بين "صفقة القرن" وفشل العملية الشاملة... سيناء إلى أين؟

 بين "صفقة القرن" وفشل العملية الشاملة... سيناء  إلى أين؟

 

بإصرار عجيب يمضي الجنرال عبدالفتاح السيسي ونظام الانقلاب العسكري في مصر، نحو إعادة ترسيم ملامح شبه جزيرة سيناء وتغيير البنية الاجتماعية والديمغرافية؛ بما يفضي إلى تفريغ شمال سيناء من سكانها؛ في الوقت الذي يقوم فيه ببناء مدن سكانية بلا سكان! ما يثير كثيرا من علامات الاستفهام حول تبني النظام هذه السياسات «الغامضة» تمهيدا  لتنفيذ صفقة القرن الأمريكية وبما يحقق أعلى عائد ممكن للسيسي من جهة و لبيزنس المؤسسة العسكرية من جهة أخرى على مستويين:  الأول فيما يتعلق بمشروعات التنمية التي لا يرى المواطنون لها أثرا رغم المخصصات الضخمة التي تبلغ مئات المليارات،  والثاني من خلال استمرار  أمد الحرب التي يوظفها النظام من أجل تحقيق عدة مكاسب مادية وسياسية.

إزاء ذلك؛ تسود حالة من القلق والغموض بين جموع المصريين بشأن مستقبل شبه جزيرة سيناء في ضوء تحولات صفقة القرن الأمريكية والتي تستهدف تكريس التفوق الإسرائيلي في المنطقة وإنهاء القضية الفلسطينية بمنح القدس للصهاينة عاصمة أبدية لكيانهم المغتصب، وإسقاط حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين. 

أسباب هذا التخوف والغموض على مستقبل سيناء يتعلق أولا بعدم اعتراف النظام بفشل العملية الشاملة بعد مرور 8 أشهر على انطلاقها، رغم أن الدلائل والمؤشرات تؤكد تورط النظام والمؤسسة العسكرية في حرب عصابات تستنزف البلاد، ويبدو أن عدم قدرة الجيش بما لديه من إمكانات على حسم هذه الحرب مثيرا للدهشة التي ترتقي إلى حد الصدمة؛ إلا إذا كان النظام لا يريد حسم هذه الحرب ويريد استمرارها لتوظيفها سياسيا واقتصاديا لصالحه. هذا بخلاف المزاعم التي يطلقها النظام حول دحر ما يسمى بالإرهاب وتطهير سيناء من المسلحين وهو ما تكذبه الوقائع والشواهد.

ثمة غموضا أخر يتعلق بملف التنمية، والذي تم تخصيص 275 مليار جنيه له حتى 2022 وهو ما يثيرا تساؤلات حول دور بزنس المؤسسة العسكرية التي تتولى كل مشروعات التنمية في سيناء والتي لا يرى لها المواطنون  أثرا يسهم في تحسين مستوى معيشتهم أو تحقيق تنمية حقيقية واستقرار مأمول بات بعيد المنال لأسباب تتعلق بفشل سياسات النظام. خصوصا وأن ثمة مؤشرات على تراجع الحكومة السعودية عن تعهداتها السابقة بهذا الشأن وتوجه النظام نحو التمويل الدولي ودعم العواصم الكبرى وعلى رأسها واشنطن توظيفا لدور النظام في تمرير صفقة القرن الأمريكية، ورؤية البيت الأبيض المتعلقة بغزة أولا   وعلاقة ذلك بشمال سيناء على وجه الخصوص في ظل مقترحات أمريكية جديدة  تتعلق بضم قطاع غزة إلى شمال سيناء لتكون تحت الادارة المصرية عبر إقامة مشروعات تنموية في سيناء لخدمة أهالي القطاع؛ ما يعني تحكم النظام المصري في لقمة عيش الفلسطينين ومنحه القدرة على ترويض قطاع غزة  وتحقيق الأمن للكيان الصهيوني الذي سيتفرغ لالتهام الضفة الغربية بعد إلقاء حمل غزة على الجانب المصري.

 

رؤية النظام وحوار المتحدث العسكري

في حوار أجراه العقيد أركان حرب تامر الرفاعي المتحدث العسكري للقوات المسلحة، مع قناة "العربية السعودية"[1] وتم بثه مساء الثلاثاء 16 أكتوبر الجاري 2018م، كشف فيه المحددات الحاكمة للنظام في سيناء ومواجهة ما يسمى بالإرهاب كما بث بعض التحولات والأسرار المتعلقة بما يجري في شمال سيناء في ظل التعتيم  الإعلامي الذي يفرضه النظام على تغطية ما يجري هناك، واشتمل الحوار على المضامين الآتية:

أولا، الزعم بأن «العملية الشاملة»  نجحت بشكل كبير، بالإضافة لتأمين كافة الاتجاهات الاستراتيجية الأخرى، والمنطقة غرب وادي النيل والظهير الصحراوي بفضل جهود القوات المسلحة والشرطة المدنية ، مضيفا أن الشرطة تفرض حاليا السيطرة بالكامل على المدن والقرى التي تم تطهيرها. وأنه تم استهداف أكثر من 450 إرهابيا، منذ بدء العملية الشاملة سيناء 2018 ، وتم اكتشاف 15 نفقا وعددا كبيرا من الدراجات النارية ومزارع المواد المخدرة. كما تم إلقاء القبض على العديد من المشتبه بهم الصادر بحقهم أحكام جنائية، مدعيا أنه يتم الإفراج السريع عن كل ما لم يثبت تورطه فيما وصفها بأعمال إرهابية. وتم اكتشاف أكثر من ٣٠٠٠ فتحة نفق منذ الحرب على ما يسمى بالإرهاب منهم ١٥ فتحة خلال العملية الشاملة.

ثانيا، يبرر  طول أمد الحرب في سيناء ويعزوه إلى عاملين: الأول  حرص الجيش والشرطة على الحفاظ على حياة المدنيين منذ بدء المعركة في شمال ووسط سيناء، مدعيا اتباع المعايير الدولية لحماية المدنيين والالتزام بقواعد الاشتباك المتعارف عليها، وأن استخدام السلاح الجوي كان بعيدا عن اماكن تجمع المدنيين. والثاني هو الدعم الخارجي الذي يتلقاه المسلحون في سيناء سواء بالسلاح أو التمويل أو الدعم اللوجيستي والمعلوماتي، مدللا على ذلك بأنه  "كان هذا واضحا عندما ضبطنا عددًا من الأسلحة المتطورة، والعملية الشاملة هي على كافة الاتجاهات و تستهدف أيضا قطع الإمداد عن "الإرهابيين".

ثالثا، الزعم بأن الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها في معظم مناطق شمال ووسط سيناء، وأن قوات النظام تحظى بدعم كبير من جانب المواطنين والأهالي وإمدادهم بالدعم المعنوي والمعلوماتي "يعملون عيونا للقوات النظامية". وهو التوجه الذي بدأ منذ شهر  يونيو الماضي،  حيث أزالت القنوات الفضائية شعار العملية الشاملة «#سيناء_ 2018» واستبدلته بشعار «#خليك_مع_مصر_اكتشف_استثمر»، بعد أن استمر شعار العملية الشاملة على مدار خمسة أشهر لا يفارق أعلى يسار شاشات التليفزيون منذ بدايتها في مطلع فبراير الماضي[2].

رابعا،  التأكيد على أن مشروعات تنمية سيناء تسير بالتزامن مع العمليات العسكرية، موضحًا  أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مكلفة بـ٣١٠ مشروعات في شمال سيناء في كافة المجالات بتكلفة ١٩٥ مليار جنيه تم الانتهاء من ١٤٥ مشروعا حتى الآن في مجالات الطرق والإسكان والتعليم والكهرباء والصحة ومحطات تحلية المياه. وأنها كذلك مكلفة بـ١٥ مستشفى ووحده صحية انتهت من تنفيذ ٩ منهم، بالإضافة إلى تطوير ٥٣ مدرسة ومعهد وجامعة، مكملًا: «بالاضافة إلى ٥٤ مشروع مياه تم الانتهاء من ٢٣ منهم، وكذلك مشروعات لرفع كفاءة شبكات الكهرباء». وكان جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسى، أصدر منتصف مارس الماضي، قرارًا  برقم 107 لسنة 2018؛ بتشكيل لجنة برئاسة المهندس إبراهيم محلب، مساعد السيسي للمشروعات القومية، تختص باتخاذ الإجراءات القانونية لطرح أراضى مشروع تنمية سيناء لاستخدامها بما يحقق التنمية فى شبه جزيرة سيناء.  وقد جاء هذا القرار بعد دعوة السيسي  خلال كلمته بافتتاح قوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب فبراير 2018،جميع المواطنين ورجال الأعمال بالتبرع لصندوق تحيا مصر للمساعدة في توفير التمويل اللازم لتنمية سيناء. وذكر السيسي أن عملية التنمية الشاملة في سيناء بدأت بالفعل منذ عام 2014 ومستمرة حتى عام 2022، وأن تكلفة تنمية وتطوير سيناء ستصل إلى إجمالي 275 مليار جنيه[3].

ويعزز ذلك توجهات النظام نحو المؤسسات  الدولية، والمفاوضات لاقتراض مليار دولار من البنك الدولي؛ وهو ما  فتح أبواب التساؤلات حول مصير الاتفاقيات الموقّعة بين مصر والسعودية في 2016 لتمويل مشروعات تنمية سيناء، بما في ذلك إنشاء جامعة باسم العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز  في محافظة شمال سيناء والتي تنازل بمقتضاها الجنرال عن جزيرتي "تيران وصنافير". ووفقا لمصادر مطلعة بالحكومة فإن هذه الخطوة من جانب النظام  جاءت بعد مماطلة الجانب السعودي في تنفيذ اتفاقيات 2016،  م، تعللا بما عليها من الالتزامات المالية الإقليمية، الخاصة بقضايا إقليمية أكبر، وفي مقدمتها الحملة العسكرية في اليمن، والتي تستنزف الاقتصاد السعودي، إضافة إلى توقيع اتفاقيات أخرى بين المملكة ودول عربية لتقديم مساعدات اقتصادية كبيرة لها، وفي مقدمتها الأردن والسودان، بخلاف ملفات أخرى تم توقيعها بين واشنطن والرياض. يضاف إلى ذلك وجود "تململ سعودي بسبب كثرة الدعم الاقتصادي والمالي المقدم للنظام المصري، في ظل عدم وجود رؤية واضحة تضمن اعتماد النظام على مدخلاته الخاصة بموارد الدولة، وتوقف عمليات ضخ المساعدات، في ظل الأزمات باهظة الكلفة لمحاولات السعودية السيطرة على أزمات المنطقة، وفي مقدمتها وقف التقدم الإيراني بعدد من المحاور"[4].

خامسا،  يشيد المتحدث باسم القوات المسلحة بعمليات التهجير القسري التي تمت بحق أهالي رفح مشيرا إلى أنه منذ صدور قرار مجلس الوزراء بخصوص إنشاء المنطقة العازلة على الشريط الحدودي مع رفح، تم تنفيذ الإخلاء على مراحل حتى نعطي فرصة للأهالي للانتقال لمناطق بديلة، وقامت المحافظة بدفع تعويضات للاهالي بلغ اجماليها مليار و٣٨٠ مليون جنيه بالاضافة الى انشاء مدينة رفح الجديدة و تتضمن ١٠٦٠٠ وحدة سكنية».

سادسا، يشير إلى أحد أسباب هذه السياسات في سيناء وهي الاكتشافات النفطية في المياه الإقليمية؛ وأنها أوجبت على القوات المسلحة المصرية تطوير السلاح. والمشاركة في تدريبات مشتركة وصلت إلى 18 تدريبا منذ بدء العملية الشاملة بخلاف مناورة النجم الساطع، والمشاركة مع السعودية في مناورات "درع الخليج" ومناورة "تبوك 4". لكن المتحدث العسكري تجاهل عمدا دوافع حماية خط الغاز المار بسيناء خصوصا بعد اتفاقية استيراد الغاز من الصهاينة بقيمة 15 مليار دولار على 10 سنوات.

 

سياسات مريبة في العملية الشاملة

وبعيدا عن المضامين التي يسوقها النظام، فإن هناك عدة  تحولات بالغة التأثير في مجريات الأمور بشمال ووسط سيناء تعكس قدرا من الحقيقة التي يمكن استتناجها من خلال تحليل البيانات والمعلومات :

 

 

أولا، الاعتماد على أسلحة بدائية وغير مناسبة، حيث  يتعمد النظام استخدام أسلحة قديمة وغير ملائمة لنظام وأنماط حرب العصابات كما يجري في سيناء بما يفهم منه أن النظام ليس حريصا على حسم الحرب، بل يريد لها الاستمرار حتى يتمكن من توظيفيها إقليميا ودوليا لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية تتعلق أيضا بالشرعية وخلق دور محوري للنظام في إطار ما تسمى بالحرب على الإرهاب؛ حيث ذكره تقريرٌ صدر عن "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، في مارس/آذار 2018، أنَّ مصر أصبحت الآن من أكثر الدول تسلحا في العالم ، فهي ثالث أكبر مستوردٍ للأسلحة (بعد الهند والمملكة العربية السعودية). حيث زادت واردات مصر من الأسلحة بنسبةٍ هائلة بلغت 215% في السنوات الـ5 الماضية منذ هيمنة الجنرال السيسي على الحكم في البلاد في أعقاب انقلاب 03 يوليو 2013م حيث أبرم النظام صفقاتٍ كبيرة مع مجموعةٍ متنوعة من المُورِّدين، من بينهم الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا. وتأتي  هذه الصفقات الضخمة رغم عدم وجود تهديد مباشر  لمصر حيث تربطها علاقات وثيقة وغير مسبوقة بإسرائيل كما أنها جزء من تحالف كبير تقوده المملكة العربية السعودية. لكن الأكثرة دهشة هو ما أثاره مركز "ستانفور" للدراسات بأن معظم مشتريات مصر الأخيرة -التي تضمَّنت صواريخ أرض/جو وسُفُناً حربية كبرى- غير مناسبة إطلاقاً للقتال في معركة سيناء. مسلطا الضوء على المضامين الآتية[5]

الأول، التأكيد على أن قلةً من صفقات الأسلحة الأخيرة هي التي تُلبِّي احتياجات الجيش المصري في سيناء، حيث تشن القوات المصرية حملةً باستخدام قدراتٍ ومعدات عسكرية، معظمها كانت موجودة سلفاً.

الثاني، تعاني القوات المصرية التي تقاتل هناك نقصاً في الموارد. إذ تفتقر المشاة المصرية التي تضطلع بمعظم القتال في سيناء، بشدَّةٍ، إلى دروعٍ جسدية واقية متقدمة ومعدات قتال فردية متطورة، وسط ندرةٍ أكبر في المعدات والتدريبات والإمدادات الفعَّالة. فبالنسبة للمَركبات، ينشر الجيش المصري في سيناء دباباتٍ من طراز M-60A3، تُعَد قديمة وأكثر عُرضةً للتدمير، في حين أنَّ دبابات إم-1 أبرامز، الأكثر تقدُّماً بكثير والأشد تحصيناً، والتي تمتلكها مصر، ما زالت خارج المشهد.

الثالث أنه من المفارقات أنَّ مصر لم تشترِ حتى بعض المعدات الأكثر ملاءمةً لمعركتها في سيناء، مثل المَركبات المُدرَّعة المضادة للكمائن والألغام. وبدلاً من ذلك، بدأت الولايات المتحدة مَنح القاهرة التي تعتبر من الدول الأكثر تسلحا في العالم المئات من هذه المركبات مجاناً أوائل عام 2016، في إطار برنامج التبرع بالعتاد العسكري الفائض عن الحاجة والذي أطلقته وزارة الدفاع الأميركية. 

ثانيا، تسليح قبائل موالية للنظام، وذلك لمواجهة تنظيم "ولاية سيناء"[6] وهو ما يؤكد فشل القوات النظامية في التعامل باحترافية مع أنماط حروب العصابات، وهو ما يأتي على غرار  تسليح مليشيا الصحوات في العراق ضد تنظيم "داعش"؛ حيث  سلَّح الجيش عناصر من رجال البدو في سيناء؛ من أجل محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، بعد سنوات من القتال المرير بين التنظيم والجيش المصري. وسلطت صحيفة The Washington Post الأميركية الضوء على هذه القضية، بعد معلومات هامة -حصلت عليها من وكالة Associated Press الأميركية- عن إقدام الجيش المصري على هذه الخطوة، التي تردَّد فيها كثيراً؛ خوفاً من استخدام البدو السلاح في وجه الدولة. وبحسب الصحيفة الأميركية، بدأ الجيش المصري تسليح رجال البدو من الأعراب، وجعلهم يسيّرون دوريات في العمليات ضد مسلحي تنظيم داعش بعمق شبه جزيرة سيناء.

وبحسب «The Washington Post» فإن الجيش المصري لم يكشف عن هذه الخطة ولم يعترف الجيش علناً بتسليح البدو واستخدامهم باعتبارهم قوة قتال، وإنَّما قال فقط إنَّهم يتعاونون ويقدمون المعلومات الاستخباراتية. وهذا التحول يأتي بعد تفاقم الخسائر في صفوف القوات النظامية بعد أن كثف المسلحون هجماتهم منذ يوليو الماضي.

ثالثا، ظهور مليشيا "المناديب"[7]، حيث أفضى تسليح الجيش لهذه العناصر البدوية توظيف هؤلاء نفوذهم المعتمد على علاقاتهم بالجيش والشرطة والمخابرات إلى ظهور مليشيا جديدة موالية للجيش تسمى "المناديب"، حيث مارس هؤلاء صورا موسعة من الابتزاز للتجار والأثرياء والمزارعين الكبار، ودفعتهم بالإكراه إلى دفع ما يشبه "الإتاوات" وتخييرهم بين الدفع أو التبليغ عنهم بوصفهم "إرهابيين". ويتهم البعض قيادات عسكرية بتقاسم هذه الإتاوات مع "المناديب"  حتى وصلت جرائمهم إلى حوالي 100 اعتداء وجريمة. ومع تفشي جرائمهم اضطر ذلك الجيش إلى رفع حمايته لهذه المليشيا خوفا من تدهور جديد في سمعته. لكن هذه المليشيا لا تزال تمارس جرائمها بصورة أقل حتى تحين لها الفرصة من جديد.

رابعا،  تهجير 20 ألف سيناوي، حيث نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريرا لكل من جاريد ماسلين وأميرة الفقي، يقولان فيه إن مصر تشن حربا سرية في شبه جزيرة سيناء، مقتلعة في طريقها آلاف الناس، في محاولة من أكبر جيش عربي لتوجيه ضربة قاتلة لتنظيم الدولة في سيناء. ويشير التقرير،  إلى أن القوات العسكرية قامت بتدمير آلاف البيوت، وحرق الأراضي الزراعية، وقطع آلاف السكان من خلال حصار استمر سبعة أشهر، ما أدى إلى نقص في الأغذية والسلع، حتى تم رفع بعض القيود في أيلول/ سبتمبر، لافتا إلى أن أكثر من 20 ألف عائلة من محافظة شمال سيناء، حيث يقوم الجيش بعملياته، اضطرت إلى الهروب من القتال، بحسب مسؤول مصري يراقب الصراع[8].

وينقل الكاتبان عن أستاذ مؤيد للهجوم العسكري، قوله بأن هذا التأييد تأثر في حزيران/ يونيو عندما قام الجيش بهدم بيته، مشيرا إلى أن هذا حدث بعد أن غادر هو وعائلته إلى بلدة قريبة هروبا من القتال، وفي الوقت الذي كان فيه معظم سكان قريته البالغ عددهم 4 آلاف شخص غادروا القرية، قام الجيش بتدمير البيوت الخالية خشية أن يستخدمها المتطرفون، وقال : "نؤيد الجيش، لكننا نشعر أن الحرب هي ضدنا وليست ضد الإرهابيين".  كما ينقل الكاتبان عن مسؤول حكومي غربي يعمل في القاهرة، قوله: "كل أولئك الناس الذين يقتلون هناك، ويأخذون أرضهم، ينتهي الأمر إلى وجود أطفال يتركون بلا مأوى ولا أمل ويميلون للتطرف.. سياسة الأرض المحروقة لم يحصل أبدا أن شكلت حلا لصراع أو أنهته، لكنها تخلق المزيد من الكراهية". وينقل التقرير عن منظمة هيومن رايتس ووتش أن الجيش دمر 3600 منزل منذ بدء العملية الشاملة فبراير الماضي حتى أكتوبر الجاري.

 

"خطة سيناء"

وكان الكاتب البريطاني جوناثان كوك قال في تحليل موسع لصحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية[9]، إن أحد الأهداف الرئيسية "لصفقة القرن" هي وضع غزة وسكانها تحت إشارة إسرائيل دون أن تتحمل أي مسؤولية أو لوم. وستصبح مصر -حسب الصفقة- السجان الظاهر لغزة، "مثلما تحمّل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وسلطته عبء الخدمة كسجانين" في معظم مناطق الضفة الغربية المحتلة.  وبحسب الكاتب فإن الصفقة تتلخص في بناء مشروعات للبنية التحتية لقطاع غزة خارج القطاع، أي في شمال سيناء، لتوفير الكهرباء والمياه والوظائف والميناء والمطار والمناطق الصناعية ومنطقة للتجارة الحرة لسكان القطاع، وتشجيع الغزاويين الذين سيعملون شمال سيناء للاستقرار نهائيا هناك، وذلك لحل مشكلة البطالة واللاجئين وأمن إسرائيل.

هذا الطرح يشير إلى تحولات كبرى حول ما تم تسريبه من صفقة القرن؛ فبدلا من  اقتطاع جزء من شمال سيناء لضمه إلى غزة لتكون وطنا بديلا للفلسطينيين ، فإن التحول الجديد هو العكس؛  أي بضم قطاع غزة إلى سيناء ليكون النظام المصري الذي تمكن من سحق الإخوان المسلمين بانقلاب عسكري دموي هو المكلف بسحق حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس لأن قطاع غزة سيكون مسئولا من مصر لا الاحتلال.

وقبل أربع سنوات ظهرت شكوك بأن السيسي كان أوشك على الاستسلام، إذ أعلن محمود عباس في مقابلة مع التلفزيون المصري آنذاك أن خطة سيناء التي تتبناها إسرائيل قد تم -للأسف- الموافقة عليها هنا، "ولا تسألوني أكثر عن هذا الموضوع". وما يعزز من تصور خطة سيناء، أن السيسي اليوم بات أضعف قبل 4 سنوات كما أن قطاع غزة تضاعفت معاناته، وما كان تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير بخليج العقبة للسعودية، والذي قال عنه الخبراء إن الهدف منه هو تعزيز الأمن والتعاون الاستخباراتي بين إسرائيل والسعودية ومصر في مواجهة "الإسلاميين المسلحين" في سيناء، يُعتبر حاليا كأنه التمهيد لتنفيذ خطة سيناء.

السيسي سوف يحقق عدة مكاسب من وراء هذه الصفقة:

أولا ستظهره بصورة من تمكن من استرجاع قطاع غزة كاملا لمصر  كما كان الوضع قبل 67، وهو ما يجعله يرد على الانتقادات الحادة بشأن التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير".

ثانيا، سوف يتمتع النظام المصري بدعم سياسي كبير من تل أبيب وواشنطن،  وهذه العواصم ستجبر عواصم الخليج على ضح مزيد من المنح والمساعدات والاستثمارات للنظام وفقا لخطة سيناء.

ثالثا،  سوف تتيح هذه  الخطة توفير  مئات الآلاف من الوظائف في ظل حالة الركود بل الشلل التام في الاقتصاد المصري.

رابعا، ستمنح هذه الخطة النظام صلاحيات نهب الثرورات الهائلة من الغاز على شواطئ غزة، وكان المتحدث باسم وزارة التبرول بحكومة العسكر  حمدي عبدالعزيز قد أعلن في 28 يونيو الماضي عن حفر أول بئر استكشافي بحقل "نور" في منطقة البحر المتوسط شمال سيناء[10].

لكن هذاالسيناريو  محل شك من جانب غزة وحركات المقاومة، فهي تقبل بمشروعات تسهم في تحسين معيشة أهالي القطاع المحاصرين منذ 10 سنوات، وفك الحصار دون المساس بالثوابت الفلسطينية أو الاعتراف بالكيان الصهيوني أو الإذعان للنظام العسكري في مصر الذي إذا أصر على تركيع غزة فسوف يدخل في صدام دموي  ربما تسعى إليه واشنطن وتل أبيب حيث يتولى السيسي تخليص الصهاينة من جحيم غزة وأزماتها.  ولعل شمول الصفقة إقامة المشروعات في سيناء بدلا من غزة لتعطي الجنرال السيسي أوراق ضغط يتمكن بها من ابتزاز حركات المقاومة والعمل على تركيع غزة وإذعانها للاحتلال والرضوخ لصفقة القرن.

خلاصة القول، ثمة شكوك واسعة حول رغبة نظام الانقلاب في مصر لحسم الحرب ضد المسلحين في سيناء، يؤكد ذلك أنه رغم صفقات السلاح الضخمة التي أبرمها السيسي لم تلب هذه الصفقات ما يحتاج إليه الجيش في مواجهات سيناء ويسهم في تعزيز قدرات  القوات  ورغم امتلاك الجيش أسلحة مفيدة للحرب في سيناء إلا أنه يحجم عن ذلك ما يمكن تفسيره بأن النظام يريد لهذه الحرب أن تستمر لتحقيق عدة مكاسب من خلال التوظيف السياسي للحرب منها اكتساب شرعية بين القوى الدولية من خلال وصفه برأس حربه ضد ما يسمى بالإرهاب، ثانيا استدرار المساعدات الاقتصادية للنظام، ثالثا، الإصرار على تهجير ما تبقى من أهالي سيناء سعيا لتمرير صفقة القرن وإخلاء سيناء من سكانها وهو هدف إسرائيلي متكرر  لم تستطع تنفيذه إلا عندما اغتصب السيسي السلطة في البلاد.

وثمة شكوك كذلك في ما يتعلق بملف التنمية في سيناء، حيث خصص النظام 275 مليار جنيه حتى 2022 يتولى الجيش كل المشروعات بها والتي لم تسهم في تحسين مستوى معيشة المواطنين هناك الذين باتوا على يقين أن الحرب عليهم لا على تنظيم "ولاية سيناء". ما يعزز فرضية مصلحة بيزنس المؤسسة العسكرية التي تتولى حاليا مشروعات بقيمة 190 مليار جنيه بحسب تصريحات المتحدث العسكري.

يسعى نظام العسكر في مصر إلى  إبهار الإدارة الأمريكية وصقور اليمين المتطرف بإظهار أعلى درجات الطاعة  والولاء والإصرار على ضمان حماية أمن الكيان الصهيوني عبر السعي الدؤوب لتركيع حركات المقاومة وقطاع غزة لصفقة القرن الأمريكية. كما  أن التحولات الجديدة في الصفقة تتعلق بضم قطاع غزة لسيناء عبر إقامة عدة مشروعات بدعوى تحسين المعيشة ورفع الحصار مقابل هدنة تستمر من 10 إلى 15 سنة، وفيها يتولى النظام المصري ترويض القطاع حتى تتفرغ "إسرائيل" لالتهام الضفة العربية في هدوء. إقامة المشروعات في سيناء التي يهيئها الجنرال لهذا الدور، وليس في غزة يستهدف تمكين الجنرال من أوراق ضغط تمكنه من ابتزاز حركات المقاومة وتركيعها بلقمة العيش بعد حصار استمر 10 سنوات.

يطمع النظام من وراء الصفقة مزيد من الشرعية من النظام العالمي وتحقيق عدة مكاسب لكن هذا السيناريو ربما يفضي إلى صدام دموي مع حركات المقاومة تسعى إليه تل أبيب  وواشنطن حتى يسحق نظام العسكر حركات المقاومة كما سحق من قبل جماعة الإخوان المسلمين عبر انقلاب عسكري دموي.

 



[1] المتحدث العسكري لقناة العربية: الحياة عادت لطبيعتها في غالبية مدن سيناء.. واستهدفنا 450 إرهابيا منذ بدء العملية الشاملة/ الشروق الثلاثاء 16 أكتوبر 2018

 

[2] "5" مؤشرات على انتهاء العملية الشاملة في سيناء/ مدى مصر الخميس 02 أغسطس 2018

[3] محمد هنداوي/ السيسي: تكلفة تنمية وتطوير سيناء تصل لـ٢٧٥ مليار جنيه/ بوابة أخبار اليوم 25 فبراير 2018

[4] السعودية تتهرب من الوفاء بالتزاماتها المالية لتنمية سيناء/العربي الجديد 30 يوليو 2018

[5] مصر لا تواجه أي تهديد خارجي، لكنها تُنفق بإسراف على شراء الأسلحة.. موقع أميركي يكشف دوافع القاهرة للتسلح/ عرب بوست  10أكتوبر 2018

[6]  «قبائل الصحوة».. The Washington Post: الجيش المصري سلَّح بدو سيناء لمحاربة داعش/ عرب بوست 28 سبتمبر 2018

 

[7] محمود خليل "المناديب": مجموعة مسلحة ترهب أهالي سيناء/  العربي الجديد 12 أكتوبر 2018

[8] بلال ياسين/وول ستريت: ما تأثير حرب مصر السرية على تنظيم الدولة بسيناء؟/ "عربي 21" الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

 

[9] ميدل إيست: للسيسي دور رئيسي بخطة إلحاق غزة بسيناء/ الجزيرة نت 06 يوليو 2018

 

[10] حفر أول بئر بحري شمال سيناء خلال شهرين/ الجزيرة نت 28 يونيو 2018

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة