أزمة تشكيل حكومة لبنان الجديدة نتاج لصراع الوكلاء في سوريا وأزمة خاشقجي

 أزمة تشكيل حكومة لبنان الجديدة نتاج لصراع الوكلاء في سوريا وأزمة خاشقجي

 

ظل لبنان، بأوضاعه الامنية وتشكيلة حكوماته، وصراعاته الداخلية، اشبه بميزان سياسي حساس يمكن من خلاله معرفة حجم التوازنات الإقليمية والدولية، باعتبار أن بيروت تشكل ارض "وكلاء" عديدون، عرب وأجانب، يمارسون معاركهم وصراعاتهم هناك.

لهذا لم ينظر السياسيون الي نتائج انتخابات لبنان الاخيرة التي خسر فيها ممثل السعودية "سعد الحريري" أكثر من ثلث مقاعده التي راح معظمها إلى حلفاء حزب الله السنة، على انها مجرد انتصار لحزب الله، وإنما انتصار لما يعنيه الحزب كوكيل لإيران وسوريا في لبنان، وأن فوزه ما هو سوي نتيجة للانتصارات التي حققها تحالف الرئيس السوري في بلاده ضد معارضيه بالتحالف مع مقاتلي حزب الله وإيران.

بل وجاءت هذه الهزيمة للحريري بمثابة هزيمة لكفيله السعودي أيضا، وللنفوذ السعودي في لبنان، متأثرا بالحصار الذي تعاني المملكة منذ أزمة قتل الصحفي جمال خاشقجي والضغوط الهائلة على الرياض التي اضعفت نفوذها الاقليمي واضعفته بشدة.

ومن الطبيعي ان تنعكس النتائج وتحول حزب الله للمستفيد الأكبر مما أفرزته نتائج الانتخابات بعد تمكنه مع حليفه رئيس البرلمان نبيه بري من حصد معظم المقاعد العائدة للطائفة الشيعية، إضافة إلى فوز حلفاء له في عدد من دوائر بيروت والبقاع والشمال والجنوب من طوائف مختلفة، على الحكومة المقبلة التي تعاني من صعوبات تشكيلها رغم مرور 5 أشهر على ظهور النتائج مايو 2018 الماضي.

صحيح أن فوز الثنائي الشيعي لن يكون له تأثير كبير في الساحة السياسية الداخلية باعتبار أن جل اهتمام حزب الله مرتكز على القضايا الخارجية، ولكن تراجع حصة تيار المستقبل وزعيمه رئيس الوزراء سعد الحريري، رغم احتفاظه بزعامة الطائفية السنية على مستوى البلاد، أثر على تقلص عدد كتلته البرلمانية التي كانت حوالي 32 نائبا الي 21 نائبا.

وفي المقابل، رفع التيار الوطني الحر الموالي للرئيس اللبناني ميشال عون حصته النيابية حاصدا 29 نائبا مع حلفائه، كما سجل حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع نقلة نوعية وتمكن من مضاعفة عدد أعضاء كتلته البرلمانية ليثبّت نفسه لاعبا أساسيا في المعادلة السياسية.

وحافظ الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط على كتلة نيابية وازنة تمكنه من الاستمرار بلعب دور بارز.

ماذا يعني فوز «حزب الله» لبنانيا وعربيا؟

عمليا فاز «حزب الله» وحلفاؤه السياسيون بأكثر من نصف المقاعد في الانتخابات البرلمانية الأولى التي تُجرى في لبنان منذ تسع سنوات (حصل مع حلفائه السياسيين على أكثر من 70 مقعدا من أصل 128 مقعدا في البرلمان) في أول انتخابات تجرى في لبنان منذ تسع سنوات.

وفي حين لم تتغير حصيلة المجموعة بشكل كبير (13 مقعداً من إجمالي 128)، إلّا أنّ المكاسب التي حققها كل من "التيار الوطني الحر" و "حركة أمل" وحلفاء آخرون تعني أن «حزب الله» سيؤدي دوراً أكبر في الحكومة المقبلة.

فقيادة تحالف يتمتع بأغلبية برلمانية بسيطة "تعزز مركز الحزب على الصعيد السياسي وتزيد من فرصه في إضفاء الشرعية على سلاحه دون أي تحدٍ كبير"، بحسب دراسة لـ "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى".

فوز حزب الله سيعني ايضا أن نظام الأسد سيعود إلى لبنان بعدما سحب بشار الأسد قواته من لبنان عام 2005، وانسحب معها العديد من أبرز الأطراف الفاعلة في المؤسسة السياسية والأمنية التي تسيطر عليها سوريا من الحياة السياسية اللبنانية، لكنّ الفوز الانتخابي الذي حظي به «حزب الله» وأنصاره منحهم فرصةً للعودة إلى الساحة مرة اخري.

فقد فازت خمس شخصيات على الأقل ممن تولّت مناصبها خلال الاحتلال السوري الذي دام قرابة عقدين من الزمن بمقاعد في البرلمان الجديد، ومنهم جميل السيّد، ضابط شيعي متقاعد برتبة لواء ومساعد سابق لمدير الاستخبارات في الجيش اللبناني ومدير سابق للأمن العام، وكان أحد أقوى الرجال في البلاد في ذلك الحين.

الاغرب أن هذا الرجل (جميل السيد) سيدخل مجلس النواب على الرغم من الحكم عليه بالسجن لفترة وجيزة لتورّطه في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005، وهو عمل تربطه السلطات الدولية بـ «حزب الله». كما فاز فيصل كرامي، نجل رئيس الوزراء اللبناني الراحل عمر كرامي المؤيد لسوريا، بمقعد برلماني للمرة الأولى.

ولا شك في أن هذه الشخصيات ستستفيد من روابطها بنظام الأسد لتمكين «حزب الله»، ولا سيّما في ظل تنامي دور إيران في سوريا والاعتماد المستمر على الحزب كالوكيل الأهم لها، خاصة مع تلقي حزب الحريري الضربة الكبرى في الانتخابات، حيث انخفض عدد مقاعده بنسبة الثلث ليحصد واحد وعشرين مقعداً كحصيلة نهائية، وكان أداء السنة المدعومين من «حزب الله» أفضل بكثير، خاصة في بيروت وطرابلس وصيدا، حيث حصلوا على عشرة مقاعد من بين المقاعد السبعة والعشرين المخصصة للطائفة السنية.

وبرغم تولي الحريري منصب رئيس الوزراء من خلال بناء التحالفات لكن المعضلة باتت هي تشكيل حكومة متوازنة سياسياً تكون مستعدة وقادرة على الحد من صلاحيات «حزب الله»، وهذا سبب تأخير تشكلها حتى الان، وسيكون الحريري رئيس وزراء أضعف بكثير هذه المرة.

ويتم توزيع مناصب الدولة في لبنان وفقا لنظام تقاسم السلطة الطائفي حيث ينبغي أن يكون الرئيس مسيحيا مارونيا ورئيس الوزراء مسلما سنيا ورئيس البرلمان شيعيا، ويجب أن يتم توزيع المقاعد الوزارية في الحكومة المؤلفة من 30 وزيرا بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين.

ويحتكر حزب الله تمثيل الطائفة الشيعية ظاهريا عبر الانتخابات لكن فعليا عبر السلاح وعبر ايديولوجيا مذهبية وعبر خدمات ومال وعبر دعاية اعلامية وضبط أمنى كبير لكنه يدعي الحرص على تنويع تمثيل باقي الطوائف تحت شعار أن تمثيله يتجاوز طائفته.

 

الخارج يؤثر في تشكيل حكومة الداخل

 

ويشير مراقبون سياسيون لبنانيون لأن أطراف خارجية تؤثر في تشكيل حكومة الداخل، بسبب تقاطع مصالح وكلاء القوي الخارجية في الداخل اللبناني.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي سركيس أبو زيد إن "تشكيل الحكومة متعثر وذلك لأسباب داخلية وخارجية، فعلى صعيد الخارجي والإقليمي هناك تأزم بالتسوية بالخلافات، وهناك محاور وضغوط متبادلة هناك تقدم في الملف السوري على حساب الملفات الأخرى، لذلك كل هذه الأمور تضغط على الساحة وتعرقل ربما تشكيل الحكومة لأن كل فريق له امتداد إقليمي ويسعى إلى تحسين وضعه في الداخل حتى يلاقي التطورات والتوازنات الإقليمية الجديدة".

ونشير هنا لأن الحريري سافر الي السعودية وكيله الخارجي لبحث مستقبل الحكومة وتشكيلها، كما التقي قادة الاطياف اللبنانية المختلفة مسئولين سياسيين ودبلوماسيين عرب وأجانب، حيث يضغط كل طرف خارجي حتى يكون داخل الحكومة فريق مؤيد له وزن يستطيع أن يقف إلى جانبها عندما تحصل بعض الاستحقاقات.

أيضا التصعيد الإسرائيلي والغارات الأخيرة التي استهدفت مراكز عسكرية في حماه، أو في ظل التصعيد الإعلامي العبري من قيادات في الجيش الإسرائيلي ضد "حزب الله" والتهويل بأن المعركة المقبلة ستكون المعركة الأخيرة، يؤثر على الأوضاع وعلى تشكيل الحكومة.

وطبيعي في ظل توتر الأوضاع الإقليمية أن تميل الدول الإقليمية المتصارعة الي تفضيل التريث في تشكيل الحكومة اللبنانية وإضافة الورقة اللبنانية إلى دفتر الشروط والتفاوض عند حل المسائل الكبرى كأزمة اليمن وسوريا، وبالتالي سيبقى التعطيل سيد الموقف على صعيد تأليف الحكومة وقد تطول هذه الفترة إلى أشهر عدة، وهذا ما يبدو جليا من خلال ما تسمى بالعقد المسيحية أو الدرزية التي تحول دون تشكيل الحكومة، وكافة القوى السياسية تعرف تمام المعرفة أنه بمجرد أن تضغط أية دولة إقليمية مؤثرة على الساحة اللبنانية بهدف تسهيل التشكيل فإن كل القوى السياسية ستبدي استعداداها لتقديم تنازلات من حصصها الوزارية.

وقد تحدث عن هذا بوضوح "غسان حاصبانى" وزير الصحة، ونائب رئيس الوزراء اللبناني، الذي ارجع تفاقم أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية بشكل كبير إلى "الضغوط الخارجية"، و"تعقد الأوضاع في المنطقة".

ورغم أن سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية أبدى بعض التنازلات لتسهيل تشكيل الحكومة وأعلن أن حزبه سيشارك في الحكومة رغم تعرضه "للظلم" في المناصب الوزارية مما يشير إلى إزالة العقبة الأساسية أمام الاتفاق على الحكومة، على اعتبار أن التنافس على المناصب الوزارية بين حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر التابع للرئيس ميشال عون هو العقبة الأساسية أمام التوصل إلى اتفاق حول تشكيل الحكومة، إلا أن الضوء الأخضر لتشكيل هذه الحكومة سيأتي من وكلاء القوي اللبنانية في الخارج.

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة