عودة مساعي توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

  

عودة مساعي توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

شهدت القاهرة مفاوضات بصورة شبه دورية بين مجموعة من الضباط الليبين فى الغرب والشرق من أجل توحيد المؤسسة العسكرية الليبية برعاية مصرية. إلا أن هذه المفاوضات قد توقفت طويلاً منذ أخر لقاء فى مارس الماضى، ليتم الحديث عن عدم جدواها، وانهيار هذا المسار، لتشهد القاهرة مؤخراً عودة هذا المسار التفاوضى، وتعتبر هذه الجولة هى الجولة السابعة من المفاوضات المنعقدة لهذا الغرض. وتسعى الورقة إلى التعرف على ما أهم ما تم الإتفاق عليه فى هذه الجولة، ومعوقات تنفيذ هذا الإتفاق.

أهم بنود الإتفاق

أعلن المتحدث باسم قوات حفتر، العقيد أحمد المسماري فى 19/10/2018 عن توصل ضباط الجيش في اجتماع القاهرة إلى إتفاق بشأن تأسيس ثلاثة مجالس عسكرية، والإتفاق على أن يكون حفتر واجهة الجيش. وهى التصريحات التى نفاها المجلس الرئاسى لحكومة الوفاق، وإن كان النفى يركز على وجود إتفاق نهائى، وليس التوصل إلى تفاهم وإتفاق مبدئي[1].

وتتمثل أهم بنود هذا الإتفاق المبدئى فى: الإبقاء على الجنرال حفتر في منصبه الذي منحه له البرلمان الليبي في طبرق، قائداً عاماً للقوات المسلحة مدة 4 سنوات، يضاف إليها عام آخر. تشكيل ثلاثة مجالس (مجلس للأمن القومي بقيادة سياسية، ومجلس للدفاع الوطني بقيادة سياسية عسكرية، ومجلس للقيادة العامة بقيادة عسكرية)، وسيتولى المجلس الأعلى للدفاع قيادة أركان البحرية والجوية، بينما سيتبع مجلس القيادة العامة القوات البرية، على أن يخضع القائد العام لأوامر رئيس المجلس الأعلى للدفاع[2].

ويتولى رئيس الدولة قيادة القوات المسلحة ويعتبر القائد الأعلى وتخضع القوات المسلحة لإشرافه، ويحق له تعيين القائد العام ورئيس الأركان وإعفائهم بناء على اقتراح مجلس الدفاع الوطني، وإعلان حالة النفير والحرب.  ويكون وزير الدفاع ممثل المؤسسة العسكرية سياسيًا من خلال مجلس الوزراء، ويقوم بتنفيذ السياسة الدفاعية للقوات المسلحة من خلال توجيهات القائد الأعلى وسياسات مجلس الوزراء. أما فيما يتعلق بمنصب القائد العام، فهو يكون أقدم ضابط عامل في المؤسسة العسكرية ويرأسها وهو المسؤول الأول أمام القائد الأعلى[3].

الخلافات حول الاتفاق

هيمنة العسكريين: يرى العديد من المراقبين أن هذا الإتفاق يكرس للهيمنة العسكرية على رأس السلطة، فعلى الرغم من أنه يشير إلى خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، إلا أنه يعمل على عكس ذلك، من خلال تمكين العسكريين من السيطرة على مجلسى الدفاع والقيادة العامة، فمجلس القيادة العامة هو مجلس عسكرى بالكامل، إلى جانب أن مجلس الدفاع الوطنى يسيطر على أغلبه العسكريين بنسبة تكاد تصل إلى 75%[4]. وبالتالى، فإن من يسيطر بالفعل على القرار العسكرى هم العسكريين وليس الرئيس (المدنى)، بل إن هناك أحاديث عن عدم موافقة حفتر على خضوع المؤسسة العسكرية تحت سيطرة المجلس الرئاسى إلا بعد إعادة تشكيله وضمان وجود أطراف داعمة لحفتر به. وقد صرح حفتر فى السابق بأن الجيش لن يخضع إلا لسلطة منتخبة شرعية يتفق عليها كل الليبيين، مما يدعو لتساؤل عن ما إذا كان مشروع توحيد المؤسسة العسكرية -حال نجاحه- سيدخل حيز التنفيذ مباشرة أم أنه سينتظر إجراء الانتخابات المرتقبة؟[5].

عدم نزاهة الطرف المصرى: فهناك تشكك خلف الدور المصرى بسبب انحيازه لطرف (حفتر) على حساب طرف أخر. بل هناك أحاديث عن قيام مصر بإعادة فتح ملف توحيد المؤسسة العسكرية حالياً من أجل ضمان بقاء حليفها حفتر، خاصة أن الإمارات صارت أكثر دعماً لعارف النايض لرئاسة البلاد، لذا فإن القاهرة تسعى للإبقاء على حفتر من خلال هيمنته على الجيش كاملاً[6]. بل يرى البعض أن مصر ستكون أكثر انحيازاً إلى حفتر، خاصة نتيجة جهود قواته فى تأمين الحدود المصرية الغربية، إلى جانب دوره فى القبض على ما تعتبره مصر إرهابيين مثل القبض على هشام عشماوى مؤخراً. كما أن البعض يرى أن مصر تسعى إلى استنساخ التجربة المصرية فى ليبيا، من خلال تقوية المؤسسة العسكرية وتوحيدها تحت قيادة حليفها، بل قد تقوم مصر بالتنازل عن منصب الرئاسة فى ليبيا لشخصية مدنية كالسراج، ثم بعد ذلك يتم الإطاحة به من قبل القيادة العسكرية، التى تسعى مصر إلى إعطائها الحصانة لمدة 5 سنوات.

وتأتى هذه المساعى المصرية كجزء مما تشهدها ليبيا من محاولة جميع الأطراف لتأكيد وجودها ونفوذها قبل انعقاد مؤتمر باليرمو فى نوفمبر المقبل فى ايطاليا. فقد ظهرت محاولات من جانب حكومة السراج بإجراء تعديل وزارى على حكومته؛ لتأكيد سيطرته على الأمور بعدما شهدته العاصمة طرابلس مؤخراً من اشتباكات بين المليشيات. إلى جانب ما يبدو أنه تقارب بين مجلسى الدولة والنواب حول تعديل المجلس الرئاسى ليتكون من رئيس ونائبين عن الأقاليم الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان)، بالإضافة إلى موافقة مجلس النواب على تضمين إتفاق الصخيرات كجزء من الدستور الإنتقالى، وهو التقارب الذى جاء بعد الحديث عن وجود إتجاه دولى بتجاوزهما.

وبالتالى فإن سعى مصر لتوحيد المؤسسة العسكرية فى هذا التوقيت بعد توقف هذا المسار لفترة طويلة، يأتى كسعى لتأكيد نفوذها، وضمان وجود قوى لحليفها حفتر، خاصة وأن غسان سلامة في لقائه الذي نشرته الحياة اللندنية في السابع من أكتوبر الحالى أكّد على ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية تحت مظلة الأمم المتحدة كطرف محايد، وهو ما يبدو إشارة إلى عدم حياد الطرف المصري، وهذا ما يفسر عدم نشر جريدة الشرق الأوسط، أثناء لقائها بغسان سلامة أثناء زيارته الأخيرة، أي تصريح له بخصوص المساعي المصرية لتوحيد المؤسسة العسكرية.

عدم وجود ألية لتجميع السلاح: فالإتفاق لم يشر إلى ألية محددة لجمع السلاح من قبل المليشيات المختلفة، وما إذا كانت ستوافق هذه المليشيات على تسليم سلاحها من الأساس، خاصة فى ظل رفض بعض هذه المليشيات المشاركة فى هذه المفاوضات أبرزها قوات البنيان المرصوص، إلى جانب تصاعد الخلاف والصراع بين هذه المليشيات مثلما ظهر مؤخراً فى طرابلس. هذا بالطبع، إلى جانب عدم الإتفاق إلى الأن على الشخصيات التى ستتولى المناصب القيادية، وبعض هذه القيادات المرشحة مثيرة للجدل وأبرزهم حفتر.

 



[1] أسامة على، "هذا ما توافق عليه الضباط الليبيون في القاهرة وما لم يحسم بعد"، العربى الجديد، 20/10/ 2018، الرابط التالى:

https://www.alaraby.co.uk/politics/2018/10/20/%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D9%88%D8%A7%D9%81%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%A8%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9

[2] المرجع السابق.

[3] إبراهيم بلقاسم، ومحمد على، " بعد عام من توقفها.. اجتماعات «توحيد المؤسسة العسكرية الليبية» بالقاهرة تضع اللمسات اﻷخيرة"، مدى مصر، 22/10/2018، الرابط التالى:

https://madamasr.com/ar/2018/10/22/feature/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%81%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4/  

[4] " عن ماذا أسفر اجتماع توحيد المؤسسة العسكرية الليبية في القاهرة؟"، القناة التاسعة، موقع يوتيوب، 22/10/2018، الرابط التالى:

https://www.youtube.com/watch?v=0LTijVFrnvc

[5] إبراهيم بلقاسم، ومحمد على، مرجع سابق.

[6] علاء فاروق، مرجع سابق. 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة