تحليل عن الاحكام من بعض الباحثين المستقلين

تحليل عن الاحكام من بعض الباحثين المستقلين

 

جاءت الأحكام القضائية التي صدرت على قادة الإخوان المسلمين وأعضائها في قضية فض رابعة مثيرة للتساؤلات حول أسباب تلك الأحكام الجائرة وتوقيتها والتي تراوحت بين الاعدامات والمؤبد وعدم تبرئة أحد بما فيهم الصحفيين، فقد جاءت بعد فترة من الكلام عن المبادرات وحتي الافراج عن عدد من الاخوان من مستويات قيادية أو وسطي، فهل تعكس تلك الأحكام سياسة تصعيدية جديدة من النظام تجاه الاخوان بحيث يبدأ في ممارسة مزيد من الضغوط والقمع لكسر الارادة واجبارهم علي القبول بشروط النظام والاذعان لمطالبه، أم أنها أحكام روتينية متوقعة في قضية ذات رمزية كبيرة مثل رابعة، وأن النظام لا يتجه نحو مزيد من التصعيد بل هو مستمر علي أدائه الأمني والقمعي والقضائي بنفس الوتيرة دون تغيير كبير.

يسعي هذا التقرير للإجابة على تلك التساؤلات وتحليل السياق المحيط بالأحكام وسياسة النظام في اللحظة الحالية من خلال البحث في سيناريوهين اثنين ... الأول: أنها تعكس توجه النظام لتبني مسار تصعيد أمني وسياسي تجاه الإخوان في الفترة المقبلة ... الثاني أنها تعكس استمرار نفس النمط من الأداء تجاه الإخوان وأن التصعيد ارتبط بظروف معينة ارتبطت بتوقيت المحاكمة أو الاعتقالات المعتادة ... وفي كل سيناريو نسوق طبيعة الأسباب المؤيدة لهذا الطرح وأهداف النظام منه في الوقت الراهن.

 

السيناريو الأول لتفسير الأحكام: التصعيد الأمني والسياسي

 

هناك تصعيد سياسي أمني قضائي سوف يتطور في الأيام والأسابيع المقبلة، فهذه الأحكام لا يمكن إلا أن تكون مقصودة سياسياً لتصعيد تدريجي تجاه الإخوان ومن مؤشرات ذلك التصعيد المصادرات والفصل من الوظائف واعتقال قيادات لم تعتقل سابقاً، وهناك العديد من الأسباب التي دفعت النظام نحو ذلك التصعيد، وأبرز تلك الأسباب هي:

 

1)    استمرار نشاط الاخوان على المستوي القيادي والتنظيمي في الداخل، ووصول تحليلات أو معلومات تفيد باستعادة التنظيم قدراً من الحيوية من خلال العثور علي خطط وبرامج وحملات تقع في يد الأجهزة، وبالتالي يريد تحجيم هذا التطور والبحث عن العقول التي تقف خلف تلك التطورات.

2)    موقف الاخوان المرحب بالمبادرات السياسية المعادية للسيسي، والتفاعل الايجابي مع المبادرات بما ينذر بوجود امكانية للتواصل على الارض بين قوي المعارضة، وقد يعيد ذلك إحياء أفكار مشابهة للجبهة الوطنية القديمة، عزيز صدقي وتجربة الجمعية الوطنية للتغيير حيث يحدث تلاقي وتفاعل بين الطرفين على الارض على مستويات تنظيمية وشعبية واعلامية بما يشكل خطراً على النظام.

3)    رفض الاخوان التجاوب مع المبادرات المشروطة التي تتضمن اعترافاً بالوضع القائم وشرعية النظام مثل مبادرة عماد الدين اديب، وتجلي ذلك في بيان – وثيقة رابعة التي تتمسك بشرعية الدكتور مرسي.

4)    البيان – الوثيقة في ذكري رابعة حمل مضموناً ايجابياً تجاه مؤسسات الدولة خصوصاً الجيش وعداء واضح للسيسي، وهو ما يأتي في وقت يحكم فيه السيسي سيطرته على المؤسسات ولكن هناك تململ وعدم ارتياح داخل هذه المؤسسات بعد الاطاحة بعدد من أبرز القادة في الشهور الاخيرة.

 

لذا يخشى السيسي من وجود أية مؤشرات على تقاربات ثلاثية: (اخوانية – قوي سياسية – أجنحة بعض المؤسسات)، ولذلك يوجه ضربات انتقائية وقوية في اتجاهات ثلاثة: أحكام اعدام، والقبض على قيادات (مثل اعتقال معصوم مرزوق، ...)، الاطاحة بالوجوه الاعلامية ذات العلاقة بأطراف داخلية في النظام ويخشى من تغير ولاءها عند حدوث أية اضطرابات.

إذن النظام ينهي دور الأجنحة والمعارضة داخل الدولة العميقة ويركز على القضاء على دور المخابرات العامة من خلال ضرب الاعلاميين والفاعلين في التيار الناصري من ذوي العلاقة بالمؤسسات، ومن لهم صلة أو تقارب بشكل أو بآخر مع المعارضة في الخارج والاخوان سواء في الداخل أو الخارج، وقد كانت هناك مؤشرات علي أن بعض أجنحة المخابرات العامة كانت تعد لأمر ما وتغيير متوقع خلال الفترة الراهنة، وأرسلت رسائل بهذا الصدد ولكنها تحت مراقبة عيون السيسي فتم توجيه الضربة للإعلاميين والسياسيين وجزء من الاخوان لمنع الترتيب لأي حراك قادم.

 

 

أهداف النظام من إصدار الأحكام المشددة فهي داخلية وخارجية:

 

أما أبرز الأهداف الداخلية فهي اختبار رد فعل الاخوان وقدراتهم الفعلية على الأرض، فالنظام يريد توجيه ضربة للإدارة والجماعة بعدما رصد نشاطاً على الأرض واحتمالات تطور ما في المستقبل القريب، وهذا الاختبار يستهدف تحديد ما مدي قدرة القيادة والجماعة علي الحشد وهل ما يزال لديها شعبية كبيرة أم انهارت قدرتها علي الفعل والحركة، ويستخدم النظام أدواته مثل أحكام الإعدام وجعلها معلقة التنفيذ لضبط إيقاع العمليات والحراك والإدارة، ويريد النظام أن يقيم أثر سياسة الاعتقالات والأحكام الكثيفة الصادمة وتنفيد الاعدامات  ليقرر ما إذا كانت قد نجحت في خلخلة التوازن، أم أنها لم  تنجح في الاحتواء والسيطرة الكاملة علي ردود الفعل.

 

الأهداف التي يريد إيصالها خارجياً فتتمثل في كون النظام يريد تأكيد موقفه الاستئصالي للإخوان للقوي الداعمة خارجياً خصوصا الامارات والسعودية التي تحاكم أيضاً سليمان العودة ورفاقه من الاخوان ومطالب النيابة بقتل بعضهم تعزيرا، فهناك تزامن بين أحكام قضية رابعة وبدء المحاكمات في السعودية، وهنا من المهم استمرار نفس النهج في القمع حتى يظهر التجانس بين قوي الثورة المضادة من جهة ومنع أي من القوي الاسلامية والإخوانية داخل البلدين من التعاون ودعم بعضها بعضاً من جهة أخري.

 

كما أن هذه الأحكام هي بمثابة رسالة لإٍسرائيل وإدارة ترامب أن النظام ما يزال قادر علي تحجيم الاخوان واقصائهم عن الحياة السياسية وأنه يستحق الاستثمار فيه لما يقوم به من دور في قمع الاخوان واقصاء الاسلاميين بشكل عام، وهو ما أهله للإفراج عن جزء مقتطع من المساعدات العسكرية وانطلاق مناورات النجم الساطع بمشاركة أمريكية وغربية، فاعتبر النظام ذلك ضوءً أخضراً لمزيد من القمع والتنكيل عبر الأحكام المشددة إرضاء للتوجهات الأمريكية الاسرائيلية المضمرة.

 

إذن هي رسالة للإدارة الأمريكية وإسرائيل ستجد بالتأكيد آذاناً صاغية – إن لم تكن هي من تدفع لذلك – بأن النظام لن يسمح بعودة الاخوان أو حماس والاسلاميين للتصدر وحيازة أوراق القوة أو استغلال التطورات الحالية في فلسطين ومصر من أجل استئناف الحراك السياسي والشعبي والاسلامي مرة أخري.

 

 

السيناريو الثاني: الأحكام متوقعة وروتينية ولا تعكس تصعيداً أمنياً وسياسياً

 

هذه الأحكام لا تعكس بالضرورة تصعيداً أمنياً وسياسياَ ضد الاخوان ولكنها تعكس نمطاً استقر من الأداء القضائي في هذه الملفات، ومبرر ذلك أن موعد القضية معروف سلفاً، وهذه القضية تحديداً ذات مسار مستمر ومتوقع فهي قضية رمزية وسياسية كبيرة ويجب أن تصدر فيها أحكام مشددة، مع الأخذ في الاعتبار أن النقض سوف تخفف الاحكام ولا ينفي ذلك امكانية الارتباك أو عدم التنسيق بين المسار القضائي والسياسي.

 

فهذه الأحكام مقصودة قضائياً باعتبارها استمراراً لنمط الأحكام السابقة، وقد لا تكون مقصودة سياسياً، فالأحكام إذن روتينية ومتوقعة في مثل هذه القضية السياسية ذات الرمزية الكبيرة وفي ظل عدم توافر أدلة يتم عادة نقضها في محكمة النقض واعادة المحاكمة من جديد.

 

إذن هي تعكس روتين قضائي معتاد وحكماً متوقعاً في قضية رمزية كبري، والهدف منها سواء الآن أو في الماضي والمستقبل تجريم اللحظة التاريخية لاعتصام رابعة الذي يشكك في شرعية النظام والانقلاب، من خلال جعله رمزاً لانتصار السلطة وتجريم الاعتصام. والهدف من الناحية القانونية والقضائية منع التعبير عن التعاطف مع رابعة داخل المجتمع والمعارضة كونها صادرة عن حكم قضائي وليس فعلا سياسيا.

 

أحكام رابعة تعتبر نمطاً من الأحكام التي اعتادت عليها دوائر محاكم الاستئناف التي تتعامل مع قضايا الاخوان، فإنها لا تنفك عن طبيعة شخصية القاضي الموتور – حسن فريد – وكذلك توجهات المؤسسة القضائية التي تعتبر رابعة علي وجه التحديد عصياناً وخروجاً على شرعية النظام والقضاء، وأنه يجب اخضاع الاخوان لشرعية انقلاب ونظام 3 يوليو باستخدام كل الأسلحة في جعبتهم؟

 

ويلاحظ أن القضاء مستمر في هذا المسار بلا انقطاع مع ارتفاع أو انخفاض في الوتيرة بشكل نسبي وكانت بداية عام 2018 شهدت تزايد نسبي في وتيرة الاحكام وتنفيذ الاعدامات في القضايا المرتبطة بالعنف

 

 

بخصوص أحكام الإعدام التي صدرت منذ بداية عام 2018 حتى الآن:

·        أحالت المحكمة العسكرية يوم 10 أبريل، 36 متهماً إلى المفتي، في القضية المعروفة بقضية " مجموعة عمرو سعد" المتهمة بتنفيذ عمليات انتحارية في الكنيسة البطرسية في العباسية، ومارجرجس في طنطا، والكاتدرائية المرقسية في الإسكندرية.

·        صدر في يناير، حكم صادر عن المحكمة العسكرية بالإسكندرية، عن قضية "زرع العبوات الناسفة"، بإعدام 14متهمًا، وبالسجن المؤبد لـ 24 آخرين، وبالسجن المشدد 15عامًا لخمسة آخرين.

·        تم تنفيذ حكم الإعدام على خمسة مدنيين في سجن برج العرب بالإسكندرية، 2 يناير بعد إدانتهم بالقضية المعروفة بتفجير استاد كفر الشيخ.

·        تأكيد أحكام بالإعدام على 16 متهماً لاتهامهم بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين، واتهامهم بالقضية المعروفة إعلامياً "بخلية امبابه".

 

 

وقالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أنه بلغ عدد الأشخاص المنفذ بحقهم حكم الإعدام منذ 26 ديسمبر 2017 وحتى أول فبراير 2018 ما لا يقل عن 26 شخصا معلومين لديها.

 

إعادة قوائم الإرهاب والمصادرة بعدما لاح أن محكمة النقض في طريقها لإزالة البعض مثل أبو تريكة من قوائم الإرهاب.

 

من الزاوية السياسية لا يمكن اعتبار الأحكام تصعيداً من النظام فهي فليست مقصودة في حد ذاتها ولا تعكس تصعيداً أمنياً وسياسياً كبيراُ في الفترة المقبلة، فالسيسي يسيطر علي النظام والمؤسسات بشكل كبير ولا يري خطراً حالاً من الاخوان الآن، ويري أن السياسة الأمنية الراهنة والممتدة خلال الفترة الماضية ناجحة إلي حد كبير، ولدي السيسي شعور بالسيطرة الأمنية والعسكرية المدعومة من القوي الخارجية خصوصاً أمريكا وإسرائيل، وفي ظل ضعف الحراك الثوري والاحتجاجات الشعبية لا يوجد مبرر لتصعيد أكبر قد يأتي بنتائج سلبية حيث قد يؤدي لخلق مستوي أكبر من التوحد والتماسك الداخلي أو استعادة الحراك السياسي والثوري في الشارع لزخمه مرة أخري بما يؤثر علي سياسات النظام في فرض الاستقرار وعدم تعريض الوضع الاقتصادي الهش للاهتزاز.

 

كما أن النظام لا يريد تصعيداً الآن مع الاخوان بما يخلق تقارباً بين الاخوان والاتجاهات السياسية التي صارت تنتقد الاحكام الجائرة حتى مع احتفاظها بخلاف مع الاخوان حول الاعتصام وقضية 30 يونيو، وقد برز ذلك في انتقادات للأحكام للمرة الأولي على لسان قيادات المعارضة المدنية – العلمانية مثل (حمدين صباحي وعلاء الأسواني والقوي الشبابية، ...) وذلك مع الاصرار على احتفاظ بعضهم بالخصومة مع اعتصام رابعة والاخوان.

 

ومن جهة أخري فإن الاحكام المشددة والجائرة السابقة كانت ترتبط بقضايا عنف ضد المؤسسات أو أفرادها في الوادي، ويلاحظ أن مستويات العنف الداعشي أو المرتبطة بالعمليات النوعية في حالة تراجع وتكاد تكون صفرية في الشهور الماضية، فليس هناك دافع انتقامي بحت أو ضغوط من أنصار النظام لإظهار التشدد عبر الاحكام القضائية او تنفيذ الاعدامات كما حدث في السابق.

 

وبالإضافة إلي ذلك فقد كان هناك قسم من المبادرات السياسية في الفترة الماضية خصوصاً مبادرة عمرو أديب مرتبطاً بتوجهات النظام ورغبته في تحييد الاخوان عن الأحداث او جذبهم لمربع قبول التفاوض بشروط النظام الحالي، وبالتالي فهذا التصعيد لا يخدم هذا الهدف في الوقت الراهن، وربما كانت تلك المؤشرات علي رغبة البعض في التقارب والمساومة مع الاخوان هي سبب التصعيد من الجناح الأكثر تشدداً في السلطة المعادي للإخوان ويعبر عن هؤلاء بعض القضاة الموتورين، وذلك بهدف إفساد أية نية أو جهود للتهدئة أو الحلحلة أو أية تفاهمات منتظرة.

 

 

خاتمة

على الرغم من الضربات الموجعة التي وجهها النظام لجماعة الإخوان خلال السنوات الماضية، إلا أن أحكام الإعدام والمؤبد الكبيرة التي صدرت مؤخراً يبدو أنها تثير تخوفات لدى النظام من أن تؤدي إلي ردة فعل عنيفة من بعض أفراد الجماعة، مما يدفع الأجهزة الأمنية لردة فعل استباقية تقوم خلالها باعتقال ومصادرة أموال افراد تابعين للجماعة حتى لا تستطيع عمل اية ردة فعل على الأحكام الأخيرة، وما يعني ما يلي:

 

1)    أن النظام لا زال يحسب للإخوان حساب كبير ويخشى من ردة فعلهم على الأحداث والقرارات التي تخصهم خاصة تلك المتعلقة بقيادات الجماعة، ولذا يحاول الاستمرار في الضغط الشديد عليهم والسعي لكسر إرادتهم حتى لا يتمكنوا من الإقدام علي سلوك ثوري أو اصطفاف سواء الان أو في المستقبل.

2)    التصعيد الحالي طبيعيا ويعبر عن مدى قلق النظام من الإخوان، وتخوفه من بقاء التنظيم حتى ولو ضعيفا وقيامه بإثارة قلاقل واضطرابات داخلية تؤثر على الأمن والاستقرار الداخلي.

3)    حالة الاحتقان الشديدة الموجودة في المجتمع بسبب غلاء الاسعار ومحاولة قطع الطريق على الجماعة حتى لا تستغل تلك الحالة لزيادة الاحتقان الداخلي وتوجيهه في مسارات وحراك شعبي.

4)    التصعيد الحالي مؤقت ولن يستمر وهو مرتبط بشكل كبير بأحكام المؤبد والإعدام الحالية، وسيعود إلى وتيرته العادية في السابق.

5)    النظام يعيش حالة من القلق والاضطراب تجعله يصعد أحيانا تجاه الجماعة ويتخذ اجراءات قد تمس مواطنين لا علاقة لهم بالإخوان من أجل تخويف المجتمع ومنعه من توجيه أي نقد للنظام.

6)    لازال الإخوان يمثلون الرقم الصعب داخل المجتمع المصري، لذلك يتوقع أن يستمر العداء لهم من قبل النظام الذي بات في حالة عداء مع كافة الأطياف السياسية في الداخل.

 

 

لذلك يمكن القول: أن الاجراءات الحالية هي اجراءات طبيعية وليست مستغربة وتأتي تعبيرا عن الخوف من ردة فعل الجماعة على أحكام المؤبد والاعدام.

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة