اعلان الاخوة الانسانية بالإمارات

 


اعلان الاخوة الانسانية بالإمارات .. أهدافه وسياقه الاقليمي والدولي

 

في 4-2-2019 وضع شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان ما سمي "وثيقة الأخوة الإنسانية"، الوثيقة الأهم في العلاقة بين الإسلام والمسيحية، كأول وثيقة تحدد رؤية العلاقة بين اتباع الأديان السماوية، وتتوج سلسلة من الوثائق التاريخية التي أصدرها الأزهر في السنوات الثماني الأخيرة، للحوار وفتح الباب للنقاش مع كل الأطياف والتوجهات، بحسب بيان الازهر عن الوثيقة.

وتَنُصّ الوثيقة على أن الأزهر والفاتيكان سيعملان معًا باسم ضحايا الحروب والاضطهاد والظلم؛ لمكافحة الإرهاب وبهدف تحقيق السلام والعَيش المُشترَك، و"يرسمان للعالم خارطة طريق نحو عالم مليء بالتسامح والمحبة والإخاء، بعيدًا عن الحروب والنزاعات والكراهية البغيضة وأعمال العنف والإرهاب المروعة".

ويطالبون قادة العالم، وصناع السياسات الدولية والاقتصاد العالمي، "بالعمل جديا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فورا لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حاليا من حروب وصراعات وتراجع مناخي وانحدار ثقافي وأخلاقي".

وتحدد الوثيقة مشاكل العالم الحالية في "تغييب الضمير الإنساني وإقصاء الأخلاق الدينية، وكذلك استدعاء النزعة الفردية والفلسفات المادية، التي تؤله الإنسان، وتضع القيم المادية الدنيوية موضع المبادئ العليا والمتسامية".

وكذا "تراجعت الأخلاق الضابطة للتصرفات الدولية، وتراجع القيم الروحية والشعور بالمسؤولية؛ مما أسهم في نشر شعور عام بالإحباط والعزلة واليأس، ودفع الكثيرين إلى الانخراط إما في دوامة التطرف الإلحادي واللاديني، وإما في دوامة التطرف الديني والتشدد والتعصب الأعمى، كما دفع البعض إلى تبني أشكال من الإدمان والتدمير الذاتي والجماعي".

وتشدد على أن "الأديان لم تكن أبدا بريدا للحروب أو باعثة لمشاعر الكراهية والعداء والتعصب، أو مثيرة للعنف وإراقة الدماء، فهذه المآسي حصيلة الانحراف عن التعاليم الدينية، ونتيجة استغلال الأديان في السياسة، وكذا تأويلات طائفة من رجالات الدين -في بعض مراحل التاريخ -ممن وظف بعضهم الشعور الديني لدفع الناس للإتيان بما لا علاقة له بصحيح الدين، من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية دنيوية ضيقة".

وكيل الأزهر: وثيقة "الأخوة الإنسانية" تعد دعوة صريحة للمصالحة والتآخي بين جميع المؤمنين بالأديان وغيرهم بالإضافة إلى أنها تقطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة والإرهابية وتوضح جهلهم وكذبهم وأنهم يقتلون بأهوائهم، وليس باسم أي دين فالأديان كلها بريئة من سفك الدماء

لا اختراق في الوثيقة

ولا تتضمن الوثيقة مع هذا أي اختراق في العلاقة بين العالم الاسلامي والمسيحي باستثناء الامنيات المعتادة، ما يظهر اللقاء والوثيقة على انه مجرد لقاء علاقات عامة استفاد منه من نظمه للظهور بمظهر التسامح.

فالحوار مع العالم الإسلامي كان من جزءا من سياسة الفاتيكان على مدى أكثر من عشرة أعوام، ولكنه تعرض لانتكاسة بعد كلمة للبابا السابق، البابا بندكتوس السادس عشر عام 2006 ربط فيه بين الإسلام والعنف واساء للنبي محمد، كما أن بعض قساوسة الفاتيكان مثل الكاردينال جان لويس توران، تحدثوا في بعض المراحل عن أن الهدف من الحوار هو "تغيير الاسلام"، ما دفع الازهر لوقف الحوار.

وتم الإعلان رسميا عن عودة الحوار الإسلامي المسيحي عام 2016 مرة أخرى بعد قطيعتين، الأولي من 2006 الي 2008، والثانية من 2011 الي 2016، وزار شيخ الازهر الفاتيكان لبحث "مسألة الالتزام المشترك لمسؤولي ومؤمني الديانات الكبرى لصالح السلام في العالم ونبذ العنف والإرهاب فضلا عن أوضاع المسيحيين في إطار الصراعات والتوترات في الشرق الأوسط ومسألة حمايتهم"، كما قال مدير دار الصحافة التابعة للفاتيكان "فدريكو لومباردي" لـ "إذاعة الفاتيكان" حينئذ.

وبدأ الحوار بين الازهر والفاتيكان رسميا عام 1989، ولكن شيخ الازهر الراحل سيد طنطاوي جمده عام 2006، بسبب هجوم البابا "بنديكت السادس" في إحدى الجامعات الألمانية في سبتمبر 2006 علي الإسلام والربط بينه وبين العنف، ثم ألغي "طنطاوي" التجميد عام 2008، وجري استئناف الحوار.

 وفي عهد شيخ الازهر الحالي أحمد الطيب، جري التجميد الثاني للحوار، يوم 20 يناير 2011، بسبب تصريحات لبابا الفاتيكان تنتقد تفجير كنائس المسيحيين في مصر عقب تفجير كنيسة القديسين في ليلة رأس السنة، والان يعود الحوار مرة أخري بعد اتصالات بدأت نهاية ديسمبر 2015 ويتوج بلقاء هو الاول من نوعه بين شيخ الازهر وبابا الفاتيكان.

ماذا وراء احتضان الامارات للقمة الدينية؟

تسعي الامارات للعب دورا دينيا مزدوجا يقوم: "اسلاميا" على تقديم ما يمكن تسميته "الاسلامي الامريكي" الذي سبق ان دعا له "مركز راند" والذي يقوم على تشجيع مظاهر التدين وليس جوهره او شريعته، والسعي بالمقابل لإظهار ما يسمي "الإسلام السياسي"، أو التيارات التي تتمسك بالشريعة على انها تيارات عنيفة.

أما "مسيحيا"، فتلعب الامارات علي وتر الظهور بمظهر الدولة المتسامحة، إذ لا تفرض الإمارات قيوداً على بناء الكنائس أو حتى المعابد الهندوسية، ولهذا فمن بين كل دول الخليج، تضم الإمارات أكبر عدد من الكنائس، بما يتخطى 45 كنيسة، فرعية ورئيسية، تتبع 7 طوائف كنسية، وأغلبية المسيحيين فيها يأتون من الهند والفيليبين، إضافة الى عدد من اللبنانيين والأردنيين والمصريين والسوريين والعراقيين.

لذلك قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن اليهود والنصارى والبوذيين والهندوس يمارسون عباداتهم بحرية في الإمارات التي زارها البابا فرانسيس، مضيفة أن تلك الدولة تحتضن 45 كنيسة لكنها لا تبدي أي تسامح مع الإسلام السياسي، وتقدّم الخطب مكتوبة للأئمة.

وتعد أبو ظبي العاصمة الخليجية الأولى والوحيدة التي استضافت مقر البعثة الفاتيكانية في الخليج وذلك عام 1976، وتضم حاليا عدة كنائس كاثوليكية وأرثوذوكسية وبروتستانتية بها، من أمثال سانت جوزيف في أبو ظبي، أو سانت ماري في دبي، وكنيسة يسوع المسيح وكنيسة ماراغناطيوس للسريان الارثوذكس، وكنيسة عمودية الامارات الدولية وكنيسة العهد الجديد.

وبحسب تقديرات صحفية يصل عدد المسيحيين في الامارات إلى حوالي 500 ألف مسيحي من الجنسيات الوافدة، يتركزون في غالبيتهم في أبو ظبي، العين، دبي، الشارقة.

ربما لهذا ذكرت صحيفة "التايمز" البريطانية، أن نشطاء انتقدوا الفاتيكان بشأن زيارة البابا، قائلين إنها تستخدم زيارة البابا لـ "تبييض" سجل الإمارات في مجال حقوق الإنسان، وفي رسالة إلى البابا، أشارت جماعة هيومان رايتس ووتش إلى سجن أساتذة جامعيين للقيام "باحتجاجات سلمية" وأدانت حرب أبو ظبي على اليمن.

فالهدف الاماراتي من استضافة هذا اللقاء بين أكبر مؤسستين اسلامية ومسيحية في العالم، وبصرف النظر عن اهمية الحدث الفعلية، هو الاستفادة القصوى "اعلاميا" من هذا الحدث والظهور بمظهر التسامح في وقت تتهمها فيه المنظمات الحقوقية الدولية بتعذيب واعتقال النساء، والتجسس على قادة العالم والمواطنين، ومن ثم الحصول على صك الغفران من البابا وشيخ الأزهر فيما يبدو.

بعبارة أخرى تبدو الزيارة تهدف لتبييض صفحة نظام ابو ظبي في ظل تراكم التقارير الحقوقية والدولية عن جرائم النظام الاماراتي الحالية في محاربة الإسلام في كل مكان، ومحاربة صعود أي حزب أو حركة إسلامية في المنطقة، عبر الثورة المضادة، وبالمقابل السماح بأول قداس للفاتيكان في العالم العربي والاسلامي، لاستجلاب الرضاء الغربي بعد الكشف الاخير عن تجسس الامارات عبر برامج "بيغاسوس" على الأمريكان ايضا بجانب المواطنين العرب.

وتحت عنوان "بابا الفقراء يقابل البنادق والأثرياء في شبه الجزيرة العربية"، وذكر الكاتب "ريتشارد سبنسر" إن نشطاء انتقدوا الفاتيكان بشأن زيارة البابا، قائلين إنها تستخدم زيارة البابا لتبييض سجل الإمارات في مجال حقوق الإنسان.

وقارن بين حرص البابا فرانسيس في زيارته الأولى لشبه الجزيرة العربية على الوصول إلى قصر الرئاسة الفاره في أبو ظبي في سيارة كيا عائلية، مظهرا التناقض الكبير بين سيارته والسيارات الفارهة مثل سيارات فيراري ومرسيدس المصطفة على طول الطريق.

كما أن السلطات الإماراتية قدمت له التحية بإطلاق واحد وعشرين طلقة على شرفه مصحوبة بتحليق طائرات تابعة للقوات الجوية الإماراتية، التي تشارك في قصف المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، حسبما يضيف الكاتب.

ايضا قال الكاتب الفرنسي "جورج مالبرونو" في مقاله في صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، إن الحرب على ما يسمي "الإسلام الراديكالي"، خاصة الإسلام السياسي، أصبحت هوسا لدى أبو ظبي، حيث لم تعد تكتفي بوضع تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة وحزب الله اللبناني على لوائحها السوداء للإرهاب، بل وضعت عليها الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين والاتحاد السابق للمنظمات الإسلامية في فرنسا الذي أصبح معروفا بـمسلمي فرنسا.

وأشار إلى أن أبو ظبي تعتبر كل الضربات مسموحة في هذه الحرب ضد الإسلاميين، وأن أبو ظبي -التي أعلنت 2019 عام التسامح-منعت في الوقت نفسه المشجعين القطريين من حضور نهائي كأس آسيا لكرة القدم الذي فازت به قطر، وهي خطوة في غاية عدم التسامح.

وينسب الكاتب إلى مسؤول إماراتي قوله لوكالة الصحافة الفرنسية "نحن نتدخل في خطب الجمعة من أجل المصلحة العامة، ولتجنب انتشار خطاب الكراهية الذي رأيناه في العديد من البلدان، بما في ذلك أوروبا".

وفي لقاء مع وكالة اسوشيتد برس الأمريكية برر وزير التسامح الشيخ نهيان آل نهيان هذه الحملة على المساجد ومرتاديها وعلى حرية الرأي والتعبير وحملة الاعتقالات والسجون السرية والتعذيب، أن ذلك يأتي لمواجهة "التطرف".

وسبق أن قال "جيمس دورسي"، الكاتب البريطاني الخبير في شئون الشرق الأوسط، أن دولة الإمارات تروج لحملة عالمية جديدة لتسويق "علامتها التجارية من الاستبداد"، وتحقيق القبول العالمي لتعريفها الاستبدادي للإرهاب الذي يشمل كل شيء، ويرتكز على اعتبار "الإسلام السياسي" عنيفا ويجب حظره.

وقال "دورسي" في تقرير نشره بموقع Your Middle East بعنوان: "الإمارات تشرع حملة عالمية جديدة لتسويق علامتها التجارية من الاستبداد..الشبكة العالمية للحقوق والتنمية تشيد بسجلات حقوق الإنسان بدولة الإمارات المثيرة للجدل"، أن الإمارات تسعي عبر هذه الشبكة الحقوقية – المدعومة من الإمارات - لتوسيع وبسط نفوذها الإقليمي عبر "القوة الناعمة"، وتحقيق القبول العالمي بتعريفها الاستبدادي للإرهاب الذي تقصد به الإسلام السياسي.

والشبكة العالمية للحقوق والتنمية GNRD، التي يوجد مقرها في مدينة "ستافنغر" النرويجية ولها مكاتب إقليمية في الأردن، وبلجيكا، والإمارات العربية المتحدة، وإسبانيا، وسويسرا ودول أخرى، هي منظمة حقوقية مدعومة من الإمارات، وتعتبر الإمارات – بحسب تقارير أخيره لها – "نموذجا لاحترام حقوق الإنسان"، كما وصفت انتخابات الرئاسة المصرية، التي فاز فيها السيسي المدعوم من الإمارات -بأنها "عملية فريدة للتحول الديمقراطي"، رغم ما شابها من تزوير واضح.

وفي سياق المحاولات الاماراتية لتدجين القادة الدينيين وربطهم بالحكومات، وإنشاء ما يسمي "المسلم المعتدل"، الذي يرتبط بالطقوس والعادات الدينية دون جوهر وقواعد الشريعة الاسلامية، على غرار رعايتها لمؤتمر الشيشان الاخير، وتسويق ما أسماه موقع Your Middle East "علامتها التجارية من الاستبداد"، حركت الامارات في وقت سابق مجلسها "حكماء المسلمين" لعقد لقاء مع مجلس الكنائس العالمي يستهدف ترسيخ هذه الاهداف.

ومع أن الاجتماع لا علاقة له بالأزهر رسميا، إلا مشيخة الازهر روجت له في بياناتها، تحت عنوان "البيان الختامي لجولة الحوار الثالثة بين حكماء الشرق والغرب"، وقالت أن الجلسة انعقدت في مدينة جنيف بسويسرا بين مجلس حكماء المسلمين برئاسة أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، ومجلس الكنائس العالمي .

وكان الاهتمام الرئيسي خلال اللقاء المعلن هو "تعميم ثقافة السلام ودور القادة الدينيين والمؤسسات الدينية في هذا المجال، وتشجيع الجهود الداعمة للسلام"، وهي توصيات عامة جاءت في 5 توصيات، لكن أبرزها كان مطالبة العلماء والفقهاء بالتعاون مع الحكومات، ما يعني الخضوع لها وعدم انتقادها.

ويلخص الكاتب البريطاني والخبير بشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيرست، في مقاله بموقع "ميدل ايست أي"، قصة النشطاء الاماراتي في استضافة مؤتمرات اسلامية ومسيحية بقوله إن "حكام الخليج يوظفون الاسلام لصالحهم"، ويؤكد أن "ملكيات الخليج المطلقة تستخدم الإسلام والأئمة لدعم الديكتاتورية، حتى أكثر مما يفعل مناصرو الإسلام السياسي".

ويؤكد هيرست أن ما يخشاه حكام الامارات هو ما يطلق عليه اسم "الديمقراطية"، والربيع العربي ويتدخلون بقوة في العالم العربي ضد الاخوان المسلمين والتيارات الاسلامية لإفشالها في الانتخابات او دعم الانقلابات ضدها.

وبالمقابل تسعي الامارات للظهور امام الغرب المسيحي بمظهر الدولة المتسامحة وفي سبيل ذلك افتتحت مؤخرا معبدا يهوديا، بحسب ما كشفته مجلة "بلومبرج بيزنس ويك"، واخرا هندوسيا بخلاف بناء عشرات الكنائس.

 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة