الحراك في الجزائر قراءة في خرائط القوى والمواقف والتحديات


الحراك في الجزائر

قراءة في خرائط القوى والمواقف والتحديات

 

انطلق الحراك الشعبي الجزائري في 22 فبراير 2019؛ رفضاُ لإعلان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة -البالغ عمره 81 عاما ويحكم البلاد منذ 1999- ترشحه لولاية خامسة[1]. ومنذ اندلاع الاحتجاجات استمرت التطورات باتجاه تأكيد الشارع نجاحه في تحدي السلطة من جهة، وفي إثبات نفسه طرف فاعل ومركزي في العملية السياسية في الجزائر.

يمكن القول أن تفجر احتجاجات الجزائريين ضد بقاء بوتفليقة في السلطة كان متوقعاً في ظل حالة الموات التي كانت تعيشها البلاد، ومع الحالة المتأخرة التي بدا عليها الرئيس الجزائري البالغ من العمر 81، ونتيجة حالة التكلس والشيخوخة التي وصلتها الدولة العربية. يبدو أيضاً أن الحراك أخرج الترويكا الحاكمة في الجزائر من مأزق اختيار خليفة لـ "بوتفليقة" يحقق استقرار معادلة الحكم القائمة منذ التسعينات.

نحاول في هذه السطور تسليط الضوء على الحراك الشعبي في الجزائر؛ فهو لم يصبح ثورة بعد، مع بقاء ملامح المشهد الجزائري دون تغيير يذكر –سوى رحيل الحكومة- وإن كان يُنبأ بتغيرات جوهرية في النظام السياسي الجزائري، من المرجو بالطبع أن تكون تغيرات باتجاه تحقيق ديمقراطية حقيقية. نقارب الحراك عبر ثلاث محاور؛ الأول: خرائط القوى الوطنية والأجنبية ومواقفها من الحراك. المحور الثاني: خرائط التحديات في مرحلة ما بعد رحيل بوتفليقة. أما الخاتمة فنحاول فيها استشراف مستقبل الحراك الجزائري في ضوء القواعد والسنن التي تحكم المراحل الانتقالية عادةً. 

 

خرائط القوى ومواقفها من الحراك:

نجح الحراك في اكتساب ثقة معظم –إن لم يكن كل- القوى السياسية الوطنية الفاعلة في الجزائر؛ سواء المعارضة، أو حتى القريبة من دوائر الحكم، لدرجة أن الحزب الحاكم ذاته، أعلنت بعض كوادره تأييدها للحراك الشعبي مطالباً الرئيس بالرحيل والاستجابة للمطالب الشعبية[2].

1-    تطور موقف قوى النظام :

في البداية أظهرت قوى النظام تمسكها بالخطة التي أعلنها الرئيس في 11 مارس 2019 لنقل السلطة؛ والتي تضمنت عقد مؤتمر وفاق وطني جامع، وتعديل الدستور، وتنظيم انتخابات رئاسية، يسلم بعدها بوتفليقة العهدة الرئاسية لرئيس منتخب، متجاهلاً بذلك مطالب الشارع والمتظاهرين الرافضين لأي تمديد للعبة السياسية وفقاً لما يريده الرئيس[3].

لكن مع مرور الوقت بدأت تظهر انشقاقات في بنية النظام الداخلية في شقها المدني؛ فقد وصف المتحدث باسم حزب جبهة التحرير الوطنية الحاكم، حسين خلدون، الندوة الوطنية التي دعا الرئيس بوتفليقة إلى عقدها، بأنها "غير مجدية"، داعياً في 27 مارس 2019، إلى التعجيل بعقد انتخابات رئاسية في غضون أسبوع واحد. على أثرها أصدر الحزب الحاكم بياناً، أكّد فيه تمسُّكه بخارطة الطريق التي أقرها الرئيس بوتفليقة، وخرج معاذ بوشارب منسّق تسيير هيئة الحزب يعلّل بأن خلدون لم يحسن التعبير عن تصريحاته. وهو ما اعتبره مراقبون حالة من الصراع بين أعضاء الحزب، مما يشير إلى تصدُّع داخلي، تَجلَّى في قول خلدون إن "شخصيات ورّطوا الحزب ليظهر كحزب فاسد فقد تم استُخدمنا واجهةً في يد السلطة لتمرير بعد القرارات التي تخدم مصالح بعض هذه الشخصيات"[4].

كما تجلى هذا الانقسام الذي يعيشه النظام الجزائري، في مرور اسبوعين منذ قرار الرئيس في 11 مارس 2019[5]، إقالة حكومة أحمد أويحيى وتكليف وزير الداخلية نور الدين بدوي تشكيل حكومة كفاءات جديدة، محدّداً مهلة أسبوع واحد لتشكيلها، إلا أنه حتى الآن لم يُعلَن عنها. وكانت أحدث ملامح الانقسام داخل النخبة الحاكمة في الجزائر، إعلان سوناطراك، أكبر شركة للمحروقات في البلاد، والمفصل الأقوى داخل الاقتصاد الجزائري النفطي، والمملوكة بالكامل للحكومة، وتسهم بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي للجزائر، على لسان رئيسها التنفيذي، دعم الحراك الشعبي في مطالبه ضد استمرار بوتفليقة في الحكم، مع تعهده بعدم اتخاذ أي عقوبات ضد موظفي الشركة المؤيدين للاحتجاجات[6].

 

2- المؤسسة العسكرية:

كان التحول الذي حدث في موقف المؤسسة العسكرية –ممثلة في رئيس الأركان قايد صالح- هو الشرخ الحقيقي والأقوى في التحالف الداعم للرئيس. ذلك بعد التصريح الصادم لقائد الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، الذي أكد فيه على أهمية تفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري، المتعلقة بإعلان شغور منصب الرئاسة. وهي الخطوة التي تعكس تخلّي المؤسسة العسكرية -فعلياً- عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعد أكثر من شهر على الاحتجاجات الشعبية الرافضة لبقائه في الحكم. وتنص المادة 102 من الدستور على أنه في حال استحال على رئيس الجمهوريّة ممارسة مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوري وجوباً، وبعد التأكد من المانع، يقترح على البرلمان التصريح بثبوته. كما يُفترض أن يعلن البرلمان بغرفتيه ثبوت الشغور، ويكلّف رئيس مجلس الأمة تولّي رئاسة الدّولة لمدّة أقصاها 45 يوماً[7].

وفي تصريحه نادى رئيس أركان الجيش الجزائري بتبني حل يكفل الخروج من الأزمة، ويستجيب للمطالب المشروعة للشعب الجزائري، ويضمن احترام أحكام الدستور واستمرارية سيادة الدولة، حل من شأنه تحقيق توافق رؤى الجميع، ويكون مقبولاً من الأطراف كافة[8].

أما عن موقف الحراك الشعبي من التحول الذي حدث في موقف النخبة العسكرية؛ فقد سارع محتجون إلى الاعتراض على استعمال المادة 102، لأن من شأنها أن تختزل التحوّل الديمقراطي المنشود في انتخابات مشكوك في نزاهتها؛ لأنها ستُجرى تحت إشراف الهيئات الإدارية والحكومية ذاتها التي نصبها الرئيس بوتفليقة، ووفق الدستور والقانون الانتخابي اللذين تم تفصيلهما على مقاسه. ويتنافى ذلك مع تطلعات الحراك لتأسيس "جمهورية ثانية"[9].

وعن تفسير الإنقلاب في موقف الجنرالات، فقد اعتبر مراقبون أن تطور مواقف الجيش من الحراك تحكمه منطق المصلحة، ويحتكم لمبدأ تقديم تنازلات تسمح بنزع فتيل الأزمة، وأن "الاستجابة لبعض المطالب دون تغيير النظام". خاصة أن الحراك –قد يكون- في صالح الجيش إن أحسن العسكريين التعاطي معه؛ فالرئيس الجزائري قد نجح إلى حد بعيد خلال العام 2015 في تقليم أظافر الجيش؛ بالحد من أهمية وتأثير دائرة الاستعلام والأمن، الجهاز القوي في الجيش، "الدولة داخل الدولة"، ثم استبدلها بكيان جديد وضع تحت وصايته. كما استمر تطهير المؤسسة العسكرية، في الجيش والدرك، سنة 2018، ومن هنا ظهر خبر العثور على 700 كيلوغرام من الكوكايين في سفينة غير بعيدة عن وهران[10]. وخاصة أن دعوة رئيس أركان الجيش، قايد صالح، بالعودة للمادة 102، تبقى في النهاية مجرد مقترح بدون قوة إلزامية؛ خاصة أن المجلس الدستوري الذي يرأسه الطيب بلعيز الرجل المقرب من الرئيس بوتفليقة هو الوحيد المخول باتخاذ قرار إعلان حالة شغور منصب الرئيس. كما أن تطبيق المادة 102 تواجه إشكالاً آخر، يتمثل في أن الجنسية الأصلية لرئيس الغرفة العليا للبرلمان عبد القادر بن صالح "مغربية" في حين ينص الدستور على أن تكون الجزائرية[11] هي جنسية من يترأس البلاد[12].

لكن يبقى سؤال، وهو هل لازال للنظام الجزائري بعد انشقاق المكون العسكري –عقب دعوة قائد الجيش تفعيل المدة 102 من الدستور والخاصة بشغور منصب الرئيس- أوراق لعب يمكن أن يلقيها، أم أن النظام فعلياً لعب كل أوراقه ولم يعد أمامه سوى الانسحاب في هدوء. في هذا السياق حذر عسكريون من لجوء "الشلة الرئاسية"، إلى افتعال أعمال عنف خلال التظاهرات، بهدف وضع الجيش أمام الأمر الواقع، وجرّه إلى الاضطرار للتدخل من أجل ضبط الأمن. خاصة مع نشر سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الجزائري ومستشاره الأقرب، رسالةً باسم الرئيس جدّد فيها تمكسه بالبقاء في الحكم سنة إضافية بحجة الإشراف على الفترة الانتقالية[13].

 

3-    موقف الإسلاميون:

رغم تأييد الإسلاميين للحراك؛ إلا أنهم وعلى النقيض مما حدث في انتفاضة أكتوبر 1988 في الجزائر؛ حيث برز الإسلاميون مباشرة بعد اندلاعها وسيطروا على الشارع وتصدروا الأحداث، تجنبوا هذه المرة القفز إلى واجهة الحراك وتصدّره. بل إن التيارات الإسلامية المختلفة فضّلت مسايرة الحراك والمشاركة فيه والمساعدة في تأطيره، من دون محاولة الهيمنة على مفاصله، ومن دون إعلان وجودهم في الحراك كتلةً سياسية برايات حزبية أو دينية؛ تجنّباً لخلق حالة استقطاب سياسي وإيديولوجي يوفر فرصة للسلطة لضرب مطالب الحراك السياسية. وقد حافظ الإسلاميون في الحراك على المطلب المركزي والمشترك والمتعلق برحيل النظام ورموزه السياسية والمالية، والتأسيس لمرحلة البناء الديمقراطي الذي تكون فيه الفرص الانتخابية متكافئة وشفافة، وهو مطلب يتقاسمه الإسلاميون مع كافة القوى السياسية الفاعلة في الجزائر، كالديمقراطيين والتقدميين واليساريين والتيار الوطني المحافظ[14].

ويرى الإسلاميون أن هذا السلوك يحمي الحراك من الانزلاق إلى الاستقطاب السياسي، والخروج به من طابعه الشعبي العام إلى لون سياسي أو صبغة أيديولوجية واحدة؛ ما "سيثير الحفيظة الإيديولوجية للشركاء في الثورة السلمية والتغيير، ويعطي مبرر الفزّاعة للتحريض الخارجي عليهم عبر تحالف القوى الإقليمية والدولية، المتوجّسة من أي تغييرٍ يهدد مصالحها ونفوذها"[15].

4-    الأحزاب المتأخرة عن الحراك:

خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد تصريحات رئيس الأركان، توالت تصريحات الأحزاب المؤيدة للنظام معلنة تأييدها للحراك الشعبي؛ إلا أن المتظاهرون هاجموهم؛ وجوه النظام ورموزه السياسية، والأحزاب السياسية التي ظلت متمسكة ببقاء الرئيس بوتفليقة وترشيحه لولاية رئاسية خامسة، وبقيت على موقفها حتى انقلبت الامور لصالح الشارع والمتظاهرين، وعندها فقط قررت تأييد مطالب المتظاهرين ودفعت كوادرها لنزول الشارع. وقد أسماهم المحتجين بـ "راكبي موجة الحراك الشعبي"؛ وقد رفع المتظاهرون شعارات موجهة بشكل خاص للأحزاب التي يرى الشارع أنها سبب للأزمة التي تعيشها البلاد، وهي حزب "جبهة التحرير الوطني" الذي يقوده بوتفليقة، و"التجمع الوطني الديمقراطي" الذي يقوده رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى، وحزب "أمل الجزائر" بقيادة وزير الأشغال العمومية الأسبق عمار غول، ورئيس "الحركة الجزائرية الشعبية" وزير التجارة الأسبق عمارة بن يونس. شعارات من قبيل "توبتكم مشكوك فيها"، عبارة "ديقاج"، أي ارحلوا، وكان من أبرز الشعارات "كرهناكم تتنحاو قاع" (يقصد بها كرهناكم جميعاً، ويجب أن تذهبوا جميعا)[16].

 

5-    القوى الخارجية والاحتجاجات الجزائرية:

كشف عدد من الفاعلين الدوليين اهتمام خاص بما يجري في الجزائر، وهو ما ظهر في تصريحات مسئولي هذه الدول؛ فقد صرح وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف"، أن بلاده ترفض أي تدخل أجنبي في الجزائر. وفي تعليقه على تطورات الوضع في الجزائر، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن باريس مستعدة لمرافقة انتقال سلس للسلطة في الجزائر[17]. وهو ما أثار استياء المتظاهرين الجزائريين. خاصة مع لجوء السلطة لتبرير موقفها وتسويقها خارجياً وشرح الأوضاع للعواصم الغربية، عبر الزيارات المكوكية التي قام بها نائب رئيس الحكومة، وزير الخارجية رمضان لعمامرة، رفقة وزير الخارجية السابق عبد القادر مساهل[18]، إلى موسكو وألمانيا وإيطاليا.

في السياق ذاته، دعا الإتحاد الأوروبي، في جلسة عامة لبرلمان الإتحاد -بعد قرار بوتفليقة بعدم الترشح لعهدة خامسة[19]- إلى أن تكون عملية التغيير والانتقال الديمقراطي، شفافة وآمنة، على أن تشمل جميع أطراف المجتمع الجزائري، معبراً عن استعداده، لمساعدة الجزائر في تنظيم انتخابات رئاسية جديدة. وأكد أن استقرار الجزائر، بالغ الأهمية، بالنسبة للاتحاد الاوروبي، فهي تقع بجوار الاتحاد الأوروبي، وشريك رئيسي له، لذا تعد الجزائر طرفاً فاعلاً في تحقيق الاستقرار[20].

لكن تبقى الإمارات العربية هي الفاعل الدولي الأكثر تهديداً للحراك الشعبي في الجزائر؛ فبحسب موقع "موند آفريك" الفرنسي، فإن الإمارات تسعى بشكل حثيث لاجهاض الحراك الشعبي في الجزائر والحفاظ على استقرار النظام ونفوذ وصلاحيات المؤسسة العسكرية هناك. وقد تحدث التقرير عما أسماه "علاقات مالية قوية" تربط أبو ظبي بالنظام الجزائري؛ خاصة بقائد الجيش قايد صالح. وهو ما بدا في اللهجة القوية والصارمة التي خاطب بها رئيس الأركان المحتجين الجزائريين بعد عودته من الإمارات. ويبدو أن المتظاهرين –بحسب التقرير- واعين بالدور الإماراتي في تأليب الجيش والسعي للقضاء على الحراك الشعبي هناك؛ فقد رفع المتظاهرين لافتات منددة بالامارات[21].

 

من تحديات ما بعد رحيل بوتفليقة:

من التحديات المركزية التي تتهدد الحراك في الجزائر؛ التحدي الأول: الفراغ الدستوري الذي قد ينجم عن عزل بوتفليقة من منصبه. الثاني: احتمالات الصدام مع الدولة العميقة. الأخير: التحدي الاقتصادي.

1-    الفراغ الدستوري:

في حال رفض بوتفليقة الرحيل، وباتت المواجهة  صريحة بين الثورة والنظام المتشبث بالبقاء؛ فسيكون عزل بوتفليقة يعني انهيار كل النظام القائم ببنيته الدستورية والتشريعية وسقوط مؤسساته؛ مما سوف يستدعي تشكيل مؤسسات مؤقتة لإدارة المرحلة الانتقالية التي تسبق نقل السلطة لمنظومة جديدة معبرة عن مطالب وتطلعات الشارع السياسي الجزائري.

في هذا السياق اقترح قيادي في "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" المنحلة، "الاستعداد بإحكام لكلّ ما تتطلّبه جملة القرارات التالية التي تعلن متزامنة في حال الإقرار إثبات شغور منصب الرئيس، وهي إقالة الحكومة، وتعليق العمل بالدستور مؤقّتا، وحل المجالس الثلاثة، غرفتي البرلمان المجلس الشعبي الوطنيّ ومجلس الأمة والمجلس الدستوري". من هذه الاستعدادت "تنصيب هيئة حكماء تتكون من رجال دولة لهم سمعة تاريخية وشخصية توافقية يرضى بها الشعب، ويواكب ويدعم عملها الجيش، بصفتها مجلس دولة سيّدا يملأ الفراغ الرئاسيّ والتشريعيّ في السلطة خلال مرحلة انتقاليّة تأسيسيّة قصيرة مبنيّة على شرعيّة التوافق بين القوى الممثّلة للانتفاضة الشعبيّة الوطنيّة"، وأن "تعتمد هيئة الحكماء حكومة كفاءات وطنيّة لتسيير المرحلة الانتقاليّة"، وتتكفل بعقد "ندوة حوار وطنيّ جامعة للقوى الوطنية الفاعلة ينبثق عنه بالتوافق، مجلس استشاريّ وطني يتكفل بتقويم عمل الحكومة الانتقاليّة، وتعديل دستور 1989 عبر الاستفتاء الشعبي، ومراجعة كلّ القوانين المتعلّقة بالانتخابات. مع استحداث هيئة مستقلّة دائمة لتنظيم الانتخابات، على أن تتولى هيئة الحكومة والحكومة الانتقاليّة كلّ الضمانات والمتطلّبات اللازمة، لتمكين الهيئة المستقلّة الدائمة لتنظيم الانتخابات من إجراء الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة والمحليّة في ظلّ الدستور الجديد والقوانين المتلائمة معه[22].

من جهتها اقترحت حركة مجتمع السلم الجزائرية رؤية قائمة على مبائ ستة؛ على رأسها "استمرار الحراك إلى غاية ضمان الانتقال السلس للسلطة بما يحقق مطالب الشعب المعبر عنها في مختلف مسيرات الوطن، وتنحي رئيس الجمهورية وأعوانه وتسليمه السلس للسلطة"، وشدّدت حركة مجتمع السلم على ضرورة "ضمان استمرار سلمية الحراك إلى أن تتحقق مطالب الشعب، ورفض التدخل الأجنبي بأي شكل من الأشكال". كما دعت إلى "القيام بالإصلاحات الضرورية والمناسبة التي تضمن نزاهة الانتخابات، وتجسيد الإرادة الشعبية، والانتقال الديمقراطي السلس، وقيادة المرحلة الانتقالية من شخصيات مقبولة من الحراك الشعبي". وطالبت الحركة بأن "لا تتجاوز المرحلة الانتقالية ستة أشهر، وأن يتكفل بالمرحلة الانتقالية شخصية سياسية مقبولة من الحراك غير متورطة في الفساد وفي التزوير الانتخابي في أي مرحلة من المراحل السابقة". كما دعت إلى "عدم تكرار تجربة المجلس الأعلى للدولة، حيث يتولى مهمة رئاسة الدولة شخصية سياسية واحدة لتجنب حالات الصراع وعدم شفافية مصدر السلطة ومناط المسؤولية". وأشارت الحركة إلى "أهمية التشاور بين جميع الأطراف للبحث عن المخرج الآمن للجزائر". كما طالبت بأن "يصدر رئيس الدولة المتفق عليه مجموعة من المراسيم التشريعية التي تضمن تحقق الحد الممكن والضروري من الإصلاحات قبل العودة إلى المسار الانتخابي، وعلى رأسها الهيئة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات، وبرئيس حكومة توافقي بالتشاور مع الطبقة السياسية ونشطاء الحراك، يقوم بتصريف الأعمال وتنفيذ مراسيم الإصلاحات السياسية، وبتعيين شخصية توافقية لرئاسة الهيئة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات وأعضائها، مع توفير الشروط المادية الضرورية لعمل اللجنة"[23].

في حين اعتبرت أحزاب وشخصيات محسوبة على ما يسمى بـ "المعارضة الراديكالية"، حزب العمال لوزير حنون (يسار)، وحزب جبهة القوى الاشتراكية (يسار)، ونشطاء مستقلين على غرار كريم طابو وهو قيادي سابق حزب جبهة القوى الاشتراكية، أنه لا بد من تغيير جذري تحل بموجبه كل المؤسسات الدستورية الحالية، وأن يتم انتخاب مجلس تأسيسي يتولى صياغة مسودة الدستور التي تعرض على الاستفتاء الشعبي (على غرار النموذج التونسي). بينما اقترح ائتلاف المجتمع المدني الجزائري من أجل الخروج السلمي من الأزمة، "إنشاء هيئة عليا للانتقال الديمقراطي، وهي هيئة جماعية تتكون من شخصيات تتمتع بسلطة معنوية وقبول شعبي واسع. هذه الهيئة تعدُّ تجسيدا لسيادة الدولة". وقال الائتلاف المشكل من جمعيات ونقابات ونشطاء مستقلين، أن دور الهيئة ينحصر في تشكيل حكومة انتقالية، وتنظيم جلسات للحوار الوطني، تتوج بانتخاب ما يشبه برلمانا يعد دستورا جديدا[24].

ولاتزال قوى المعارضة الجزائرية تواصل تشاوراتها بشأن "خارطة الطريق" التي تحول دون الوقوع في فخ الفراغ الدستوري في أعقاب رحيل بوتفليقة[25].

 

2-    الصدام مع الدولة العميقة:

في كلمته التي طالب فيها بالاحتكام إلى المادة 102 في الدستور الجزائري، والخاصة بشغور منصب رئيس الجمهورية، قال رئيس الأركان الجزائري، أن "الوضع في بلادنا يظل حاليًا يتميز بمسيرات شعبية سلمية، تنظم عبر كامل التراب الوطني وتطالب بتغييرات سياسية، ورغم أن هذه المسيرات قد اتسمت، إلى غاية الآن، بطابعها السلمي والحضاري (..) إلا أنه وجب التنبيه إلى أن هذه المسيرات قد تستغل من قبل أطراف معادية في الداخل والخارج، ذات النوايا السيئة، والتي تلجأ إلى القيام بمناورات مشبوهة بهدف زعزعة استقرار البلاد، لكن الشعب الواعي واليقظ والفطن سيعرف كيف يفشل كافة مخططاتها الدنيئة"[26].

تحمل هذه الكلمات تهديد مبطن للمحتجين بأن الجنرالات قد ينقلبون على الحراك في حال تهدد بشكل حقيقي نفوذهم وموقعهم في جهاز الدولة. ما يعني أن هناك مخاطر حقيقية على الحراك وعلى مستقبل البلاد بعد رحيل بوتفليقة؛ فرحيل بوتفليقة يعني أن القرص الصلب للدولة قد تخلص قشرته الخارجية ، وأن القوة الصلبة للدولة تقف عارية من أية شرعية أمام المتظاهرين، وأن هناك احتمالات كبيرة للصدام ما لم ينجح الشارع في ترويض البهيموت[27] الغاضب، خاصة وأن الجيش الجزائري سبق وأن خاض عشرية سوداء للحفاظ على سلطات كادت نتائج الانتخابات التشريعية في التسعينات أن تودي بها.

 

3-    التحدي الاقتصادي:

أقرت إحصائيات دولية صدرت مؤخرا، بأن "صادرات الغاز الجزائري تراجعت بنحو 40%"، وهو ما يعكس تحديا مسكوتا عنه، خاص بتقلص الاحتياطات النفطية والغازية في الجزائر، لاسيما في ظل ارتفاع الاستهلاك الداخلي. كما تحدثت إحصائيات صادرة عن وزارة المالية، أفادت بأن البنك الجزائري طبع ما يعادل الـ60 مليار دولار من العملة المحلية، في غضون العامين الأخيرين. وأن هناك تراجع كبير في الاحتياطي النقدي الأجنبي[28]. وأن بعض القطاعات الاقتصادية في الجزائر يشهد اضطرابات في تسيير عملها، منذ بداية الحراك الشعبي المعارض، فكثير من المشاريع الحكومية تنتظر التمويل، وشركات خاصة تشكو من تأخر تسلّم مستحقاتها من الدولة، فيما يتهرب المسؤولون من تحمّل أوزار التوقيع، خاصة في ظل امتداد الفراغ الحكومي[29].

يظهر ما سبق حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، إلا أن مختصون استبعدوا، أن يلحق الحراك الشعبي أضرارا بالاقتصاد المحلي في الظرف الراهن، في ظل عدم اللجوء إلى الإضرابات أو شل القطاعات الحيوية، مع التحذير من أن حالة الاستقطاب بينه وبين السلطة، يدفع باتجاه القبضة الحديدية التي قد تجر الشارع إلى عصيان مدني، يلحق خسائر بشركات المياه والكهرباء على وجه التحديد، بسبب عدم دفع مستحقات فواتير الاستهلاك[30].

في المقابل يرى مراقبون أن الاوضاع الاقتصادية في الجزائر تتعقد مع استمرار الحراك الشعبي وعدم وجود حكومة، ومع تراكم المشكلات، وارتفاع الاسعار، وأن الجزائر تتكبد خسارة بنحو 300 مليون دولار يومياً، بسبب الحراك الشعبي الذي تشهده منذ 22 فبراير 2019[31]. معنى ذلك أن التأثيرات السلبية للحراك على الاقتصاد الجزائري تبقى موضع خلاف بين المتخصصين.

 

الخاتمة:

إن التحولات الديمقراطية في العالم "تحصل غالباً بإصلاحات تنتج عن انقسام داخل النظام الحاكم وتواكبها خطوات شعبية تحول تلك الإصلاحات الصورية إلى حقيقية، وعندها تنشأ ديناميكية لا يمكن إنهاؤها إلا بالتفاهم بين أطراف رئيسية من النخبة الحاكمة والحراك الجماهيري، وعندها يصبح ممكناً تقاسم السلطة أو التناوب عليها". وهو ما يعني أن النجاح الحقيقي للحراك الجزائري أن يستفيد من الانقسامات داخل جسد النظام وبين مكونات النخبة الحاكمة، وأن يوظفها في تحقيق مصالحه، وأن يفرض نفسه كرقم لا يمكن تجاوزه في معادلة الحكم، على أن يستعين بالمراوغة ولا يدخل في صدام خاصة مع المكون العسكري. أما من جهة العلاقات بين مكونات الحراك الشعبي؛ فإن الحراك الجزائري يتحدد مستقبله بقدرته على "إنتاج قيادته"، وبقدرته على استيعاب قيادات المعارضة، وعلى خلق انسجام حقيقي بين القيادات الجديدة التي ينتجها الحراك وقيادات المعارضة؛ كي لا تتكرر الأخطاء التي حصلت بالفعل في بلدان عربية أخرى شهدت موجات من الربيع العربي مثل مصر وسورية مثلاً[32]. فالحراك الشعبي يواجه تحديات حقيقية سواء على صعيد صراعه مع منظومة الحكم القائمة أو في سياق العلاقة بين مكوناته الداخلية.

في النهاية حاولت هذه الورقة أن ترسم خرائط للحراك الجزائري؛ للقوى الوطنية الجزائرية والأجنبية التي اهتمت بالوضع في الجزائر، مع السعي للوقوف على مواقف هذه القوى من الاحتجاجات الشعبية هناك. كما عملت على استشراف المخاطر والتحديات التي من المتوقع أن تجابه الحراك الشعبي هناك خلال الفترة القادمة، بما قد يسهم في تشوف مآلاته. 

 

 

 

 



[1] الشرق الأوسط، بوتفليقة يعلن ترشحه لولاية خامسة.. في «رسالة» تضمنت احتمال تعديل الدستور الجزائري، 11 فبراير 2019، الرابط: http://bit.ly/2FFLzgy

[2] المدن، الجزائر تشهد مليونية الرحيل..والحزب الحاكم يتخلى عن بوتفليقة، 15 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2HT8jeJ

[3] العربي الجديد، شوارع وساحات الجزائر تغصّ بالملايين بالجمعة الخامسة للحراك الشعبي، 22 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2CDHs2K

[4] TRT عربي، النظام الجزائري ينقسم على ذاته.. أم يعيد تشكيل نفسه؟، 27 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2FxAQnk

[5] العربية، الجزائر.. استقالة رئيس الحكومة أحمد أويحي، 11 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2HKJeTS

[6] TRT عربي، النظام الجزائري ينقسم على ذاته.. أم يعيد تشكيل نفسه؟، 27 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2FxAQnk

[7] الشرق الأوسط، الجيش يتخلى عن بوتفليقة... ويطلق مرحلة انتقالية، 27 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2HYaOwm

[8] الشرق الأوسط، ​قائد الجيش الجزائري يطالب بتنحية بوتفليقة، 26 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2YzhYx1

[9] اندبندنت عربية، الوقائع السرية الكاملة للصراع الذي أفضى إلى دعوة قيادة الجيش إلى تنحي بوتفليقة، 27 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2HU1E3I

[10] العربي الجديد، مع استمرار احتجاجات الجزائر... "لوموند" تسأل عن "لغز الجيش"، 19 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2uycZyw

[11] للخروج من ورطة الجنسية قد يتم اللجوء إلى الفقرة التي تشير إلى مانع في تقلد رئيس مجلس الأمة منصب الرئيس بالنيابة، ما يعني إسناد المهمة لرئيس المجلس الدستوري.

[12] عبدالحفيظ سجال، ماذا تحمل الساعات القادمة للجزائريين بعد تخلي الجيش عن بوتفليقة؟، نون بوست، 27 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2Yx2ysN

[13] اندبندنت عربية، الوقائع السرية الكاملة للصراع الذي أفضى إلى دعوة قيادة الجيش إلى تنحي بوتفليقة، مرجع سابق.

[14] العربي الجديد، الإسلاميون والحراك الجزائري: تجنّب تصدّر المشهد تفادياً لتجارب سابقة، 25 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2UV3CEQ

[15] العربي الجديد، الإسلاميون والحراك الجزائري: تجنّب تصدّر المشهد تفادياً لتجارب سابقة، المرجع السابق.

[16] العربي الجديد، الشارع الجزائري ينتفض ضدّ "راكبي موجة الحراك" من النظام، 22 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2HLOeaX        

[17] العربي الجديد، الشارع الجزائري ينتفض ضدّ "راكبي موجة الحراك" من النظام، مرجع السابق.

[18] العربي الجديد، شوارع وساحات الجزائر تغصّ بالملايين بالجمعة الخامسة للحراك الشعبي، 22 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2CDHs2K

[19] BBC عربي، الانتخابات الرئاسية الجزائرية: عبد العزيز بوتفليقة يعلن تأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى وعدم الترشح لفترة خامسة، 11 مارس 2019، الرابط: https://bbc.in/2Yx0Es9

[20] اندبندنت عربي، عواصم غربية ترفع الصوت في وجه الولاية الخامسة... وتلتزم الصمت حيال تدخل الجيش في الجزائر، 27 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2YycBOf

[21] عربي 21، موقع فرنسي: تعاون إماراتي مع الجيش الجزائري لإخماد الحراك الشعبي، 25 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2JIQtO1

[22] العربي الجديد، الشارع الجزائري ينتفض ضدّ "راكبي موجة الحراك" من النظام، 22 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2HLOeaX

[23] عربي 21، حركة مجتمع السلم تعلن رؤيتها لخروج الجزائر من أزمتها، 25 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2FG7nbX

[24] القدس العربي، الجزائر.. مع تواصل الحراك مبادرات عدة للخروج من الأزمة، 22 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2U29e3F

[25] عربي 21، معارضون بالجزائر يبحثون وضع خارطة طريق للخروج من الأزمة، 23 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2YwVYTh

[26] عبدالحفيظ سجال، ماذا تحمل الساعات القادمة للجزائريين بعد تخلي الجيش عن بوتفليقة؟، نون بوست، 27 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2Yx2ysN

[27] هو كائن متوحش ذكر في الكتاب المقدس، وهو وحش متفلت من أي قيد.

[28] صابر بليدي، تحديات اقتصادية معقدة تنتظر سلطة ما بعد الحراك الجزائري، العرب، 22 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2TFvyef

[29] العربي الجديد، مشاريع معطلة وديون عالقة وسط تصاعد حراك الجزائر، 26 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2JOpZKU

[30] صابر بليدي، تحديات اقتصادية معقدة تنتظر سلطة ما بعد الحراك الجزائري، العرب، مرجع سابق.

[31] اندبندت عربية، كارثة اقتصادية تهدد الجزائر... مع استمرار الحراك الشعبي والانسداد السياسي، 25 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2Wtifj1

[32] العربي الجديد، عزمي بشارة: هذه شروط نجاح التحول في الجزائر والسودان، 18 مارس 2019، الرابط: http://bit.ly/2CKnwv0

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة