مظاهرات فرنسا ومخاوف السيسي وتعاطي اعلام الاذرع معها .. دلالات واستنتاجات

 مظاهرات فرنسا ومخاوف السيسي وتعاطي اعلام الاذرع معها .. دلالات واستنتاجات

مفارقة كبيرة ظهرت في تعامل سلطة الانقلاب بمصر مع مظاهرات باريس التي يقوم بها أصحاب "السترات الصفراء" في إشارة الي العمال الكادحين وأصحاب الدخول المتدنية احتجاجا علي رفع سلعة واحدة هي الوقود، تمثلت في الفرحة باندلاع هذه المظاهرات في البداية، للاستفادة من وقائع ضرب الشرطة الفرنسية للمتظاهرين في تبرير ما تفعله شرطة مصر مع أي مظاهرة، قبل أن ينتبه موجهو اعلام أذرع الانقلاب لمخاطر مظاهرات باريس في تحفيز المصريين للتظاهر بدورهم احتجاجا علي رفع أسعار كل السلع لا فقط الوقود!

تعامل الإعلام المصري الموجه من سلطة الانقلاب بهذه الطريقة يشي بأن هناك قلقا شديدا لدي سلطة السيسي من انعكاس مظاهرات باريس التي أطلق عليها "الربيع الأوروبي" على مصر، وتحرك المصريين غضبا علي رفع الأسعار خاصة أن هناك موجة جديدة من رفع الأسعار بعد رفع سعر الدولار الجمركي، وتنفيذ مرحلة جديدة من تعليمات صندوق النقد الدولي برفع الأسعار في يونية المقبل، ستكون صادمة للمصريين في ظل ثبات الرواتب، والانقلاب يرغب في ان تمر بسلام كما مرت سابقتها بدعاوي استيعاب المصريين لما يسمي "الاصلاح" بينما السبب الحقيقي لقبول المصريين هو قمع أي احتجاج.

مفارقة أخري ظهرت في مظاهرات باريس نفسها، اقلقت أيضا سلطة الانقلاب تمثلت في رفع متظاهري السترات الصفراء نفس شعارات الثورة المصرية وكتابتها باللغة العربية على جدران باريس كأنها موجهة للسيسي وماكرون على السواء!

https://twitter.com/joshua_landis/status/1069303189550317570

بل وخروج صور من مظاهرات باريس بنفس تفاصيل ما جري في ثورة 25 يناير 2011 في مصر، مثل مشهد وقوف المحتجين امام سيارات مدافع المياه.

https://twitter.com/sawra11/status/1067327772220100609

وحديث الرئيس ماكرون وبعض الصحف الفرنسية عن "طرف ثالث اخترق المتظاهرين"، في تعليقهم على فوضى «السترات الصفراء"، وكلها أمور تزيد من الترابط بين ما يحدث في باريس وما حدث في مصر، وتقلق سلطة الانقلاب لتشابه نفس أسباب مظاهرات باريس مع أسباب معاناة المصريين حاليا وهي رفع الأسعار، ناهيك عن القمع والقتل واستهداف كافة أطياف المعارضين، بل ومؤيدي الانقلاب أنفسهم.

وزاد من قلق سلطة الانقلاب حديث معارضون مثل القاضي وليد شرابي عن أن ثورة أصحاب السترات الصفراء في فرنسا وبلجيكا تبشر مصر "بصبح قادم لأصحاب ثورة الرايات الصفراء"، أي رافعي شعارات رابعة العدوية، وأن "الشعب سيغلق برلمان الانقلاب بالبراز" بحسب هيثم خليل، ما دفع سلطة الانقلاب لتحريك اعلامها لتشوية مظاهرات باريس وانتقاد الشعب الفرنسي لأنه لم يصبر على رئيسه كما يصبر المصريون علي السيسي!؟

كما ازعج سلطة الانقلاب طرح نشطاء مواقع التواصل هاشتاج #طوفان_الغلاء_في_مصر ليقولوا: "اليوم باريس وغدا القاهرة"، و"نقدر نعمل زيهم طبعا" ولكن القمع لن يسمح بذلك.

وتعددت أوجه الشبه بين احتجاجات فرنسا وثورات الربيع العربي، لكن صحف الانقلاب حاولت تشويهها بالقول إن مظاهر التشابه هي: «قتل ونهب وتخريب للمنشآت» !، برغم ان ما ذكره اعلام الانقلاب لم يحدث مثل مزاعم "القتل في الشوارع" حيث لم يسقط قتيل واحد، و"نهب المتاحف والمعارض" وهو ما لم يحدث أيضا في باريس.

وبالمقابل تجاهل إعلام الانقلاب مظاهر التشابه الحقيقية بين ثورتي مصر وفرنسا مثل شعارات "الشعب يريد اسقاط النظام" والوقوف امام سيارات الشرطة ومدافع المياه واعتلاء أعمدة الإضاءة في الميادين والهتاف ضد ارتفاع رواتب المسئولين مقابل تدني رواتب العمال.

https://twitter.com/DaliaTSeoudy/status/1069537178122895360

كيف تعامل اعلام الانقلاب مع مظاهرات باريس؟

كان من الواضح أن هناك حالة ممزوجة من الرعب والغضب والانتقادات يقودها اعلام الانقلاب بتكليفات رسمية من الشئون المعنوية بالمخابرات الحربية والعامة، ضد ثورة الشعب الفرنسي علي الرئيس الفرنسي بعدما رفع أسعار الوقود، خشية انعكاسها علي رفع الوعي لدي الشعب المصري للمطالبة بالمثل وخروج مظاهرات.

 

وجاءت بدايات التعامل الرسمي المصري – عبر وسائل الاعلام الموالية – مع مظاهرات باريس ساخرة، تارة بالقول إن مصر أفضل من باريس وأن الشعب المصري راض عن رفع الأسعار ولم يخرب بلده بمظاهرات، وتارة اخري بالسخرية من المنظمات الحقوقية التي هاجمت البطش والقمع في مصر، بدعوي أنها لم تحتج على التدخل العنيف من قوات الأمن، الذي وصل للسحل والضرب، واعتقال المئات.

وكانت النغمة واحدة في كافة الصحف والفضائيات الانقلابية على السواء حول هذا الامر لخصها أحد أذرع الانقلاب دندراوي الهواري بقوله: "لم نسمع صوتا واحدا من منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام الأمريكية والغربية تطالب بضرورة ضبط النفس، وعلى النظام الفرنسي أن يستجيب لطلبات المتظاهرين، مع التلويح بمقاطعة فرنسا، والتدخل العسكري لحماية مطالب المتظاهرين العزل!".

وتباكي عمرو اديب تباكي في حلقة سابقة على ضرب الشرطة الفرنسية المتظاهرين، ليقنع المشاهدين أن ضرب وقتل الشرطة المصرية للمتظاهرين امر عادي، وسخر من صمت العالم علي ضرب متظاهري باريس بينما انتقدوا قمع متظاهري مصر.

وفي مرحلة تالية بدأ إعلام الانقلاب ينتقد الشعب الفرنسي نفسه لأنه لم يصبر مثل الشعب المصري علي الغلاء الذي قام به السيسي ويزعم تقبل المصريين رفع الأسعار!!.

وانتقد أحمد موسي المتظاهرين الفرنسيين لأنهم "يحرقون بلدهم"، ويقول لهم: "أنزل قول مطالبك لكن لا تحرق السيارات وغيرها"!!(فيديو).

ثم بدأ تشوية انتفاضة باريس بالزعم عبر تقارير موجهة من المخابرات نشرتها "المصري اليوم" أن "التنظيم السري للإخوان بأوروبا" هو المسئول عن مظاهرات باريس، برغم أن التحليل النفسي والسياسي لإقحام الاخوان في مظاهرات باريس، في صحف مصرية الموالية للنظام بغرض تشويه سمعة الإخوان وتحريض الحكومات الأوربية ضدهم، له تفسير اخر هو "اليقين الدفين في العقل الباطن باستمرار وجود الإخوان وقدرتهم على الحشد والحركة وهي القدرة التي تخطت الحدود المحلية إلى العالمية"، بحسب الصحفي قطب العربي.

وعاد عمرو اديب ليبدي انزعاجه من مظاهرات باريس بزعم أن «الشعب المصري أكثر فهمًا من الشعب الفرنسي»، في إشارة منه إلى تحمل المصريين للإجراءات الاقتصادية الصعبة التي اتخذتها الحكومة، خلال الأشهر الماضية.

ويقول – في اسقاط واضح علي الحالة المصرية -: الدول لم تعد تحتمل مظاهرات، وردا علي ما كتبه د. محمد البرادعي الذي أشاد بعدم مقتل احد في مظاهرات باريس زعم (وهو نفس ما قيل في اعلام الانقلاب كله): "احرقنا متاحف ومباحث امن الدولة !(فيديو).

وتحسبا لغضب شعبي جديد قادم علي رفع أسعار الوقود للمرة الثالثة في يونية المقبل 2019، حاول "اديب" خداع المصريين بقوله إن سعر لتر البنزين في فرنسا يبلغ 30 جنيه مصري!"، ليمهد للغلاء القادم وينقل رسالة ضمنية للمشاهدين أن السعر لا يزال أرخص من باريس رغم الاختلال الكبير في الأجور بين مصر وباريس.

وظهرت تعليمات الشئون المعنوية والمخابرات المكتوبة الموحدة لوسائل اعلام السلطة في زعم عمرو اديب ومعتز عبد الفتاح أن: 15% من الفرنسيين يعيشون تحت خط الفقر كنوع من الاسقاط على مصر وأن الفرنسيين احوالهم مثل المصريين.

كما ظهرت في توجيه اللجان الالكترونية للانقلاب لانتقاد "حرق وتخريب الفرنسيين لبلدهم"، وهاجموا المتظاهرين بالإسقاط على متظاهري 25 يناير، بل واتهموا المهاجرين العرب بأنهم وراء ذلك التخريب لا الفرنسيين أنفسهم (!).

دلالات واستنتاجات

يمكن رصد الدلالات والاستنتاجات التالية من زوايا رد الفعل المصري الرسمي على مظاهرات باريس، أو قراءة تطورات الاحداث بين باريس والقاهرة وهي:

1-   الرئيس الفرنسي رفع أسعار الوقود فقط فخرجت مظاهرات ضمت قرابة نصف مليون ضده ولم يُقتل أحد وحدث بعض التخريب بسبب المواجهات مع الشرطة، بينما السيسي رفع أسعار الوقود والمياه والكهرباء والغذاء وقتل وعذب واعتقل المئات، واعلام السلطة يحاول إقناع العالم أن كل هذا الصمت بسبب قبول المصريين لقرارات السيسي وحبهم له!

2-   هناك رعب واضح من قبل سلطة الانقلاب بشأن مظاهرات باريس خاصة بعدما اتسعت وتطورت وزادت اعداد المشاركين فيها ومطالبتها بإسقاط الرئيس لأنه رفع أسعار الوقود، ومهم رصد مظاهر هذا الرعب في تعليقات السوشيال ميديا المحسوبة على الانقلاب وصحف وفضائيات الانقلاب والسياسيين والبرلمانيين الموالين.

3-   رغم كم العنف والتخريب في ميدان الشانزليزيه ووسط باريس السياحي إلا أن أحد لم يقتل (هناك انباء عن مقتل أحد المتظاهرين) ولم يخرج الرئيس وحكومته لتخوين المعارضين.

4-   التزم الاعلام جانب الحياد حتى ان قناة BFM بثت شكاوي عمال السترات الصفراء بكل حرية، ومنها مقابلة مع سائق أقر فيها بالتخريب لأنه صار معدماً وأقر بنيته العودة مع بقية السترات الصفر حاملين الأسلحة (!) ونقلت عنه قوله: "قارنوا بين رواتبنا نحن و رواتب الحكومة .. ماكرون أخرج من قصرك وألق نظرةً علينا"، ولم يحاول المذيع منعه من التعبير عن الغضب، بل وخرجت إحدى الصحف الخاصة بعنوان على لسان متظاهر فرنسي يقول: "لقد قطعنا رؤوس على أسباب أهون من هذه"، ولم يصادرها أحد أو يمنع نشر هذه التهديدات.

5-   لم يشوه أحد المتظاهرين ويصفهم بأنهم "مأجورين" أو "قابضين من جهات خارجية" أو يحرض على اعتقالهم وقتلهم، ولم تشارك نيابة باريس في تلفيق تهم معلبة لهم كما هو الحال في مصر، ولم يشارك قضاة فرنسا في اصدار احكام عشوائية ضدهم، بل تضامن معهم غالبية الشعب وحتى المحال التجارية المتضررة من تظاهرهم حتى ان أحد المحال التجارية وضع سترة صفراء على فستان عروس ليظهر تضامنه معهم بلمحة طريفة.

https://twitter.com/Hichamichelan/status/1069189109590224897

 

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة