غلق القنصلية الأمريكية بالقدس

 غلق القنصلية الأمريكية بالقدس

 

ضربت الولايات المتحدة الأمريكية بقرار إغلاق القنصلية العامة الأمريكية في القدس في الثامن عشر من أكتوبر الماضي المسمار الأخير في نعش الدور والوساطة الأمريكية في عملية السلام، بعد أن سددت ضربة قوية لآمال السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

فالقنصلية ليس فقط حلقة الوصل بين الشعب الفلسطيني بآلامه وأماله والولايات المتحدة، وإنما رمز للوجود الأمريكي في فلسطين لفترة تسبق قيام إسرائيل بقرن من الزمان، إذ دشنت تلك القنصلية كبعثة دبلوماسية مستقلة منذ القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1844 عندما كانت القدس جزءاً من دولة الخلافة العثمانية، واستمرت في العمل حتى بعد أن تأسست إسرائيل في العام 1948 كبعثة واحدة مستقلة عن السفارة الأميركية لدى إسرائيل في تل أبيب، وعن السفارة الأميركية لدى الأردن.

وفي أصعب الأزمات كانت القنصلية بمثابة العين التى ترعى من خلالها الولايات المتحدة مفاوضات السلام مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بل وفي بعض الأحيان كان يتخطى دورها الوظائف القنصلية التقليدية، ليشمل المساعدة في تعزيز بناء المؤسسات الفلسطينية، والإشراف علي برنامج المساعدات الأمنية، ووضع تقارير عن التطورات السياسية والاقتصادية في القدس والضفة الغربية.

وتعكس تلك الخطوة مكر ودهاء الإدارة الأمريكية التى يبدو أنها لم تعد تقيم بالاً لدورها المحايد في رعاية عملية التسوية، وذلك بالرغم من تصريحاتها التى وصفت خلاله الخطوة بأنها " دمج" مع السفارة في القدس من أجل تعزيز فاعلية العمليات، وإن كان واقع الحال يؤكد أنها لم تعد تقيم وزناً لبناء علاقة مع الشعب الفلسطيني، وأنها تفضل أن تنظر إليه وكأنه مجرد تفرع لعلاقاتها مع إسرائيل.

وبغلق القنصلية تكون الولايات المتحدة قد انهت حبل الثقة الممتد بينها وبين السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وأعلنت صراحتها أنها تتماشي بل وتتطابق في رؤيتها مع رؤية إسرائيل الخاصة بدولة واحدة، وأن ما يقال عن تبني حل الدولتين ما هو إلا خداع للأطراف العربية، بل وللشعب الأمريكي ذاته، بحيث يظل معتقداً بأن إدارته تواصل دورها المحايد في عملية السلام وأن السبب الرئيسي لعرقلة تلك العملية ليست الولايات المتحدة ولا إسرائيل وإنما السلطة الفلسطينية والمفاوض العربي الذي يرفض التماشي مع الرؤى الأمريكية والإسرائيلية.

ولا تعتبر تلك الخطوة هي الأخيرة إذ سبقتها خطوات تصعيدية من قبل الولايات المتحدة تجاه الشعب الفلسطيني، بداية من خفض المساعدات وإغلاق بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وصولاً لغلق القنصلية الموجود منذ ما يزيد عن قرن ونصف، والادعاء بأنها لزيادة الفعالية وتنشيط الأداء، بينما هي في الحقيقة من أجل خفض مكانة الفلسطينيين، ومسمارٌ إضافي يُدَقّ في نعش عملية السلام المحتضِرة أصلاً.

وعلي عكس ما تتوقع الولايات المتحدة لن يساعد هذا في تحقيق ما تصبو إليه الإدارة الأمريكية من سلام واستقرار في الشرق الأوسط، بل سيجعل من المستحيل على واشنطن أداء دور فاعل لصنع السلام في المستقبل المنظور، وهذا لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة، ولا في مصلحة الفلسطينيين، ولا حتى الإسرائيليين.

ومن شأن هذا أن يلقى بعبء إضافي علي الدول الراعية لعملية السلام، كي تعيد الأمور إلي نصابها وتمنع تدهور عملية السلام، من خلال التأكيد علي أن احترام المواثيق والأعراف والقوانين الدولية الخاصة بعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية هو خير ضامن للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة