المجتمع المصري وانتشار الجرائم الخطيرة

 المجتمع المصري وانتشار الجرائم الخطيرة

 

في مقالين على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لـ أشرف الشريف استاذ العلوم السياسية بالجامعة الامريكية في القاهرة[1]. الثاني نشره أمجد الجباس الباحث المتخصص في العلوم السياسية على صفحته[2]. في المقالين يتم تسليط الضوء على الجرائم ذات الطبائع الخاصة أو الجرائم شديدة الدلالة في واقعنا المصري، وبالأخص في العاصمة القاهرة ومحيطها الريفي.

 

اتخذ "الشريف" من جريمة القتل التي وقعت أحداثها في الرحاب، المدينة الثرية، التي يقطنها، في الغالب، الموثورين وذوي النفوذ، وكان ضحيتها الشاب العشريني والطالب بأحد الجامعات الخاصة بـ بالفئات الأغنى في مصر، الجامعة البريطانية، اتخذ منها (مثال) على جرائم من اسماهم ("ولاد الناس" الهاى والكيوت فى الرحاب والتجمع الخامس)، واعتبرها قاعدة انطلق منها لرصد تاريخ طويل من الجرائم التي تورط فيها أبناء الطبقة الغنية والمتنفذة في مصر خلال السنوات العشرين الأخيرة. وخلال تلك الرحلة بدأ رصده بـ الحادثة التي راحت ضحيتها الفنانة الشابة سوزان تميم والتي اتهم فيها رجل الأعمال المعروف هشام طلعت مصطفى، والحادثة التي راحت ضحيتها ابنة الفنانة المغربية ليلي غفران، هى و صديقتها فى منزلهم، فى الشيخ زايد، فى جريمة غريبة، (وقيل وقتها ان ابن شخصية كبيرة قد تورط فيها)، وحادثة القتل التي كانت ضحيتها الفنانة ذكرى على يد زوجها رجل الأعمال الثري أيمن السويدي الذي قتلها ومدير أعماله وزوجته، في مسكنهم بالزمالك، ثم أطلق النار على نفسه، لأسباب تبقى مجهولة حتى اللحظة، وحادث الاعتداء الذي تعرض له أحمد برادة الذي يصفه "الشريف" بأنه (أشهر رياضى مصرى شاب فى التسعينات و كان بلاى بوى عتيد وقتها)، ويذكر أن السبب (كانت القصة الشائعة وقتها ان الجانى الحقيقى كان ابن اللواء اسماعيل الشاعر مدير الادارة العامة لمباحث العاصمة وقتها و هو بلاى بوى اخر ؛ ضابط شرطة شاب "ابن ناس" ومن سكان المعادى ايضا و السبب صراع نسائي ايضا و موضوع الصراع يقال انه كان الفنانة الصاعدة وقتها ياسمين عبد العزيز). وغيرها من الحوادث. وفي التعليقات على المقالة استفاض المعلقون في ذكر حوادث القتل والاعتداء التي تورط فيها وراح ضحيتها أثرياء وذوي نفوذ ومسئولين كبار في الدولة؛ نذكر منها مثلا: فضيحة لوسي آرتين التي تورط فيها ابو غزاله (وزير دفاع) وحلمى الفقى وفادى الحبشى (ضباط كبار في وزارة الداخلية)، ومنها قضيه علي بك فهمي اخو عائشه فهمي صاحبه القصر الشهير في الزمالك، وينتمي الي اسره من كبار ملاك الارض.والذي قتل زوجته الفرنسيه مارجريت فهمي في الثلاثينيات.

 

انصب البوست المنشور علي صفحة  الجباس على حادث قتل محمود نظمي لولديه –بحسب رواية الشرطة- في القضية المعروفة بـ " أحداث قرية ميت سلسيل". وقد ظهر الامتعاض من رواية الشرطة –قتل نظمي لولديه- ونوه إلى ما تتداوله الألسنة في القرية – المدينة التي شهدت الجريمة، من أن الحادث انتقامي، متعلق بتجارة الآثار المهربة، ومتورطة فيه شخصيات مرموقة ومسئولين بوزارة الداخلية، وأن اعتراف المتهم بارتكابه للجريمة جاء بغرض حماية نفسه وعائلته من ملاحقة المسئولين الفعليين على الحادث. كما أشار إلى المظاهرات الاحتجاجية وصفحات الفيس بوك التي دشنها أصحابها بغرض كشف تهافت رواية الشرطة وحشد المؤشرات والأدلة التي تثبت تورط جهات حكومية (مسئولين بوزارة الداخلية) ورجال أعمال كبار في الحادث، وهو ما قابلته الشرطة بعنف شديد ضد المتظاهرين وعمليات اعتقال بحق الناشطين المسئولين عن صفحات الفيس بوك المذكورة، ومحاولة وصم المعارضين لرواية الشرطة بأنهم خلايا إخوانية تستغل الحادث لاشعال الفوضى وإحداث صدام بين الشارع والحكومة.

 

 

تعقيب نقدي

1-     المشترك بين المقالتين أنها ركزت على البعد الطبقي للجرائم؛ فهي من جهة حاولت أن تسلط الضوء على إخفاق التفسيرات التي تربط ارتفاع نسب الجرائم بارتفاع نسب الفقر، وتعتبر أن العلاقة بين الفقر والجريمة علاقة طردية، والعلاقة بين الثراء والجريمة علاقة عكسية. ومن جهة أخرى حاولت عبر رصد عدد كبير من الشواهد أن الطبقة المخملية "الثرية والمتنفذة" لها جرائمها التي لا يقل عددها ولا يقل عنفها عن جرائم الفئات الأقل ثراء بل والفقيرة. فهناك جرائم سببها مادي وأخري سببها انهيار القيم وتراجع الوازع الديني في ظل موجات التدهور الأخلاقي في المجتمع المصري منذ انقلاب يوليو 2013.

 

2-     ألمحت المقالتين إلى الدور الذي يلعبه النظام السياسي وأجهزته العنيفة (الجيش والشرطة) في التغافل عن هذه الجرائم وأحياناً مشاركة مسئوليه وذويهم في بعضها؛ نتيجة انتماء النظام ونخبه ورموزه لهذه الطبقة ومشكلاتها. لكن يبقى هناك مع ذلك رأي عام تسعى الحكومات لإخفاء هذه الجرائم عنه منعاً لاستثارته أو إحداث تشققات في اعتقاده أن الآثرياء بعيدين عن الجريمة، وأن الآخيرة تنتمي أكثر للطبقات الفقيرة.    

 

 

3-     الجريمة والجريمة المنظمة هي أحدى السمات الرئيسة للنخب العائلية سواء في العهد الملكي أو الجمهوري، فالملكيات الكبيرة اللي قامت عليها الرأسمالية القديمة (طبقة كبار ملاك الأرض الزراعيين) كانت ناتجة اصلا عن جريمة منظمة، الا وهي سلب ونهب الحيازات الصغيرة بعد نزع ملكيتها من الفلاحين نتيجة عدم سداد الاتاوات، حتى مع إلغاء محمد علي للإلتزام وانتقال ملكية الأرض للحكومة صوريا مع بقاء وتوارث حقوق الانتفاع للملاك، ومع تقنين سعيد لحقوق الانتفاع بالأطيان وشيوع نمط الوسية أو العزبة، ورثة الملاك استفادوا من حقوق الأنتفاع وراكموا على مدار خمسين سنة ثروات تمكنهم من السكنى بجوار النخب العلوية و"الممثليات" الأجنبية في القاهرة الخديوية والمدن المقامة على الطرز الأوروبية (مصر الجديدة والمعادي). ومع حدوث التأميم في أواخر الخمسينات، أدى لتكون برجوازية بيروقراطية جديدة، قائمة على النهب والسلب واستغلال السلطة الصريح والفساد العريض الذي راكم الثورات لدى اليمين الناصري (زكريا محيي الدين / عائلة سالم / عائلة عامر / البغدادي / القيسوني). ومع تبني سياسات الانفتاح في منتصف السبعينات نمت الرأسمالية الطفيلية القائمة أيضاً على الجريمة المنظمة[3].

 

 

4-     أحد الأبعاد الهامة لهذه القضايا، والذي يتبدى بشكل خاص في حادثة محمود نظمي في القضية المعروفة بـ " أحداث قرية ميت سلسيل". البعد الخاص بدور العائلة في هذه القضايا، كيف تتعاطى معها، ما حدود ثوريتها ضد تواطئ الحكومة أو على الاقل تباطئها في التعامل مع هذه الجرائم التي يتضرر من جرائها أبناء هذه العائلات. يمكن القول أن العلاقة بين العائلات الكبيرة والدولة يحكمها ما يمكن تسميته بالعلاقات الزبائنية؛ فالدولة تقدم المنح والعطايا للعائلات الداعمة والمؤيدة مقابل الولاء المستمر والدوران في فلك النظام وحماية مصالحه والالتزام بخطوطه الحمر. وبالتالي سيبقى اعتراض العوائل على الاضرار التي تلحق بذويهم في إطار الضوء الأخضر المسموح به من الحكومة ولن يتجاوزه؛ لذلك سرعان ما أعلنت عائلة محمود نظمي رفضها لمظاهر الرفض التي أعرب عنها مواطني ميت سلسيل تضامناً مع محمود ضد رواية الشرطة بأنه قاتل ابنيه.

 

 

5-     في الآونة الآخيرة يبرز التراجع الكبير في رصيد الثقة المجتمعية في الحكومة في ممارساتها وتصريحاتها؛ فالمجتمع غالباً ما يأخذ موقف متشكك إن لم يكن مكذب للرواية الرسمية ويبحث جاهداً عن روايات بديلة للرواية الرسمية تشبع فضوله وتكون بديل للخطاب الرسمي. وهو ما يظهر أيضاً في قضية محمود نظمي؛ والتي أعرب أبناء بلدته رفضهم للرواية الرسمية وروجوا روايات بديلة تزعم أن مقتل ابناء محمود جاء انتقاماً من الآخير ونتيجة تورطه في صفقات مشبوهة مع شخصيات أمنية وحكومية متنفذة.

 

 

6-     تآكلت كذلك ثقة المجتمع في الإعلام الرسمي وفي القنوات الفضائية والنوافذ الإعلامية المحسوبة على النظام والمؤيدة لسياساته، مفسحة المجال بذلك لحضور أكبر للإعلام المعارض –خاصة في الخارج/ المنفي- وهي نقطة هامة في ذاتها كما تسلط الضوء على التراجع الكبير في شعبية النظام ومن شرعيته في المجتمع.

 

 

7-     رغم هذه التأثيرات السلبية للجرائم المرصودة على الحكومة والنظام؛ إلا أن هذه الجرائم تقدم فرص جيدة للنظام يحسن استغلالها في التأثير على الرأي العام وفي تقويض الاتجاهات المعارضة الصاعدة ويعيق أية احتمالات لنمو معارضات وطنية واعية، وذلك عبر عدة آليات نذكر منها: الأولى: استخدام الحكومة لهذه الجرائم كفقاعات تجتذب اهتمام المجتمع وتركيزه وتصرفه عن القضايا المتعلقة بالسلطة وإدارة الحياة السياسية في البلاد. الثاني: ترويج خطاب مسئولية المجتمع عن هذا التردي الأخلاقي وإن هناك أزمة حقيقية في المجتمع تحتاج إلى حدوث تغيير مجتمعي واسع وبدون حاجة لقرار سياسي. وأن كثير من إخفاقاتنا تأتي نتاج أزمات مجتمعية وليست نتاج فساد حكومي أو تردي في أداء سلطة الحكم.

 

8-     يبقى أن نشير إلى أن الحكومة توظف هذه الجرائم في إقناع الرأي العام بالدور الكبير الذي تلعبه أجهزة النظام في حماية المجتمع والسلم الاجتماعي، وفي الضرر الكبير الذي يسببه تراجع استقرار السلطة أو حتى اختفائها في حال طالب البعض برحيلها نتيجة فشلها في إدارة الدولة وتحقيق التنمية. فالدولة تحسن استخدام هذه الجرائم في تذكير المجتمع بعجزه عن حماية نفسه والشر الكثير المنتشر في العالم وحاجة المجتمع لقوة الدولة لتحميه رغم إخفاقاتها وملفات فشلها.


[1] أشرف الشريف، 30 اغسطس 2018، الرابط: https://is.gd/8RJ7BX

[2] أمجد الجباس، تطورات مؤسفة فى أحداث قرية "ميت سلسيل "، 30 اغسطس 2018، الرابط: https://is.gd/4JeTJW

[3] التعقيب النقدي الأخير ورد في التعليقات المكتوبة على مقالة أشرف الشريف على "فيس بوك".

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة