مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد.. إنصاف للأسرة أم تقنين لأفكار السيسي الشاذة حول الطلاق؟

 مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد.. إنصاف للأسرة أم تقنين لأفكار السيسي الشاذة حول الطلاق؟

في تصريحات خلال مؤتمر الشباب الذي انعقد في أواخر يوليو الماضي "2018" بجامعة القاهرة،  تناول الجنرال عبدالفتاح السيسي مشاكل الطلاق، وقال "إن المجتمع به الكثير من القضايا الخطيرة، منها وصول نسب الطلاق إلى 44%، وهذا يعني أن 100 حالة زواج يحدث فيها تقريبًا 50% طلاق ..إذا كان في 9 ملايين طفل دون أب وأم بشكل مباشر، يوجد 15 مليون طفل بدون أب وأم بشكل غير مباشر، عن طريق انفصال خفي دون طلاق».

هذه التصريحات اعتبرت رسالة واضحة من السيسي للبرلمان والمؤسسات داخل الدولة بضرورة تمرير مشروع قانون الأحوال الشخصية، ويدفع نحو التعجيل بذلك أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تكشف أن  عدد إشهادات الطلاق في 2017 بلغ ، 198269 إشهادًا مقابل 192079 عام 2016 بنسبة زيادة قدرها 3.2٪. كما يملك الجهاز بيانات كارثية عن نسب الطلاق في مصر، إذ تشهد مصر أعلى نسب الطلاق فى العالم تصل إلى 600 حالة طلاق يوميا بما يصل لـ 25 حالة طلاق كل ساعة واحدة!.

وكان السيسي قد بدأ بالدعوة إلى هذه البدعة، خلال احتفالاته بما يسمى بعيد الشرطة في 24 يناير 2017، مطالبا بإصدار  قانون يقضي "بألا يتم الطلاق إلا أمام مأذون"، أي حظر الطلاق شفويا، واستعان السيسي وقتها ببيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بأن  40% من المتزوجين يطلقون خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج، معتبرا أن هذه "نسبة كبيرة ويكون لها سلبيات على الأسرة والأجيال" المقبلة.

وتوجه السيسي بعد ذلك إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب -الذي كان يحضر الاحتفال- قائلا له بالعامية "والا إيه يا فضيلة الإمام؟"، ثم أردف "تعبتني يا فضيلة الإمام".  وبعدها بدأت حملات ضارية تنال من الأزهر والشيخ أحمد الطيب بهدف إجباره على مزيد من الركوع والتسليم لتوجهات وسياسات الجنرال السيسي.

وبالرغم من أن طلب السيسي مثّل ما يشبه "اختبار قوة" مع الأزهر بعد الحملة الإعلامية على الطيب، فإن هيئة العلماء بالأزهر رفضت طلب جنرال الانقلاب واعتبرته  مخالفا للأصول الشرعية. وأصدرت في فبراير 2017  بيانا، -لوحظت فيه الحدة غير المسبوقة- دعا  المسلمين إلى الحذر مما وصفها بالفتاوى الشاذة التي ينادي بها البعض؛ واكدت أن "وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانه وشروطه والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق، هو ما استقرَّ عليه المسلمون منذ عهد النبي... دون اشتراط إشهاد أو توثيق".

وأكدت الهيئة أنها ترى أن ظاهرة شيوع الطلاق لا تقضي باشتراط الإشهاد أو التوثيق، لأن الزوج المستخف بأمر الطلاق لا يعجزه أن يذهب للمأذون أو القاضي لتوثيق طلاقه، مشيرة إلى أن كافة إحصاءات الطلاق المعلن عنها مثبتة وموثقة سلفا إما لدى المأذون أو أمام القاضي. وتابعت أن العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون في رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكل أنواعها، وتثقيفهم من خلال ما وصفته بالفن الهادف والتعليم الجاد والدعوة الدينية الجادة. ورغم إصرارها على شرعية الطلاق شفويا، فإن الهيئة أكدت أن "من حق ولي الأمر (أي رئيس الدولة) شرعا أن يتخذ ما يلزم من إجراءات لسن تشريع يكفل توقيع عقوبة تعزيرية رادعة على من امتنع عن التوثيق (للطلاق الشفوي) أو ماطل فيه، لأن في ذلك إضرارا بالمرأة وبحقوقها الشرعية".

 

مشروع القانون أمام البرلمان

وخلال دورة الانعقاد الرابع التي بدأت أول أكتوبر الجاري 2018، يناقش البرلمان مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، وسط مخاوف كبرى، تنتاب الأوساط الإسلامية والشعبية، من اتخاذ الجنرال الأوضاع المزرية التي تسبب فيها قانون الأحوال الشخصية الحالي في تمرير توجهاته المخالفة للشريعة الإسلامية حول عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي إلا إذا تم توثيقه؛ يعزز من هذه المخاوف باقي تصريحات السيسي أيضا في مؤتمرات الشباب  حيث أضاف «....وحينما تحدثت عن ضرورة عمل تشريع لتوثيق الطلاق هُوجمت، أنا مش زعلان، لكن محدش قال إن التشريع على الأقل مع التطور اللي حصل في المجتمع على مدار ما يزيد عن 1000 عام، ميحقش ليا إن أحمي المجتمع، وهل ده مجتمع في استواء ولا إحنا رايحين للعدمية".

والسيسي هناك يمارس التدليس والكذب البواح بادعائه أن قوانين الأسرة لم تحم المجتمع طوال أكثر من ألف سنة، في تعريض واضح بالشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، رغم أن مشاكل الأسرة لم تظهر إلا مؤخرا خلال العقود الست الأخيرة فقط، بعد أن تم استيراد قوانين غربية لأوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية فأفضت إلى كوارث كبرى تزامنا مع سيطرة جنرالات العسكر على الحكم في انقلاب 23 يوليو 1952م.

وثمة تصارع على تقديم مشروع للقانون بين جهات متعددة؛ فالأزهر يعد  مشروع قانون يحاول فيه أن يراعي عدم الصدام مع نصوص الشريعة وتحقيق قدر من التوازن بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة دون الانحياز لطرف على حساب آخر ، بينما تمكنت النائبة عبلة الهواري عبر مساندة من منظمات نسوية على الأرجح تقف وراءها  جهات أمنية في تقديم مشروع قانون تحاول من خلاله تحت دعاوى حقوق المرأة أن يكون القانون الجديد أكثر انحيازا للمرأة من القانون القائم. بينما تسعى شخصيات وأحزاب إلى تقديم أطروحاتها الخاصة بمشروع القانون الجديد الذي يحدد طبيعة العلاقة داخل الأسرة بمكوناتها الثلاثة الزوج والزوجة والأطفال.

 

مشروع قانون عبلة يلبي مطالب السيسي

وكشفت عبلة الهوارى، عضو اللجنة التشريعية بالبرلمان وصاحبة مشروع القانون الخاص بتعديل قانون الأحوال الشخصية أن  القانون القائم به إشكاليات وثغرات كثيرة ، ومن ثم قرر النواب تعديل بعض المواد، مؤكدة أنها تقدمت بمشروع قانون لتعدل بعض أحكام القانون وتم عرض المشروع على هيئة المجلس ومن ثم تم إحالته إلى اللجنة الشئون التشريعية والدستورية لمناقشته ويتكون المشروع من 5 أبواب و220 مادة وهو عبارة عن مشروع قانون متكامل وليس  مجرد تعديلات على القانون القائم.

ومشروع القانون ينظم عملية الزواج بداية من الخطبة والأضرار المترتبة على فسخ الخطبة، مرورا بالزواج والحضانة والنفقات والرؤية. ومن أبرز النقاط الخلافية في القانون..

أولا، ما يتعلق بالرؤية والاستضافة والطلاق، والنفقة، نص المشروع على أن تكون الولاية التعليمية للأب، ويقدر القاضي النفقة حسب مدى سعة الملزم بالإنفاق وما ثبت من إجمالي صافى دخله الشهري مراعيا النسب من 10% حتى 25% من صافى الدخل الشهري وتكون من 30% حتى 40% في حالة وجود أكثر من واحدة ومن 10% وحتى 25% للوالدين أو أيهما، ومن 10% حتى 40% للزوجة أو المطلقة ولولد أو اثنين والوالدين أو أيهما، وأن تكون 15% حتى 50% للزوجة أو المطلقة وأكثر من ولدين والوالدين أو أيهما، على أن ينشأ نظام تأميني للأسرة لضمان تنفيذ الأحكام الصادرة بتقرير النفقة، وإذا امتنع عن السداد يحبس 30 يوما.

ثانيا، ترتب آثار الطلاق من تاريخ إيقاعه إلا أذا أخفاه الزوج عن الزوجة، فلا يترتب آثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها به". ويلبي مشروع قانون عبلة مطالب وأفكار السيسي الشاذة الخاصة بعدم وقوع الطلاق الشفوي، حيث يطالب مشروع القانون بتوثيق عقد الطلاق خلال مدة أقصاها 30 يومًا «علشان ميرجعش في كلامه تاني، وزى ما وثق الزواج يوثق الطلاق» لكن الهواري لم تكشف عن مصير هذا الطلاق الشفوي إذا مرت هذه المدة دون توثيق وهل يعني ذلك عدم وقوعه وهو ما يخالف الشريعة الإسلامية ويناقض مشروع القانون الذي يتقدم به الأزهر في هذه النقطة، وكان يمكن الخروج من ذلك بسعي المطلقة إلى التوثيق ضمانا لحقوقها هي وإن أبى الزوج فإن الطلاق يقع مع تعزير الذكر المماطل.

ثالثا، من المواد الملغومة كذلك أن مشروع القانون الذي تقدمت به وضعت الأب في الترتيب الرابع من الحضانة بعد الأم وأم الأم وأم الأب، كما وضعت مجموعة من الضوابط والقواعد عند الاستضافة، بحيث تكون سلطة تقديرية للقاضي بعد الاطلاع على التقارير النفسية وسماع أقوال الطفل. حيث حدد مشروع القانون 3 ساعات للاستضافة من قبل الأب طبقًا لقرار وزير العدل، بحيث تكون خلال الـ9 صباحًا وحتى الـ9 مساء.

رابعا، يجرم مشروع القانون الزواج المبكر، ويعتبر زواج من هم أقل من 18 سنة خروجا على القانون يستوجب العقوبة باعتبارها أحد جرائم العنف ضد المرأة، وتغليظ العقوبة السجن لأكثر من 7 سنوات والغرامة، وذلك لكل من اشترك في الجريمة سواء المأذون أو أحد أقارب الضحية أو أقارب الزوج، وكذلك أئمة المساجد الذين يقومون بتزويج الفتيات القاصرات.

 

مشروع قانون الأزهر الشريف

في منتصف سبتمبر الماضي 2018، كشفت مصادر بمشيخة الأزهر الشريف، بحسب صحيفة «المصرى اليوم»، عن أن اللجنة التى شكلها الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، لإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية تواصل اجتماعاتها للوصول إلى الصيغة النهائية لمشروع القانون، تمهيداً لمناقشتها فى مجلس النواب، وهو ما يعني أن مشروع النائبة عبلة الهواري له الأولوية على مشروع الأزهر عند برلمان الأجهزة الأمنية لأنه تم تقديمه بالفعل وتتم مناقشته حاليا لكن مشروع الأزهر تم إعداده حرصا على ألا يكون على مائدة البرلمان سوى مشروع قانون الأجهزة الأمنية الذي تقدمت به عبلة الهواري.

وأوضحت المصادر أن أهم ملامح ومواد مشروع القانون تتضمن العديد من المواد والبنود التى تحقق مصلحة الطفل وحمايته والوصول لآلية محكمة لتنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بقضايا الأسرة، ومراعاة تقديم نفقة عادلة للمرأة فى حال وقوع الطلاق بما يضمن تحقيق رعاية جيدة للأطفال، ووضع نصوص محكمة للالتزام بضوابط الحضانة، وضبط الحقوق والواجبات المترتبة على الطلاق.

وعقدت اللجنة، والتى أنشأها شيخ الأزهر، عدداً من الاجتماعات لمناقشة بنود قانون الأحوال الشخصية، فيما يتعلق بالاستضافة، وترتيب الحضانة، بما يعود بالمصلحة على الطفل، وأكدت اللجنة ضرورة أن يحقق القانون الجديد العدل والمساواة لكل أفراد الأسرة والحفاظ على حقوق الأفراد بما لا يخالف الشريعة الإسلامية والدستور ومواثيق حقوق الإنسان عامة والمرأة والطفل.

ومن أبرز التعديلات التى عرضها القانون، أمور تخص النفقة وحضانة الطفل والطلاق وسن الحضانة ورؤية الطفل وبيت الطاعة، وأنه عند وقوع أى خلاف فى بيت الزوجية لابد أن يتبع ما أمر به الشرع وهو الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان.

كما ناقشت اللجنة ما يتعلق بحضانة الأم المطلقة لأبنائها، وتحديد سن حضانة الطفل، وتطرقت المناقشات داخل اللجنة التى شكلها شيخ الأزهر حول تنظيم رؤية الطفل حال وقوع الطلاق، حيث أكد أعضاء اللجنة على أن الرؤية فى الإسلام حق شرعى وقانونى للأب، لا يجوز منعه منها، والأم التى تمنع ذلك يعاقبها القانون، والقانون ينظم هذه الرؤية، أما إذا أراد الأب أخذ ابنه أو ابنته لمدة معينة، أسبوعا أو شهرا مثلًا، فيجب أن يكون بالتراضى، حتى تضمن الأم أنه سيعيده بعد الفترة المتفق عليها.

وعن الطلاق، أكد تقرير اللجنة أن آيات الله عز وجل فى أحكام الطلاق واضحة، وهى ليست للوعظ والإرشاد فقط، بل هى أحكام تشريعية يترتب عليها عذاب فى جهنم أو ثواب فى الجنة، ولذلك انتهت آيات الطلاق دائمًا بالتحذير من مخالفة حدود الله، وأنه لا يمكن إنصاف المرأة فقط على حساب الرجل ولا الرجل على حساب المرأة بل أبلغ ما أمر به الله عز وجل.

وقال الدكتور عبدالله مبروك النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية واللجنة المكلفة بصياغة مشروع قانون الأزهر المتكامل حول الأحوال الشخصية. أن أبرز وأهم المواد والبنود التى يتضمنها مشروع قانون الأزهر الشريف للأحوال الشخصية تركز على رعاية المصلحة المثلى للأطفال وضمان حمايتهم الحماية الكاملة وإنصاف المرأة فى عدد من الحقوق التى تحتاج لنوع من التدعيم والمساندة مثل حصولها على النفقة المناسبة وغيرها من الحقوق.

وفيما يتعلق بموضوع حضانة الأطفال حال انفصال الزوجين، قال «النجار» إن اللجنة لاتزال تعقد اجتماعاتها وأنها تراعى فى ذلك تحقيق مصلحة الطفل فى المقام الأول، موضحاً أن مشروع قانون الأحوال الشخصية للأزهر شامل ولا يقتصر فقط على قضايا الزواج والطلاق وإنما يجمع مختلف القوانين المتفرقة من الولاية على المال والنفقة وحضانة الطفل وكل ما يتعلق بالأسرة بما يضمن تحقيق مصلحتها ومصلحة الطفل فى المقام الأول.

خلاصة القول، سوف تكشف الأسابيع والشهور المقبلة حقيقة دور البرلمان في تمرير  مشروع قانون الأحوال الشخصية وفقا لأفكار وتوجهات الجنرال السيسي الشاذة حول الطلاق الشفوي، وكذلك انحيازه لمشروع النائبة عبلة الهواري على حساب مشروع الأزهر الشريف وذلك وسط غطاء مكثف من دعاوى حقوق المرأة وإنصافها ما يضاعف معاناة الأسرة ويهدر حقوق ملايين الأطفال المشردين بسبب انفصال الزوجين وانعدام الاستقرار الأسري.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة