دلالات مشاركة مصر في بناء سد "ستيجلر جورج" على النيل بتنزانيا

 دلالات مشاركة  مصر في بناء سد "ستيجلر جورج" على النيل بتنزانيا

 

ظلت الاستراتيجية المصرية تجاه دول حوض النيل تقوم على قاعدتين:

(الاولي): عدم السماح ببناء أي سدود على نهر النيل إلا بموافقة مصر، وعزز هذا بنود اتفاقيتي 1929 و1959 بين دول الحوض التي أعطلت لمصر حق "الفيتو" أي الاعتراض، على بناء دول أعالي النيل أي سد على النهر خشية أن يحرمها من تدفق المياه من دول اعالي النيل الي جول المصب (مصر والسودان).

و(الثانية): تحديد حصة سنوية لمصر تعادل 55.5 مليار متر مكعب و18.5 للسودان، ومن ثم عدم السماح باي انشاءات أو مشاريع على النهر تؤثر على الحصة السنوية.

لهذا اعتمدت الاستراتيجية المصرية، نهجي "العصا" مع الدول الافريقية التي تفكر أو تشرع في مشاريع تتعارض مع هاتان القاعدتان، و"الجزرة" بوضع خطط بديلة للتعاون مع الدول الافريقية وحل مشاكلها بما لا يؤدي لتصاعد العداء بينها وبين مصر، مثل بناء محطات للكهرباء تعمل بالوقود، بما يصرف عن اذهان الافارقة إقامة سدود لتوليد الطاقة الكهربائية، أو دعم مشاريع الاستفادة من مياه الامطار والزراعة.

لهذا لم ترفض مصر مبدأ بناء السدود على ضفاف النيل، وإن كانت تفضل عدم بناءها وتطرح حلولا بديلة، وكانت تشترط الالتزام بالاتفاقات التاريخية لعامي 1929 و1959 والتي تضمن حقوقها وتعطيها حق الاعتراض (الفيتو)، ومراقبة هذه المشاريع حتى لا تؤثر علي حصتها المائية.

بل أنها ساهمت بالفعل في بناء بعض السدود الافريقية وكانت تسعي لكي تقوم هي بالبناء كنوع من المراقبة وضمان عدم تأثير هذه السدود علي حصة مصر المائية، ولكن جميع السدود التي أنشئت على مجرى نهر النيل بموافقة مصر كانت "سدود كهرباء" لا تحجز مياه النهر أو تمنعه من الوصول إليها.

ففي سبتمبر 2018، أعلنت مصر عن قيامها بتنفيذ مشروع لإنشاء 5 سدود خاصة بحصاد مياه الأمطار بمناطق متفرقة بأوغندا، خلال لقاء وزير الري المصري محمد عبد العاطي، مع وزير المياه والبيئة الأوغندي سام شيبتوريس، وفق وكالة الأنباء المصرية الرسمية (أ ش أ).

ايضا فاز تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي اليكتريك بعقد تنفيذ أكبر سد في أفريقيا بدولة تنزانيا على نهر روفيجي بارتفاع 130 متر لتوليد 2.1 جيجاوات من الكهرباء بتكلفة 3 مليار دولار وسيحضر السيسي مراسم وضع حجر أساس المشروع.

وأعلنت شركة المقاولون العرب أن العطاء رسا عليها لتصميم وتشييد سد "ستيجلر جورج" وان السيسي ساعد الشركة في الحصول على صفقة تصميم وبناء السد ويشارك في حفل تدشينه، رغم المنافسة الشرسة جدا في السوق الإفريقي للمقاولات بين شركات تركية وصينية وهندية، بالإضافة للشركات الأوروبية.

ومن السدود الأخرى التي وافقت  مصر على بناءها – لتوليد الكهرباء-"سد جنجا" في أوغندا على مخرج بحيرة فيكتوريا وقناة جونجلي في جنوب السودان التي لم تكتمل بسبب اعتراض الجنوبيين والتي كانت مصر تريد الاستفادة منها في حجز المياه التي تهدر في منطقة المستنقعات والأحراش بفعل التسرب والبخر.

و"سد جبل الأولياء" على النيل الرئيسي جنوب الخرطوم وقد أقامته مصر عام 1933 وسعته 3 مليارات متر مكعب يمكن الاستفادة منها في أشهر الصيف.

وعلى النيل الأزرق شيد سدان هما: «سنار» جهة الخرطوم، والروصيرص بالقرب من الحدود السودانية المصرية وهذا السد أنشئ طبقا لاتفاقية مصر والسودان 1959 التي منحت لمصر 55 مليار متر مكعب من مياه النيل و18,5 مليار متر مكعب للسودان وسد الروصيرص تم تشييده ليكمل حصة السودان.

 

هجوم سدود أفريقي

برغم هذه الاستراتيجية المصرية التي اعتمدت على العلاقات الجيدة مع دول أعالي النيل، واغراءها بمشاريع بديلة تعويضا عن أي مشاريع محلية تتعلق بمياه النيل، بدأت اثيوبيا واوغندا تقودان حملة تمرد على الموقف المصري وتعلنان ان الاتفاقيات التاريخية الخاصة بحصة مصر السنوية وحق الفيتو على بناء أي سدود، غير ملزمه لهما لأن من وقعها مع مصر هو الاحتلال البريطاني الذي كان يحكم افريقيا حينئذ.

وجاء تزامن هذا التمرد الافريقي مع تزايد الانسحاب والغياب المصري عن افريقيا، وانشغال مصر في ثورة يناير، ومع خطط صهيونية قديمة تقوم على محاربة مصر على أعالي النيل للسيطرة على ماء الشرب ومن ثم التحكم في رقبة مصر، عبر لعب نفس الدور المصري في تقديم الهدايا والمشاريع للدول الافريقية.

وكانت كارثة توقيع قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي علي اتفاقية الخرطوم 2015 الخاصة بالموفقة على بناء سد النهضة، بمثابة تخلي رسمي مصري عن أقوى اسلحة القاهرة فيما يخص ملف مياه النيل، وهي اتفاقيات المياه التاريخية 1929 و1959، والتخلي عن حصة مصر السنوية وحقها في الفيتو على بناء أي سد.

وانعكست تنازلات ثم ضعف القرار المصري والقيادة السياسية في التعامل مع أزمة سد النهضة الإثيوبي على انهيار الجدار الامني والسياسي الذي بنته مصر في وجدان الحكومات الافريقية بانه لا يمكن بناء السدود دون موافقة مصر، ما فتح الباب على مصراعيه أمام دول حوض النيل للمسارعة في بناء السدود، حتى أن كلا من أوغندا وتنزانيا أعلنوا بناء 16 سدا جديدا على النيل الأبيض.

فأوغندا هددت من قبل بإنشاء 12 سدًا، لمرور أنهار عديدة بها تنبع من بحيرتى فيكتوريا وكايوجا، وتصب في بحيرات ألبرت وإدوارد وجورج، وهو ما يشكل خطورة كبيرة على حصة مصر والسودان من مياه النيل الأبيض التي تصل إلى 12 مليار متر مكعب، مناصفة بين مصر والسودان.

وحتى حينما اغرت اثيوبيا دول حوض النيل بتوقيع اتفاقية عنتيبي (الاتفاق الاطاري) كبديل لاتفاقيات 1929 و1959، بغرض النص على اقتسام موارد النيل بين الدول المطلة عليه (ومن ثم عدم الاعتراف بحصة مصر السنوية الثابتة)، خالف هي نفسها نص الاتفاقية على أنه إذا أرادت أي دولة بناء سد، فإنها ملزمة بعقد اجتماع للدول الـ 11 المشتركين في حوض النيل، وتبدى رغبتها في بناء سد جديد ثم تأخذ التصويت بالأغلبية، بعد أن كان في السابق بالإجماع، حيث ضربت إثيوبيا بنص الاتفاقية عرض الحائط وأخذت قرارها المنفرد.

 

دلالات السد التنزاني

في ضوء ترويج نظام السيسي لدوره في بناء وتشييد سد تنزانيا، والتكثيف الاعلامي حول عدم رفض مصر بناء دول افريقيا السدود، يمكن استخلاص الدلالات التالية:

1-    تحول السلطة في مصر نقل رسالة قوية للدول الافريقية أنها لا تعارض بناء السدود، بل تساعد في إنشائها، ما لم تضر بمصالحها، وذلك ردا على الدعاية الاثيوبية الاوغندية القديمة والمستمرة بأن مصر تتحكم في مياه النيل لنفسها ولا تستفيد منه الدول التي يمر النهر بأرضها، ومن ثم تحرم الافارقة من الاستفادة من مياه النيل.

2-    رغم وجاهة الرسالة المصرية بشأن عدم ممانعتها في بناء دول اعالي النيل للسدود، في بث الطمأنينة في قلوب الافارقة وتحسين صورة مصر التي جري تشويهها عمدا من دول افريقية، لتبرير خرق الاتفاقات التاريخية وبناء عدة سدود علي النيل، إلا أنها "رسالة متأخرة"، لأن دول النيل شرعت بالفعل في بناء عشرات السدود دون انتظار موافقة مصر أو رفضها، ودعم هذا تخلي مصر نفسها طواعية عن حقوقها في مياه النيل أو في استخدام "حق الفيتو" ضد أي مشروع علي النيل يؤثر علي حصتها المائية، بموافقة "السيسي" علي اتفاقية الخرطوم بل وبدء حضور وزارة الري المصرية اجتماعات دول اتفاقية عنتيبي التي وافقت عليه 8 دول أفريقية، والتي انشئت علي انقاض الاتفاقيات التاريخية.

3-    مصر خسرت هيبتها ونفوذها في القارة الافريقية بتنازل السيسي عن حصتها المائية التاريخية السنوية عقب توقيعه اتفاقية سد النهضة، وابراز دورها في بناء السد التنزاني – رغم أنه عطاء بين شركات مقاولات مختلفة-جاء كمحاولة لإعادة ترميم هذه الهيبة وهذا النفوذ، ولكن في الوقت الضائع.

4-    المشكلة الكبرى لمصر هي سد النهضة لأنه مصمم من اجل احتجاز كمية مياه من النيل (74 مليار مرت مكعب)، تعادل أكثر من نصف مخزون السد العالي، بينما حصة مصر السنوية 55 مليارا، وهناك صعوبة في حجز هذه الكمية التي تعادل نصف المياه التي تهطل على اعالي النيل، بدون تأثر مصر وتضررها بشدة، بعكس السدود الأخرى التي وافقت عليها والتي كانت لا تحتجز أي مياه، فبهذا السد الذي وقعت مصر على اتفاقية بناؤه دون الاطلاع على دراسات السد التي تؤكد سلامته وعدم انهياره، انهار النفوذ المصري المائي في كل افريقيا، وسيؤدي حجز هذه المياه لأثار ضارة بمصر منها: (جفاف وتملح اراضي ومنع زراعة حبوب ومنتجات زراعية بعينها مثل الرز).

5-    رغم أن الهدف من الموافقة المصرية على بناء السد التنزاني "دعائي" بالدرجة الاولي، إلا أن يبدو "ضوء اخضر" رسمي لكل دول أعالي النيل الثمانية بإنشاء ما تريد من السدود على النيل، وبعضها لا يضر مصر واخري تضرها بشدة، وفي كل الاحوال سيقتطع بناء كل سد على النيل من حصة المياه المتدفقة نحو مصر، ما ستكون له أثار كارثية مستقبلا.

 

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة