أحداث "دمشاو" الطائفية بالمنيا.. والتوظيف السياسي بين الكنيسة والنظام

 أحداث "دمشاو" الطائفية بالمنيا..  والتوظيف السياسي بين الكنيسة والنظام

 

تفجرت أحداث طائفية جديدة في قرية "دمشاو هاشم" بمحافظة المنيا يوم الجمعة الماضي 31 أغسطس 2018م، أسفرت عن احتراق 4 منازل لمواطنين أقباط، واعتقال العشرات من مسلمي القرية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة حول توقيت اشتعال الأزمة وملابساتها من جهة،  ودور كل من السلطة والكنيسة في تفجيرها سعيا لتوظيف سياسي يحقق لكل منهما بعض أهدافه  السياسية والمالية من جهة أخرى، أو توظيف الأحداث للتغطية على خلافات الكنيسة التي تفجرت في أعقاب مقتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير  أبو مقار بمحافظة البحيرة في 28 يوليو الماضي 2018م  من جهة ثالثة، أو التوظيف السياسي للأحداث من جانب السلطة في سبيل إقناع الأقباط والكنيسة بضرورة دعم تعديلات دستورية تفضي إلى استمرار حكم السيسي من جهة رابعة؛ باعتباره منقذا للأقباط وحاميا لهم وضامنا لأمنهم، وضرورة قيام الكنيسة بضغوط ملموسة، عبر «أقباط المهجر» على الإدارة الأمريكية من أجل الموافقة على تمرير هذه التعديلات التي يلح عليها النظام بإصرار عجيب.

 

وعلى الفور أصدرت مطرانية المنيا بيانا اشتمل على المضامين الآتية:

أولا: اعتبر فيه ما جرى ترويعا للمسيحيين وأنه "نموذج مصغر لما فعله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسورية"[1]، على خلفية رفض المسلمين في القرية تحويل بيت صغير مكون من بعض الحجرات إلى كنيسة لإقامة شعائر مسيحيي القرية». واستخدام التشابه بين ما جرى وما اقترفه تنظيم "داعش" من جرائم في العراق وسوريا هو مبالغة كبيرة من الكنيسة تستهدف أولا استدرار التعاطف الغربي والعالمي على ما يحدث من جهة، وابتزاز للنظام من جهة ثانية، ومحاولة لجلب مزيد من التبرعات السخية الخارجية للمطرانية..

 من جهة ثالثة على خلفية مزاعم الاضطهاد بحق الأقلية المسيحية في مصر. يعزز من ذلك ما ذكره البيان بأنه تم «نهب كمية من المشغولات الذهبية، والأموال، وتحطيم الأجهزة المنزلية والكهربائية، وإضرام النار في ممتلكات المواطنين المسيحيين، فضلاً عن إصابة أحدهم بجرح قطعي في فروة الرأس، وآخر بجرح قطعي بالشفة العليا، ونقلهما لتلقي العلاج في المستشفى العام بمحافظة المنيا»؛ وهو ما يستدعي تعويض هؤلاء من جانب الكنيسة؛ وبدورها لن تقوم بهذا الدور إلا عبر تبرعات سخية وسخية جدا من الأقباط في الخارج من جهة أو مؤسسات دعم المسيحيين بأوروبا وأمريكا.

 

ثانيا:  بحسب بيان آخر صادر عن "إبراشية المنيا وأبو قرقاص"، فإنه "منذ أيام تواردت أنباء عن حشد بعض (المتطرفين) للهجوم على المسيحيين في القرية، وأبلغت الجهات الأمنية، إلا أن الأخيرة وصلت بعد التعدي على منازل المواطنين المسيحيين: عادل سعيد رزق، ورضا عبد السيد رزق، وكامل فوزي شحاتة، وفوزي شحاتة بطرس". وهو بالطبع صياغة تحمل اتهاما مباشرا للنظام بالتورط في الأحداث إلم يكن بالتدبير والافتعال فعلى الأقل بتجاهل البلاغات المسبقة التي حذرت من وقوع الأحداث ما يعني أن جهات بالسلطة أرادت تفجير الأحداث في هذا التوقيت من أجل توظيفها سياسيا لمصلحة النظام. ربما يرجح هذا الافتراض أن شهود عيان أفادوا أن أجهزة الأمن كانت على علم بوجود توتر مسبق بين المسلمين والمسيحيين، ورفضت التعاطي مع بلاغات رسمية تلقتها قبل اندلاع الأحداث، مشيرة إلى تدخلها بعد ثلاث ساعات كاملة من بدء الاعتداءات، علماً بأن القرية تتبع إدارياً لمركز المنيا، ما يعني قربها من عاصمة المحافظة.

 

ثالثا:  بيان إبراشية المنيا وأبو قرقاص" أفاد كذلك أن من وصفهم بمتطرفين في قرية (عزبة سلطان) المجاورة، شنوا هجوماً مماثلاً قبل أسابيع قليلة على القرية، من دون مساءلة من جهات الأمن أو القضاء"، مذكراً بأن قرية "دمشاو هاشم" نفسها تعرضت لهجوم عام 2005، ما اضطر عائلات مسيحية آنذاك إلى تركها، دون توقيع أي عقاب على أحد من المعتدين. وبالطبع فإن البيان يبالغ في تضخيم الأحداث ذلك  أن هروب عائلا ت مسيحية بعد أحداث 2005 يدحضه بقاء العشرات من أسر المسيحيين في القرية دون اعتداءات تذكر طوال هذه السنوات، لكن هذه الصياغة تواصل ابتزاز النظام من أجل التسليم برغبات الكنيسة في مزيد من التصريحات لبناء أو تقنين كنائس محل  خلاف بالمحافظة، بحسب مراقبين

 

رابعا:  وفقاً للرواية الكنسية، فإن سبب الاعتراض في القريتين يستند إلى وجود كنيسة تحتوي على قاعات وحجرات بسيطة، وارتضى بها المسيحيون كحل مؤقت، تجنباً لما يتعرضون له من مخاطر في حال انتقالهم للصلاة في قرى أخرى. ودعت الإبراشية إلى إيفاد قيادات جديدة واعدة للمحافظة لمعالجة هذه المشكلات، ونشر السلام والعدالة داخل القرية. وهو ما يعني أن قانون بناء الكنائس الذي تم سنه منذ سنتين لم يسهم في حل المشكلة التي تسببت في معظم الأحداث الطائفية بالبلاد.

وكان مجلس الوزراء قد وافق في أواخر فبراير على قرارات وتوصيات اللجنة العليا لتقنين أوضاع الكنائس والمباني الدينية بتوفيق أوضاع 53 كنيسة ومبنى خدمي بالكنائس المطلوب تقنين أوضاعها، وتُعد تلك هي الدفعة الأولى من الكنائس التي يُحسم أمر توفيق أوضاعها، منذ انتهاء اللجنة من تلقي الطلبات في سبتمبر من العام الماضي. وكانت الكنائس الثلاث، الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، تقدمت بطلبات لتوفيق أوضاع نحو 3730 مبنى كنسي وخدمي قائم بالفعل، بحسب تقرير «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» المنشور في ديسمبر 2017، بعنوان «محلّك سر: عام على قانون بناء وترميم الكنائس»[2].

 

خامسا:  شن الأمن حملة اعتقالات موسعة بالطبع طالت المسلمين حتى وصل عدد المعتقلين إلى 38 مواطنا مسلما، كرد فعل بعد انتشار اﻷخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي وبيان اﻷنبا مكاريوس، وبالتالي فإن بعض المقبوض عليهم لم يكن مشاركًا فيها بينما بعض من المشاركين الذين كتبوا وحرضوا عبر شبكات التواصل الاجتماعي لم يُقبض عليهم. وسط تحذيرات كنسية وقبطية من اعتقال بعض الأقباط[3]. بخلاف المسلمين الذين يمثلون الحلقة الأضعف فإن الأقباط، لديهم كنيسة تدافع عنهم ولديهم مؤسسات داخلية وخارجية تمارس التصعيد ضد النظام والابتزاز المستمر  من أجل تحقيق مكاسب وامتيازات  سياسية تتعلق ببناء الكنائس وزيادة الكوتة المتعلقة بالأقباط في الحكومة والبرلمان وغير ذلك.

 

توظيف سياسي من جانب الكنيسة

ولا يمكن استبعاد فرضية، الافتعال سواء من طرف النظام أو من طرف الكنيسة؛ وذلك لتحقيق أهداف سياسية ومالية؛ فالكنيسة مثلا سوف تحقق عدة أهداف:

أولا: التغطية على الخلافات اللاهوتية التي تعصف بالكنيسة منذ مقتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبو مقار بمحافظة البحيرة في أواخر يوليو الماضي، واعتراف أحد الرهبان الموالين لتيار البابا شنودة وهو الراهب أشعياء المقاري بالتضامن مع رهبان آخرين من نفس التيار بارتكاب الجريمة. ورغم محاولات الكنيسة الإلحاح على أن الجريمة جاءت بدوافع جنائية تتعلق بتوجهات الأنبا المقتول بتشليح الراهب القاتل على خلفية انحرافات عن منهج الرهبنة إلا أن ذلك لا يمنع من وجود دوافع لاهوتية تتعلق بكراهية القاتل والمتورطين معه من الرهبان خصوصا إذا علمنا أنهم من الذين رسمهم البابا شنودة في 2010 في الدير لمواجهة تيار  الأنبا متى المسكين الذين كانوا يسيطرون على الدير لسنوات طويلة ولم يخضعوا للكنيسة إلا بعد وفاة الراحل متى المسكين في 2006م.

ثانيا:  تفجير  هذه الأحداث يحقق مكاسب مالية للكنيسة وكبار الأساقفة، ولذلك فإن المبالعة من جانب الكنيسة لهذه الأحداث يستهدف ابتزاز النظام من جهة لتحقيق مكاسب تتعلق بالحصول على مزيد من تصاريح بناء الكنائس أو تقنين بعضها أو تحقيق مكاسب تتعلق بزيادة نفوذ الكنيسة والكنيسة والأقباط. كما يستدر ذلك تعاطف بعض المؤسسات في أوروبا وأمريكا ما يدفعها إلى زيادة الدعم المالي تحت بند رعاية المضطهدين المسيحين في مصر.

ثالثا: تمثل هذه الأحداث سبوبة مالية ضخمة لنشطاء في أقباط المهجر دائما ما يبالغون أيضا في هذه الأحداث بصورة كبيرة من أجل استغلالها سياسيا للدعوة لإنشاء كيان قبطي مستقبل في صعيد مصر؛  فلا تمرّ حادثة إلا ولجهات في أقباط المهجر فيه رأي ينطوي على بُعد سياسي واضح أو مستتر. ففي أحد بياناتهم المنشورة على الإنترنت في عام 2016 وبعد أحداث مماثلة، طالبوا بإعلان دولة قبطية مستقلة أسوة بجنوب السودان المسيحي. كما أنهم استبدلوا العلم المصري بآخر يشبهه تماماً باستثناء حذف النسر الذهبي الذي وضعوا مكانه الصليب[4].

 

هل للموضوع علاقة بتعديل الدستور؟

إذا سلمنا بفرضية قبول قطاعات في السلطة لتمرير مثل هذا لحادث في هذا التوقيت وذلك بتجاهل البلاغات المسبقة فإن ذلك يفتح الباب أمام تفسيرات وتأويلات حول زويا وأبعاد التوظيف السياسي للنظام لأحداث المنيا:

أولا:  شن حملة الاعتقالات العشواء في صفوف المسلمين يبعث رسالة للكنيسة والغرب عموما أن نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي هو الضامن لأمن واستقرار الكنيسة والأقباط عموما، خصوصا لدورهم المشهود في 30 يونيو؛  حيث كان يمثل رعايا الكنيسة أكثر من 60% من المشاركين في المظاهرات التي طالبت بالإطاحة بالرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسملين.

ثانيا:  قبل أيام قليلة من الأحداث التقى الجنرال السيسي بوفد من شباب أقباط المهجر  بحضور البابا تواضروس الثاني وذلك يوم الأربعاء 29 أغسطس الماضي، تحت لافتة ملتقى الشباب العالمي للكنيسة القبطية، وهو كيان يستهدف ربط المهاجرين الأقباط وأبنائهم بوطنهم الأصلي مصر[5]. والشاهد هنا أن الوفد الذي حظي بلقاء السيسي ينتمي إلى أقباط المهجر وليس لكل شباب الأقباط، في سياق تحركات الكنيسة لاحتواء الكثيرين منهم والسيطرة عليهم، وفي ظل العلاقات المتميزة بين قيادة الكنيسة والنظام، فإن النظام ربما يهدف إلى توظيف شباب المهجر الأقباط للضغط على الإدارة الأمريكية ومؤسسات الحكم بواشنطن من أجل تمرير تعديلات دستورية تفضي إلى استمرار حكم السيسي باعتباره الضامن لأمن الأقباط وحماية الكنيسة، في ظل التوترات التي لا ينكرها النظام بين المسلمين والأقباط. وبالطبع فإن هذه التحركات تتضافر مع تحركات أخرى تقوم بها الرياض وأبو ظبي وقبلهما تل أبيب  وقطاعات داخل مؤسسات الحكم الأمريكية تؤمن بتوجهات الجنرال السيسي وسياساته وترى فيها ليس فقط حماية لأمن الأقباط والكنيسة بل أيضا لضمان المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

يعزز هذه الافتراضات، أن الزيارة التي قام بها اللواء عباس كامل في يوليو الماضي 2018، إلى واشنطن، فقد كانت أجندة الزيارة السرية لعباس كامل تضم بنداً واحداً فقط: إقناع الأميركيين ببقاء السيسي لما بعد مدته الرئاسية. وحاول عباس كامل أثناء الزيارة أن  يشرح للجانب الأميركي أن بقاء السيسي لمدة أطول هو الضامن الوحيد للحفاظ على الاستقرار الذي تحقق في مصر منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي صيف عام 2013.[6]

خلاصة القول، أن الأحداث الطائفية التي تقع بين حين وآخر، كثير منها مفتعل لأسباب سياسية من جانب الكنيسة أحيانا أو من جانب السلطة أحيانا أخرى؛ بهدف التوظيف السياسي للأحداث، حيث تستهدف الكنيسة أولا التغطية على الخلافات اللاهوتية التي تعصف بها في أعقاب مقتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبو مقار يوليو الماضي، وثانيا تحقيق مكاسب تتعلق بالمال واكتساب امتيازات جديدة وزيادة كوتة الأقباط في الحكومة والبرلمان، وتحقيق مزيد من الليونة والتجاوب من جانب النظام فيما يتعلق بتصريحات بناء الكنائس.

أما النظام فربما يستهدف التأكيد على أنه الضامن لأمن الأقباط ومساندة الكنيسة والعمل على توظيف نفوذ الكنيسة خصوصا على أقباط المهجر من أجل إقناع الإدارة الأمريكية بضرورة استمرار السيسي في الحكم باعتباره الضامن لأمن واستقرار الأوضاع منذ الانقلاب على الرئيس محمد مرسي منتصف عام 2013 بمشاركة واسعة من الكنيسة والقبول بتعديلات دستورية تفضي إلى استمرار السيسي في الحكم ربما مدى الحياة.

 

 


[1] مصر: قوات الأمن تعتقل العشرات عقب أحداث فتنة طائفية في المنيا/العربي الجديد 2 سبتمبر 2018

 

[2] الحكومة تُقر توفيق أوضاع 53 كنيسة ومبنى خدمي.. وباحث بـ «المبادرة المصرية»: يتبقى نحو 3680/مدى مصر 1 مارس 2018

[3] القبض على العشرات في الاعتداء على منازل أقباط «دمشاو» بالمنيا/مدى مصر  الأحد 02 سبتمبر 2018

 

[4] محمد كريم/الفتنة الطائفية في مصر: عنف مجتمعي واستثمار سياسي/ العربي الجديد 21 يوليو 2016

[5] السيسي لشباب الكنيسة: نستهدف إعادة صياغة الشخصية المصرية/ العربي الجديد 29 أغسطس 2018

 

[6] السيسي يتجه صوب تمديد مدته الرئاسية.. تفاصيل الزيارة السرية لعباس كامل لواشنطن، وهكذا رد الأمريكيون/ عربي بوست 04 سبتمبر 2018م

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة