مستقبل غامض لاستثمارات القطاع الخاص في ظل تغول الجيش بالاقتصاد المصري

 مستقبل غامض لاستثمارات القطاع الخاص في ظل تغول الجيش بالاقتصاد المصري

 

سيطر حالة من الضيق الشديد على قطاع كبير من المستثمرين ورجال الأعمال وشركات القطاع الخاص لسببين: الأول يتعلق بتوغل المؤسسة العسكرية اقتصاديا وهيمنتها بشكل مطلق على معظم المشروعات ومفاصل الاقتصاد في ضوء الامتيازات التي تحظى بها ، والثاني قيام الشركات الحكومية بتنفيذ ما تبقى من مشروعات خصوصا في قطاع العقار  والإسكان وحتى الفتات لم يعد قائما للقطاع الخاص الذي بات يعاني بشدة في مرحلة ما بعد انقلاب 30 يونيو2013م.

وثمة تحذيرات من عواقب عدم اعتراف نظام العسكر بأزمة القطاع الخاص، ورجال الأعمال، فهناك حالة من التقوقع والانكماش  الواضح فى صفوف نسبة كبيرة من رجال الأعمال فى المرحلة الراهنة لأسباب مختلفة، هذه الأسباب ربما لا تدفع هذه الاستثمارات نحو الانكماش فقط بل يمكنها مغادرة البلاد[1]. يضاف إلى ذلك أن ثمة ظاهرة أخرى خطيرة تتمثل في أفضلية استثمار المصريين فى الخارج، والأسباب فى ذلك كثيرة، بدءاً من ماليزيا فى جنوب شرق آسيا، وحتى المملكة المغربية فى أقصى غرب شمال أفريقيا، وما بينهما من تركيا والعراق والصين ودبى وأوروبا، ودول الاتحاد السوفيتى السابق، وحتى الأمريكتين.

هذه الظاهرة يكابر النظام العسكري في الاعتراف بها كعادته في إنكار الكثير من الظواهر التى كانت خصماً من رصيد المجتمع وتطوره، كهجرة العمالة المتعلمة أو المدربة، أو وجود ما يزيد على ثمانية ملايين من الثروة البشرية بلا عمل، أو حتى بناء مزيد من السجون فى الوقت الذى يتكدس فيه التلاميذ بالفصول الدراسية.

 

"ساويرس" يضج بالشكوى

هذه الأوضاع دفعت رجل الأعمال القبطي الملياردير نجيب ساويرس إلى الضج بالشكوى، وفقًا لصحيفة جلف تايمز نقلا عن وكالة الأنباء الألمانية في تقرير لها أول أكتوبر الجاري 2018، موجها انتقادات حادة لمزاحمة الشركات التابعة للدولة، للقطاع الخاص في عدد من المشروعات الاقتصادية الرئيسية، وطالب بتقليص تدخل الحكومة في قطاع الأعمال، وضرورة تشجيع القطاع الخاص. وانتقد ساويرس على وجه التحديد منافسة الدولة لشركات القطاع الخاص في مشاريع الإنشاء والإسكان، قائلاً: «هناك شركات قطاع خاص مخصصة لمثل هذه المشاريع»[2].

انتقادت ساويرس، تتزامن مع نتائج مؤشر مديري المشتريات بمصر، الصادر الأربعاء 03 أكتوبر 2018، والذي أظهر عودة الانكماش للقطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر خلال سبتمبر الماضي، بعد تحقيقه نموا ضئيلا خلال شهري يوليو وأغسطس. حيث  تمثل قراءة مؤشر PMI الذي سجل 48.7 نقطة في شهر سبتمبر إلى عودة الانكماش للقطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر، ويعد مستوى الـ 50 نقطة هو الحد الفاصل بين النمو والانكماش في هذا المؤشر الذي يصدر عن بنك الإمارات دبي الوطني، ويعتمد في دراسته على بيانات مجمعة من مسؤولي المشتريات التنفيذيين في أكثر من 450 شركة من شركات القطاع الخاص تمثل هيكل اقتصاد مصر غير المنتج للنفط[3].

وكان ساويرس قد أدلى بتصريحات مثيرة  ينتقد فيها توغل المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد المصري قائلا:  «إنهم يثقون بالجيش أولًا. ويقبلون بوجود القطاع الخاص»، ويشكو الملياردير القبطي من أن بعض خططه التجارية المصرية قد أحبطت بسبب تدخل الدولة. وأضاف: «يمكن لأجهزة الأمن حظر أي مشروع. فلديهم شركات خاصة بهم الآن. إن الوضع سيئ».

ويكشف ساويرس عن بعض المضايقات التي تعرض لها كرجل أعمال مؤيد للنظام، ففي قطاع الإعلام أدى الاستيلاء على القنوات الفضائية إلى تقليص نفوذ بعض أقوى رجال الأعمال المدنيين في مصر. يقول  ساويرس، المالك السابق للشبكة الشهيرة أون تي في، إن الحكومة طلبت منه طرد ثلاثة على الأقل من المراسلين الإخباريين. وعندما رفض، تم الاستيلاء على الشبكة من قبل رجل أعمال موال للحكومة وهو أحمد أبو هشيمة، قبل بيع أسهمه لشركة مملوكة لجهاز المخابرات المصري في عام 2017. ويضيف ساويرس أن قوات الأمن أعاقت خطط الأعمال الخاصة بالقطاع الخاص. وأن محاولاته للاستحواذ على شركة الاستثمار سي آي كابيتال قد تم عرقلتها من قبل الأجهزة الأمنية في عام 2016.

كما عرقلت أجهزة الأمن المصرية محاولة شركة أرتشر دانييلز ميدلاند للاستحواذ على شركة مصر الوطنية لمنتجات الذرة – التي اندمجت لاحقًا مع شركة مصرية أخرى – العام الماضي، وفقًا للسيد ساويرس. وقد أكد شخص مطلع على المسألة أن الجهات التنظيمية المصرية منعت الاستحواذ المخطط له.

وكان ساويرس قد انتقد الوضع الاقتصادي في البلاد، ووصفه ب"سمك لبن تمر هندي"، وقد كرر رجل الأعمال القبطي هجومه أكثر من مرة، مطالبا بفتح المجال بشكل أكبر أمام القطاع الخاص للاستثمار[4].

 

السيسي لا يثق في القطاع الخاص

وفي مقاله بصحيفة "و. س. جورنال" مايو 2018يستشهد الكاتب الصحفي "جاريد مالسن"  بمقولة "أندرو ميلر" المسؤول السابق عن ملف مصر في مجلس الأمن القومي الأمريكي، التي يؤكد فيها أن الجنرال عبدالفتاح السيسي «لا يثق في القطاع الخاص، ولا يثق في رجال الأعمال»، وذلك في إطار تحليله لانعكاسات هيمنة الإمبراطورية الاقتصادية للجيش على القطاع الخاص ورجال الأعمال.

لكن مالسن يرى أن حكم السيسي يشبه كثيرا طريقة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي أطيح به بعد ثلاثة عقود من الحكم عبر انتفاضة شعبية؛ فالسيسي يعتمد على دولة أمنية واسعة ونهج اقتصادي يمنح الجيش امتيازات تفضيلية؛ وهو ما ينعكس على قطاع الأعمال التجارية والقطاع الخاص، بل إن السيسي ذهب لأبعد من ذلك في تهميش المشاريع الخاصة ما ألحق الضرر بالاقتصاد[5].

وربما يمكن تفسير ذلك، بأن الجنرال يمارس بحق رجال الأعمال والقطاع الخاص انتقاما على خلفية عدم الاستجابة لإلحاحه  عليهم بالتبرع لصندوق تحيا مصر عندما قرر تدشينه بأنه يريد "100 مليار  كدة على جنب"، لكن استجابة رجال الأعمال كانت فاترة ولم يصل إلى الصندوق من تبرعات سوى 10 مليارات فقط؛ ويمكن اعتبار ذلك عاملا من عوامل ثقة الجنرال في المؤسسة العسكرية على حساب رجال  الأعمال والقطاع الخاص.

 

تحذيرات صندوق النقد

وكان النائب الأول لمدير عام صندوق النقد الدولي، ديفيد ليبتون أبدى تحفظات بشأن سيطرة قطاعات بالدولة على الاقتصاد، بأشكال غير مباشرة، بشكل يدفع القطاع الخاص للهروب، بسبب عدم تكافؤ فرص المنافسة، وذلك خلال زيارة بعثة الصندوق للقاهرة أول مايو الماضي لبحث صرف الشريعة الرابعة لقرض الـ12 مليار دولار.

ليبتون أشار بشكل واضح إلى الشركات المملوكة للقوات المسلحة، وأجهزة الدولة السياسية، لافتا إلى أن الصندوق يرصد توسُّع تلك النوعية من الشركات في الفترة الماضية، تحت كيانات تبدو ظاهريا ملكيات خاصة، مطالبا الحكومة المصرية بإيجاد حل لتلك الأزمة خلال الفترة القادمة[6].

وهناك مخاطر لهيمنة الجيش المتزايدة على الاقتصاد المصري، وفق مراقبين غربيين. فقد قال مسؤول تجاري بإحدى السفارات الغربية إن المستثمرين الأجانب يرفضون الاستثمار في القطاعات التي تتوسع فيها القوات المسلحة أو التي قد تدخلها خشية الدخول في منافسة مع الجيش وما يتمتع به من مزايا خاصة قد تعرض استثماراتهم للخطر.

وأضاف أنه إذا خاض مستثمر نزاعا تجاريا مع القوات المسلحة فلا معنى لرفع الأمر لهيئة تحكيم، قائلا "لا يمكنك سوى مغادرة البلاد". ولكنّ اقتصاديين   موالين للنظام لا يتبنون الرأي نفسه إذ يرون أن الحكومة تسعى لتأمين مصالحها في القطاعات الإستراتيجية وتحقيق نمو يقوده القطاع الخاص وهو ما يتناقض مع الواقع والحقائق.

 

امتيازات الجيش

وتعزز بعض التشريعات قدرة الجيش على خنق الشركات الاقتصادية المدنية، ومن أمثلة ذلك قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة بخفض دعم الوقود لأصحاب المصانع، ومع بقاء ميزانية الجيش، ومن ثم تكاليف الطاقة، خارج السجلات.

وفي ظل السرية التامة حول ميزانية الجيش، وبالتبعية إقطاعياته الاقتصادية، يمكن للشركات التي تسيطر عليها القوات المسلحة أن تستفيد من الإعانات التي تبقى خارج السجلات، والتمتع بمزيد من حرية المناورة في ظل انعدام الرقابة عليها.

وتقلص الهيمنة الاقتصادية للجيش من فرص نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، في ظل أن المقربين فقط هم مَن يمكنهم الفوز بعقود مربحة والتعامل مع نظام التصاريح. وهذا بدوره يؤدي إلى اقتصاد غير رسمي كبير قائم على المقربين، ويترك العديد من المصريين يعيشون في فقر مدقع.

ومنذ  سيطرة السيسي على السلطة في أعقاب انقلاب 03 يوليو 2013م، زاد الجيش من نطاق انتشاره بسرعة، كما أنه بات يقاتل بكل قوته للدفاع عن هذه الإمبراطورية، في حين أن الشائع في مصر، هو أن الجيش يقوم بهذه المشاريع لمصلحة البلاد.

وعقب الإطاحة بمبارك قال اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، إن الجيش "لن يسلم أبداً هذه المشروعات لأي سلطة أخرى مهما كانت"، وأضاف أن هذه المشروعات "ليست من الأصول التي تمتلكها الدولة، ولكنها إيرادات من عرق وزارة الدفاع والمشاريع الخاصة بها" ما يؤكد أن الجيش بات دولة فوق الدولة.

وتحصل كل مصانع الجيش وشركاته على إعفاء كامل من الضرائب والجمارك، بما يتضمن إعفاء منشآت الجيش الاقتصادية من الضرائب العقارية المفروضة على سائر المنشآت؛ الأمر الذي يسمح لها بتقديم المنتجات والخدمات بأسعار أقل من نظيرتها.

وفي نوفمبر 2013، أصدر المؤقت، عدلي منصور، قراراً يسمح للحكومة "بالتخلي عن المناقصات وإسناد المشروعات لأي شركة في الحالات العاجلة"، تبعه قرار آخر في 23 أبريل 2014، يحظر بموجبه الطعن من طرف ثالث على العقود التي تبرمها الحكومة مع أي طرف، مصرياً كان أو أجنبياً، وسواء كانت تلك العقود متعلقة بالخصخصة أو ببيع أراضي الدولة أو بأعمال مقاولات أو غير ذلك.

وفي 04 ديسمبر 2015، أصدر السيسي قرارا يتيح للقوات المسلحة تأسيس وإنشاء شركات بمفردها أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي. ونص القرار الذي حمل رقم 446 لسنة 2015 على تولي جهاز القوات المسلحة تجهيز مدن ومناطق عسكرية بديلة للمناطق التي يتم إخلاؤها، والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تنمية موارد جهاز القوات المسلحة، وله في سبيل ذلك تأسيس الشركات بكافة صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي.

واعتبر محللون أن هذه القرارت محاولة لإضفاء الشرعية على عقود الإسناد المباشر التي تمنحها الحكومة، والتي يعد المستفيد الأكبر منها هو شركات جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة.

وبوصفها مالكاً لأراضي الدولة، تحصل القوات المسلحة على الأراضي اللازمة لإنشاء مشروعاتها الاقتصادية، دون سداد تكلفة هذه الأراضي في الخزانة العامة للدولة. كما تستطيع توفير التأمين الجيد لمشروعاتها بالمقارنة بأية جهة أخرى؛ بما يعني أن لها قدرة أكبر على جذب الشركاء الأجانب.

وفي أعقاب ثورة 25 يناير 2011، تعالت الأصوات المطالبة بالحد من الأنشطة الاقتصادية للجيش، إلا أن هذه الأصوات بدأت تنخفض، ولا سيما مع سيطرة الدولة على الإعلام الذي يبرز الجيش في صورة المنقذ من الإسلاميين.

لكن ما حدث منذ  يوليو 52 يمكن وضعه في كفة، وما حدث بعد انقلاب يوليو 2013 يجب وضعه في كفة أخرى، فقد بدأت المؤسسة العسكرية، التي ابتلعت البلد سياسياً بقوة السلاح، في التهامها اقتصادياً بقوة الأمر الواقع، خاصة بعد وصول قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في يونيو 2014.

وخلال عامين فقط من حكم السيسي، حصل الجيش رسمياً على حق استغلال الطرق في عموم البلاد مدة 99 عاماً، كما بدأت سياراته تنتشر في الشوارع لبيع المواد الغذائية، ومؤخراً دخل الجيش على خط المنافسة في بيع مكيفات الهواء وتوريد الدواء للجامعات وحتى بيع لمبات الليد والأدوات الكهربائية.

ولعل التغول العسكري الذي لا تخطئه عين المراقب للواقع المصري هو ما تسبب في اغلاق نحو 5 آلاف مصنع بجانب أكثر من تعثر نحو 8 آلاف آخرين، وخروج اكثر من 8.9 مليار دولار  خارج مصر، كانت تستثمر بمصر، وفق المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية...

خلاصة القول،إمبراطورية الجيش الاقتصادية بما له من نفوذ واسع وامتيازات لا حصر لها، تقضي على  تكافؤ الفرص مع المستثمرين المصريين والأجانب، وهو ما ينعكس على اقتصاد البلاد من مخاطر أهمها هروب الاستثمار  لعدم القدرة على المنافسة أمام المؤسسة العسكرية التي  اخترقت جميع قطاعات الاقتصاد وتنافس القطاع الخاص في كل شيء. إضافة إلى هروب الاستثمار، فإن هذه الوضع يمثل خطورة على اقتصاد البلاد، ويؤدي إلى ركود مزمن سوف يفضي لا محالة إلى غلق آلاف الشركات وزيادة معدلات البطالة.

هيمنة الجيش الاقتصادية تجعل الجنرالات أكثر تمسكا  واستماتة في الدفاع عن هذه الإمبراطورية، وهو ما ينعكس على استمرار المؤسسة العسكرية في فرض تصوراتها الاستبدادية الشمولية على السياسة والاقتصاد وباقي القطاعات، وعلى الأرجح ومع إضافة العوامل الأخرى المتعلقة بالاستبداد والغلاء وتصاعد مستويات الغضب الشعبي؛ فإن احتمالات الصدام بين الشعب والمؤسسة العسكرية قائمة إلا إذا تداركت أخطاءها وعادت إلى المسار المستقيم تحرس الحدود ولا تتدخل في السياسة أو الاقتصاد المدني.

 



[1] عبد الناصر سلامة/ أزمة رجال الأعمال/ المصري اليوم الثلاثاء 03 أبريل 2018

[2] كريم ربيع/بعد نقد ساويرس.. هل تغوّلت الحكومة على القطاع الخاص في مجال الإسكان؟/ التحرير غرة أكتوبر 2018

[3] مصطفى عيد /تقرير: القطاع الخاص يعود للانكماش في سبتمبر.. وزيادة جديدة بالأسعار/ مصراوي الأربعاء 03 أكتوبر2018

[4] أسماء زيدان/ 3 أسباب تغضب نجيب ساويرس من الحياة السياسية هذه الأيام.. طارق عامر والنواب والحكومة/ برلماني 31 مارس 2016

[5] «و.س جورنال»: بعد قضائه على المعارضة.. السيسي في طريقه للسيطرة على الاقتصاد/ ساسة بوست 22 مايو 2018

[6] بعثة صندوق النقد تطالب مصر بوقف سيطرة الجيش والأجهزة السيادية على الاقتصاد/ العربي الجديد 7 مايو 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة