انتخابات الصحفيين.. مخاطر تهدد مستقبل النقابة

 انتخابات الصحفيين.. مخاطر تهدد مستقبل النقابة

 

كتب ـ حازم عبد الرحمن:

 

أسفرت انتخابات التجديد النصفي بنقابة الصحفيين في مصر عن اختيار ضياء رشوان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات نقيبا للصحفيين, وهي المرة الأولى التي يتولى فيها منصب النقيب موظف حكومي غير مستقل عن سلطات الدولة, أما عضوية المجلس فقد فاز صحفيان اثنان محسوبان على تيار الاستقلال النقابي وأربعة آخرون من المحسوبين على السلطة, مما يقلل من تأثير أعضاء المجلس غير الحكوميين.

ومنذ البداية كان واضحا حرص السلطة على الهيمنة على النقابة من خلال ترشيح ضياء رشوان نقيبا, ودعمه بزيادة بدل التدريب والتكنولوجيا ليرتفع من 1680 جنيهاً إلى 2100 جنيه, في إشارة لا تخطئها عين إلى أن هذا ما تريده السلطة, وهو ما استجاب له سريعا المرشحون المحتملون لمنصب النقيب فأحجموا عن الترشيح .

ورغم محاولات قطاع ليس بالقليل من الصحفيين دعم رفعت رشاد "أخبار اليوم" أقوى المرشحين ضد رشوان فلم يحصد إلا 1545  صوتا مقابل  2810 أصوات حصدها ضياء رشوان,

وشهدت الانتخابات عمليات حشد وتعبئة مكثفة بالمؤسسات القومية الكبرى وهي التي يصل عدد صحفييها إلى قريب من نصف أعضاء النقابة.

ولعبت دعاية ضياء رشوان على تصويره بالشخص القادر على حل مشكلات الصحفيين المتفاقمة, والتي من أبرزها:

ـ تدهور مستوى دخول الصحفيين, وتوقف بعض الصحف عن صرف مرتبات الصحفيين.

ـ مشكلة فصل الصحفيين تعسفيا من عملهم.

ـ حصار الصحف والصحفيين بالقوانين والعقوبات من جانب السلطة وإخضاعها لإملاءات الأجهزة الأمنية مما أفقدها القدرة على متابعة اهتمام الجماهير؛ فخسرت قراءها.  

ـ مشكلة الصحفيين المعتقلين الذين لم تساندهم النقابة في سابقة غير معهودة منها تجاه أعضائها.

ـ الأزمة المالية الطاحنة التي تهدد المؤسسات الصحفية بعد انهيار توزيعها ليس بسبب " الإنترنت" فقط, وإنما أيضا بسبب خلوها من مضمون حقيقي.

ـ إغلاق عدد من الصحف وتشريد الصحفيين العاملين بها, واستمرار أزمة الصحف المغلقة منذ فترة سابقة وبقائها دون حل رغم وعود كثيرة من النقباء السابقين.

وهذه المشكلات تضغط بقوة على المشهد الإعلامي ما جعل مهنة الصحافة مهددة , والأكثر من ذلك المؤسسات الصحفية القومية التي قد يدهمها قرار مفاجئ بوقف غالبية إصداراتها الورقية والاكتفاء بمواقعها الإلكترونية, وهو الأمر غير المعلن الذي يتم بحثه في أروقة السلطة. 

وقد بات غالبية الصحفيين يشعرون بأزمة حقيقية تتهددهم, خاصة أن خيار خصخصة المؤسسات القومية ليس بعيدا.

وإزاء هذا الوضع المعقد متشعب المشكلات يكون من المستحيل توقع أن يقدم نقيب الصحفيين حلولا, في ظل سلطة عسكرية ترى في الصحافة الجادة  والإعلام الحر خطرا عليها, خاصة إذا كان النقيب موظفا حكوميا, وليس مستقلا عن السلطة لكي يمكنه أن يفاوض أو يناور لحلحلة أي من هذه المشكلات.   

ولذلك فإن أكثر التوقعات تفاؤلا لا تزيد عن بقاء الوضع المتدهور كما هو, ما يعني مزيدا من تفاقم المشكلات ليكون المكسب الوحيد للصحفيين هو زيادة بدل التدريب والتكنولوجيا.

وبالطبع كانت هناك سبل أخرى أمام الصحفيين لبحث حلول مشكلاتهم غير طريق النقيب الموظف الحكومي , لكن خضوعهم لسطوة السلطة, وإحجامهم عن أي تحرك للمطالبة بحقوقهم أوقعهم في أسر مسكنات الدعاية الانتخابية التي سرعان ما تتبخر فور إعلان النتيجة.  

  

*مشاهد سلبية في الانتخابات:

 

من أخطر ما يسيء إلى أي انتخابات تحولها إلى سوق تبذل فيه الوعود والأموال لنيل الأصوات وهو ما حدث بوضوح في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة لنقابة الصحفيين, حيث جرى توزيع الهدايا العينية، أو ما يمكن تسميته «رشاوى» صريحة، وهى عبارة عن "إكسسوارات" للهواتف المحمولة من «شواحن وسماعات وباوربنك» وصل عددها إلى الآلاف، أمام أبواب اللجان أثناء التصويت, مما جرح كبرياء كثير من الصحفيين وطالبوا بالتحقيق فيما يجري لكونه إساءة إلى الجماعة الصحفية ونزاهتها.   

كما شهدت الانتخابات بذخا غير معهود في الإنفاق على الدعاية الانتخابية في ظل الأزمة الطاحنة التي تعصف بالصحفيين ومستويات دخولهم.

وكان معيبا من المرشحين الإسراف في الوعود بتحسين دخول زملائهم دون الإجابة على سؤال(كيف؟)؛ فالأزمة تطحن الجميع دون بزوغ شعاع ضوء يقود إلى الحل. 

وتراجعت الحريات في برامج المرشحين خضوعا واستسلاما للسلطة, ما جعل 235 صحفيا يبطلون أصواتهم بكتابة أسماء زملائهم المعتقلين مثل مجدي حسين وبدر محمد بدر وإبراهيم الدراوي وأحمد عبد العزيز وأحمد أبوزيد وعادل صبري وهشام جعفر وغيرهم.

هذا برغم أن الصورة المعروفة عن انتخابات الصحفيين أنها كانت تجري لفئة مرموقة في المجتمع يمثلون قادة الرأي والفكر والثقافة, لكن التدهور بدأ يتسلل إليها شيئا فشيئا حتى انعكس ذلك على المشهد الصحفي بشكل عام, وبعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 حدث انكسار كبير في الجماعة الصحفية, فهي وإن كانت تناور أو تكشر عن أنيابها في مواجهة سلطة مدنية في السابق فقد بدا أنها لا تستطيع شيئا من ذلك أمام العسكر.  

وفي سابقة خطيرة جرى اقتحام الشرطة مبنى النقابة للقبض على صحفيين في مخالفة صريحة لنص القانون الذي لا يجيز ذلك إلا بحضور النيابة وعندما بدت نذر الاعتراض كان الرد سريعا من السلطة العسكرية بإحالة نقيب الصحفيين "يحيى قلاش" وعضوي مجلس النقابة " خالد البلشي" و"جمال عبد الرحيم" إلى النيابة ومحاكمتهم.

وهي سوابق خطيرة صدمت الوسط الصحفي , وجعلته في حالة ذهول أمام غشم السلطة العسكرية. 

وزادت بعد انقلاب 3 يوليو حوادث قتل الصحفيين والاعتداء عليهم أثناء تغطية فعاليات الشارع.

كل ذلك بالإضافة إلى تفاقم أزمات المهنة أثر في معنويات الصحفيين وأصابهم بالإحباط, وفاقم من الأزمة شمولها كل المؤسسات القومية والحزبية والخاصة.

*ما بعد الانتخابات

 

جرت الانتخابات في ظروف سيئة للجماعة الصحفية, وتم إعلان النتائج, وفازت السلطة بإعلان مرشحها نقيبا, وسيبقى الوضع كما هو عليه حتى إشعار آخر.

وليس من المتوقع تقديم أية حلول لأزمة الصحافة في مصر, ولن يتخذ النقيب الموظف لدى الحكومة موقفا لصالح المهنة في مواجهة السلطة التي تعادي الصحافة لسبب بسيط هو أن النقيب  مجرد موظف لديها.

وإن ما سيحدث هو إلحاق نقابة الصحفيين بالسلطة العسكرية, ما يحقق مخاوف الصحفيين من تحويل نقابتهم إلى كيانٍ صوري، لا يدافع عن حقوقهم وحرياتهم.

وقد ظهرت مؤشرات ذلك من خلال توصيات الجمعية العمومية للنقابة حيث لم تهتم بمعارضة حبس الصحفيين أو انتهاك حقوقهم، على عكس ما كان يحدث في السابق .

 

ويؤكد ما سبق أنه بعد إعلان نتيجة الانتخابات أصدر "المجلس اﻷعلى لتنظيم اﻹعلام" برئاسة مكرم محمد أحمد، لائحة الجزاءات التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة ﻷحكام قانون تنظيم الصحافة واﻹعلام،  بهدف فرض الصمت التام على جميع وسائل الإعلام، عبر نصوص عقابية جرمت تماماً ممارسة مهنة الإعلام والصحافة، إلا في الحدود المسموح بها أمنياً وحكومياً.

وتضمنت اللائحة جزاءات وعقوبات مغلظة، للتضييق على عمل الصحفيين، منها "معاقبة كل من استخدم أو سمح بألفاظ واضحة وصريحة، تشكل جريمة سب أو قذف، بأحد الجزاءات الآتية: إما معاقبة الوسيلة الإعلامية بغرامة لا تقل عن 25 ألف جنيه، ولا تزيد على 250 ألف جنيه، أو لفت النظر أو الإنذار، أو إحالة الصحفي أو الإعلامي إلى التحقيق بمعرفة النقابة، أو إلزام الوسيلة بتقديم اعتذار أو وقف بث البرامج المخالفة، أو حجب الموقع الإلكتروني لفترة مؤقتة، أو منع الصحفي أو الإعلامي من الكتابة". 

.

Share:
دلالات: #مصر
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة