اقتصادات الفقر معاناة أكثر للمصريين بلا حلول

  

اقتصادات الفقر  معاناة أكثر  للمصريين بلا  حلول

 

يتواصل العجز  المزمن في الموازنة العامة المصرية، والذي بلغ هذا العام(2018/2019) حوالي 438 مليار جنيه، بخلاف فوائد الدين العام التي وصلت إلى مستويات  قياسية بلغت 541 مليار جنيه لأول مرة في تاريخ البلاد، بينما وصل حجم الدين الخارجي إلى «92.90» مليار دولار حتى يونيو الماضي 2018م، بعد أن كان 43مليارا فقط في 30 يونيو 2013م. وقفز الدين المحلي  من 1.5 تريليون جنيه في يونيو 2013م، إلى حوالي "3.4" تريليون جنيه، بزيادة قدرها حوالي تريليوني جنيه مصري"2000 مليار جنيه"!

وتمثل أقساط وخدمة الدين نحو 48% من إجمالى الموازنة العامة، حيث تصل أقساط الدين فى حدود 267 إلى 270 مليار جنيه، وفوائد الدين 541 مليار جنيه، من إجمالى الموازنة التى تصل إلى نحو تريليون و700 مليار جنيه[1].

وبحسب تصريحات سابقة لوزير المالية السابق، عمرو الجارحي، فإن الدين العام المصري تضاعف تقريبا فى آخر 5 سنوات إلى 5 أضعاف، حيث كان يتراوح بين 700 و800 مليون جنيه منذ 5 أعوام ليرتفع إلى 3.8 تريليون جنيه، وهو ما يمثل نحو 108% من الناتج المحلي الإجمالي والذى بلغ 3.5 تريليون جنيه خلال العام المالي 2016-2017، بينما وصل حجم الديون إلى "5" تريليون في يونيو 2018 ما يعني أن نسبة الدين العام للناتج القومي  الإجمالي لا تقل عن 125% !.

وخلال لقاء الدكتور محمد معيط، وزير المالية الحالي بحكومة العسكر، يوم الخميس 27 سبتمبر الجاري، مع أعضاء غرفة التجارة والصناعة الفرنسية بمصر برئاسة محمود القيسي، وبحضور ستيفان رومانيه السفر الفرنسى بالقاهرة والقنصل الفرنسى العام و سفراء دول قبرص و سنغافورة،  أوضح معيط أن الدولة تستهدف فى عام 2018- 2019 انخفاض الدين العام للناتج المحلى ليصل إلى 92% ، والعمل على إعداد برنامج إصلاح هيكلى للاقتصاد المصرى يستهدف خفض الدين العام إلى 70% خلال 4 سنوات، وسيتم عرضها على  الجنرال عبدالفتاح السيسي خلال أسبوعين[2].

وأضاف معيط أن وزارة المالية تنفذ حاليا خطة لتطوير منظومة الضرائب من خلال إعادة هيكلة كاملة لمصلحة الضرائب المصرية، بحيث يتم دمج قطاعات الدخل والقيمة المضافة فى مصلحة واحدة، وأشار الى أنه خلال منتصف أكتوبر المقبل ستصل بعثة صندوق النقد الدولى ، لإجراء المراجعة الدورية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، فى حين أن إعلان نتيجة المراجعة سيتم فى ديسمبر المقبل لاستلام الشريحة الخامسة من قرض الصندوق.

الغريب والعجيب أنه بالتزامن مع تصريحات وزير المالية، نشر موقع الوزارة بيانات تؤكد اعتزام الوزارة  إصدار أدوات دين خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي بقيمة 498.750 مليار جنيه، تقع معظمها في إصدارات لا تزيد آجالها على عام، وفقاً لبيانات الوزارة على موقعها الإليكتروني[3]. كما أعلن الوزير في ذات التصريحات عن اقتراض 5 مليارات دولار من خلال بيع سندات في الأسواق الأوروبية والآسيوية مع بداية شهر أكتوبر الجاري[4].

وللوصول إلى هذه المعادلة الصعبة (خفض الدين العام وزيادة الموارد) في ظل تراجع أو ثبات مصادر الدخل القومي الأساسية من تصدير إلى تحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس والسياحة، فإن الحديث عن زيادة الموارد مع عدم قدرة النظام على إدارة موارد الدولة بصورة صحيحة لزيادة الإنتاج يؤكد أن النظام سيلجأ كعادته إلى جيوب المواطنين، لزيادة الموارد عبر  عدة آليات نستعرض بعضها.

وعبر زيادة إيرادات الضرائب وضم الاقتصاد الموازي للموازنة العامة للدولة وزيادة إيرادات الجمارك وطرح الشركات الناجحة بالبورصة وتقليص أعداد موظفي الدولة يسعى النظام لتحقيق المعادلة الصعبة؛ وإن كانت مخاطر ذلك كبيرة وعلى رأسها زيادة منسوب الغضب الشعبي لأنها إحراءات تسهم في مضاعفة معاناة المواطنين.

 

أولا:  زيادة إيرادات الضرائب

وتعد الضرائب المصدر الرئيس لموارد الموازنة المصرية منذ عدة عقود، لكن اعتماد الحكومة عليها تضاعف خلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، عبر  تشديد الحكومة في جباية الضرائب وزيادة نسبتها وسن ضرائب جديدة مثل القيمة المضافة وغيرها.

وفي الخميس 13 سبتمبر الماضي، وجَّه الجنرال السيسي رئيس حكومته مصطفى مدبولي ووزير ماليته محمد معيط بالاستمرار في جهود إنهاء وفض المنازعات الضريبية، ودراسة أفكار جديدة لزيادة عائدات الدولة، وخفض المديونية بها، وعجز الموازنة العامة، من خلال التوسع في تطبيق النظم الإلكترونية الحديثة لإدارة التدفقات المالية، بما يساهم في عملية الإصلاح المالي، ويرفع من كفاءة إدارة الإنفاق العام، وتعظيم موارد الدولة. كذلك شدّد على سرعة البدء في إعادة هيكلة مصلحة الضرائب، وتطويرها، وفق تخطيط استراتيجي متكامل يلتزم بمعايير الجدارة والحوكمة، بحيث تتمكن من تأدية مهامهما بالمرونة والسرعة في اتخاذ القرارات، وتقديم الخدمات الميسرة للمواطنين، خاصة أصحاب الأعمال والمنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر، من دون مساس بحقوق الدولة.

وتستهدف حكومة السيسي زيادة الحصيلة الضريبية المحصلة من المصريين بنسبة 23.4%، في العام المالي الحالي (2018 /2019)، لتصل إلى نسبة 14.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بواقع 770 ملياراً و280 مليون جنيه، من جملة إيرادات مستهدفة تبلغ 989 ملياراً و188 مليون جنيه، بنسبة تصل إلى 77.8%.[5]

وفي سياق العمل على تحسين منظومة الضرائب، كشفت عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب الدكتور محمد فؤاد، أن الحكومة بدأت في وضع مستهدفات للتحصيل الضريبى من الناتج المحلى، وأن ما يتم حاليا هو  تحصيل 15% وخطة الحكومة تستهدف الوصول إلى 18% عام 2020، ثم  20%  من الناتج المحلي الإجمالي خلال 3 سنوات، موضحا أن التحصيل الضريبى فى موازنة 2018-2019 بلغ 777 مليار جينه، قائلا: «بلد بحجم مصر ضرائبها على الأقل المفروض تكون تريليون و200 مليار، ولو وصلنا لهذا الرقم لن يكون لدينا عجز بالموازنة»[6]. وهذه التصريحات تكشف أن خطة السيسي لتقليص العجز في الموازنة تعتمد أساسا على جيوب المواطنين من خلال زيادة نسبة الضرائب فإذا كان ما يتم تحصيله حاليا حوالي "770" مليارا والعجز 438 مليار جنيه، فإن الوصول بالحصيلة الضريبية إلى "1200" مليارا يعني القضاء على عجز الموازنة من جيوب المواطنين ومحدودي الدخل.

كما يتجه النظام نحو التوسع في تحصيل الضريبة العقارية ، حيث أعلنت وزارة المالية مؤخرا بدء تطبيق الضريبة العقارية على العقارات بأثر رجعي، منذ صدور القانون مطلع يوليو/ تموز 2013، وخضوع الفنادق والمنشآت السياحية لها، وفقا لمختصين بالقطاع السياحي. وفي يوليو الماضي، تقدمت غرفة المنشآت السياحية بمذكرة لوزارة المالية، للمطالبة بتأجيل سداد الضريبة العقارية المفروضة على المنشآت السياحية بطريقة عشوائية، بحسب وصفها. وكان الجنرال السيسي قد أقر تعديلات على قانون الضريبة العقارية في أغسطس/آب 2014، ألزم فيها وزارة المالية بتحديد معايير الأنشطة الصناعية والسياحية لتطبيق الضريبة عليها.

وتقول سامية حسين، رئيس مصلحة الضرائب العقارية بمصر، في تصريحات سابقة، إن إجمالي حصيلة الضريبة العقارية بلغ نحو 3 مليارات جنيه (168.161 مليون دولار) خلال العام المالي 2017/2018، مقابل 1.992 مليار جنيه (111.6 مليون دولار) في العام المالي 2016/2017. وتستهدف وزارة المالية المصرية جمع حصيلة ضريبية من العقارات بنحو 5.4 مليارات جنيه (302.6 مليون دولار) خلال العام المالي الحالي 2018/2019.[7]

 

ثانيا، ضم الاقتصاد الموازي للموازنة

الإجراء الثاني والأهم لتحقيق مخططات جنرال العسكر وأركان الحكومة، هو ضم الاقتصاد غير الرسمي إلى الموازنة العامة للدولة، وهو القطاع الذى يقصد به من الناحية الأكاديمية تلك الفئة من الصناع أو التجار أو المنشآت التى تعمل بعيدا عن أعين الحكومة دون الالتزام بأى أعباء سواء تأمينية أو ضريبية ويقصد به من الناحية الفعلية أنها الأنشطة الاقتصادية التى لا تخضع لرقابة الحكومة ولا يتم تحصيل ضرائب أو رسوم عنها كما أنها لا تدخل فى حسابات الناتج القومى الإجمالى.

وخلال الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر 2018م، أعلن وزير المالية، الانتهاء من مشروع قانون المحاسبة الضريبية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة[8]، وأنه سيتم إحالته لمجلس النواب قريبا للموافقة عليه خلال دور الانعقاد المقبل، مضيفا أن مشروع القانون الجديد من المرجح أن ينتهي إلى استخدام التعريف الذي حدده البنك المركزي لتلك المنشآت لتوحيد التعاملات المالية والضريبية.

 ويعمل القانون الجديد على تقنين المشروعات الصغيرة والمتوسطة  التي تصل نسبتها إلى 55% من الناتج المحلي، ونحو 65% من حجم العمالة فى مصر، ويهدف  مشروع القانون الجديد إلى إدخال الاقتصاد غير الرسمي في إطار الاقتصاد الرسمي، وهو القانون الذي يعول عليه النظام كثيرا في إصلاح المنظومة الضريبية والذي يتكامل مع حزمة القوانين التي صدرت مؤخرا وشملت قانوني إنهاء المنازعات الضريبية والضريبة على القيمة المضافة، كما يهدف القانون إلى تعظيم الإيرادات العامة وتخفيض العجز بالموازنة إلى أقل من 10% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويلزم مشروع القانون الجديد  بتسجيل كافة المشروعات الصغيرة والمتوسطة لدى مصلحة الضرائب. مع إلزام المشروعات بدفع مبلغ محدد وثابت عند تجديد الرخص سنويا، على أن يرتفع هذا المبلغ في حالة زيادة رقم الأعمال دون النظر إلى الأرباح والدخل. والتزام أي مشروع صغير بتقديم إقرار ضريبي أو دفاتر محاسبة ضريبية.

ويهدف النظام إلى توفير موارد وتدفقات نقدية مستدامة عبر التوسع الأفقي في الضرائب دون اللجوء إلى زيادتها بعد جملة الزيادة الأخيرة لأن أي زيادة ضريبية جديدة سوف تنعكس سلبا على مناخ الاستثمار الذي يفضل الهروب من الأسواق التي تلاحقه بمزيد من الضرائب والرسوم. كما أن التوجه نحو جيوب المهنيين من أطباء ومحامين ومدرسين وتجار وصناع وسباكين وكهربائية ونقاشين وغيرهم سوف يوفر للنظام مئات المليارات بعيدا عن  خيارات الديون الخارجية والداخلية.

ووفق الإحصائيات الرسمية يبلغ حجم الاقتصاد غير الرسمى فى مصر نحو 1.8 تريليون جنيه تمثل 44% من الناتج المحلى الإجمالى للبلاد وبالتالى فإن العمل على ضم القطاع غير الرسمى للاقتصاد يعنى إضافة استثمارات قائمة وموجودة بالفعل للناتج القومى الإجمالى وهو ما يعنى تحسن كبير فى العديد من المؤشرات الاقتصادية المختلفة؛ وإن لم ينعكس ذلك مطلقا على تحسين مستوى معيشة الأفراد لكنها ستسهم في تحسين مؤشرات الأرقام أمام المجتمع الدولي، ومؤسسات النقد الدولية، كما أن ضم القطاع غير الرسمى لمنظومة الاقتصاد القومى سوف يؤدى إلى زيادة الموارد (ضرائب، تأمينات، رسوم، وغيرها) بنسب تعادل نسبة مساهمته فى الاقتصاد أى زيادة موارد الدولة بحوالى 40% دفعة واحدة ومن خلال قنوات موجودة على أرض الواقع بالفعل[9].

هذه الخطوة حال النجاح في تنفيذها سوف يترتب عليها: أولا خفض معدلات الدين القومي ونسبته للناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى النصف تقريبا. كما أنها ثانيا سوف تحسن من مؤشرات الاقتصاد أمام الجهات والمؤسسات المالية الدولية، وثالثا سوف تزيد من موارد الدولة عبر زيادة التحصيل الضريبي والرسوم وعمليات تقنيين  الاقتصاد الموازي. ورابعا وهو الأهم أنها سوف تفضي إلى زيادة منسوب الغضب الشعبي ضد النظام لأنها ببساطة لم يعمل على زيادة الإنتاج عبر إدارة ناجحة لاستثمار موارد الدولة بقدر ما توجه نحو جيوب المواطنين وملاحقة التجار والصناع والمهنيين ومضاعفة أعبائهم بفرض الضرائب والرسوم على أنشطتهم الاقتصادية.

 

ثالثا، طرح شركات الشعب في البورصة

الإجراء الثالث الذي يتجه إليه النظام هو طرح شركات الشعب في البورصة، الأمر الذي عده مراقبون ومحللون نوعا من أنواع الخصخصة واستمرارا في سياسات إهدار مقدرات الشعب تلبية لشروط صندوق النقد الدولي،  وكان وزير المالية قد كشف أن الحكومة تعمل على عدة محاور لخفض الدين العام مشيرا إلى البرنامج الزمني للطروحات الحكومية بالبورصة المصرية، قائلا إن الحكومة تستهدف طرح 5 شركات فى البورصة خلال الربع الأخير من العام الجاري، من خلال بيع حصص من تلك الشركات المدرجة بسوق المال خلال 3 شهور بداية من شهر أكتوبر/ تشرين الأول، إذ سيتم طرح حصة من الشركة الشرقية إيسترن كومباني- الشرقية للدخان، والإسكندرية للزيوت المعدنية فى شهر أكتوبر/ تشرين الأول، ثم شركتي أبو قير للأسمدة والإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع الشهر التالي، وأخيرا طرح حصة بشركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير فى شهر ديسمبر/ كانون الأول، متابعا أن الحصيلة المستهدفة من الطرح ستحدد بحسب آليات السوق.

وتقول الحكومة إنها تستهدف من برنامج الطروحات، زيادة الحوكمة وتنشيط البورصة المصرية وزيادة قيمتها السوقية، والعمل على توسيع قاعدة الملكية بما يسهم في جذب الاستثمار الخارجي، إلى جانب توفير مصادر دخل لموازنة الدولة، ما يساعد على التخفيض التدريجي لحجم الدين العام وتكاليف خدمة الدين، وكذلك تشجيع الشركات المملوكة للدولة على استخدام البورصة كمصدر للتمويل. وتتوقع الحكومة  أن يستغرق تنفيذ البرنامج بالكامل فترة تتراوح بين 24 و30 شهراً، وأن يحقق حصيلة تصل إلى نحو 80 مليار جنيه (4.5 مليار دولار)[10].

ويشمل برنامج الخصخصة عبر طرح  28 شركة ومؤسسة اقتصادية في البورصة كغطاء لتحويل ملكيتها من الشعب لمستثمرين كبار، على عكس ما روجته الحكومة أنه برنامج يهدف إلى توسيع الملكية، على العكس فإن من نتائجه تقليص ملكية تلك المؤسسات، ومنحها لمجموعة محدودة من المستثمرين. وبحسب  مصادر مقربة من دوائر صناعة القرار فإن "عدداً من الصناديق الاستثمارية، والكيانات الاقتصادية، التي نشأت حديثاً، وتدير أموال بعض الأجهزة الأمنية السيادية، تستعدّ للاستحواذ على حصص كبيرة من شركات القطاع العام، المقرر طرحها في البورصة خلال الفترة المقبلة، تنفيذاً لتعليمات صندوق النقد الدولي". وتستعد "مجموعة إيغل كابيتال الاقتصادية، التي تترأسها المستشارة الاقتصادية لجهاز الاستخبارات العامة، وزيرة الاستثمار السابقة، داليا خورشيد، للاستحواذ على النصيب الأكبر من الشركات التي ينتوي طرحها، بالتنسيق مع أجهزة الدولة المعنية، لضمان سيطرة تلك الأجهزة على السوق المحلي، ضمن أُطر رسمية يصعب انتقادها من المؤسسات النقدية الدولية"[11].

 

رابعا: التعريفة الجمركية

الإجراء الرابع، هو زيادة التعريفة الجمركية، حيث أصدر الجنرال السيسي في بداية سبتمبر الجاري 2018، قرارا جمهوريا بالتعريفة الجمركية المنسقة، تضمن 5791 بندا جمركيا، قالت وزارة المالية أنه لم يحدث تعديل سوى في نسبة 23 في المئة من تلك البنود، أي حوالي 1332 بندا غالبيتها بالسلع الاستهلاكية.  وهكذا تكون تلك التعديلات الجمركية هى الأكبر عددا، بالمقارنة لزيادة الجمارك على 364 سلعة في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وزيادة الجمارك لنحو 500 سلعة في كانون الثاني/ يناير 2016، وتعديلات جمركية أخرى في شباط/ فبراير 2015.

ويستهدف النظام من وراء هذه القرارات بزيادة الجمارك تقليل قيمة الواردات السلعية لتخفف الضغط على الطلب على الدولار، ضمن حزمة من الإجراءات المصرفية والتجارية والجمركية التي استهدفت تقليل الواردات بشكل معلن من قبل المسؤولين، وعلى رأسهم محافظ البنك المركزى.

وتبرر الحكومة ذلك بأنها تهدف إلى تشجيع الصناعة الوطنية، لكن واقع السوق المحلي يشير إلى ارتفاع أسعار السلع المنتجة محليا عقب رفع الجمارك على السلع المستوردة، ويبرر المنتجون ذلك بزيادة تكلفة استيراد المكونات المستوردة التي تدخل في إنتاج السلع المحلية وزيادة أسعار الطاقة.

لكن وزارة المالية تستهدف في المقام الأول، زيادة إيرادات الجمارك كي تسهم في سد العجز الكبير في الموازنة، حيث حققت الجمارك إيرادات بلغت 34 مليار جنيه في العام المالي 16/2017، ثم زادت إلى 38 مليار جنيه بالعام المالي الأخير، وتستهدف الوزارة تحقيق 45 مليار جنيه من حصيلة الجمارك[12] خلال العام المالي الحالي 2018/2019. وهكذا تحقق زيادة الجمارك أهداف السعي لتقليل الواردات وزيادة إيرادات الموازنة العامة للدولة، لكن المتضرر الأكبر منها هو المستهلك، خاصة وأن أثر زيادة نسبة الجمارك لا يأتي منفردا، بحيث يستطيع المستهلك تحمله، ولكنه يجيء وسط عدد من الإجراءات التي تزيد الأعباء عليه.

خلاصة القول، فإن النظام العسكري يسعى لخفض معدلات الدين العام وزيادة إيرادات الموازنة العامة للدول من خلال عدة أجراءات منها زيادة الضرائب لتصل إلى 1200 مليارا بحلول عام 2022 بينما المستهدف هذا العام 770 مليارا. كذلك ضم الاقتصاد الموازي للموازنة العامة ما يعني زيادة الموارد بنسبة تصل إلى 40% جملة واحدة ما يسهم في رفع مؤشرات الاقتصاد وإن كان ذلك سوف يضاعف معاناة المواطنين ولن ينعكس مطلقا على تحسين مستوى معيشتهم، بخلاف عمليات الخصخصة عبر طرح الشركات الناجحة في البورصة، ثم فرض مزيد من الجمارك على السلع لتقليل الاستيراد الذي يضغط على الطلب على الدولار.  لكن ذلك يواجه أيضا بعدة تحديات تتمثل في مدى تجاوب المواطنين مع هذه الإجراءات من جهة بخلاف التحولات الجارية في الاقتصاد الدولي عموما ومنها، ارتفاع أسعار النفط وانسحاب الأموال الساخنة المستثمرة في أدوات الدين الحكومية كأذون الخزانة والسندات، في إطار عملية نزوح جماعية لهذه الأموال من معظم الأسواق الناشئة حول العالم. وهو مايخلق أعباء إضافية على الموازنة تتعلق برفع سعر الفائدة للحد من هروب هذه الأموال الساخنة التي تلعب دورا مهما في استقرار سوق الصرف المحلي وتوفير السيولة النقدية الدولارية، وهذا الرفع سيؤدي إلى أمور خطيرة منها زيادة الدين العام، وعجز الموازنة العامة، والتوسع في الاقتراض الخارجي والداخلي، وشل حركة الاستثمار، وتأجيل سداد بعض الديون . كما أن ذلك ربما يسهم في دفع البنك المركزي نحو تخفيض العملة مجددا  للحد من الضغوط التي يتعرض لها الاحتياطي النقدي وسوق الصرف، وكلها عوامل سيدفع ثمنها المواطن البسيط الذي يتحمل وحده فاتورة ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي.

 



[1] مصر تسعى لخفض الدين العام لأقل من 100%.. ووزير المالية لـCNN: نعمل على عدة محاور/ سي إن إن عربي الخميس 30 أغسطس 2018

[2] وائل شهبون/وزير المالية خلال لقائه أعضاء الغرفة الفرنسية: برنامج لخفض الدين العام إلى 70% ولا نية لفرض ضرائب جديدة/ الأهرام  الخميس 27 سبتمبر   "2018"

[3] أحمد إسماعيل/ «المالية» تصدر أدوات دين خلال الربع الثاني بقيمة 498.750 مليار جنيه/ الشروق الأربعاء 26 سبتمبر 2018م

[4] مصر تبدأ جولات ترويجية لاقتراض 5 مليارات دولار من الأسواق الدولية/ العربي الجديد الأربعاء 26 سبتمبر 2018

[5] السيسي يطالب حكومته بـ"أفكار جديدة" لزيادة إيرادات الدولة/العربي الجديد 13 سبتمبر 2018

[6] "2000"مليار جنيه جديدة تدخل الموازنة.. روشتة البرلمان لإصلاح منظومة الضرائب/ صوت الأمة الإثنين، 25 يونيو 2018

[7] الضريبة العقارية تضاعف الضغوط على السياحة في مصر/ العربي الجديد 6 أغسطس 2018

[8] رنا عبدالصادق/البرلمان يناقشه قريبا.. 10 معلومات عن «المحاسبة الضريبية للمشروعات»/ التحرير    24 سبتمبر 2018

[9] مهند عدلي/الاقتصاد الموازى ومعالجات مبتكرة فى تنمية الموارد العامة/ الأهرام الأحد 16 سبتمبر 2018

[10] مصر تسعى لخفض الدين العام لأقل من 100%.. ووزير المالية لـCNN: نعمل على عدة محاور/ سي إن إن عربي الخميس 30 أغسطس 2018

[11] السيسي يطالب حكومته بـ"أفكار جديدة" لزيادة إيرادات الدولة/العربي الجديد 13 سبتمبر 2018

 

[12] ممدوح الولي/"4" تعديلات جمركية مصرية في ثلاث سنوات ونصف/ عربي "21" الأحد، 16 سبتمبر 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة