انتخابات الكونجرس النصفية استفتاء بالرفض لسياسات ترامب

 انتخابات الكونجرس النصفية استفتاء بالرفض لسياسات ترامب

 

ترامب أصبح "ضعيف قليلا".. هذه هي خلاصة نتائج انتخابات الكونجرس (النواب والشيوخ) النصفية (كل عامين)، على مستوي الداخل الامريكي والخارج، أما نتائجها على المستوي المحلي فستتمثل في بدء نصب نواب الحزب الديمقراطي الفائزين بأغلبية مجلس النواب، السيرك لترامب وعائلته وأصدقاءه من خلال لجان استماع وشهادات في مجلس النواب تفضح فوزه في انتخابات الرئاسة بدعم روسي، وتحاكم فساد إدارته.

وأما على المستوي الخارجي، وما يخص المنطقة العربية تحديدا، فستتمثل نتائجها في التأثير على حجم الدعم الذي يقدمه ترامب للأنظمة القمعية التي تقود تيار الثورة المضادة، منذ الانقلاب علي الربيع العربي، وفتور صفقة القرن، وتشديد الخناق علي بن زايد وبن سلمان بعد انتشار فضائح انظمتهم وتدخلاتهم بأموالهم حتى في شئون أمريكا الداخلية، وتشديد الخناق علي بن سلمان كي يتنحى.

نتائج الانتخابات

وتعقد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في منتصف فترة الولاية الرئاسية الممتدة 4 أعوام، وتشمل مجموعة كبيرة من المنافسات، بدءاً من مقاعد الكونغرس وصولاً إلى انتخابات عُمَد البلديات الصغيرة ومأموري المقاطعات.

واقترع  الأمريكيون، الثلاثاء 6 نوفمبر 2018 في انتخابات التجديد النصفي لاختيار جميع أعضاء مجلس النواب (435 عضوا)، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ (35 من اجمالي 100 عضو) وسط صراع حزبي وسياسي وتركز لب الصراع في الخلاف حول العرق والهوية والنوع، وتركيز هذه المرة على مواقف المرشحين من الرئيس دونالد ترامب وسياساته وتوجهاته ولغة خطابه على مدى عامين فيما يشبه الاستفتاء على رئاسته.

وجاءت النتائج بسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب الأمريكي لأول مرة منذ 8 سنوات بأغلبية عدد المقاعد التي تقدر بـ 218 مقعد مقابل 195 للجمهوريين بخسارة 26 مقعد)، وفوزهم بمناصب الحكام بخمس ولايات أمريكية، واستمرار سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ مع تعزيز نصيبهم من 51 الي 55 نائب من أصل 100، لتمثل تغييرا هاما.

وهكذا ستجد الولايات المتّحدة نفسها في 3 يناير 2019 أمام كونغرس منقسم، ما سيكون كافياً لعرقلة برنامج ترامب التشريعي للأشهر الـ 22 المقبلة، حتى حلول موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2020.

وقبل الانتخابات النصفية، كان الديمقراطيون يسيطرون على 49 مقعدا في مجلس الشيوخ بينما يسيطر الجمهوريون على 51 مقعدا.

ومالت الخارطة إلى كفة الجمهوريين في انتخابات مجلس الشيوخ بهامش كبير، إذ كان على الديمقراطيين أن يدافعوا عن 26 مقعداً من أصل 35 مقعداً مطروحاً للانتخابات، يقع العديد من هذه المقاعد في الولايات التي صوتت لصالح دونالد ترامب في عام 2016، ولذلك ركز الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي على استعادة المقاعد من الديمقراطيين في الأماكن المؤيدة لهم.

ويعد فوز الديمقراطيون وسيطرتهم على مجلس النواب، عمليا، بمثابة عرقلة لخطط وأجندة الجمهوريين والرئيس ترامب وسيزيد حالة الاستقطاب السياسي، والضغط علي الرئيس ترامب وبدء فتح ملفات التزوير أو التأثير الروسي على فوز ترامب قبل عامين، ونصب سيرك الاستجوابات واللجان، مع ما سيترتب على ذلك من عرقلة أجندة ترامب السياسية والتأثير على احتمالات فوزه بفترة رئاسة ثانية.

كما أن فوز الديمقراطيين بأغلبية النواب سيخولهم بفرض رقابة مؤسسية على رئاسة ترامب، وهو الدور الذي اختار الجمهوريون عدم القيام به نظرا لسيطرته الكاملة على اليمين، وهو ما شأنه التأثير على أجندة البيت الأبيض في تمرير عدد من الملفات الأساسية بنظر ترامب، خاصة عقب فوزهم بولايات صوتت لصالح ترامب والجمهوريين مثل انديانا وفيرجينيا الغربية ومونتانا وداكوتا الشمالية.

 

صلاحيات النواب

 

ومن أهم صلاحيات مجلس النواب الأمريكي الذي فقده ترامب بعد خسارة الأغلبية فيه: التصويت على الميزانية، وإقرار مشاريع القوانين، وتوجيه الاتهامات من أجل نزع الثقة عن الرئيس أو قضاة المحكمة العليا، واختيار رئيس للبلاد إذا لم ينل أي مرشح الأكثرية المطلوبة.

ولأن ترامب لم يتوان عن السفر والترحال في الولايات الأميركية المختلفة لوقف تقدم الديمقراطيين ومنعهم من السيطرة على مجلس النواب، بعدما اطمأن نسبيا إلى استمرار احتفاظ الجمهوريين بسيطرتهم على مجلس الشيوخ، داعيا الأميركيين إلى التصويت على سياساته ومواقفه وتوجهاته، تعد نتائج الانتخابات هزيمة شخصية له وتصويت غير مباشر علي رفض بعض سياساته.

وجاء فوز العديد من المرشحين من اصول مهاجرة خاصة من فلسطين والصومال ولبنان وغيرها، بمثابة صفعة من الناخبين للرئيس ترامب الذي ركز خلال جولاته الانتخابية الأخيرة على حماية أميركا من المهاجرين ومنع قافلة المهاجرين القادمة من أميركا اللاتينية باتجاه الولايات المتحدة، وحماية الثقافة الأميركية فضلا عن كثير من التلميحات والإشارات التي اعتاد عليها ترامب ويعتبرها خصومه أنها تعزز من العنصرية والكراهية والانقسام داخل المجتمع الأمريكي.

ودفع هذا الفوز "ريتشارد وولف" للقول في صحيفة "الجارديان": "إن سيطرة ترامب اللامحدودة على السلطة وصلت إلى نهايتها، عندما صوت الأمريكيون لصالح الديمقراطيين، الذين انتزعوا من الجمهوريين مجلس النواب".

ولخص خسارة ترامب انتخابات مجلس النواب وفوزه في مجلس الشيوخ بقوله: "إن داعمي ترامب لم يعودوا معه كما في الماضي، ولم يتخلوا عنه بالجملة"، ولكنه حذر من أن ترامب لا يتعلم من أخطاءه.

ويرى الكاتب أن "ترامب لن يتغير مهما قال له الناخبون، بل سيحاول التمسك بالسلطة ونظريات اليمين المتطرف، حيث يتصور ترامب أن انتخابات عام 2018 لم تكن هزيمة ساحقة للجمهوريين، ودمرت كل موقف من مواقفهم، وكتب على تويتر يفتخر بالفوز "الهائل" لحزبه.

ويبين الكاتب أن "هذه المنافسة هي مقدمة للمنازلة القادمة للكونغرس والبيت الأبيض".

لهذه الاسباب خسر أنصار ترامب

وساهم في خسارة كثير من اعضاء الحزب الجمهوري، تقديم أنفسهم مثلما يفعل ترامب، الذي قدم نفسه للناخبين باعتباره (مسيحي، محافظ، أبيض) لدغدغه مشاعر كثير من البيض المحافظين خاصة في ولايات الجنوب والغرب الأوسط الأميركي، واعتماد كثير من الجمهوريين سياسية "تهديد الخصوم السياسيين".

ايضا ساهم في خسارة أنصار ترامب، قيام ترامب وانصاره بنشر اجواء مناخ سياسي يشجع على العنف وحرب اهلية في البلاد، عبر تصريحاته العنيفة التي تشجع على العنف، والتي يعزو بعضهم اسباب حوادث عنف اخيرة لها، مثل إطلاق نار على كثير من السود من جانب الشرطة، ومقتل أمريكيين أفارقة في ولاية كنتاكي وإطلاق نار على معبد يهودي في مدينة بيتسبرغ.

ودعمت سلسلة الأظرف البريدية المتفجرة التي أرسلها شخص أبيض من فلوريدا من مؤيدي ترامب، مستهدفا قيادات ديمقراطية ووسائل إعلام أمريكية تنتقد ترامب، وهو ما اعتبره البعض نذير خطر بأن المناخ السياسي في ظل ترامب – ومن ثم الحزب الجمهوري الذي يمثله -يشجع على العنف، فاختاروا الديمقراطيين.

وهو أمر اقلق الامريكيين بشدة، خاصة أن صحيفة "المحافظون الأمريكيون" خرجت الشهر الماضي بعنوان يقول "الحرب الأهلية تلوح في الأفق"، كما كتب أحد أنصار ترامب مقالا على موقع "تاون هول" تخيل فيه اندلاع حرب أهلية جديدة وتوقع خسارة الحزب الديمقراطي لهذه المعركة، وفي ذات الوقت نشرت صحيفة "الفيدرالي" مقالا افتتاحيا دافع فيه كاتب المقال عن حدوث انفصال داخل الولايات المتحدة الأميركية.

وعبرت "كارولين لوكينزماير" رئيس المعهد الوطني للحوار المدني في جامعة أريزونا عن دهشتها من أن المناقشات التي يجريها المعهد حول الخلافات السياسية في الولايات المتحدة تشهد سجالات وتوقعات باندلاع حرب أهلية أميركية جديدة، وأن هذا الهاجس يكتسب زخما مع الأيام، برغم أن الحديث عن حرب أهلية أمر بعيد عن الواقع في دولة تتوافر فيها أجهزة أمنية قوية ومسيطرة وتكنولوجيا مراقبة متطورة.

ربما لهذا جاء تصويت الامريكيين في ولايتي مينسوتا وميتشجان لصالح مرشحة من أصل فلسطيني واخري من أصل صومالي، وبأغلبية كبيرة (79% و90%) بمثابة رد على عنصرية ترامب وحزبه ورغبة في توصيل رسائل عن التعدد في المجتمع الامريكي.

وظهرت الصومالية الاصل "إلهان عمر" لتعلن في مؤتمر الاحتفال بفوزها أنها: "اول عربية مسلمة تفوز بعضوية الكونجرس، وأول عضوة محجبة بتاريخ الكونجرس، وأول لاجئة تفوز بعضوية الكونجرس"، كأنها ترسل رسائل تحدي لترامب وحزبه.

كما فازت "رشيدة طليب" المقدسية الأصل في انتخابات التجديد النصفي، لتكون أول مسلمة من أصول فلسطينية تدخل الكونجرس الامريكي، وهي تعانق أمها المحجبة وسط هتافات "رشيدة رشيدة رشيدة".

قضايا الشرق الاوسط

 

ويمكن توقع ان الملفات التي ستمثل أولوية لدى الديمقراطيين في الكونجرس لفتحها ضد ترامب وقضايا المنطقة العربية أبرزها على النحو التالي:

1-    جريمة مقتل الصحفي البارز وأحد كتاب صحيفة "واشنطن بوست" جمال خاشقجي، حيث يتوقع أن يقود الديمقراطيون حملة قوية ضد السعودية ويدعون إلى فرض عقوبات عليها بسبب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول، وهو طرح يدعمه نواب في الحزب الجمهوري ايضا.

2-    إعادة النظر في الدور الأمريكي في حرب اليمن ويتوقع تقرير لإذاعة BBC في هذا الصدد، أن تدفع معارضة الديمقراطيون الحرب السعودية في اليمن، لطلبهم عبر مجلس النواب بوقف المجلس قيام الجيش الأمريكي بتموين الطائرات السعودية بالوقود في الجو وغيرها من المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة للسعودية في حربها في اليمن.

3-    معارضة عقود توريد الأسلحة التي وقعتها إدارة ترامب مع السعودية، كما سيكون من الصعب الحصول على موافقة المجلس على اتفاق لبناء محطة للطاقة النووية في السعودية.

أبرز النتائج المترتبة على الانتخابات عربيا

1-    فوز الديمقراطيين معناه تضييق الخناق على "تحالف الثورة المضادة" في منطقة الشرق الأوسط بقيادة محمد بن زايد والسيسي وبن سلمان، وربما تغير خريطة السياسة في الخليج جوهريا بتلك النتائج، سواء على مستوي تضاؤل فرص ابن سلمان في البقاء كولي للعهد، وتحول مستقبل قائد الانقلاب في مصر لأكثر قتامة، وأحلامه بتعديل الدستور والبقاء مدي الحياة مهددة على الاقل برفض وانتقادات أمريكية.

2-    سيعود الاهتمام الامريكي لقضايا حقوق الانسان، وانتقاد ممارسات انظمة الثورات المضادة غير الديمقراطية خاصة بعدما تراجع اهتمام إدارة ترامب بموضوع الحريات وحقوق الانسان في الدول العربية وبات كل جهدها منصبا على تعزيز مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى دول المنطقة دون الاهتمام بموضوع الحريات في هذه البلدان، ووصل الأمر بترامب الى الإعراب عن إعجابه بزعماء عرب يقمعون شعوبهم ويقتلون معارضيهم باعترافه هو نفسه حين وصف السيسي بأنه "فاكينج كيلر".

3-    فوز مرشحين مسلمين من المهاجرين ومن السود، يشكل رسائل تبشر بالتغيير قوية للمصريين والعرب، إذ أن فرح العرب العفوي بفوز مرشحين من أصول مسلمة أو عربية، ليس فرح بوصول عرقه أو ايدولوجيته أو حجاب، بل هو فرح بفوز "قيمة العدالة" التي أعطت لإنسان يشبهه فرصة عادلة في أرض تعج بالخيارات، وتدفعه لطلب تحقيق نفس الرغبة علي ارض بلاده وتجدد الربيع العربي.

4-    فوز امرأتان مسلمتان، من أسرتين لاجئتين، إحداهما من أصول صومالية، والثانية من أصول فلسطينية، بعضوية الكونغرس الأميركي بأغلبية ساحقة (79% للأولى ونحو 90% للثانية) بمثابة رسالة لدول الاستبداد القهرية في منطقتنا العربية تعطيان شيئا من الديناميكية لقوي التغيير العربية.

5-    بفوز الديمقراطيين في المجلس الاهم (النواب) ايضا سيتم تحجيم ترامب أكثر فيما يخص سياساته الجامحة المتعلقة بمشاريع في المنطقة العربية، بجانب خططه بناء السوار العازل مع المكسيك، خاصة مشاريع توريط أمريكا في صراعات المنطقة، وصفقة القرن.

 

 

 

 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة