث يقرر كلاهما أن أمن واستقرار الخليج هو طموح شامل، وخاصة في عصر الضغوط الاقتصادية. مفهوم "التجارة أولاً" ليس جديدًا، تتمتع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي إلى حد ما بعلاقات تجارية جيدة عبر الخليج لعقود عديدة. ويتمثل النهج الإيراني فى إعادة الانخراط في سياسة لبناء الثقة حول الخليج (نسخة أكثر نشاطاً من سياسة "حوار الحضارات" في التسعينيات التي اتبعها الرئيسان رفسنجاني وخاتمي)،  يبدو أن بعض المبادرات الرئيسية ، مثل إزالة السيطرة العسكرية العملياتية على الخليج من سلاح البحرية الإيرانية وتسليمها إلى البحرية النظامية، تؤكد على الرغبة الحقيقية لطهران في تعزيز بناء الثقة.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة