حرب نظام السيسي على «الأزهر »..الأسباب والنتائج

 حرب نظام السيسي على «الأزهر »..الأسباب والنتائج

 

في أواخر شهر أغسطس الماضي 2018، أعلن قطاع المعاهد الأزهرية عن فتح الباب أمام الراغبين في التحويل من معاهد الأزهر إلى مدارس وزارة التربية والتعليم، وكذلك أمام الراغبين في التحويل من مدارس التربية والتعليم إلى المعاهد الأزهرية، وذلك لمدة شهر، بكافة أنحاء الجمهورية، مع مراعاة الضوابط التي سبق وضعها، وتشدد على مراعاة كثافة الطلاب عند التحويل من وإلى المعاهد الأزهرية ومدارس التربية والتعليم.

الإعلان عن التحويلات كل عام أمر طبيعي، لكن الأكثر خطورة هو إحصائية كشف عنها مسئول بقطاع المعاهد الأزهرية عن تزايد رغبة طلاب التعليم الأزهري في التحويل إلى التعليم الحكومي، موضحا أن 27 ألف طالب وطالبة من معاهد الأزهر حولوا بالفعل أوراقهم إلى مدارس التربية والتعليم[1].

وتنقل "الأهرام" عن الشيخ جعفر عبدالله، رئيس قطاع المعاهد الأزهرية السابق، أن عدد الطلاب الذين حولوا أوراقهم في سنة 2014 إلى مدارس التعليم الحكومي بلغ 86 ألف طالب وطالبة[2].

وبلغ طلاب المعاهد الأزهرية في عام 2012/2013 مليونين و26 ألف طالب وطالبة،  لينخفض العدد بالعام الدراسي التالي بنحو عشرة آلاف تلميذ، ثم بنحو 89 ألف تلميذ ثم بنحو 54 ألف ثم بنحو 28 ألف تلميذ، ليصل العدد إلى مليون 754 ألف بعام 2016/2017 ، بنقص 272 ألف تلميذ خلال أربع سنوات دراسية رغم زيادة عدد السكان[3].

وبتفاصيل أكثر تكشف الأرقام عن تراجع  عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية الأزهرية من  مليون و206 آلاف تلميذ عام 2009-2010 إلى 937 ألف تلميذ بعام 2016-2017، بتراجع قدره (260 ألفا)، كما تراجع عدد تلاميذ الإعدادي الأزهري من 485 ألف تلميذ عام 2011-2012 إلى 401 ألف تلميذ، وبعام 2016-2017م، بتراجع قدره (84ألفا).

ولا يقف التراجع عند عدد التلاميذ والطلاب بل يمتد إلى عدد الفصول للابتدائي الأزهري والتي انخفضت من ما يقرب من 37 ألف فصل عام 2010 إلى 30 ألف فصل عام 2017 ، وكذلك لفصول التعليم الإعدادي الأزهري من ما يقرب من 16 ألف فصل عام 2012 إلى أقل من 14 ألف فصل إعدادي أزهري عام 2017 ، وشمل الانخفاض أيضا فصول معاهد القراءات.

ويعترف الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر السابق والأمين العام الحالي لهيئة كبار العلماء، بهذه المشكلة نافيا وجود إحصاء دقيق بذلك، مشيرا إلى أن هذه ليست سابقة أولى، ففى كل عام تتم تحويلات، وهو أمر لا يقلقنا. مؤكد أنه تم إنشاء لجنة لإصلاح التعليم الأزهري لبحث أسباب التراجع ووضع خطة لعلاج جوانب الخلل والقصور.

 

مدارس بلا تعليم

الغريب في الأمر ، أن هذه التحويلات من  التعليم الأزهري إلى العام، تأتي في ظل تردي وانهيار منظومة التعليم الحكومي باعتراف وزير التعليم نفسه الدكتور طارق شوقي الذي أكد أن مصر وصلت إلى القاع في مستوى التعليم وليس لدنيا ما نخسره[4].

وهو ما أكد عليه أيضا أحمد خيري، المتحدث باسم الوزارة، في 17 أغسطس الماضي خلال  مداخلة هاتفية مع برنامج "مانشيت" الذي يقدمه  جابر القرموطي، مؤكدا أن مصر تقبع في قاع الترتيب العالمي لمستويات التعليم قائلا: "إحنا في المركز 148 من 148 في التعليم على مستوى العالم، يعني في المركز الأخير ومعندناش حاجة نبكي عليها".

فالتعليم في مصر يسير من سيئ إلى أسوأ، حيث  احتلت مصر  مراكز متأخرة في جودة التعليم الأساسي والعالي، وفقًا لمؤشر التنافسية العالمية، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، للعام 2017 / 2018. الذي تناول وضع التعليم في 137 دولة، وجاءت مصر في المركز 129 في جودة التعليم، والمركز 130 في جودة تعليم العلوم والرياضيات، والمركز 124 في جودة إدارة المدارس، والمركز 119 في توصيل المدارس بالانترنت".

وفي التعليم الأساسي، حصلت مصر على المركز 93 دولة، والمركز 133 في جودة التعليم الأساسي، والمركز 87 في معززات الكفاءة. وفي مجال التعليم العالي والتدريب، جاءت مصر في المركز 100 من أصل 137 دولة. وبخصوص الالتحاق بالتعليم، احتلت مصر المركز 33 في معدل الالتحاق بالتعليم، والمركز 84 في معدل الالتحاق بالتعليم الثانوي، والمركز 76 في معدل الالتحاق بالتعليم العالي، وذلك من بين 134 دولة.

 

أسباب تراجع التعليم الأزهري

ويربط البعض هذا التراجع بالهجوم الإعلامي على الدراسة بالأزهر واتهامه بأنه مفرخة للمتطرفين، مما دفع كثير من أولياء الأمور لتحويل أبنائهم من التعليم الأزهري إلى التعليم العام إلى جانب الصورة الإعلامية عن صعوبة التعليم الأزهري وكثرة مقرراته الدراسية، وتخلفه ونقص إمكاناته من المدرسين المتخصصين والمعامل، وتدنى نتائج شهاداته خاصة الثانوية الأزهرية التي بلغت عام 2015 نسبة الناجحين بها 41% فقط .

وحول أسباب تراجع التعليم الأزهري،  فإنه يمكن أن نعزو ذلك لعدة أسباب:

أولا، حجم المواد، فالمواد التي يدرسها طالب الأزهر في مراحل التعليم الأساسي والثانوي وحتى الجامعي تفوق كثيرا حجم المواد التي يدرسها تلاميذ وطلاب التعليم العام، فإلى جانب المواد الأساسية من لغة عربية وحساب وإنجليزي وعلوم ودراسات اجتماعية فإن تلاميذ وطلاب الأزهر يدرسون أيضا المواد الشرعية من حفظ قرآن وتفسير وفقه وحديث وعلوم التوحيد. وهو ما يضاعف  من  مشاق التعليم الأزهري ويجعل التلاميذ مشتتين بين كثرة المواد وصعوبة بعضها.

وبهذا الشأن يقول شومان: «فى كل الأحوال نبحث أسباب هذه التحويلات، وتم تكوين لجنة لإصلاح التعليم، وتبين لنا أن مناهج الأزهر كبيرة وشاقة على الطالب، فهو أصبح مشغولا بأمور أخرى، ولم تعد لديه القدرة على تحمل عبء هذه المناهج، فمهمة اللجنة تخفيف المناهج وربطها بالواقع المعاصر، فأصبحت المواد الأزهرية التى يتم تدريسها للطلبة فى المرحلة الإعدادية ثلاث مواد فقط إضافة إلى القرآن والمواد الثقافية».

ثانيا، من ضمن الأسباب التي أدت إلى تراجع مستوى التعليم الأزهري، والعام في نفس الوقت، تراجع أعداد المعلمين وضعف الكفاءة والمهنية فيما بينهم، وجهل غالبية المعلمين الذين تربوا على نفس المنظومة التعليمية الفاشلة، لذلك كان طبيعيا أن تخرج لنا هذه المنظومة مدرسا محدود الإمكانيات لا يملك شيئا لينقله للطلاب إلا تلقينهم المقررات التي ربما لا يعرف المعلم نفسه عنها إلا قليلا، هذا بخلاف حالة البؤس التي يعاني منها المدرس في المعاهد الأزهرية من حيث ضعف المرتبات والحوافز مع صعوبات المعيشة ما يجعل  المعلم غير قادر على العطاء  والابتكار والإبداع في وسائل ووسائط التعليم للحصول على أعلى مستوى من التحصيل الدارسي.

ثالثا، ضعف مستوى الإدارة وتهالك المباني التي بات بعضها آيلا للسقوط،  وعدم الاعتماد على الوسائل الحديثة في وسائل التعليم واستخدام الوسائط التعليمية والتي تجعل من العملية التعليمية تتمتع بقدر من التسلية والترفيه عبر  استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في العملية التعليمية، بينما اتصفت مناهج التعليم الأزهري بالجمود وعدم التطور مع المعطيات الحديثة وبعضها لا يزال يناقش قضايا عفا عليها الزمن ولا تتسق مع الواقع الحالي. فالمناهج وطرق التعليم، من الأسباب المنفرة من التعليم الأزهري؛  فكثير ممن يقومون بإعداد المناهج غير متخصصين، وكذلك المعلمون، فالآن أصبحت المعاهد الأزهرية ساحة لعصابات تعليمية وليست مدرسين، فكثيرة هى الاسباب سواء مناهج أو بيرقراطية، أو الإدارة أو اللوائح والقوانين اليومية، أو إعداد المعلم، فآلاف المدرسين الذين تم التعاقد معهم دون تدريب، ولا توجد دورات تدريبية لهم، فالمنظومة بكاملها تحتاج إلى اتساق وتكامل حتى تشجع الطلاب وأولياء الأمور على التقدم للأزهر وليس الهروب منه..

رابعا، ارتفاع نسبة الراسبين في الشهادات الأزهرية، والتي تصل أحيانا إلى "عدم نجاح أحد" في بعض المعاهد الأزهرية في الشهادة الثانوية، وتكاد تصل النسبة إلى 30 إلى 40% ما يعني رسوب حوالي من 50 إلى 60% على أقل تقدير وذلك لصعوبة المواد وضخامتها وعدم وجود "كتب خارجية" على غرار التعليم العام تسهم في تيسير المواد الدراسية والمناهج؛ وهو ما ضاعف معاناة الأسر التي بدأت  تهرب من هذه الأجواء إلى تعليم رديء أيضا لكنه أكثر سهولة من التعليم الأزهري. ويؤكد ذلك تصريحات د. خالد عرفان أستاذ المناهج وطرق التدريس بتربية الأزهر، التي يؤكد فيها أن التحويل راجع إلى سوء النتائج فى المرحلتين الإعدادية والثانوية، التى تتراوح دائما بين 30 و40% ، وأحيانا أقل من ذلك بكثير.

خامسا، هجوم الإعلام الموالي للنظام باستمرار على الأزهر ومناهجه ومعاهده، واتهامه بتفريخ إرهابيين دون سند من واقع أو دليل يؤكده، بخلاف ما يشاع عن منح الأولوية لخريجي التعليم العام على التعليم الأزهري في التعيين والوظائف ما جعل كثيرا من المواطنين يفضلون التحويل من التعليم الأزهري إلى التعليم العام. كما أن رسم صورة سلبية في وسائل الإعلام عن الشيوخ والزي الأزهري جعل قطاعا لا يستهان به من المواطنين لا يفكرون أصلا في إلحاق أبنائهم بالتعليم الأزهري فلا تزال صورة الشيخ المتحذلق التي رسمها الممثل عبدالمنعم إبراهيم في بعض أفلامه تنفر كثيرين من الزي الأزهري وطريقة التحدث بالفصحي.

سادسا، انخفاض قيمة الميزانية المخصصة للتعليم الأزهري، مقارنة بالتعليم العام، ولا ننسى أن نظام 23 يوليو صادر أوقاف الأزهر التي كان ينفق منها على جامعه وجامعته ومعاهده ومشروعاته التعليمية والدعوية والاجتماعية، بينما أبقى على أوقاف الكنيسة ولم يقترب منها، وبذلك بات الأزهر لا يتمتع بنفس الاستقلالية التي كان يتمتع بها قديما قبل 23 يوليو 1952، فتقليل الميزانية للأزهر أدت أيضا لتوقف بعض الأنشطة ما أفضي إلى تعليم بائس يعتمد على الحفظ والتلقين وحشر عشرات التلاميذ في فصول ضيقة ومناهج ضخمة جامدة ما كان أحد الأسباب الرئيسة في هروب عشرات الآلاف إلى التعليم العام رغم بؤسه وتراجعه وعدم كفاءته أيضا.  يقول الدكتور محمد عمارة: «أسباب كثيرة لتراجع الأزهر وتراجع دور الأزهر في العالم الإسلامي، أول هذه الأسباب هو افتقار الأزهر إلى الاستقلال المالي والأزهر كان مؤسسة تمثل المؤسسة الأم، عقل الأمة وفكر الأمة وعندما تحولت إلى مؤسسة حكومية لم تعد مؤسسة للأمة كما كانت في السابق وإنما أصبحت إحدى مؤسسات الحكومة وفقدان الأزهر لاستقلاله المالي قضية محورية في مسيرته وفي أسباب تراجعه، السبب الثاني وهو فيه قدر كبير من الطبيعية هو ظهور مؤسسات للعلم كثيرة تنافس الأزهر، قديما لم يكن هناك سوى الأزهر لكن الآن العالم مليء بالجامعات، أيضا الصحوات للقوى المعادية للإسلام وللأزهر ولدور الأزهر»[5].

سابعا، يعزو البعض أسباب تراجع التعليم الأزهري وكثرة أعداد المحولين منه إلى التعليم العام، إلى ضعف الوازع الديني عما كان عليه من قبل، وبحسب رئيس قسم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية تفهنا الأشراف، د. على عامر لم يعد الاهتمام بالدين ومن ثم بالتعليم الأزهرى كما كان في سنوات مضت.

ثامنا، يعزو البعض أسباب ذلك أيضا إلى حالات الاغتراب خاصة للبنات، فكل من أتم التعليم الثانوى فى الغالب يكون فى مدينته، بعكس الأزهر، فكثيرا ما ينتقل إلى مدينة أخرى، ومع أحداث العنف والفوضى وما تلا الثورة ثم الانقلاب؛ دفع كثيرا من أولياء الأمور  إلى الخوف على أبنائهم وبناتهم ففضلوا التحويل مبكرا للتعليم العام؛ ضمانا لأمن أبنائهم وإلحاقهم بمدارس تعليم عام في نفس القرية أو المدينة بدلا من استمرارهم في التعليم الأزهري.

تاسعا، ولعل السبب الأهم والأبرز هو توجهات نظام انقلاب 30 يونيو، الذي يريد إضعاف الأزهر لحساب التعليم العام سعيا لتكريس العلمانية ودرءا لمخاطر ما يسمى بالأرهاب والتطرف، فهناك قوى نافذة داخل النظام ترى أن التعليم الأزهري أحد أسباب أزمة التشدد والتطرف وصولا إلى الإرهاب؛ وقد كانت تصريحات الجنرال عبدالفتاح السيسي نفسه معبرة عن هذه المخاوف عندما طالب المؤسسة الدينية الإسلامية بما يسمى بتجديد الخطاب الديني. ولم يكتف النظام بهذه التصريحات بل تم اعتماد بروتوكول تعاون في 12 أغسطس 2013 بعد الانقلاب بأيام قليلة بين وزارة التعليم ممثلة في الدكتور محمود أبو النصر الوزير حينذاك والشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر يقضي بالموافقة على تحويل طلاب مدارس الوزارة إلى المعاهد الأزهرية، والعكس، فى العام الدراسى (2013/2014)[6].

خلاصة القول، أن أسباب تراجع الإقبال على التعليم الأزهري يعود لعدة أسباب، أهمها توجهات النظام العسكري الرامية لإضعاف الأزهر لحساب التعليم العام حيث ترى ـــ بخلاف الحقيقة ـــ أن مناهج الأزهر أحد أسباب انتشار التشدد والتطرف، كذلك فإن ضخامة المواد التي يتم تدريسها في الأزهر بخلاف جمودها وعدم استخدام الوسائل التعليمية والأنشطة المصاحبة وعدم استقلالية الأزهر ماليا بعد أن صادر نظام 23 يوليو أوقافه كلها عوامل أدت إلى هذا التراجع.

رغم التحفظات على سلوك المشيحة أو بعض المؤسسات التابعة للازهر لاعتبارات تتعلق بالمؤاءمات السياسية سواء في عهد مبارك عندما فضل شيخ الأزهر الاستمرار باللجنة السياسية أو مشاركته في مشهد انقلاب 03 يوليو 2013م، إلا أن ذلك لا يمنع من ضرورة دعم وتعزيز الأزهر الشريف كمؤسسة تعليمية ودعوية، بكل السبل والإمكانات باعتباره أحد أهم حصون الإسلام الكبرى.

 



[1] "27" ألف حولوا في شهر.. لماذا يهرب الطلاب من التعليم الأزهري؟/ صحيفة الشعب 13 سبتمبر 2018

[2] محمد القزاز/86 ألف طالب حولوا من الأزهر: الهروب من المعهد/ الأهرام 16 نوفمبر 2014

[3] ممدوح الولي/ تراجع أعداد التعليم الأزهري/ الجزيرة مباشر السبت 05 مايو 2018

 

[4] محسن البديوى/فيديو.. وزير التعليم: ليس لدينا ما نخسره.. ونظامنا الجديد هدية مصر لـ100 عام/ اليوم السابع السبت، 05 مايو 2018

 

[5] الأزهر .. دوره ورسالته.. / الجزيرة نت 24 أبريل 2006

 

[6] محمد أبو ستيت/ السر الذى يخفيه الأزهر عن الجميع/ موقع مبتدا 14 سبتمبر 2014

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة