من يشتري غاز إسرائيل؟ شركة مملوكة للمخابرات المصرية[1]

من يشتري غاز إسرائيل؟ شركة مملوكة للمخابرات المصرية[1]

نشر موقع مدي مصر تحليلاً هاماً عن ابعاد اتفاقيات الغاز المصرية الاسرائيلية وطبيعة الشركة المسئولة عن استيراد الغاز الاسرائيلي، وفيما يلي نعرض لأبرز ما جاء فيه.

أولاً: السيطرة على حقول النفط:

يمكن الإشارة إلى خطوات عملية استيراد على الغاز الإسرائيلى كما يلى:

الخطوة الأولى: عندما قررت مصر مؤخرًا استيراد الغاز الإسرائيلي ظهرت الحاجة إلى رجل أعمال مصري ليلعب الدور الذي سبق وأن لعبه حسين سالم في عصر حسني مبارك، رجل الأعمال المقرب من السلطة والذي تم تكليفه بالتعاقد لتصدير غاز مصر إلى إسرائيل قبل ثورة يناير، في صفقة تم محاكمة جميع المسؤولين عنها في أعقاب الثورة بتهم التربح والرشوة وتكبيد مصر خسائر هائلة بسبب بيع غازها النادر لإسرائيل بأقل من السعر العادل.

وقد وقع الاختيار على علاء عرفة، الطبيب السابق ورئيس شركة عرفة القابضة التي ورثها عن والده اللواء أحمد عرفة، الطيار العسكري السابق والصديق المقرب أيضًا لمبارك. كان علاء عرفة اختيارًا منطقيًا بالنظر إلى خبرته الطويلة في التعامل التجاري مع إسرائيل في مجال المنسوجات ضمن اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) الموقعة بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة في 2004، والتي تسمح للمنتجات المصرية بالدخول إلى الأسواق الأمريكية دون جمارك أو حصص محددة بشرط دخول نسبة من المكون الإسرائيلي في تصنيعها. وإلى جانب المنسوجات فإن شركة عرفة لديها خبرة كبيرة في مجال الطاقة.

الخطوة الثانية: إحياء نشاط شركة دولفينوس القابضة (التى يملكها علاء عرفة، والمسجلة في الجزر العذراء البريطانية)، واستعمالها كواجهة مصرية لاستيراد الغاز من إسرائيل. وفي ديسمبر 2015 منحت وزارة الطاقة الإسرائيلية مالكي حقلي ليفاياثان وتمار الإسرائيليين التصريح ببيع الغاز المستخرج منهما لحساب دولفينوس.

الخطوة الثالثة: قامت شركة «دولفينوس القابضة» بإنشاء شركة تابعة في لوكسمبورج حملت اسم «بلو أوشن Blue Ocean».

الخطوة الرابعة: كان لا بد من التحرير الكامل لقطاع الغاز الطبيعي المصري ليتمكن القطاع الخاص لأول مرة من استيراد وبيع الغاز الطبيعي في مصر. قدمت الحكومة مشروع قانون لتحرير التجارة في الغاز، وافق عليه مجلس النواب دون تعديل يذكر في يوليو 2017، وصدر بتصديق السيسي بعدها بشهر واحد. بموجب القانون تحول دور الدولة إلى مجرد منظم لقطاع الغاز، وأصبح من حق الشركات الخاصة أيضًا استخدام الشبكة القومية لتوزيع الغاز الطبيعي وكافة منشآت البنية التحتية المملوكة للدولة في هذا القطاع.

أصبحت الطريق بذلك ممهدة لتشتري «دولفينوس» الغاز من إسرائيل ثم تبيعه لمصر. صدرت اللائحة التنفيذية لقانون الغاز الجديد في فبراير 2018 وبعدها بأسبوع وقعت «دولفينوس» اتفاق شراء الغاز مع ديليك الإسرائيلية ونوبل إنيرجي الأمريكية، وهى الصفقة التى بلغت قيمتها  15 مليار دولار.

الخطوة الخامسة: قامت شركة غاز الشرق المصرية (التى يتولى رئاستها التنفيذية، محمد شعيب، الرئيس السابق للشركة القابضة للغازات الطبيعية)، وهى الشركة التي يملك جهاز المخابرات العامة غالبية أسهمها (مع حصة صغيرة لكل من الهيئة المصرية العامة للبترول، والشركة القابضة للغازات الطبيعية). في مايو 2018، بعد ثلاثة أشهر من توقيع اتفاق شراء الغاز الإسرائيلي، بعقد اتفاق شراكة مع بلو أوشن -لوكسمبورج (عرفة وأبو بكر)، وأنشأ الطرفان شركة جديدة باسم «إنيرجي سولوشنز» Energy Solutions. والتى تقع فى سويسرا.

وينص الإتفاق على أن غاز الشرق تملك 40% من أسهم هذه الشركة، فيما تمتلك بلو أوشن الـ 60% الباقية. ويضم مجلس إدارة إنيرجي سولوشنز -بحسب السجل- كلاً من محمد شعيب، رئيس غاز الشرق، وخالد أبو بكر وعلاء عرفة ونائبه محمد طلعت خليفة ورجل الأعمال المصري أحمد سمير عبد الفتاح غرس الدين.

وبعد توقيع الاتفاق بقيت عقبة واحدة أمام تدفق الغاز الإسرائيلي إلى الأراضي المصرية: إسرائيل لا تملك بنية تحتية لتسييل أو نقل الغاز إلى مصر. وإنشاء خط بحري بين البلدين أسفل مياه المتوسط سيكلف ثروة طائلة ويستغرق وقتًا طويلًا، وهو السبب الرئيسي لحرص الإسرائيليين الشديد على توقيع الصفقة مع القاهرة التي ستخلصها من ورطة عدم وجود مخرج لغازها الحبيس.

هنا ظهرت فكرة الاستحواذ على الأنبوب المملوك لشركة «غاز شرق المتوسط» من ملاكها من الإسرائيليين، والموجود بالفعل بين عسقلان الإسرائيلية والعريش المصرية، والذي كان يستخدم من قبل في تصدير غاز مصر إلى إسرائيل، ثم تعديله فنيًا ليضخ الغاز في الاتجاه المعاكس.

ثانياً: السيطرة على خطوط الأنابيب:

يمكن الإشارة إلى خطوات عملية شراء خطوط الأنابيب كما يلى:

الخطوة الأولى: قامت شركة غاز الشرق بالشراكة مع ديليك ونوبل بالتفاوض للاستحواذ على شركة شرق المتوسط (وهى الشركة التى تمتلك خط أنابيب الغاز بين مصر وإسرائيل). من أجل ذلك قررت غاز الشرق تأسيس شركة جديدة باسم «سفينكس»، وسجلتها خارج مصر -في هولندا- ربما لأن القائمين على الأمر في القاهرة وجدوا أن دخول المخابرات العامة في شراكة مباشرة مع شركة إسرائيلية ليس بالأمر اللائق. والمسؤول الوحيد لشركة سفينكس هو نفسه محمد شعيب، رئيس غاز الشرق، التي تملك 100% من الأسهم.

الخطوة الثانية: دخلت سفينكس (غاز الشرق/المخابرات العامة) شريكًا مع كل من ديليك ونوبل إنيرجي في شركة جديدة تسجلت أيضًا في هولندا باسم «إيميد» EMED، بنسبة 50% للشركة المصرية، وفقًا لمذكرة الإفصاح التي أرسلتها ديليك إلى البورصة الإسرائيلية. وفي نهاية سبتمبر أعلنت إيميد نجاحها في شراء حصة 37% من غاز شرق المتوسط (من رجلي الأعمال يوسي ميمان وسام زيل)، وحصة 2% من الشركة يملكها علي إيفسن، رجل الأعمال التركي (وواجهة حسين سالم تاريخيًا وربما الآن). بالتوازي حصلت الشركة المصرية كذلك على حصة إضافية من أسهم إيفسن تقدر بـ 9% من الشركة، مقابل التنازل عن كافة قضايا التحكيم المصرية ضده، والتي تم تحريكها في أعقاب ثورة يناير 2011.

وبموجب ذلك، وبعد إضافة الـ 10% التي تملكها الهيئة المصرية العامة للبترول أصبحت لدى الطرف المصري قوة تصويتية في مجلس إدارة شرق المتوسط تسمح بإسقاط قضايا التحكيم هذه ضد مصر، وهو ما كان شرطًا أساسيًا أعلنه المسؤولون المصريون مرارًا مقابل مساعدة إسرائيل على تصريف غازها الحبيس: الاستيراد مقابل الغرامات.

كما ينص الإتفاق الموقع بشأن الأنبوب على حق ديليك ونوبل في استعمال أنبوب آخر يربط بين العقبة الأردنية والعريش المصرية من أجل توريد أية كميات إضافية من الغاز الإسرائيلي في المستقبل. ووفقًا لنص الاتفاق وكذلك للمصادر الرسمية المصرية، فإن من يملك خط أنابيب العقبة-العريش بالكامل هي، أيضًا، شركة غاز الشرق المصرية.

هكذا أصبحت شركة غاز الشرق (أو بالأحرى المخابرات العامة المصرية) شريكًا في ملكية خط الغاز مع إسرائيل، وشريكًا في الوقت ذاته لـ «دولفينوس» التي ستشتري الغاز الإسرائيلي، إلى جانب كونها المالك الوحيد لخط الغاز مع الأردن، والذي سيستخدم في نقل الغاز الإسرائيلي إلى مصر في حال تعرض الخط الإسرائيلي للهجوم في سيناء أو اكتشاف عدم صلاحيته فنيًا.

لا يتوقف الأمر هنا، فقد كشفت مصادر مطلعة على الصفقة النهائية لـ «مدى مصر» أن الخطة الآن هي أن تشتري دولفينوس (أو واجهتها بلو أوشن) الغاز من نوبل وديليك، ثم تبيعه في عسقلان إلى شركة غاز الشرق المصرية نفسها، والتي ستضخه عبر أنبوب شرق المتوسط إلى العريش، وهناك ستبيعه غاز الشرق إلى الدولة المصرية، ممثلة في الشركة القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، التي ستتولى استخدامه في مصر أو تصديره للخارج.

بذلك ستكسب شركة غاز الشرق (أو بالأحرى المخابرات العامة المصرية) لحسابها الخاص من رسوم نقل الغاز من إسرائيل إلى مصر عبر الأنبوب الذي أصبحت تمتلك حصة فيه، ثم ستكسب من إعادة بيع الغاز نفسه، بعد إضافة هامش ربح، إلى الحكومة المصرية، كما ستكسب من أي صفقة لنقل المزيد من الغاز الإسرائيلي من الأردن إلى مصر ثم إعادة بيعه للحكومة المصرية بهامش ربح بعد أن تكسب بالطبع رسوم نقل الغاز عبر أنبوب العقبة-العريش الذي تملكه.

ومع كل هذه الأرباح فإن الشركة المملوكة للمخابرات، والعدد المحدود من رجال الأعمال من شركائها قد نجوا من دفع الضرائب عبر تسجيل كافة أنشطتهم التجارية في ملاذات ضريبية مختلفة خارج مصر، فضلًا عن البقاء خارج مظلة مساءلة أو عقوبات القوانين المصرية بالكامل في حال حدوث أية تطورات سياسية غير متوقعة.

ثالثاً: سيطرة المخابرات على شركة الشرق المصرية

تسيطر المخابرات على شركة الشرق، ويتضح ذلك من خلال تولى ضباط المخابرات لرئاسة مجلس إدارة الشركة، فقد تولى رئاسة مجلس إدارة الشركة عند تسجيلها الفريق عبد الوهاب سيد أحمد، نائب رئيس المخابرات العامة منذ عهد رئيس الجهاز عمر سليمان. وفي 2016 أصبح رئيس مجلس الإدارة هو اللواء طارق سلام، نائب رئيس الجهاز في عهد رئيسه السابق خالد فوزي. وبعد خروج سلام من الجهاز وتعيينه في العام الماضي سفيرًا لمصر لدى أوغندا حل محله الرئيس الحالي لمجلس الإدارة، اللواء إبراهيم عبد السلام، الذي جرى تداول اسمه في الصحف كمرشح لرئاسة الجهاز بعد الإطاحة بخالد فوزي في يناير الماضي وقبل أن يتم تكليف عباس كامل مدير مكتب رئيس الجمهورية بتولي رئاسة المخابرات. وبحسب نسخة السجل التجاري الصادرة بتاريخ 3 أكتوبر الجاري، فإن عبد السلام كان لا يزال رئيسًا للشركة حتى وقت انعقاد آخر اجتماعات مجلس الإدارة في أغسطس الماضي.

إلى جانب تولي قيادات الجهاز مسؤولية إدارة غاز الشرق منذ تسجيلها، فإن السجل التجاري يظهر بوضوح أن غالبية مقاعد مجلس الإدارة -وبالتالي غالبية ملكية أسهم الشركة- تنتمي حصريًا إلى ضباط بالمخابرات العامة، يتم تعيينهم في مجلس الإدارة كممثلين عن «الشركة المصرية للمشروعات الاستثمارية»، المعروفة في عالم الأعمال بكونها الذراع التجارية للمخابرات العامة.

رابعاً: هل حقًا «مصر جابت جون»؟

بعد يومين من الإعلان عن استيراد مصر للغاز الطبيعي الإسرائيلي في فبراير الماضي، وأثناء افتتاح السيسي لمركز لخدمة المستثمرين تطرق السيسي إلى الصفقة، قائلاً: "أن مصر جابت جون". ربما جاءت كلمات السيسي تلك للرد على حرج قد يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قد تسبب فيه للحكومة المصرية، حين خاطب بدوره الإسرائيليين بالفيديو في نفس يوم توقيع الصفقة قائلًا: «هذه الاتفاقية ستدخل المليارات إلى خزينة الدولة وستصرف هذه الأموال لاحقا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية لمصلحة المواطنين الإسرائيليين». وهي الكلمة التي اختتمها بالقول: «هذا هو يوم عيد».

وبالنظر إلى جدوى الصفقة، ففي يوم 31 يوليو 2018، تلقى محمد شعيب، الرئيس التنفيذي لغاز الشرق، تقريرًا بالإنجليزية من إعداد بنك الاستثمار «سي آي كابيتال» يحمل عنوان «مستقبل الغاز الطبيعي في مصر: تطورات القطاع تعيد التأكيد على حدوث عجز على المدى الطويل». ويعد سي آي كابيتال أحد أكبر ثلاثة بنوك استثمار عاملة في مصر (إضافة لإي إف جي هيرمس وبلتون). كما أن البنك مملوك لعلاء عرفة وشركاء آخرين استحوذوا عليه عام 2016 في صفقة بقيمة 683 مليون جنيه.

يتضمن التقرير تحليلًا مفصلًا لصفقة استيراد الغاز الإسرائيلي، وجاء فيه بالنص أن السعر الذي ستحصل به مصر على الغاز الإسرائيلي «مكلّف pricey». مضيفًا أن «القيمة التقديرية للاتفاق وهي 15 مليار دولار…مقابل 64 مليار متر مكعب ستترجم إلى سعر 6.5 دولار لكل وحدة حرارية وسُتدفع مباشرة إلى ديليك للحفر ونوبل إنيرجي وحدهما، بخلاف نفقات النقل والتوزيع المطلوبة لتوصيل الغاز إلى المستخدم النهائي».

ويستنتج التقرير أن هذه التكلفة سوف تعني بيع الغاز للمستهلك النهائي بسعر «يتراوح بين سبعة ونصف أو ثمانية دولار للوحدة الحرارية، وفقًا لحساباتنا»، مقارنة بتكلفة إنتاج الغاز المحلي في مصر (بين 1.75 دولار و3.5 دولار للوحدة الحرارية بعد اقتسام النفقات مع الشركاء الأجانب)، أو بسعر بيع الغاز في أوروبا (5.8 دولارًا للوحدة الحرارية). وفي ضوء تلك التكلفة، يختتم التقرير تحليله بالتأكيد بأنه من غير المتوقع أن تتم إعادة تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا.

وعلى الرغم من إعلان الحكومة اكتفاء مصر ذاتيًا من الغاز الطبيعي المسال (صدر الإعلان بالفعل في 29 سبتمبر). فتقرير سي آي كابيتال يقدر أن ذلك الاكتفاء الذاتي لن يستمر لأكثر من عام أو اثنين قبل أن تعود مصر للاستيراد من جديد (وهو نفس السيناريو الذي شهدته مصر من قبل حين أعلنت الاكتفاء الذاتي لفترة محدودة عام 2004 قبل أن تعود لاستيراد الغاز بشراهة).

ويقول التقرير إن الإمدادات المحلية من الغاز، بما في ذلك إنتاج حقل ظهر «ورغم ضخامته، سيتم ابتلاعها بالكامل» بسبب إحلالها محل واردات مصر الضخمة من الغاز المسال، ونمو احتياج الطلب المحلي على الغاز، والحاجة إلى إحلاله محل المازوت المستخدم حاليًا في تشغيل محطات الكهرباء بآثار سلبية اقتصاديًا وتقنيًا، فضلًا عن الانخفاض التدريجي الحتمي في إنتاج حقول الغاز الأخرى بخلاف ظهر.

ويختتم التقرير تأكيده بأن من سيتحمل تكلفة ارتفاع أسعار الغاز نتيجة ارتفاع تكلفة استيراد الغاز الإسرائيلى هو المواطن المصرى، ففي صيف 2018 رفعت الحكومة سعر الغاز الطبيعي المقدم للمواطنين في المنازل بما يقارب 50%. كما أنه من المتوقع استمرار خفض الدعم الحكومي للغاز واستمرار رفع سعره على المواطنين. ومع تحقق التحرير الكامل لسعر بيع الغاز المصري للمواطنين دون دعم حكومي، فإن التقرير يتوقع تحمل المستهلكين في المنازل لزيادة عن السعر الحالي بنسبة قدرها 127%.

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة