دور العسكر في تدمير الصناعة المصرية

 دور العسكر في تدمير الصناعة المصرية

الاقتصاد المصري ليس زراعيا صرفا رغم أن مصر  كانت في عهود سابقة سلة غذاء العالم، وهي التي وصفها الله في القرآن بخزائن الأرض، وتصدر كميات كبيرة من الخضروات والفواكهة ولكنها أيضا تستورد محاصيل استراتجية مهمة مثل القمح والذرة الصفراء وأسهمت حكومات العسكر المتعاقبة في تراجع القطن طويل التيلة والأرز وغيرها، كذلك فالاقتصاد المصري ليس  صناعيا بالمطلق؛ رغم أن عدد المصانع أكثر من 200 ألف مصنع بشكل رسمي وغير رسمي، بخلاف استيراد مصر  مواد خامًا للصناعة ومعدات للإنتاج بنسبة 80% من حجم استيراد مصر الكلي، تقريبا 50 مليار دولار سنويا، ولا يمكن أن نقول أن مصر دولة خدمية رغم تميز قطاع تكنولوجيا المعلومات وتحقيق الميزان الخدمي فائضًا، وليس عجزًا على غرار الميزان التجاري، ولكن معدل نمو شركات تقديم الخدمات ضعيف وقليل التطوير على غرار الهند المنافس الشرس لمصر في مجال الخدمات.إذا، اقتصاد  مصر «مختلط» ما بين الزراعي والصناعي والخدمي في محاولة لتغطية الاستهلاك المحلي، وهو ما لا يحدث في قطاعات عديدة، وهو ما يتم تغطيته بالاستيراد الخارجي.

و«كانت الدولة  تحاول على مدار 50 سنة زيادة كل نشاط أو على الاقل محاولة تثبيت معدل نموه دون تراجع من خلال سياسات تحفيزية: فقطاع الصناعة كان هناك دعم للطاقة للمصانع وتوفير التمويل البنكى لهم ودعم الصادرات والشراكة مع جهات دولية واقليمية لتطوير الصناعة ويقدر عدد العمالة المؤمن عليها فى المصانع 3 مليون عامل، ولكن منذ عام 2013 حتى اليوم بدأ انهيار للصناعة من غلق للمصانع حيث وصل عدد المصانع المغلقة فقط خلال عام 2016 الى 2000 مصنع وهى من المصانع المرخصة رسميا فى مصر وهو ما يزيد فى عدد المصانع الغير مرخصة فترى ما الذى حدث فى الصناعة المصرية؟»[1]

وطبقًا لهيئة التنمية الصناعية فإن عدد المصانع المصرية المسجلة والمرخصة رسميًّا هو 34383 مصنع، ويحتل قطاع الصناعات الغذائية والمشروبات الصدارة بـ 8000 مصنع، في حين أن إجمالى الاستثمار فى ذلك المجال يتخطى 300 مليار جنيه وفق موقع الهيئة، ولكنَّ المراقبين للمجال الصناعى المصرى يعلمون أن أغلب المصانع المصرية هى مصانع غير مرخصة (بير السلم) وبذلك يمكن أن يصل عددها أكثر من 60 ألف مصنع، أى أن إجمالى المصانع المصرية من المصانع الصغيرة إلى الضخمة يتجاوز 100 ألف مصنع بطاقة إنتاجية تصل إلى ألف مليار جنيه مصرى تقريبًا، ولكن دائمًا يحضر السؤال: لماذا يوجد هذا العدد الكبير من المصانع غير المرخصة؟

إزاء هذا فإن ثمة تغيرًا كبيرًا فى شكل الاقتصاد المصرى بعد انقلاب يوليو 2013، وأن هذا التغير أصاب قطاعات أساسية فى الاقتصاد المصرى، ومنها الصناعة التى عانت كثيرًا فى الآونة الأخيرة من تراجع الإنتاج المحلي، وكذلك تعثر وإغلاق المصانع المصرية، فترى ما الذي حدث  للصناعة المصرية فى الأعوام الأخيرة؟

 

تحولات هيكلة الاقتصاد

في مصر أصبح هناك أعمدة مقدسة لإدارة المنظومة الاقتصادية في مصر، من حيث الإيرادات وموارد العملة الصعبة وأيضًا النفقات، فدولة كمصر تعتمد إيرادتها دوما على (الضرائب – المنح – الاقتراض – الإيرادات الأخرى)، ويعتبر باب الضرائب وباب الإيرادات الأخرى أكبر ممولين للدولة بما يفوق 97% من إجمالى الإيرادات. ولكن كانت كل الحكومات السابقة بعد عام 2001 تنتهج سياسات ضريبية إصلاحية ومريحة لمجتمع الأعمال، مما أدى إلى حصيلة الضرائب في عهد حكومة نظيف، وحتى الحكومات المتعاقبة لم تستطيع أن تضع توقعات عالية لزيادة حصيلة الضرائب بشكل كبير؛ من أجل تشجيع القطاع الخاص على العمل وتغيير مفهوم الجباية.

وكان البديل لزيادة الإيرادات هو محاولة زيادة باب الإيرادات الأخرى، وهو يمثل دخل قناة السويس وهيئة البترول وغيرها ، ولكن في الفترة الأخيرة منذ عام 2014 قفزت توقعات الحكومة لزيادة الضرائب من 138 مليار في 2012 إلى 433 مليار جنيه في 2016، ارتفع إلى 770 مليارا في موازنة العام الحالي (2018/2019) وهو أمر غير معقول بالنسبة لاقتصاد مصر الذي يعاني أصلا من تراجع. وهنا يدور السؤال: ما الذي حدث لواضعي السياسات الضريبية في مصر؟

فمنذ 2014 حيث سطا الجنرال عبدالفتاح السيسي على الحكم  رسميا بعد مسرحية انتخابات رئاسية، حدثت تحولات جذرية في هيكلة الاقتصاد المصري وتم المس ببندين من مقدسات الموازنة المصرية وهما "الدعم والأجور" ويتعلقان بالجزء الاجتماعي، لكن منذ اغتصاب  السيسي للحكم وجميع برامج الحكومة يقوم أساسا على إلغاء الدعم سريعًا، وليس تدريجيًا وتخفيض الرواتب. فما هو الدافع وراء هدم المعبد والمساس بقدس الأقداس؟

ولم تكن مشكلة سياسات مبارك في هيكلتها بقدر ما كانت في فلسفتها وعدم التوزيع العادل للثروة والدخول التي استأثرت بها قلة من رجال الأعمال وقيادات النظام؛ لأن سياسات مبارك حققت معدل نمو وصل إلى 8% ، لكنها افتقدت إلى العدالة الاجتماعية؛ ما أدى إلى عدم انعكاس هذه المعدلات المرتفعة للنمو على المواطنين وتحسين مستوى المعيشة، كما استطاعت حكومة الدكتور هشام قنديل أن ترتفع من تراجع معدل النمو من -4.6% إلى 2.4% بنفس سياسات مبارك السابقة، في حين أن الحكومات من 2014 حتى 2016م، لم تستطع رغم كل ذلك أن ترتفع من 2.4% إلى 5% وفق تقديرات البنك الدولي.

 

أزمة المصانع المتعثرة

يصل عدد العمالة الملتحقة بالقطاع الصناعي بشكل رسمى حوالي 3 مليون عامل، لكن عدد العمالة يفوق ذلك بكثير لو أضفنا غير الرسمى الذي يضم عشرات الآلاف من المصانع التي يطلق عليها مصانع "بير  السلم". وقد بدأ القطاع الصناعى يتراجع بشكل طفيف منذ عام 2009 بسبب تخفيضات مصر الجمركية وفق التزامتها تجاه اتفاقية “الجات” ولكن بعد ثورة يناير بدأ القطاع يشهد تراجعًا وصل إلى 400 مصنع مغلق، ثم ما لبث أن قل التراجع فى عام 2012 ليصل إلى 322 مصنع مغلق، ولكن منذ عام 2013 وهناك زيادة ملحوظة فى تراجع المصانع فى مصر بشكل أصبح ظاهرة تستحق الدراسة.

ووفقًا لشعبة صناعة النسيج ، فقدت الصناعة 40% من مصانعها فى مصر، ووفق هيئة التنمية الصناعية فقدت مصر فى عام 2016 أكثر من 2000 مصنع، وهو المعلن رسميًّا من الجهة التى تمثل الصناعة فى مصر، وقد أكد إتحاد المستثمرين أن عدد تلك المصانع يصل إلى 8 آلاف مصنع، وهو ما دفع نواب في البرلمان للمطالبة فى فترات سابقة، بتشكيل لجنة تقصى حقائق للوقوف على عدد تلك المصانع، وطبيعة أسباب توقف كل منها[2]. الأمر الذي يتوجب معه مناقشة الظاهرة والبحث عن أسباب عوائق النشاط الاقتصادي خصوصا في مرحلة ما بعد انقلاب 03 يوليو 2013م.

 

«8» عوائق

وتواجه الصناعة المصرية منذ عقود عدة عوائق تحول دون انطلاقتها وتحقيق الأهداف المرجوة منها للإسهام بقوة في تعزيز مكانة الاقتصاد المصري، وتفاقمت هذه العوائق بشدة في مرحلة ما بعد انقلاب 2013م؛ على خلفية احتكار المؤسسة العسكرية لجميع مفاصل الاقتصاد  بما تحظى به من امتيازات تفصيلية تجعل من منافسة القطاع الخاص أمرا بعيد المنال.

أولا: ندرة الأراضى الصناعية

ويعود  ندرة الأراضي الصناعية إلى سببين: الأول، هو وضع المؤسسة العسكرية يدها على حوالي  94% من أراضي مصر باعتبار ذلك ضرورة من ضرورات الأمن القومي[3]. والثاني قيام نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي حكم البلاد لثلاثة عقود كاملة (1981/2011م) بتوزيع كثير من تلك المساحات؛ فالمستغل فعليا لا يزيد عن 50% من حجم المفروض استغلاله؛ لأن توزيع الأراضى فى حقبة مبارك كان يتم على أساس المحاباة وعدم العدالة فى المواقع المميزة، فرجل الأعمال محمد أبو العينين يمكنك أن تسير بسرعة 100كم/س لمدة عشر دقائق لتنهى زمام قطعة الأرض التى حصل عليها فى منطقة العين السخنة وخليج السويس، فى الوقت نفسه حصل بعض الأفراد على قطع أراضٍ وهم أصلا لا يعملون بالصناعة، وليس لهم خبره فيها، ولاستكمال التراخيص أقاموا مبانى دون ماكينات ولا طاقات إنتاج، ويقومون بكل أسف بإعادة تأجيرها بمبالغ كبيرة إلى رجال الصناعة الحقيقيين..

وفى عامي 2012-2013 بدأت الحكومة فى سحب تلك القطع من حائزيها، وهو ما توقف عام 2014، بل إن بعض تلك القطع عادت مرة أخرى إلى ملاك لم يقوموا بتنمية حقيقية، ولم يدفعوا ثمنًا حقيقيًّا لتلك القطعة.

ثانيا: التراخيص

من العوائق المكبلة لنمو قطاع الصناعة المصرية الإجراءات الروتينية للحصول على ترخيص المصانع، وهو ما يستغرق على الأقل سنة ونصف السنة، وإذا تمكن صاحب مصنع من الإنتاج دون رخصة مؤقتة فإنه يقع تحت ابتزاز الهيئات الحكومية المختلفة، وسيكون مجبرا على التعامل مع 8 جهات مختلفة، بخلاف مافيا الرشاوى التى أصبحت عرفًا للتراخيص.

ورغم مساعي حكومة إبراهيم محلب لتسهيل هذا الأمر من خلال قاعدة "الشباك الواحد" لكن ذلك لم يتحقق فعليا حتى اليوم ، وحول مقترحات ترخيص المصنع بالإخطار  على أن تقوم الجهات المختصة بالذهاب بنفسها إلى تلك المصانع ومتابعة ترخيصها؛ أفضى إلى أن رجل الصناعة يجد نفسه محاصرا بجيوش الفساد الإداري التي تتلكأ عمدا في منح الترخيص من أجل الحصول على مزيد من الرشاوى.

ولا تتوقف مافيا الرشاوى عند المصانع الصغيرة أو المتوسطة بل تمتد إلى المصانع الكبيرة والأجنبية؛ ما أدى إلى سحب الصين بعض استثماراتها في خليج السويس رفضا لهذه الممارسات المنحرفة.

ويزيد من تعقيد الأمر أن معظم الحهات التي تمنح التراخيص باتت عناصر عسكرية تهميمن عليها دون أن يكون لها  من قبل خبرة أو تجربة في قطاع الصناعة.

ثالثا : الحماية المدنية

يعد قسم "الحماية المدنية" بوزارة الداخلية أحد أكبر العقبات التي تواجه قطاع الصناعة؛  لأن صاحب المصنع لن يتمكن من الترخيص بدون موافقة هذه الهيئة، وحتى لو تمكن المستثمر  من تجاوز عقبات جميع مكونات الترخيص فإنه سوف يتعرض لأكبر عملية ابتزاز غير أخلاقي للحصول على موافقة "الحماية المدنية"، وتصل الرشاوى التي تحصل عليها الرقابة المدنية حوالي نصف مليون جنيه للمصانع الصغيرة تتضاعف كلما زاد حجم المصنع حتى تصل أحيانا إلى عشرات الملايين بحسب حجم المصنع وسعته ونوعية المادة المصنعة وحجم التصدير المتوقع. ويتهم مستثمرون هيئة الحماية المدنية بالتوحش خلال سنوات ما بعد انقلاب  يوليو 2013حتى باتت أكبر عقبة أمام الاستثمار في مصر.

رابعا: الإتاوة من البدو

الأكثر غرابة في مصر، أن المستثمر إذا تمكن من الحصول على جميع الوثائق اللازمة للترخيص فإنه لا يستطيع أن يشرع في بناء مصنعه أو الإنتاج في حرية وأمان دون دفع إتاوة للبدو، وغالبا ما يكونون مرتبطين بشبكة مصالح يقودها جنرالات كبار إما في الجيش أو الشرطة أو المخابرات وتضم كذلك مسئولين نافذين في الجهاز الإداري للدولة.

ولا تتوقف هذه الإتاوة على مرة واحدة في بداية إنشاء المصنع بل على الأرجح فإنه تستمر ما دام المصنع قائما وينتج؛ ذلك أن البدو  يمكنهم تعطيل العمل بأدوات وإجراءات غير مشروعة الأمر الذي يفضل معه المستثمرون ترضية هؤلاء  بدفع إتاوة شهرية مقابل الحماية والأمان في ظل غياب ملحوظ وربما متعمد  لأجهزة الدولة المعنية، والتي يتشارك بعض القيادات فيها هذه الإتاوات مع البدو الذين يمثلون لافتة مضللة لمسئولين كبار في الدولة هم من يحصلون على هذه الإتاوات بالفعل ويقومون بتوظيف هؤلاء البدو للقيام بهذه المهمة القذرة لحسابهم مقابل مرتبات شهرية مجزية لهؤلاء البلطجية.

يحدث ذلك في المنطقة الصناعية بالعاشر من رمضان بالشرقية والسادس من أكتوبر ومنطقة أبو رواش بالجيزة وصولا إلى شارع التسعين بمنطقة القاهرة الجديدة؛ وذات مرة حاولت إحدى الشركات أن تعين عددًا من ضباط الداخلية السابقين وتسليحهم للدفاع عنها وعدم دفع تلك “الإتاوة” لأنها شيء مهين فهجم البلطجية (البدو) وحاصروا المبنى بالرصاص ليلا إلى أن تقدم الحراس باستقالاتهم.

خامسا: قرارات القوات المسلحة

خلال السنوات الماضية، اتخذ الجيش[4] –بخلاف قرارات الحكومة وقائد الانقلاب- عدة قرارات أدت إلى انهيار سريع فى الصناعة، تراجع عن بعضها وإن ظل أثره وظل البعض ساريًا، ومن أهم قراراته السلبية قراران: الأول هو قرار المخابرات الحربية بعدم الإفراج عن الخامات المستوردة من المنتجات الكيماوية أو «البودرة» سائلة أو صلبة إلا بعد تحليلها فى معامل مصلحة الكيمياء.

هذا القرار يعنى عدم الإفراج عن أى مادة خام، التى تشكل 80% من المواد المطلوبة للصناعة، أى وقف جميع المصانع المصرية، لدرجة أن مسئولي مصلحة الجمارك أصدروا على غير العادة منشورا بدأ بعبارة: (بناء على تعليمات إدارة المخابرات الحربية) وهى سابقة غريبة، توقفت المصانع وأهدرت المواد الخام، لأن الجهة التى اختصتها المخابرات الحربية بالفحص لا تستطيع ولا تملك إمكانيات تؤهلها لذلك، بسبب ذلك قدرت خسائر مصر بحوالي 2 مليار دولار من مواد خام تلفت، أو أعيد تصديرها.

حاول التجار والمصنعون الضغط أيام إبراهيم محلب وفشلوا فى إثناء المخابرات الحربية عن ذلك القرار بدعوى أنه متعلق بالأمن القومى، ولكن نجح المهندس محمد السويدى واتحاد الصناعات أن يرغموا الجميع على أن يعيدوا النظر في القرار عن طريق التلويح بالإعلان الجماعى عن وقف النشاط الصناعى فى مصر وتسريح العمالة، وكان ذلك أمام اجتماع مع لجنة الجمارك داخل مقر اتحاد الصناعات، فتمت على الفور الاستجابة لهم.

أما القرار الثانى؛ فيتعلق بالرسوم التقديرية على مرور الآلات والمعدات، وبعض مستلزمات الإنتاج من خلال منافذ المرور (الكارتة) التى تملكها شركة "وطنية" التابعة للجيش، والتى أصبحت تصل إلى الآلاف للماكينة الواحدة، دون وضع معايير للتقييم يمكن الحساب على أساسها؛ مما رفع تكلفة استيراد قطع غيار الماكينات، وكذلك ارتفع سعر الماكينات الجديدة، إلى أن تراجع استيراد مصر فى هذا المجال إلى -2% بعد أن كان يحقق معدل نمو 6% سنويًّا، وهو ما يعنى توقف إنشاء مصانع جديدة وتعطل مصانع قائمة.

سادسا: احتكار  الجيش لعدد من الصناعات

منذ اتفاقية كامب ديفيد والسلام المزعوم 1979 تحولت عقيدة الجيش المصري من التركيز على الجوانب الفنية العسكرية إلى الاهتمام بالجانب الاقتصادي ومنافسة القطاع المدني في أعمال الصناعة والتجارة والبزنيس، وخلال سنوات حكم مبارك كرست المؤسسة العسكرية حضورها الاقتصادي، وعندما قامت ثورة يناير خشي كبار الجنرالات من انتزاع الشعب هذه المشروعات وضمها لإدارة الحكم المدني المنتخب والجهات الرقابية المدنية، وفي سبيل ذلك نفذ الجيش انقلابه على الرئيس المنتخب والمسار الديمقراطي وكان أحد أهم الأهداف هو حماية بيزنس الجيش وكبار الجنرالات.

وبعد انقلاب03 يوليو ؛ فرضت المؤسسة العسكرية حضورها الطاغي على جميع مفاصل الاقتصاد خصوصا في قطاع الصناعة، في ظل الامتيازات التي تحظى بها مثل الإعفاءات الجمركية والضريبية، وقلة أجور العمالة، كما أنها لا تملك أى عوائق حكومية فيما يخص استيراد مستلزماتها. وهو ما يحقق لها أفضلية مطلقة على جميع المنافسين  والمستثمرين.

فأن يهتم الجيش بقطاع الصناعات العسكرية وتصنيع جميع أنواع الأسلحة والذخائر والمعدات الحربية فهذا أوجب الواجبات، وكذلك دخول الجيش في إنتاج السلع المفتقدة والتي لا يوجد من يستثمر فيها من أجل تقليل حجم  الإيرادات فهو أيضا شيء مستحسن لكن أن يدخل الجيش في منافسة مع شركات القطاع الخاصة التي تنتيج سلعا محلية فيقوم بتدميرها ليحتكر هو السوق فهذا له مردود شديد السلبية على قطاع الاستثمار. وتحتل وزارة الإنتاج الحربى 25% من سوق الأجهزة المنزلية، وحاليا هى أكبر موزع للمواد الغذائية، ودخلت في صناعات الأسمدة والكيماويات وغيرها من الصناعات.

سابعا، أسعار العملات الأجنبية

تنوعت أزمة الصناعة مع العملات الأجنبية  في سنوات ما بعد الانقلاب العسكري؛ في بداية الأمر كانت البنك المركزي يتكفل بتوفير الدولار اللازم لاستيراد المواد الخام من أجل التصنيع لكن الحكومة منعت ذلك منتصف 2016م مع اشتداد أزمة العملة الصعبة، ثم جاء قرار التعويم والذي رفع سعر صرف الدولار  لمستويات جنونية من 8 جنيهات قبل التعويم إلى نحو 20 جنيها ومع تذبذب سعر الصرف امتنع الصناع من الاستيراد خوفا من الخسارة ما أدى إلى جمود في قطاع الصناعة.

وبعد أن بدأ سعر الصرف يستقر في حدود "18" جنيها  يجد الصناع صعوبة في تسويق منتجاتهم التي ارتفعت أسعارها بصورة جنونية وغير مسبوقة بفغل ارتفاع تكلفة الإنتاج وسعر الوقود والكهرباء والمياه وسائر الخدمات؛ هذا بخلاف تآكل قيمة المرتبات والأجور فبات معظم فئات الشعب غير قادرين على توفير احتياجاتهم الأساسية ولا يملكون رفاهية شراء مستلزمات وأدوات غير أساسية؛ وأمام تآكل القوة الشرائية للمواطنين وجد كثير من الصناع منتجاتهم في خطر  ولم يعد السوق جاذبا كما كان من قبل ما أدى إلى مزيد من غلق المصانع وتسريح مئات الآلاف من العمالة.

ثامنا، انحياز النظام لرجال الأعمال على حساب العمال

من العقبات التي تحول دون تطوير قطاع الصناعة انحياز نظام السيسي لرجال الأعمال والمستثمرين على حساب حقوق العمال رغم أنهم عصب الصناعة عمودها الفقري التي تقوم على  مستثمر جاد وعمالة مهنية مدربة منضبطة ومناخ استثماري جاذب يوازن بين  توفير الأجواء للمستثمرين ويحفظ في ذات الوقت حقوق العمال بخلاف أسواق تحتاج إلى هذا المنتج.

ويختصر رئيس لجنة الصناعة في البرلمان، محمد فرج عامر، فلسفة   النظام في مشروع قانون العمل الجديد بقوله: "المبالغة في إعطاء الحقوق للعمال في القانون الجديد يدمّر مستقبل الاستثمار"، وهو القانون الذي ينتظره الملايين من المصريين العاملين في القطاع الخاص، وينحاز في مسودته الحالية إلى مصالح أصحاب الأعمال، إذ جرّم حق الإضراب للعمال، المكفول دستورياً، وقنّن عمالة الأطفال دون السن القانوني.

ومن المرتقب أن يقرّ مجلس النواب قانون العمل الجديد، خلال جلساته المنعقدة في نوفمبر المقبل، وذلك بعدما أثارت مسودته حالة من الغضب داخل الأوساط العمالية، واعتبر قياديون نقابيون أنها "تمهّد لمذبحة عمالية"، ما دفع لجنة القوى العاملة في البرلمان إلى إعادة مشروع القانون إلى وزارة القوى العاملة مجدداً، بغرض إدخال تعديلات على بعض مواده ولا سيما المتعلقة بالمرأة والطفل، لتجنّب تصادمها مع نصوص الدستور.[5]

وكان مجلس النواب وافق في ديسمبر/كانون الأول الماضي، على إصدار قانون التنظيمات النقابية العمالية، متضمناً نصاً يقيّد تشكيل اللجنة العمالية بعدد 150 عضواً، مع إقرار ضوابط مشددة لإنشاء أي نقابة عمالية جديدة، كما حظر التشريع تكوين نقابات عمالية موازية، خلاف الرسمية، وهو ما يستهدف تقييد حرية العمل النقابي، والانحياز إلى مصالح أصحاب العمل،

خلاصة القول، أن  تراجع الاهتمام بالصناعة أدى إلى العديد من الآثار السلبية على الاقتصاد المصرى عموما وإصابته بحالة من الضَعف والوَهَن، انعكست على جميع المتغيّرات والمؤشرات الاقتصادية، وأدت الى تراجع وتدهور البنية الإنتاجية فى المجتمع عموماً ولدى شركات قطاع الأعمال العام والقطاع العام والخاص العاملة فى هذه المجالات على وجه الخصوص، مما انعكس بالسلب أيضا على معدلات الإنتاج والإنتاجية، بحيث أصبح الإنتاج المحلى لا يكفى لتغطية الاحتياجات المحلية، بل وأخذت الفجوة بينهما فى الاتساع عاما بعد آخر، مما يزيد من فاتورة الواردات وعجز الميزان التجاري.

وأمام العقبات المزمنة التي تواجه قطاع الصناعة المصرية؛ أسهم احتكار المؤسسة العسكرية لمفاصل الاقتصاد وخصوصا الصناعة في زيادة معاناة القطاع وأفضى إلى مزيد من العقبات التي تؤدي إلى جمود وربما شلل القطاع الذي يحتاج إلى ثورة على البيروقراطية العتيدة والاحتكار السافر من جانب المؤسسة العسكرية التي تسيطر فعليا على أكثر من 94% من أراضي مصر بحكم الواقع والقانون.

 

 

 

 

 

 



[1] أحمد هشام/الاقتصاد المصري: ما الذي حدث لخزائن الأرض؟ صندوق النقد وأزمة الاقتصاد في مصر (1)/ إضاءات  19 أغسطس 2016

 

[2] مجدى حسيب/هل ينجح البرلمان في إنقاذ المصانع المتعثرة؟..نواب يجيبون/ صوت الأمة السبت، 12 مايو 2018

[3] إمبراطورية الجيش المصري الاقتصادية تبتلع الدولة/ الخليج أون لاين السبت 23 يوليو 2016

[4] أحمد هشام/ الاقتصاد المصري: 7 عوائق أمام الصناعة المصرية/ إضاءات 26 أغسطس 2016

 

[5] البرلمان المصري يمهّد لـ"مذبحة عمالية" بقانون جديد/العربي الجديد 16 أكتوبر 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة