مشروع قانون تجريم إهانة الرموز التاريخية.. الدلالات والمخاطر

 مشروع قانون تجريم إهانة الرموز التاريخية.. الدلالات والمخاطر

 

محطة جديدة من الجدل ومخاوف كثيرة تسود الأوساط المصرية مؤخرا على خلفية اعتزام  برلمان الأجهزة الأمنية مناقشة مشروع قانون "تجريم إهانة الرموز" في دور الانعقاد المقبل، والذي تقوم فلسفته على معاقبة كل شخص يتطرق إلى إهانة أي رمز سياسي أو تاريخي أو ديني، بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد عن 5 سنوات وغرامة لاتقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد عن نصف مليون جنيه، وهو ما عده مراقبون تكريسا  للسلطوية والحكم الشمولي وتكميما للأفواه ومصادرة للحريات بينما عده آخرون تكريما لهذه الرموز  وصيانة للمجتمع من المتطاولين على الرموز الراحلة وسط حالة من الجدل تتعلق بتوصيف معني «الرمز» من جهة وتحديد معنى "الإهانة" وحدودها وضوابطها من جهة أخرى.

 

مشروع القانون تقدم به عمرو حمروش، أمين سر لجنة الشئون الدينية والأوقاف، والذي أعلن مؤخرا، بشكل مفاجئ، أن لجنة الشؤون الدينية في البرلمان، والتي يشغل منصب أمين سرها، ستستهل أعمالها، مطلع أكتوبر المقبل، بمناقشة مشروع القانون المقدم منه وأكثر من 60 نائباً آخرين، بشأن تجريم إهانة الرموز والشخصيات التاريخية، والذي أحيل في 08 نوفمبر 2017 من دور الانعقاد المنقضي إلى لجنة مشتركة مؤلفة من لجان الشؤون الدينية، والتشريعية، والثقافة والإعلام.

 

ويتضمن مشروع القانون "5" مواد[1]:

 

أولا: بحسب مقدم مشروع القانون فالهدف منه حماية الرموز والشخصيات التاريخية من العبث وعدم خداع الشعب بتشوية صورتهم، والإضرار بالمجتمع وزعزعة الثقة لدى الشباب فى الرموز والشخصيات التاريخية،  وإثارة الجدل حول شخصيات ورموز تاريخية والتى قد تؤدى إلى آثار خطيرة على المجتمع.


ثانيا: المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون أكدت وحود حالة إصرار على التهكم على الرموز والشخصيات التاريخية وخاصة من انتقلوا لرحمة الله، وأن الجدل الذى يحدث من إساءة لبعض الرموز التاريحية خطر وله آثار سلبية على الشعب المصرى، وزعزعة الثقة ونشر الإحباط وهو الأمر الذى يسعى له  ما تسمى بـ"قوى الشر".


ثالثا: فى المادة الأولى من مشروع القانون: يحظر التعرض بالإهانة لأى من الرموز والشخصيات التاريخية، وذلك وفقا لما يحدده مفهوم القانون واللائحة التنفيذية له، ويقصد بالرموز والشخصيات التاريخية الواردة فى الكتب والتى تكون جزء من تاريخ الدولة وتشكل الوثائق الرسمية للدولة، وذلك وفقا لما تحدده اللائحة التنفيذية له.


رابعا: كما نصت المادة الثالثة: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد عن 5 سنوات وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد عن 500 ألف كل من أساء للرموز الشخصيات التاريخية، وفى حالة العودة يعاقب بالحبس بمدة لا تقل عن 5 سنوات ولا تزيد عن 7 وغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تزيد عن مليون جنيه.


خامسا: وفقا لنص المادة الرابعة: يعفى من العقاب كل من تعرض للرموز التاريخية بغرض تقييم التصرفات والقرارات وذلك فى الدراسات والأبحاث العلمية.

 

ولا شك أن تجريم الإهانة عموما  إن قصد بها السب والتجريح  بألفاظ نابية هو محل اتفاق، فالقرآن الكريم حرم سب آلهة المشركين حتى لا يسبوا الله عدوا بغير علم {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}[2]،  وعليه فقد حرم الإسلام التطاول والتجريح لرموز الديانات الأخرى لكنه في ذات الوقت تناول التوصيفات الدقيقة عن ديانات الآخرين ووضع الفواصل الفارقة بين العقيدة الإسلامية وغيرها بعبارات شديدة الوضوح عالبة البلاغة دون تجريح أو امتهان. لكن الخطر  في مشروع القانون المطروح أن تزول الفواصل بين السب والتطاول وبين النقد البناء في إطار العمل الإعلامي وحتى النقاش العادي بين المختلفين  أو على مواقع التواصل الاجتماعي،  وبذلك يكون الهدف من مشروع القانون هو اتخاذه ذريعة للتنكيل بالمعارضين وليس حماية للرموز من الإهانة التي لم يتم تحديد ضوابطها وملامحها في مشروع القانون المقترح.

 

تحفظات ومخاوف مشروعة

مشروع القانون تعرض لحملات واسعة من النقد والتهكم، وكان أبرز التحفظات، أولا ما يتعلق بتعريف "الرمز" سواء السياسي أو الديني أو غيره، وبحسب مشروع القانون «يقصد بالرموز والشخصيات التاريخية الواردة فى الكتب والتى تكون جزء من تاريخ الدولة وتشكل الوثائق الرسمية للدولة، وذلك وفقا لما تحدده اللائحة التنفيذية له».

 

وبذلك يضع المشروع معيارين لتعريف الرموز:

 

أولا: أن تكون وردت في "الكتب"  دون أن يحدد بالضبط ما المقصود بالكتب، وهل هي كتب التاريخ المقررة في مناهج التعليم الحكومي أم هي الكتب بشكل  عام؟ وبالطبع فيها ما يتفق مع توجهات النظام  وكثيرا منها يختلف مع توجهاته كما أن ذلك يوسع معنى الرمز بشكل كبير لا يمكن احتواؤه أو تحديده.

ثانيا: المعيار الثاني أن تكون جزءا من تاريخ الدولة، دون أن يحدد أيضا المقصود بتاريخ الدولة، وهل يقصد به تاريخ  مصر عموما منذ فجر التاريخ أم هو تاريخ محدد بمدة محددة، وماذا إذا تعارض ذلك مع بعض النصوص الدينية، فمثلا رمسيس الثاني ربما يراه القانون رمزا لا يجوز التعرض له بالإهانة بينما يؤمن كثير من المسلمين أنه هو المقصود بفرعون موسى عليه السلام ويعد الشخصية الأقبح في القرآن والتي عددت جرائمه ومساوئه. والسيد المسيح عليه السلام يراه الأقباط إلها بينما يؤمن المسلمون أنه رسول من أول العزم من  الرسل، فهل إذا تناول قس عقيدته في الكنيسة واعتبر الذين لا يؤمنون بألوهية المسيح عليه السلام خارجين عن ملكوت الرب كما تقول الكنيسة في مواعظها باستمرار  وهي كلمة مرادفة للتكفير فهل يعني ذلك أنه أهان القرآن والإسلام ويستوجب  التجريم،  وهو ما يخالف حرية الاعتقاد التي كفلتها جميع الشرائع والأديان والدساتير؟!

 

التحفظ الثاني على مشروع القانون أن إحالة تحديد الشخصيات والرموز التاريخية إلى اللائحة التنفيذية يعني أن النظام العسكري القائم بتوجهاته وفلسفته الاستبدادية هو من يتحكم في تحديد هذه الرموز  وهو أمر في غاية الخطورة لأن طبيعة الرموز  دائما تكون محل خلاف مهما بلغ شأنها ورفعتها ومكانتها، فالرسل والأنبياء أنفسهم لم يكن عليهم إجماع، وحمل الناس على رأي واحد بشأن الشخصيات والرموز التاريخية هو نوع من الإكراه المذموم، ويعد تكريسا لتصورات النظام السلطوي الذي يريد من المواطنين أن يروا الأحداث والشخصيات من منظوره هو  ما يحرم المجتمع من الاختلاف والتنوع الذي يعتبر سنة من سنن الله في الخلق والناس.

 

التحفظ الثالث، أن مشروع القانون وإن كان يعالج قصورا قائما في المجتمع يتعلق بتطاول بعض المثقفين على رموز وشخصيات تاريخية وطنية  ومواصلة تجريح هذه الرموز كما فعل يوسف زيدان مع صلاح الدين الأيوبي والزعيم أحمد عرابي، وكما فعل إسلام البحيري مع الإمام البخاري وعدد من أئمة الحديث  في الإسلام، لكنه في ذات الوقت يعتبر توظيفا من النظام العسكري لحماية رموزه الفاسدة والذين تسببوا في كوارث بلا حصر لمصر  عبر العقود الست الماضية التي سيطر فيها العسكر على نظام الحكم ومفاصل الدولة السياسية والاقتصادية. فجمال عبدالناصر  يراه النظام زعيما بينما يراه كثيرون ديكتاتورا وطاغية أسس للحكم الشمولي العسكري وأهدر على مصر فرصة كبرى لتكون في مصاف الدول العظمي لو التزم بمبادي حركة 23 يوليو الستة وعلى رأسها إقامة نظام ديمقراطي سليم، كما تسبب في ضياع السودان وسيناء بعد الهزيمة المرة في 67، فهل يعد انتقاده على ذلك ووصفه بالديكتاتور وهو كذلك بالفعل يعد إهانة تستوجب الحبس من 3 إلى 5 سنوات وغرامة لا تقل عن 100 ألف ولا تزيد عن 500 ألفا؟!

 

كما أن السادات يعد زعيما قاد البلاد نحو نصر أكتوبر العظيم، لكن السادات أيضا تسبب بقراراته السياسية أثناء الحرب في ثغرة الدفرسوار وعبور الجيش الصهيوني للضفة الغربية من القناة ومحاصرة مدينة السويس حتى كادوا يصلون إلى القاهرة وهو ما أفضي بالطبع إلى خسائر جمة في صفوف الجيش المصري ذكرها الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته، كما أن السادات أبرم اتفاقية السلام في 1979م، التي أقرت لصوص الصهاينة على ما اغتصبوه من أرض فلسطين؛ فهل انتقاده على ذلك ووصفه بالخيانة  يعد إهانة تستوجب الحبس والغرامة؟؟

 

يضاف إلى ذلك أن "قانون تجريم إهانة الرموز التاريخية ارتبط بعدة أحداث، منها الانتقادات التي وجهها كتاب وسياسيون ومفكرون لجمال عبد الناصر، وحركة الضباط الأحرار، وكيف تحولت مصر على أيديهم لخرابة كبيرة بعد أن كانت دولة متقدمة"، وتمرير القانون مرتبط كذلك بتفجير قضية أشرف مروان زوج ابنة عبد الناصر، والمستشار الإعلامي والسياسي المقرب من أنور السادات، والذي اعتبرته إسرائيل أحد أهم رجالها في القصور الرئاسية المصرية، وهو ما يعني كشف كثير من الحقائق التي كانت غائبة عن الشعب.

 

بخلاف ذلك فإن تطور علم الدراسات التاريخية، وإفراج عدد من الدول الكبرى عن وثائق هامة مرتبطة بالمنطقة العربية، أصبح خطرا يهدد بفضح كثير من الملفات لأنظمة الحكم المصرية خلال السبعين عاما الماضية، وهو ما يمثل ضربة موجهة لحقبة حكم العسكر التي بدأت عام 1952 وما زالت مستمرة، وبالتالي فإنه يسعى برلمان الانقلاب لصناعة سياج قانوني يمنع الاقتراب منها، حتى لا يفيق الناس من الوهم الذي صنعه إعلام الصوت الواحد طوال عشرات السنوات الماضية[3].

 

النظام ـــ إذا ــــ يريد توظيف احترام الناس للرموز الدينية ورفضهم للمثقفين العلمانيين المتطاولين على هذه الرموز ، في توفير حماية لرموز  الجيش نفسه الذين تسببوا في كوارث للأمة عبر العقود الماضية. "فالنظام العسكري الحاكم الآن يضيق بالنقد والتشكيك، وبالتالي فهو يحصن نفسه ويحصن منظومته بأكملها، في ظل انتشار الكثير من الدراسات التاريخية الحديثة التي كشفت عن عمليات التزييف والتدليس التي كان يتم كتابة التاريخ بها، والتي تناولت أزمنة بعينها مثل عهد الملك فاروق، وحركة الضباط الأحرار، وما حدث مع محمد نجيب، وغير  ذلك من الأحداث الحديثة والقديمة التي تكشف الدراسات أخطاء كثيرة في كتابتها وتناولها"[4].

 

رابعا: التحفظ الرابع أن النظام بهذا القانون يريد أن يوجد مسوغات جديدة لأجهزته الأمنية لحبس معارضيه بذرائع متعددة وهو ما يتسق مع ترسانة القوانين التي تم تمريرها بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، كقانون التظاهر والإرهاب والكيانات الإرهابية، وتنظيم الإعلام والجرائم الإلكترونية، إضافة إلى جعل الحبس الاحتياطي في حذ ذاته عقوبة بلا حدود أو ضوابط في مخالفة صارخة للدستور والقانون وأبسط قواعد حقوق الإنسان.  ما يعني أن النظام يواصل تمرير القوانين المشبوهة التي تكرس قبضته السلطوية وحكمه الشمولي. لذلك وعلى الفور بمجرد  الإعلان عن طرح مشروع القانون للنقاش في البرلمان هدد يوسف زيدان بالهجرة من البلد، كما انتقده آخرون بشدة.

 

خلاصة القول: أن الرسالة من هذا القانون موجهة للباحثين والكتاب المهتمين بالتدقيق في الأحداث التاريخية، بأن السجن سيكون مصير من يشكك أو ينتقد أو يدقق في ما كان يتم تقديمه من أحداث وشخصيات لعبت أدوارا خطيرة، سواء بالسلب أو الإيجاب، وبالتالي فإن النظام العسكري يريد أن نأخذ التاريخ كما يحب هو أن يكون، وليس كما يجب أن يكون. وذلك لحماية رموزه الفاسدة التستر على الكوارث التي تسبب فيها حكم العسكر خلال العقود الماضية.

بل ربما يستهدف النظام بهذا القانون حماية الجنرال السيسي نفسه وشلة جنرالات الانقلاب، من النقد التاريخي؛ ذلك أن النائب الذي قدم مشروع القانون صرح في أحد البرامح التلفزيونية أن  المقصود بالرموز المستهدفة بمشروع القانون، هو  كل من لعب فى التاريخ دور وطني، وكذلك كل ما يمثل رمز فى المجتمع سواء كان عالم أزهري أو كنسي، أو مسئول استطاع أن يجعله من دوره رمزا فى المجتمع، يعاقب كل من يسىء إليهم، سواء الأحياء أو الأموات". وبالطبع بقصد بالأحياء جنرالات الانقلاب، فالنظام كما مرر قانون تحصين كبار القادة من أي مساءلة قانونية أو قضائية على جرائمهم بعد انقلاب 30 يونيو ، فتمرير هذا القانون المشبوه هو استكمال لنفس الدور بتحصينهم وحمايتهم من النقد التاريخي على جرائمهم المشينة، وإجهازا سافرا على حرية الرأي والتعبير تحت لافتة تجريم الإهانة للرموز.

 



[1] مصطفى السيد/تعرف على مواد قانون تجريم إهانة الرموز التاريخية.. الحبس 3 سنوات أبرزها/ اليوم السابع الجمعة، 24 أغسطس 2018

 

[2] سورة الأنعام  آية رقم 108

[3] انظر تصريحات الباحث السياسي أسامة أمجد في "عربي 21" الأحد 26 أغسطس 2018

[4] عبدالله المصري/ قانون لتجريم انتقاد الشخصيات التاريخية بمصر.. هذه خطورته/ عربي "21"  الأحد، 26 أغسطس 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة