نهب ثروات مصر من الطاقة والمعادن.. بين هيمنة الجيش ونفوذ المخابرات

 نهب ثروات مصر من الطاقة والمعادن.. بين هيمنة الجيش ونفوذ المخابرات

 

«أيوه إحنا بلد فقير، وفقير أوي كمان .. وأنا كمان غلبان، حاجيبلكم منين!»[1].. بهذه التصريحات يبرر  الجنرال عبدالفتاح السيسي سوء إدارته وفشله في إدارة موارد الدولة،  كما يبرر أيضا قسوته على المواطنين برفع أسعار الوقود والكهرباء والمياه  وتذكرة المترو ؛ وهي الزيادات التي وصلت إلى 500% ، بخلاف قرارات التعويم التي أفضت إلى تأكل قيمة الجنيه، وكذلك تآكل مدخرات المصريين إلى أقل من النصف؛ متجاهلا أن مصر تنعم بخيرات خصوصا في قطاعات الطاقة والتعدين والثروات الطبيعية، لا تتوافر لكثير من دول العالم والتي لو أحسن إدارتها وتم قطع يد الفساد ؛ لارتفعت بلادنا إلى مصاف الدول الأكثر ثراء في  العالم.

فأين تذهب خيرات مصر ؟ الذهب يخرج إلى كندا مادة خام ليرجع بأغلى الأسعار  بعد تنقيته، بخلاف أننا نحصل على نصف المستخرج فقط، ومع ذلك النصف المتبقي ليس بقليل لكن أين ذهب؟ وشركات البترول تحصل على نصف المستخرج من باطن الأرض من بترول، المؤكد أن الشعب المصري لا يحصل على أي من خيرات بلده المنهوبة، فلا يدرى أحد شيئا هل تدخل هذه الخيرات ميزانية الدولة أم تذهب للكبار من رجال الأعمال ومافيا الفساد في مصر؟ ومن المستفيد النهائي منها؟ فغياب الشفافية في كل التفاصيل المتعلقة بالمناجم وما تحتويه وكيفية استخراج ما بها والتعامل معه، يؤكد أن هناك فسادا بلغ حدودا مرعبة.

 

كنوز مدفونة أو مهدورة

قطاع الطاقة والتعدين يمثل أكبر دليل على كذب تصريحات السيسي وأنها تخالف كل الحقائق حول ثروات مصر الطبيعية؛  «94%» من مساحة مصر صحراوية غنية بالموارد التعدينية وبذلك تحظى مصر بامتلاكها كنز من الثروات الهائلة للموارد المعدنية المتنوعة والمكنزة بباطن الأرض، من حيث النوع والكم وأماكن التوزيع، القليل منها مستغل، والبعض الآخر مهمل، فهناك أكثر من 39 مادة خامة من المعادن تدخل فى جميع الصناعات، لو تم توظيفها واستغلالها لتوفرت العملات الصعبة ولحدت من الاستيراد وزاد التصدير.

إلا أن قانون المناجم والمحاجر القديم رقم 86 لسنة 1956 لم يكن يساعد على تحقيق الاستغلال الاقتصادى الأمثل لثروات وموارد مصر  الطبيعية التى نمتلكها والاستفادة منها بالإضافة إلى العقبات والمشاكل والروتين الذى يواجه أصحاب المحاجر والمناجم والعاملين بالثروة التعدينية .

فمشكلة التعدين فى مصر ليست فى ندرة الخامات ولا فى استخراجها ولا فى الترخيص، ولكن المشكلة تنحصر أولا في الفساد المستشري وثانيا في هيمنة الجيش على كل شيء وثالثا في  توصيل المادة الخام للشكل التى تدخل فيه للصناعة، «فحجم الاستيراد من الخامات التعدينية الوسيطة وحدها فى آخر ثلاث سنوات 52.5 مليار دولار بمتوسط 17.5 مليار دولار سنويًا". فالمشكلة الاساسية هي الفساد إضافة إلى غياب الوعى بصناعة تجهيز الخامات وتركيزها وتفعيل دور الجهات البحثية مثل مركز البحوث وتطوير الفلزات ومركز بحوث والدراسات المعدنية ومركز بحوث الاسكان ومواد البناء وعدم وجود اى حافز لإنشاء هذه الصناعات وعدم منحها اى اولوية فى الحصول على الأراضى الصناعية ولا الحصول على عقود استخراج الخامات طبقا للقوانين القائمة، بالاضافة الى ان قانون التعدين الجديد حدد مدة عقود استغلال الخامات التعدينية بما لا يزيد على 15 سنة وهى لا تكفى للوفاء بأى مشروع قيمة مضافة وإتاحة مدة مناسبة لاسترداد رأس المال.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر مادة الحجر الجيرى التى تغطى 58% من  أرض مصر ورغم ذلك نستورد الحجر الجيرى اللازم لبعض الصناعات لأنه غير مجهز للصناعة، فالعجز  ليس فى عدم وجود الخامة وإنما العجز فى تجهيزها فطن الحجر الجيرى سعره على أرضه 35 جنيها بسعر عام 2016م؛  فلو تم تكسيرة وطحنه أول درجة سيكلفنا 75 جنيها لكنه سيباع ب120 جنيه وسيصل الربح الى 45 بدلا من 7 جنيهات، أما لو قمنا بتجهيزة للدرجه الثانية من القيمة المضافة سيصل الربح الى اربعة اضعاف وسنعد رقم واحد فى العالم فى الثروة التعدينية.[2]

وتمتلك مصر ثروة هائلة من المناجم المعدنية والحجرية، إذ بها ما يقرب من 39 خامة من المعادن تدخل في جميع الصناعات، ساهمت في تعزيز مكانتها على خارطة التعدين الدولية، ، وتقدر عدد المناجم في مصر  بحوالي  4500 منجم بمختلف أنواعها، تحتل بها المرتبة الثالثة عالميًا في الثروة المحجرية والمعدنية.[3] كما توجد  ثروات معدنية متعددة ما بين فوسفات وذهب وفلسبار ورمال بيضاء تتطلب إعادة النظر في آليات استخراجها.

وبحسب رئيس هيئة الثروة المعدنية التابعة لوزارة البترول المصرية عمر طعيمة، فإن هناك نحو 220 موقع ذهب في مصر، منهم 120 موقعًا تم الاستخراج منهم بالفعل خلال الأعوام الماضية، كما تمتلك مصر ثروة هائلةمن الحديد،  ففي الصحراء الشرقية نحو 54 مليون طن، وفي جنوب الصحراء الغربية بمنطقة العوينات 320 مليون طن، وفي الواحات البحرية 330 مليون طن، وفي شرق أسوان 75 مليون طن، أما بخصوص خامات الرصاص والزنك فيبلغ الاحتياطي 1.5 مليون طن. وهناك العديد من الثروات الأخرى منها خامات الفوسفات المنتشر على ساحل البحر الأحمر بإجمالي احتياطي 3000 مليون طن، ويستخدم فى صناعة الأسمدة وإنتاج حامض الفوسفوريك والصناعات الكيماوية وبلغ عدد المناجم العاملة لخام الفوسفات 42 منجمًا، كما أن هناك 50 مليون طن احتياطي خام الكوارتز، و1000مليون طن لخامات الفلسبار، أما عن المحاجر، فتشير الأرقام الرسمية إلى تجاوز عدد المحاجر في مصر 1727 محجرًا، بها خامات "حجر جيرى - بازلت - رمل - زلط - كسر جرانيت - رخام أبيض - جبس - طفلة".

 

نهب منجم السكري

ويعتبر "منجم السكري"، في الصحراء الشرقية جنوبي مدينة مرسى علم، أحد أبرز مظاهر الفساد ونهب ثروات مصر  لصالح شركات عالمية عابرة للقارات تعقد صفقات سمسرة مع كبار الجنرالات والقادة في المؤسسة العسكرية ما يمنحها فرصة نهب كنوز مصر مع تخصيص عمولة للجنرالات الفسدة .

ورغم الإعلان عن اكتشاف المنجم في 1995  إلا أن بداية التنقيب فيه لم تبدأ إلا بعد 14 عامًا من اكتشافه، تحديدًا في 2009، وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام حينها، واتهامات طالت قيادات نافذة بنظام مبارك والمؤسسة العسكرية باستخراج الذهب سرا لصالح هذه الجهات التي ترتبط بشبكة المصالح التي تهيمن على مفاصل البلادالسياسية والاقتصادية. فلم يخرج منجم السكري للنور إلا منذ سنوات قليلة مضت، حين تناقلت بعض وسائل الإعلام أنباء تشير إلى وجود منجم يحتوي على كميات كبيرة من الذهب يتم استخراجها وتصديرها إلى كندا بصورة غير معلنة، وهو ما سلط الأضواء حياله بصورة كبيرة.

وكان سامي الراجحي خبير المناجم الذهبية ورئيس شركة "سنتامين" إحدى الجهتين المسؤولتين عن إدارة المنجم بالمشاركة مع هيئة الثروة المعدنية المصرية، أشار في تصريحات سابقة له إلى عدة حقائق:

أولا،  منجم السكري أحد أكبر 10مناجم في العالم، وأن إنتاج شركته من المنجم في تزايد مستمر، حيث بدأ بـ100 ألف أوقية (الأوقية تساوي 29.75 جرام) سنويًا، ثم ارتفعت إلى 200 ألف ثم 300 ألف وصولاً إلى تخطي حاجز الـ400 ألف وقية عام 2015، و600 ألف في 2016.

ثانيا، المنجم به احتياطي يكفي لاستخراج 500 ألف أوقية سنويًا لمدة 25 عامًا.

ثالثا، هناك العديد من المناجم القريبة من السكري يمكن العمل عليها ، وأن هذه الثروة ستنقل مصر نقلة جديدة حال استغلالها بصورة سليمة. كما هو الحال في منطقة "حمش" التي تقع على بعد 100 كم غرب مدينة مرسى علم بالصحراء الشرقية، حيث أنتجت أول سبيكة تجريبية من المنجم عام 2007، وكان من المفترض أن يبلغ معدل الإنتاج 15000 أوقية عام 2010 إلا أن عمليات الإنتاج لم تتم بالصورة الكاملة، للعديد من الأسباب، مما تسبب في توقف العمل به لفترة طويلة وسط شكوك حول القرار.

رابعا، يؤكد  على بركات رئيس شركة "السكرى لمناجم الذهب"، وهي الشركة الأم الناتجة عن دمج شركة "سنتامين" و"هيئة الثروة المعدنية"، أن استثمارات منجم السكرى بلغت نحو 1.7 مليار دولار،  وأن الإنتاج الإجمالي له بلغ نحو 80 كيلو من الذهب يوميًا، كما أن حجم التصدير الأسبوعي يتراوح بين 350 - 400 كيلو ذهب لتنقيته بالمعامل الكندية.

وقد أكد الدكتور يحيى قزاز الجيولوجي السابق بهيئة المساحة الجيولوجية وأستاذ الجيولوجيا بجامعة حلوان والمعتقل حاليًا، في حوار سابق له أن منجم السكري يشهد عملية نهب وغسيل أموال منظمة من قبل عائلة "الراجحي" صاحبة شركة "سنتامين"، والسلطات المصرية لم تتدخل لحماية المنجم من السرقة، لوجود بعض لواءات الجيش المتقاعدين يعملون في مجال التعدين، ويستفيدون من هذه العمليات، واصفًا ما يحدث بأنه نهب لثروات مصر.

والمثير حقا أن النظام لا يريد إنشاء معمل لتنقية الذهب، بتكلفة لن تزيد على "100" مليون دولار؛ وهو ما  سيحول مصر إلى مركز رئيسى لتنقية الذهب،  لكن يبدو أن التعتميم وعدم الشفافية مقصودان من أجل التستر والتغطية على عمليات الفساد والنهب المنظم.

وأعلن وزير البترول، طارق الملا، أن حجم إنتاج منجم السكري من الذهب بلغ 83 طناً (غير تام النقاوة)، في 7 فبراير 2017، بإجمالي حجم مبيعات بلغ 2.7 مليار دولار، دخل منها الخزانة العامة للدولة 146 مليون دولار، صافي ربح، إضافة إلى الإتاوة، بعد سفر الذهب إلى الخارج لتنقيته في 7 معامل حول العالم. [4] وهو ما يكشف حجم المكسب الرهيب الذي تحققه الشركات العالمية بينما تحصل مصر على الفتات ما يؤكد وجود عمولات وسمسمرة لقيادات نافذة بالدولة وهو ما يستوجب محاكمة المسئولين عن هذه الاتفاقات التي تخدم الأجانب على حساب ثرواتنا وأموالنا.

 

مافيا النهب المنظم «300 مليارا سنويا»

وكان قطاع التعدين يعمل وفقا للقانون رقم 86 لسنة 1956 الخاص باستغلال وتأجير  المناجم والمحاجر.. وطوال هذه الفترة.. أي ما يقرب من 59 عاماً.. لم يفكر مسئول واحد في الدولة لتغيير هذا القانون الذي من المفترض أن يحمي ثروات مصر.. إذ به يهدرها ويتركها للنهب والسلب لصالح قلة من  المستأجرين والمستغلين.. مما ضيع علي الدولة  مليارات الجنيهات سنوياً.. وصدر قانون جديد في بداية هذا العام «2015» وبدأت الدولة تطبيق لائحته التنفيذية.. ورغم ذلك مازالت المليارات تضيع علي مصر.. كيف؟!

تخضع المحاجر للمحليات.. هي التي تصدر لها التراخيص.. وتنتج المحاجر: الرمل، الزلط، الرخام، الجرانيت، الطفلة، السن، الحجر الجيري، الطوب الحجري، الجبس، البلوك لاي، بازالت، البستر، دبش، الملح. أما المناجم.. فتخضع لولاية هيئة المساحة الجيولوجية.. وهي التي تقوم بتسعير المواد الخام المستخرجة منها.. ويستخرج من المناجم 35 نوعاً من بينها: الذهب، الحديد، الفوسفات، المنجنيز، الفحم، النحاس، الشبة، الكوارتز، أكسيد الرصاص، الفلسبار، الكروميت، الميكا، وغيرها.. وهي مواد تدخل في مئات الصناعات الثقيلة، والخفيفة وتعتمد عليها بشكل كبير.. والتوسع في تصنيع واستخلاص هذه المواد يقلل من استيراد المستخرجات التي تدخل في تلك الصناعات.. بل يجعل مصر إحدي الدول المصدرة لها.

والمشكلة تكمن محورين: الأول يتعلق بتراخيص المحاجر والمناجم.. حيث ثبت أن عدد المحاجر المرخص لها تبلغ 1698 محجراً فقط «هذه الأرقام رسمية».. بينما تعمل في مصر 5 آلاف محجر.. أي أن هناك 3302 محجر بدون ترخيص.. تنهب ثروات مصر دون أن تسدد للدولة مليماً واحداً.. هذه المحاجر تعمل تحت سمع وبصر الدولة بكل أجهزتها.. من يتستر عليها.. ولمصلحة من؟!.. ومن هم المستفيدون من هذا الوضع؟! أما  المناجم.. فإن عدد المناجم المرخص لها فيبلغ 254 منجما فقط.. وهي تمثل نسبة ضئيلة جداً من المناجم العاملة في مصر.. والتي يتم نهبها بعيداً عن الدولة.. وتديرها عصابات تربح المليارات.

أما المحور الثاني: فهو يتعلق بالأسعار التي فرضتها  الدولة لكل خام.. فالدولة تقوم بتحصيل 9 ملايين جنيه فقط من  محاجر الرخام المرخصة وعددها 238 محجراً فقط وبأسعار منذ عام  1956.. ومن ثم فإنه بتحريك تلك الأسعار بما يتواكب مع أسعار 2015.. إضافة الي تحصيل الدولة الأموال من عدد محاجر الرخام الحقيقية وعددها 1800 محجر.. فإن الدولة يمكنها تحصيل ما يزيد علي 10 مليارات جنيه من محاجر الرخام فقط.. والمصيبة أن الدولة تبيع المتر المكعب من الرمل بثلاثة جنيهات.. بينما يباع للمستهلك بـ 50 جنيها «!!».. وقس علي ذلك باقي الخامات الأخري التي تستخرج من المحاجر والمناجم!! فليس من المنطق أن يكون دخل مصر من المحاجر والمناجم 50 مليون جنيه فقط»!!».. هذه كارثة.. في حين أنها يمكن أن توفر لمصر ما يزيد علي 300 مليار جنيه سنوياً.. أي ما يزيد علي دخل قناة السويس بثلاثة أضعاف.[5]

 

الجيش يهمن على البترول والتعدين

 وإذا كانت إمبراطورية الجيش الاقتصادية قد امتدت إلى جميع مفاصل وقطاعات الدولة، فإن سيطرة الجيش على قطاع التعدين تدار على طريقتين، الأولى: استخراج رخص التعدين والاستخراج من المحاجر، وتتم عبر مرحلتين، الحصول على موافقة من الجيش، ثم إصدار رخصة استخدام المحجر أو المنجم من مجالس المحافظات، وهذا ما يفسر كيفية توزيع المحافظين من ضباط الشرطة والجيش والمخابرات العامة على المحافظات، ومن ثم فإن المحافظ القادم من الجيش يمنح تلك الرخص لأشخاص مرتبطين بالجيش، والقادم من الشرطة يمنحها لأشخاص مرتبطين بالشرطة وهكذا، وعلى هذا تجري منح تلك الترخيصات لأشخاص بعينهم خاصة في مناجم الذهب كما هو الحال في منجم السكري، ومحاجر الفوسفات وغيرها.

الثانية: نقل مستخرجات المحاجر والمناجم داخليًا، ويسيطر الجيش عليها من خلال إحكام قبضته على جميع الطرق السريعة الواصلة بين المدن والمحافظات المصرية ومن خلال شبكة الطرق الجديدة المسماة بشبكة الطرق القومية التي يريد الجيش إنشاؤها، فأي مستخرِج من محجر أو منجم عليه أن يدفع جباية عند نقله لشحنته من خارج أرض المحجر للجيش ويدفع مرة أخرى عندما يخرج بها من المحافظة ويدفع مرة أخرى للجيش عندما يدخل بها محافظة أخرى. وهذا ما دفع شريحة كبيرة من مواطني حي حدائق المعادي والبساتين العاملين بمحاجر شق الثعبان للرخام يخسرون من تلك الجباية ودفع بعضهم لاتخاذ طرق جبلية وعرة تسببت بحوادث عديدة، ثم عندما تظاهر ائتلاف العاملين بمحاجر شق الثعبان أطلق عليهم الجيش الرصاص.

ودليلا على هيمنة الجيش على قطاع المناجم والمحاجر ما حدث في أزمة منجم منطقة أبو غلقة بالصحراء الشرقية التابعة لمحافظة البحر الأحمر، ويستخرج منه مادتي التيتانيوم والإلمنايت المستخدمة في تصنيع الدهانات، فالمنجم كان تابعًا تقليديًا لشركة النصر للتعدين وهي شركة قطاع عام حكومية ثم حدث تنازع على ملكيته بعهد مبارك بين الجيش وشركة النصر للتعدين حكمت فيه القضاء الإداري لصالح شركة النصر عام 2008 ولكن بقي النزاع إلى أن أتت الثورة وبعدها مباشرة تقدمت قوات من الجيش الثالث الميداني للاستيلاء على المنجم بوضع اليد وطردت منه العاملين التابعين لشركة النصر بقوة السلاح وهو إلى الآن تابع للقوات المسلحة.[6]

وفي ملف الطاقة، فعلى الرغم من أنه قطاع اليد العليا به للمخابرات العامة والبيروقراطية ولكن الجيش بدوره لديه نفوذ به وهذا من خلال مساهمة الجيش عبر وزارة الإنتاج الحربي في شركة ثروة للبترول، ومن خلال شركة ثروة للبترول تدخل في عدة شراكات منها شراكة مع بتروجيت وإنبي وشركة صينية حكومية هي سيتشوان هونجوا لتكوين الشركة المصرية الصينية لتصنيع وحدات الحفر، ورأس المال لتلك الشركة من خلال صندوق الاستثمار الصيني المصري المشترك.  كذلك شراكة مع شركة صينية أخرى وهي سينوبيك لتكوين شركة سينو ثروة لمعدات الحفر وكذلك شراكة مع شركة بريدا الإيطالية لتكوين شركة ثروة بريدا للخدمات البترولية. وتلك الشراكات لكونها بالأساس مع جهات سيادية مشاركة بقطاع الطاقة ومنها الجيش تتحول بدورها لرأس مال سياسي يصمد أمام أي هزات كحادثة مقتل ريجيني الشهيرة، فبالنهاية كم يساوي دم ريجيني أمام شراكة مع إيني الإيطالية أو بريدا؟! وكذلك يتم تحويله لرأس مال سياسي في توحيد المواقف بالنسبة للأزمة الليبية لدعم مليشيا خليفة حفتر وتمكينه من حكم ليبيا.

 

والغاز للمخابرات

وفي إطار تقاسم الثروة على ما تسمى بالأجهزة السيادية، فالبترول تهمين عليه شركات تابعة للجيش أما الغاز فتسيطر على صفقاته شركات تابعة لجهاز المخابرات العامة، منذ أيام عمر سليمان وحسين سالم، وكشفت تحقيقات استقصائية أن الشركات المصرية التي تقف وراء صفقة الغاز مع الصهانية والتي تبلغ 15 مليار دولار على مدار 10 سنوات وأن التأكيد المتكرر للمسؤولين المصريين عن كون الاتفاق مقتصرًا على القطاع الخاص و«خارج الإطار الحكومي» لا يمثل سوى نصف الحقيقة.

تكشف المستندات أن شركة غاز الشرق -الرابح الأكبر من استيراد غاز إسرائيل وإعادة بيعه للدولة المصرية- هي بالفعل شركة خاصة، ولكن غالبية أسهمها مملوكة لجهاز المخابرات العامة المصرية، الذي يحصل على 80% من أرباحها لحسابه، وأن الرئيس التنفيذي للشركة محمد شعيب تم تعيينه بمجلس إدارتها ممثلًا عن الجهاز، بل وأن رئيس مجلس إدارة الشركة هو في الواقع كان دائمًا وكيل أو نائب رئيس جهاز المخابرات العامة.

كما تكشف المستندات وجود شركة أخرى دخلت فيها المخابرات العامة بقيمة النصف مع الشركة المصرية التي ستشتري الغاز الإسرائيلي؛ «دولفينوس القابضة». ومن أجل إتمام الصفقة، مع إخفاء اللاعبين المصريين الحقيقيين والمستفيدين من أرباحها، وإعفائهم من دفع الضرائب، وحمايتهم من أية مساءلة قانونية محتملة، شهدت الأشهر الماضية نشاطًا مصريًا محمومًا لإنشاء عدد من شركات الواجهة، في شبكة تمتد بين جزر العذراء البريطانية ولوكسمبورج وسويسرا وهولندا، ولا تعبر الأراضي المصرية على الإطلاق.[7]

خلاصة القول، أن ثروات مصر من الطاقة والمعادن إما مهدورة أو منهوبة، والكارثة تتعلق بمنظومة إدارة ثروات مصر التعدينية، من خلال غياب الوعي بكيفية استغلال موارد الوطن، في ظل عقم واضح في الفكر والإدارة، فشل في أن يضع مصر في ضوء ما تمتلكه من مقومات وثروات على خارطة الاقتصاد العالمي، في الوقت الذي تصدرت فيه دول أخرى المشهد وهي لا تملك جزءًا ضئيلاً مما تملكه مصر، وهنا لا بد من إعادة النظر في العقليات التي تدير هذه المنظومة، فليس من المعقول أن يتم استخراج الذهب الخام من مناجم الوطن ثم يتم تصديره لتنقيته إلى كندا ويتم استيراده بمبالغ طائلة تفوق ما تم استخراجه وتصديره.

ثانيا: ثمة محاولة متعمدة لنهب هذه الثروات سواء من قبل من لهم علاقة بالسلطة وصناع القرار أو مافيا العصابات الدولية بالتواطؤ أيضًا مع بعض العناصر الداخلية، وهو ما يعززه الغياب المتعمد للبيانات المتعلقة بهذه الثروات الضخمة، فليس من المعقول أن دولة بحجم مصر لا تمتلك قاعدة بيانات حقيقية عن المناجم ومحتواها ومعدلات إنتاجها، كما أن إسناد مهام استخراج تلك الثروات لشركات بعينها دون غيرها يضع العديد من علامات الاستفهام أيضًا.

وعلى أية حال سواء كانت الأزمة في الإدارة وفشلا في استغلال تلك الثروات سواء من حيث التنقيب أو التسويق، أو كانت نهبًا متعمدًا من قبل ذوي القوة والسلطة من هنا أو هناك، فالنتيجة واحدة، وهي أن المواطن المصري كالعادة لا يزداد إلا جوعا و فقرًا.

 

 

 

 

 

 



[1] الفقرة الأولى وردت على لسان السيسي في مؤتمر الشباب بأسوان 28 يناير2017م.. والثانية في 14 مايو 2017 عندما كان يفتتح عدة مشروعات بقنا

[2] منال الغمرى/ التعدين.. ثروة مصر غير المستغلة/ الأهرام  السبت 10 سبتمبر 2016

[3] انظر تصريحات الخبير الاقتصادي أحمد خزيم فريق التحرير/ثروات مصر المدفونة.. منهوبة أم مهدرة؟/نون بوست 22 مارس 2017

 

[4] 2.7 مليار دولار حجم مبيعات الذهب في منجم مصري/العربي الجديد 13 فبراير 2017

 

[5]سيد عبدالعاطي/ المحاجر والمناجم.. وليمة للنهب والسلب.. وضياع 300 مليار جنيه سنوياً/ الوفد  الأربعاء 14 أكتوبر 2015

[6] فريق التحرير/ جنرالات الذهب.. هل أتاك حديث عساكر الاقتصاد في مصر؟ (سابعًا قطاع الطاقة والتعدين)/ نون بوست 31 يناير 2017

 

[7] حسام بهجت/ من يشتري غاز إسرائيل؟ شركة مملوكة للمخابرات المصرية/ مدى مصر 21 أكتوبر 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة