إيطاليا تساوم السيسي .. ريجيني مقابل ليبيا

إيطاليا تساوم  السيسي   .. ريجيني مقابل ليبيا

تتشابك العلاقات الإيطالية المصرية وتتداخل في عديد من الملفات الحساسة التي تنعكس تلقائيا على مجمل العلاقات السياسية والاقتصادية، ومنذ مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني والعثور على جثته في فبراير 2016 وعليها أثار تعذيب وحشي بالقرب من صحاري مدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، وتوافر كثير من الأدلة والبراهين على تورط الأجهزة الأمنية الموالية لنظام الجنرال عبدالفتاح السيسي، زعيم انقلاب 03 يوليو 2013م، فإن السلوك السياسي الإيطالي تدرج من الإلحاح على ضرورة  الكشف عن الجناة والمتورطين والضغط بسحب السفير مع تلكؤ النظام في التجاوب مع هذه المطالب ثم قرار بمنع توريد قطع غيار للطائرات، لكن الأمور هدأت بعد ذلك وعاد السفير مجددا  وشرعت  عجلة  العلاقات السياسية والاقتصادية تدور من جديد وبوتيرة متسارعة في ملفات بعضها يشهد تجاوبا ثنائيا مثل مشاركة الشركات الإيطالية ممثلة في شركة "إيني" العملاقة في البحث والنقيب عن الغاز والبترول في منطقة شرق البحر المتوسط وغيرها، هذا بخلاف التجاوب أيضا في ملف الهجرة الشرعية والذي يوظفه الجنرال من أجل تسويق شرعيته وأهمية نظامه لأوروبا. لكن الخلاف بين الطرفين يتعلق بالتصورات حول مستقبل الوضع في ليبيا، حتى يمكن الزعم بأن إيطاليا حولت قضية الباحث ريجيني من قضية إنسانية حقوقية بحته تتعلق بدورها في حماية مواطنيها والدفاع عنهم ، إلى قضية تبتز بها نظام السيسي وتساومه وفق معادلة (ريجيني مقابل ليبيا).

 

مؤشرات تصعيد إيطالي جديد

وتشير تطورات الاحداث في الفترة الأخيرة إلى أن هناك "3" مؤشرات على تصعيد إيطالي جديد بشأن الضغوط التي تمارسها روما على سلطات الانقلاب في مصر من أجل الكشف عن المتورطين في قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني ، وتسود العلاقات بين إيطاليا ونظام الانقلاب في مصر حالة من التوتر  «المصطنع» على خلفية الجمود الذي أصاب مسار التحقيقات في قضية مقتل ريجيني، وأن ثمة مؤشرات ثلاثة تؤكد على هذا التصعيد الجديد.

أول هذه المؤشرات أن الجنرال عبدالفتاح السيسي تلقى خلال لقائه يوم الأربعاء 26 سبتمبر 2018 برئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، في نيويورك[1] "أسئلة حاسمة" عن مصير التحقيقات، وضرورة أن تقدّم مصر معلومات محددة عن هوية القتلة، وعدم إهدار وقت المحققين الإيطاليين أكثر مما حصل على مدى عامين ونصف العام من التعاون القضائي المزعوم.

المؤشر الثاني، أن السيسي قد استقبل منذ 10 أيام في القاهرة رئيس مجلس النواب الإيطالي، روبرتو فيكو، الذي قال لوسائل إعلام إيطالية إنّه "هدّد السيسي بقطع العلاقات إذا لم تتضح حقيقة مقتل ريجيني"، معرباً عن امتعاضه من الأساليب المصرية الملتفة للتستّر على هوية القتلة، خصوصاً وأنّ التسجيلات التي تمّ استرجاعها وتفريغها من بيانات كاميرات المراقبة المثبتة في محطة مترو الدقي في الجيزة، والتي كان يعوّل الإيطاليون عليها لبيان دقائق ريجيني الأخيرة قبل اختفائه، لم تظهر أي أثر له.

المؤشر الثالث، وهو الأكثر خطورة على الإطلاق، يتعلق بضغوط إيطالية   وتحريات  خلف القيادات الأمنية التي تورطت في مقتل أفراد عصابة سرقة كانوا يركبون سيارة رمسيس وتم قتلهم جميعا في مارس 2016 بحجة أنهم المتورطون في قتل ريجيني وكشف وقتها بيان أمني عن متعلقات الباحث الإيطالي وجواز سفره وصوره وبعض متعلقاته زاعمة أنه تم العثور عليها مع أفراد العصابة؛  حيث ترى روما أن القيادات الأمنية التي تورطت في قتل أفراد تلك العصابة هم المتورطون أساسا في قتل ريجيني وأنهم نفذوا هذه الجريمة بقتل أفراد العصابة من أجل التغطية على تورطهم في قتل ريجيني[2].  وهو ما يضع موقف نظام الانقلاب في موقف شديد الضعف لعدة أسباب:

أولا، يمثل هذا التطور الجديد خطورة  على موقف نظام الانقلاب وأجهزته الأمنية التي تتلكأ في التجاوب مع الجانب الإيطالي وهو ما يعزز  شكوك روما حول تورط قيادات أمنية كبيرة في نظام السيسي في قتل ريجيني.

ثانيا، كان المدعي العام الإيطالي أرسل الأسبوع الماضي خطاباً للنائب العام بحكومة الانقلاب يطلب فيه تقريرًا أصليًا وافيًا عما أجرته النيابة المصرية في واقعة مقتل أفراد عصابة سرقة على يد الشرطة وادعاء أنهم وراء مقتل ريجيني. وهو السيناريو الذي اضطر النائب العام المصري لنفيه العام الماضي، حيث أشار مدعي عام روما أنّ هناك أدلّة دامغة على تورّط قتلة أفراد العصابة في قتل ريجيني أو التستر عليه قبل ذلك.  خطورة الأمر أن هذا الخطاب يعدّ الأول من نوعه بصفة رسمية، إذ لم يسبق أن طلب الإيطاليون التحقيق في هذه الواقعة باعتبارها خارجة عن الإطار العام للقضية. لكن إزاء حالة الجمود الآنية وفشل استرجاع البيانات، لم يعد أمام روما إلا محاولة حصار  سلطات الانقلاب للتوصّل إلى دوافع محاولة إسناد الاتهام لمجموعة من الأشخاص، بل وإظهار مقتنيات ريجيني في منزل أحدهم كدليل على تورطهم.

ثالثا، الطلب الإيطالي المفاجئ أصاب مكتب النائب العام بارتباك خصوصا وأن مساعدي النائب العام كانوا قد أبلغوا روما بأنه يجري التحقيق في شبهة صلة العصابة بقتل ريجيني لحساب جهاز أو مسؤول أمني بعد إخضاعه للمراقبة بناء على بلاغ نقيب البائعين الجائلين، وتعذيبه احترافياً لأيام، بهدف إبعاد الشبهة عن الشرطة، ولم يكن الأمر يخرج عن هذا الإطار. ويعزز من شكوك روما أن النائب العام لم يرفع الحظر عن النشر في هذه القضية للتكتم عليها  كما لم يتم تقديم المسئولين الأمنيين قاتلي أفراد العصابة للمحاكمة حتى اليوم.

رابعا، لا تزال حكومة الانقلاب ترفض إرسال أي مسؤولين أمنيين للتحقيق معهم في روما، وهو ما يؤكد شكوك روما التي وصلت إلى مرحلة اليقين حول تورط قيادات أمنية موالية للسيسي في قتل ريجيني بوحشية مفرطة.

لكن هذه الضغوط يمكنها وصفها بالمفتعلة وليس الهدف منها التوصل لقتلة ريجيني بقدر ما تمثل ورقة ابتزاز تساوم بها روما نظام الجنرال السيسي على عدد من الملفات الحساسة أهمها زيادة حصة الشركات الإيطالية من استثمارات الطاقة في مصر، وتجاوب الجنرال مع المواقف الإيطالية بشأن ملف الهجرة غير الشرعية والعمل المشترك من أجل الحد من تدفقها إل أوروبا، وثالثا  من أجل الضغط على الجنرال للانحياز للموقف الإيطالي في ليبيا على حساب الموقف الفرنسي حيث يبدي السيسي تجاوبا مع التصورات الفرنسية في ليبيا على حساب الموقف الإيطالي.

 

«إيني» كارت السيسي لمواجة ضغوط روما

وفقا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، كانت إيطاليا واحدة من أضعف الدول الأوروبية في مجال الطاقة، وهو الأمر الذي جعل لشركة «إيني»  سطوة كبيرة في السياسة الخارجية، نظرا لاستثماراتها التي بلغت 58 مليار دولار في 73 دولة من دول العالم، وهو ما أقر به رئيس الوزراء السابق ماتيو رينزي، في تصريحات عام 2014 يصف فيها شركة إيني بأنها جزء جوهري في سياسة إيطاليا الخارجية والاستخباراتية، كما أضاف رئيس الوزراء أن الرئيس التنفيذي لشركة إيني "كلاوديو ديسكالزي" أكثر شهرة في دول العالم من أغلب وزراء إيطاليا.

وأشارت "نيويورك تايمز" في تقريرها، أن عدد من الدبلوماسيين الإيطاليين يعتقدون أن شركة إيني لديها قوى مشتركة مع جهاز الاستخبارات الإيطالي لإيجاد حل سريع لقضية ريجيني، وأشارت الصحيفة لقول مؤلف كتاب "الدولة الموازية" الصادر في 2016 عن شركة إيني، أندريا غريكو: "أنا متأكد من أنهم قد يكونوا تعاونوا في قضية ريجيني"، وهو ما يتضح من متابعة القضية عن كثب أثناء تعاملاتها مع الدولة المصرية. بل إن "نيويورك تايمز"  تكشف أن شركة إيني رتبت لصحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية مقابلة مع جنرال الانقلاب  عبد الفتاح السيسي بعد 6 أسابيع من وفاة ريجيني، أظهر خلالها تعاطفه مع والدي ريجيني ووصف حادث وفاته بـ "المروعة وغير المقبولة"، كما تعهد بالوصول إلى حقيقة مقتله[3].

وبالتالي فإن ترضية شركة "إيني" الإيطالية  وزيادة حصتها في استثمار الطاقة في مصر سوف يمنح النظام المصري قدرة على مواجهة ضغوط الحكومة الإيطالية.

وتتواجد  شركة "إيني" في السوق المصرية منذ سنة 1954م، لكنها خلال السنتين الماضيتين فقط ، تعزز  وجودها وتضاعفت استثماراتها فيما يمكن تفسيره  بأنه ثمن لإسكات روما عن الإلحاح في أزمة قتل ريجيني وترضية للحكومة الإيطالية بزيادة نصيبها من تورتة استثمارات الطاقة في مصر.

ويبلغ حجم الاستثمارات التى رصدتها شركة إينى الإيطالية خلال عام 2017 حوالى 3.5 مليار دولار، وهو الرقم الذى يجعل من مصر أكبر دولة تستثمر بها الشركة ضمن 53 دولة تعمل بها إينى[4]وتعمل إينى الإيطالية فى حقل ظهر بامتياز شروق بالمياه العميقة بالبحر المتوسط، بالإضافة إلى توقعيها لاتفاقى امتياز جديدين مع وزارة البترول الشهر الماضى للتنقيب فى منطقتى شمال الحماد وشمال رأس العش بالبحر المتوسط قبالة السواحل المصرية.

وفي يونيو 2018، التقى طارق الملا وزير البترول بحكومة السيسي بكلاوديو ديسكالزي، الرئيس التنفيذى لشركة إيني الإيطالية الذي أشاد بما تحقق من نتائج أعمال متميزة والتعاون المثمر مع قطاع البترول المصري،  موضحا أن الشركة خصصت 70% من حجم استثماراتها عالمياً للاستثمار في مصر، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات التي تم ضخها في حقلي نورس وظهر بلغ حتى 4. 8 مليار دولار، وأنه من المخطط ضخ 3 مليارات دولار أخرى خلال المرحلة المقبلة[5].

ولمزيد من ترضية إيطاليا،  وقع المهندس طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية  بحكومة الانقلاب في  عام 2017 اتفاقية بترولية جديدة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) مع شركة إديسون الإيطالية للبحث عن الغاز الطبيعى والبترول وإنتاجهما فى منطقة شمال شرق حابى البحرية بالبحر المتوسط باستثمارات يبلغ حدها الأدنى أكثر من 86 مليون دولار ومنحة توقيع 1.5 مليون دولار وحفر بئرين جديدين.

بل إن تقارير  بوسائل الإعلام  الموالية للنظام تؤكد على ذلك، بأن زيادة نصيب الشركات الإيطالية من حجم استثمارات الطاقة بمصر كان سبيلا لترضية روما وإعادة السفير الإيطالي للقاهرة بعد سحبه[6]. وعودة العلاقات الطبيعية بين البلدين وتجاوز أزمة مقتل ريجيني.

وتمثل السياحة الإيطالية حوالي 10% من إجمال السياحة القادمة لمصر، وتستحوذ على 37% من المهاجرين المصريين، وتمثل الشريك التجاري رقم "1" في الاتحاد الاوروبي مع مصر بقيمة تبادل تجاري يصل إلى 6 مليارات دولار سنويا.

وتعتبر  شركة "بي بي البريطانية" هي صاحبة الحظوة في  استثمار الطاقة بمصر  باستثمارات تصل إلى 30 مليار دولار  بما يمثل 20% من استثماراتها على مستوى العالم،  وتأتي شركة "أباتشي" الأمريكية، في المرتبة الثانية باستثمارات تصل إلى 12 مليار دولار، فى 23 منطقة امتياز منها 20 منطقة منتجة، وإجمالى إنتاج الشركة بلغ نحو 5. 212 ألف برميل يوميًا زيت خام ومتكثفات و883 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعى.

 

ملف "الهجرة غير الشرعية"

ونحو مزيد من ترضية إيطاليا وأوروبا عموما؛ يقدم الجنرال السيسي خدماته باعتباره شرطي جنوب البحر المتوسط من أجل ضمان وقف موجات الهجرة غير الشرعية، وهو الملف الذي يؤرق الحكومات الأوروبية بشدة خوفا على هويتها المسيحية من جهة وخوفا من تسلل عناصر إرهابية يمكن أن تسهم في إثارة فوضى بالقارة العجوز من جهة أخرى.

وفي أواخر سبتمبر الماضي أجرى الجنرال السيسي مباحثات مع المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، حول سبل تلقي حكومته دعماً مالياً ومهنياً واجتماعياً من أوروبا كمكافأة على نجاحها في وقف موجات الهجرة غير الشرعية على مدى العامين الماضيين، وإعانة لها على الاستمرار في وقف تلك الموجات في إطار برنامج أوروبي متكامل، شبيه بالاتفاقية التي وقّعها الاتحاد الأوروبي مع تركيا منذ عامين ونصف.

وأبدى السيسي خلال المناقشات استعداده لبحث إنشاء مراكز على السواحل الشمالية والحدود الجنوبية والغربية والشرقية لمصر مع جيرانها لاستضافة اللاجئين برعاية وتمويل أوروبا، وذلك للمرة الأولى، في ما يُعتبر نقلة نوعية في تعاطي حكومة مصرية مع قضية اللاجئين والهجرة غير الشرعية منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، إذ كانت السلطات العسكرية والأمنية في مصر تعارض دائماً كل مقترح في هذا الاتجاه، باعتبار أن إنشاء مراكز لاستضافة اللاجئين أو جمع المهاجرين غير الشرعيين سيتسبّب في ضرر كبير للأمن القومي المصري[7].

وهذه التحولات في مواقف السيسي جاءت لسببين:

الأول: يتعلق بسعيه الحثبث نحو تسويق شرعيته خصوصا أنه اغتصب الحكم عبر انقلاب عسكري وهو ما يتناقض مع القيم الديمقراطية التي تتشدق بها أوروبا، وبذلك يؤسس نظام السيسي لنفسه دورا محوريا يدفع الغرب إلى التعاطي معه من باب المصالح المشتركة.

ثانيا، تأتي هذه التحولات كذلك، من أجل ترضية إيطاليا تحديدا التي تؤرقها موجهات الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط عن طريق ليبيا، وإذا كانت إيطاليا تربطها علاقات وثيقة بحكومة السراج غرب ليبيا  وتتوافق معها على سياسات الحد من الهجرة فإن شرق ليبيا الذي يسيطر عليه الجنرال خليفة حفتر  والمدعوم من مصر  والإمارات ليس على نفس الدرجة من العلاقات مع روما؛ وبذلك يكتسب السيسي دورا محوريا بهذا الشأن مع قدرته على الحد من موجات الهجرة غير الشرعية لإيطاليا وهو  ما تحقق بالفعل خلال السنتين الماضيين بعد مقتل ريجيني.

وكان السيسي قبل عامين وبعد أزمة ريجيني سن قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية والذي منح بمقتضاه سلطة مطلقة للجيش والرقابة الإدارية في ملاحقة عصابات الهجرة المنتشرة في بعض محافظات الدلتا، فضلاً عن تطبيق سياسة أكثر صرامة مع المتسللين عبر الحدود مع السودان وليبيا، وهو الأمر الذي لاقى ترحيبا كبيرا من أوروبا وأيطاليا على وجه الخصوص ما يمكن تفسيره كذلك بالثمن المدفوع من أجل تجاوز أزمة ريجيني.

 

«ريجيني مقابل ليبيا»

وإذا كان السيسي يبدي تجاوبا واسعا مع مطالب روما بشأن زيادة حصة استثمارات شركاتها في مجال الطاقة بمصر، وكذلك في ملف الحد من الهجرة غير الشرعية، فإن الملف الليبي يبدو له الأولوية حاليا في أروقة السياسة الخارجية الإيطالية والتي  تمارس التصعيد في قضية ريجيني  لابتزاز السيسي ومساومته والحصول على دعمه  لمخططاتها وتصوراتها للوضع في ليبيا.

وكان رئيس الوزراء الإيطالي جيوزيبي كونتي في تصريحات رسمية له في 19 يوليو/ تموز الماضي،  قد أكد معارضته بوضوح للأجندة السياسية التي وضعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمر باريس الذي جمع أطراف النزاع الليبي. واعتبر كونتي أن "تنظيم الانتخابات قد يصبح ضربة مرتدّة، وقد تُفضي إلى تعاظم الفوضى"، مضيفاً أنه "أخبرت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال قمّة مجموعة السبع بكندا في يونيو/ حزيران الماضي، أن هدفنا ليس تنظيم انتخابات بليبيا في ديسمبر المقبل كما يريد، ولكن استقرار البلاد".

وهاجم كونتي سياسة الرئيس الفرنسي في ليبيا، قائلاً: "ماكرون سيكون مخطئاً، إذا اعتقد أن ليبيا تخصّه، فليبيا ليست له ولا لنا، بل هي دولة مستقلّة لها علاقة مميّزة تاريخياً مع إيطاليا أيضاً، ولن نتخلّى عنها أبداً".

واتهم رئيس الوزراء الإيطالي ماكرون بمحاولة محاصرة المصالح الإيطالية في ليبيا لصالح بسْط النفوذ الفرنسي في البلد الغني بثرواته النفطية رغم العلاقات الممتازة التي تربطهما، مضيفاً أن "العلاقة مع ماكرون ممتازة وتتّسم بالصداقة، لكن الأخير يسعى للدفاع عن المصالح الفرنسية، بينما واجبي أن أحمي المصالح الإيطالية"[8].

وتجهز  روما  لعقد مؤتمر موسع حول الأزمة الليبية خلال الربع الأخير من العام الحالي، على الأراضي الإيطالية، ستدعو له الأطراف الفاعلة في الأزمة، إضافة إلى دعوة عدد من الدول ذات النفوذ الحقيقي في ليبيا"، وكان "وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي إنزو موافيرو ميلانيزي، خلال زيارته الأخير للقاهرة في الخامس من أغسطس/ آب الحالي، أطلع السيسي على الجهود الإيطالية، ومشاورات الإعداد للمؤتمر، ناقلاَ له مطلب الحكومة الإيطالية بضرورة أداء مصر دوراً بارزاً في المؤتمر".

إذا، روما والقاهرة يحتاج كلاهما للآخر، بسبب الكثير من الملفات الإقليمية المشتركة، وهو ما أدى إلى تجاوز الخلافات الخاصة بشأن مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني تحت التعذيب في مصر"، ما ولَّد لدى الطرفين رغبة حقيقية  في تجاوز هذه الأزمة، خصوصاً أن قبول نظام السيسي للتعاون مع إيطاليا في  ملف ليبيا يُكسِب روما ثقلاً، خصوصاً أن القاهرة تُعدّ رأس المعسكر الداعم لحفتر، ومن خلفها الإمارات التي تعد داعماً قوياً لحفتر وقواته.

خلاصة القول، تمارس إيطاليا تصعيدا وضغوطا مفتعلة على نظام السيسي بشأن قضية قتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني من أجل تحقيق مكاسب سياسية في ملفات مزيد من المزايا للشركات الإيطالية في مجال استثمار الطاقة بمصر ، والتجاوب مع المطالب الأوروبية والإيطالية بشأن الحد من الهجرة غير الشرعية والأهم  من وراء الضغوط الأخيرة هو  دفع السيسي نحو الانحياز للموقف الإيطالي في ليبيا على حساب التصورات الفرنسية.

 



[1] وسام عبد العليم/المتحدث باسم رئاسة الجمهورية: الرئيس السيسي ناقش قضية "ريجيني" خلال لقائه رئيس وزراء إيطاليا/ بوابة الأهرام 26 سبتمبر 2018

 

[2] توتر إيطالي مصري بسبب جمود قضية ريجيني/العربي الجديد 29 سبتمبر 2018

[3] مها صلاح الدين/ هل تدخلت شركة "إيني" في عودة السفير الإيطالي للقاهرة؟.. (تقرير)/ مصراوي الثلاثاء 29 أغسطس 2017

[4] أحمد أبو حجر/تعرف على أبرز استثمارات الشركات الأجنبية فى قطاع البترول/ اليوم السابع الإثنين، 06 فبراير 2017

[5] أميرة صالح/«إيني» تخصص 70% من استثماراتها عالميًا للعمل في مصر/ المصري ا ليوم الخميس 21 يونيو 2018

[6] مها صلاح الدين/ هل تدخلت شركة "إيني" في عودة السفير الإيطالي للقاهرة؟.. (تقرير)/ مصراوي الثلاثاء 29 أغسطس 2017

[7] السيسي يطرح إنشاء مراكز للمهاجرين على سواحل مصر/العربي الجديد غرة أكتوبر 2018

 

[8] إيطاليا تنافس للسيطرة على الملف الليبي: ضربة لمساعي فرنسا/ العربي الجديد 15 أغسطس 2018

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة