من الدبلوماسيين للقضاة والدعاة ....

 من الدبلوماسيين للقضاة والدعاة ....

أكاديميات التأهيل العسكري بديلا للاتحاد الاشتراكي لصناعة دولة عميقة مغلقة

 

 

على قاعدة «العسكرة منهج حياة»، يمضي جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي، نحو عسكرة كل شيء في مصر، فعسكرة الاقتصاد أفضت إلى تحولات  ضخمة في عقيدة الجيش ونفسية الضباط؛  حيث تحول الجنرالات من رجال حرب وظيفتهم حماية الحدود ومواجهة أي عدوان إلى رجال "بيزنس"  تعنيهم الصفقات  وتغريهم الأموال، وعسكرة مؤسسات  الدولة في الوزارات والمحافظات وهيمنة الجيش على الفضاء السياسي واحتكاره للفضاء الإعلامي؛ أفضى إلى تطلع الجنرالات نحو المناصب وبسط النفوذ  وإرضاء النظام بالتزلف له. ما أدى إلى تفشي النفاق والخنوع واسترضاء النظام بأي شكل ولو على حساب الوطن بقيمه وحضارته وشعبه وترابه الوطني.

وبعد عسكرة السياسة والاقتصاد والإعلام تمتد العسكرة نحو دوائر مدنية جديدة لتصبغ جميع مفاصل الدول والحياة في مصر بصبغة عسكرية خالصة حتى تضاءلت فيها النكهة المدنية حد  الانزواء والتلاشي. وكان آخر هذه الدوائر التي يدفع النظام بها نحو الصبغة العسكرية الخالصة القضاء والدعاة؛ حيث تم الإعلان مؤخرا عن أكاديمتين: الأولى للقضاء لتفرز جيلا جديدا من القضاة مصبوغ بصبغة عسكرية خالصة ولاؤه للنظام لا العدالة وانحيازة للسلطة لا للشعب والقانون. والثانية: لدعاة الأزهر والأوقاف؛ بهدف تخريج جيل جديد من الدعاة الشباب ولاءهم المطلق للنظام يتربون على "الإسلام الرسمي" هو الإسلام الكيوت الذي يسوق له ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد  ويدعمه في ذلك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. إنه ببساطة «الإسلام العلماني» منزوع الجهاد والسياسة والأحكام.. هو الإسلام السعودي الذي يدعو إلى عدم الخروج على الحكام المستبدين حتى لو جاءوا بطرق غير شرعية ووالوا أعداء الإسلام والأمة وانحرفوا عن الإسلام انحرافا مبينا فقتلوا ونهبوا وباتوا مجرمين على عرش السلطة؛  وهو تصور يحول الإسلام إلى «سلعة» تأخذ منه ما تشاء وتدع منه ما تشاء...

عسكرة القضاة

عسكرة القضاء بدأت منذ وقت مبكر، فلا يصل إلى المراتب العليا في منظومة القضاء إلا أولئك الذين وافقت عليهم أجهزة السيسي الأمنية، فوزير العدل وهو موظف حكومي تعينه السلطة هو من يتحكم فعليا في دهاليز منظومة القضاء وتشكيل مجلس القضاء الأعلى، بخلاف عدم تعيين إلا من توافق عليهم الأجهزة الأمنية في سلك القضاء من عائلات معينة معروفة بولائها للسلطة على مختلف العصور، إضافة إلى عمليات التوريث الفجة، والزج بالآلاف من ضباط وخريجي الشرطة عمدا من أجل السيطرة على منظومة القضاء وهو أمر معمول به منذ عقود. تزايدت وتيرته بعد بروز تيار استقلال القضاء مع بدايات الآلفية الجديدة.

وبعد الانقلاب منتصف 2013، بدأت السلطة إجراءات حادة تستهدف الهيمنة المطلقة على منظومة القضاء، وأطاحت بمئات القضاة الذين لم ينصاعوا للانقلاب على الدستور والقانون والرئيس المنتخب، ووجدوا في ذلك خطورة لا تهدد منظومة القضاء فقط بل تهدد استقرار البلاد ووحدتها، كما بدأت العسكرة بتشكيل ما تسمى بدوائر الإرهاب بعد الانقلاب مباشرة؛ وهم أحط الناس بين القضاة ولاؤهم المطلق للنظام على حساب قيم الحق والعدالة التي أقسموا على حمايتها وتحقيقها بين الناس، والأرجح أن هؤلاء هم  عدد من أولئك الذين تبوؤوا  مناصبهم عبر  الفساد والمحسوبية واحتلوا مكانة غيرهم  من المتفوقين، وربما تمسك عليهم الأجهزة الأمنية وثائق وأدلة مشينة تبتزهم بها فباتوا في يد السلطة ألعوبة يتلقون الأحكام بأوامر مباشرة من سلطات الانقلاب عبر مكالمة هاتفية صغيرة ويعصفون بكل الأدلة التي تؤكد براءة المتهمين انصياعا تاما ومطلقا لأوامر السلطة ورغباتها التي تكون غالبا ضد الحق والعدالة.

وكان تصديق الجنرال على قانون السلطة القضائية يوم الخميس 27 أبريل 2017م، الذي وافق عليه برلمانه قبلها بيوم واحد، رغم الرفض الواسع من جانب القضاة لهذه التعديلات؛ انعكاسا لتعجل النظام نحو مزيد من عسكرة ا لمؤسسة القضائية، وفرضا لوصاية السلطة على جميع مفاصل القضاء من الألف إلى الياء. هذه التعديلات، عصفت بما كان قد تبقى من استقلال القضاء، وناقضت الدستور الذي ينص على ضمان استقلال مؤسسة القضاء، وتجاهلت أزمات القضاء المزمنة، واكتفت بمنح  رئيس الجمهورية سلطة الاختيار من بين ثلاثة مرشحين لكل منصب بعد أن كان سابقا يقوم بتعيين من يرشحه القضاة أنفسهم. وبرغم أن العرف كان مستقرا على ترشيح أكبر القضاة سنا لكل من الهيئات الثلاث، إلا أن التعديلات الأخيرة ليست ثانوية ولا شكلية لأنها جعلت من قرار رئيس الجمهورية أداة اختيار بعد أن كان أداة تعيين، بما ينتقص رمزيا وفعليا من استقلال السلطة القضائية.

الغريب في الأمر أن هذه التعديلات تم تمريرها خصيصا من أجل الإطاحة بالمستشار يحيى الدكروري الذي أحرج نظام الانقلاب بحكمه التاريخي الشهير بمصرية جزيرتي "تيران وصنافير" اللتين تنازل عنها السيسي للجانب السعودي في صفقة  مشبوهة ستبقى عارا  يلاحق الجنرال والمؤسسة العسكرية أبد الدهر. هذه التعديلات فسرها واحد من أكبر داعمي الانقلاب بأنها لا تستهدف سوى  الرغبة فى السيطرة على كل شىء، البرلمان والإعلام والاقتصاد والمجتمع المدنى وحتى القضاء، والاعتقاد بأن إدارة البلد تسهل لو التزمت كل مؤسساته بالولاء المطلق والخنوع التام".[1]

لكن الجنرال لا يكفيه الأحكام المسيسة التي تناقض الأدلة ولا تستند إلا على تحريات الأمن الوطني، ولا يكفيه الانصياع التام من جانب القضاء إلا قليلا، وبعد أن صادر استقلال القضاء في الماضي والحاضر يريد أن يفرض وصايته على المستقبل بحرمان الأجيال القادمة من حقها في سلطة قضائية مستقلة؛ لذلك جاءت فكرة  إنشاء "أكاديمية" جديدة لتخريج القضاة الجدد لا هدف منها سوى مزيد من عسكرة المؤسسة القضائية والعصف الكامل بما يسمى باستقلال القضاء.

في هذه الإطار وتلك التوجهات التي تهدف إلى الهيمنة على قواعد السلطات والهيئات القضائية المختلفة في الدولة، تبحث وزارة العدل مع هيئة الرقابة الإدارية والمخابرات العامة مشروع الأكاديمية الجديدة التي سيتم منحها سلطات واسعة تلغي تقريباً صلاحيات المجالس العليا للهيئات القضائية في اختيار أعضائها الجدد من بين خريجي كليات الحقوق والشرطة والشريعة في الجامعات المختلفة، وتخلق حاضنة جديدة لتفريخ جيل جديد من القضاة بمعايير أمنية ورقابية طاغية على معايير الكفاءة العلمية والقانونية.[2]

المشروع الجديد يتضمن الإجراءات الآتية:

أولا، إنشاء هيئة تعليمية دائمة باسم "أكاديمية القضاة" تكون تابعة لوزارة العدل، يلتحق بها دورياً جميع الخريجين الجدد الذين تختارهم المجالس العليا للهيئات القضائية كمرشحين للعمل في تلك الهيئات، كمعاونين للنيابة العامة أو قضاة في مجلس الدولة أو أعضاء في النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة. فبعد اختيار المرشحين بواسطة اختبار تحريري وآخر شفهي واجتيازهم اختبار القبول، وبعد إرسال أسماء المرشحين لجهاز الأمن الوطني وهيئة الرقابة الإدارية للإفادة بالتحريات الأمنية والمالية عنهم وعن ذويهم، سيتم إلحاق المرشحين المجازين أمنياً ورقابياً بالأكاديمية، لبدء فترة دراسة ومعايشة تستغرق 6 أشهر تقريباً، سيتم من خلالها تحديد القضاة الجدد، مع خروج باقي المرشحين خاليي الوفاض.

ثانيا، وفق المشروع، ستكون نصف المواد التي سيدرسها طلاب هذه الأكاديمية ذات طابع قانوني متصل بعملهم القضائي المستقبلي، أما باقي المواد فستكون ذات طابع أمني وعسكري وسياسي ودبلوماسي، وسيُلقّنون محاضرات عن حروب المعلومات والأمن الاستراتيجي، شبيهة بالمواد التي يدرسها طلاب أكاديمية ناصر العسكرية والأكاديمية الوطنية لتأهيل الشباب للقيادة حاليًا.

ثالثا، إلى جانب الدراسة، ستُخصص فترة معايشة داخل الأكاديمية، ستكون فرصة مثالية لمتابعة المرشحين عن كثب، وإعداد تقارير عن طباعهم الفكرية واتجاهاتهم السياسية، ومقترحاتهم لتطوير الهيئات القضائية التي سيعملون بها، وآرائهم في القضايا ذات الطابع القانوني التي تشغل الرأي العام، والأنشطة التشريعية.

ودفع النظام إلى فكرة هذه الأكاديمية "الزيادة المفرطة في عدد القضاة الشباب الذين يستقيلون من الهيئات المختلفة بعد قضاء بضعة أعوام نتيجة عدم رضاهم عن الطريقة التي يدار بها القضاء، أو لضيقهم ذرعاً من التدخلات الإدارية والأمنية في عملهم، أو لتبنّيهم مواقف معارضة للنظام، بعدما كانت التقارير الأمنية عنهم على ما يرام وقت تعيينهم في القضاء".

 

"الكاب فوق العمامة"

أما «أكاديمية الأوقاف»،  فهي ترجمة عملية لما طلبه جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي،  من قبل وأشار إليه في احتفالية يوم الإثنين 19 نوفمبر 2018م بالمولد النبوي الشريف وتحت عنوان "تجديد الخطاب الديني" و"تاهيل وتدريب الآئمة"، يمضي الوزير محمد مختار جمعة في تجنيد الدعاة والأئمة لخدمة السلطة وتربيتهم على الولاء المطلق للنظام وفق قاعدة «السلطة فوق الدعوة، والنظام فوق الدولة»، وهو ما أكده الشيخ جابر طايع في مداخلة هاتفية على قناة "تن" بأن الهدف هو تخريج جيل من الشباب وفق المنهج الذي حدده الجنرال السيسي!.

كما تستهدف الأوقاف من هذه الأكاديمية التصدي  لما أسمتها بفوضى الفتاوى التكفيرية؛ وبالطبع ذلك سيكون اعتمادا على فتاوى تكفر الرافضين للنظام لكنه تكفير يختلف عن تكفير داعش؛ فتكفير داعش تكفير ديني، أما تكفير الأوقاف وشيوخ السلطة فيشمل التكفير على مستويين: الديني والوطني؛ وذلك ليس بغريب على شيوخ السلطة فقد سبق لعلي  جمعة مفتي العسكر أن وصف الرافضين للانقلاب بأنهم "ناس نتنة.. لا يستحقون مصريتنا" مطالبا عناصر الجيش والشرطة بالضرب في المليان، وأن قتلهم يعد تقربا إلى الله ورسوله! في صورة من أبشع صور التكفير الديني والوطني والتحريض على القتل على خلفية الفكر والانتماء تتقازم أمامها فتاوى داعش والقاعدة وغيرها.

هذه الأكاديمية بحسب تصريحات الوزير،  تستهدف تدريب الأئمة والواعظات وإعداد المدربين بمدينة السادس من أكتوبر بالجيزة ، مجهزةٍ بأحدث التجهيزات العصرية: معمل لغات ومعمل حاسبات وقاعة ترجمة كبرى وقاعات تدريبية وغرف فندقية، على إجمالي مساحات تتجاوز بأدوارها المتكررة أحد عشر ألف متر مربعِ بتكلفة إجمالية تزيد على مائة مليون جنيه من الموارد الذاتية للوزارة، وذلك لتأهيل وتدريب الأئمة وإعداد المدربين من داخل مصر وخارجها.[3]

بداية التفكير في أكاديمية تدريب الدعاة يعود إلى نهاية عام 2015، بمناقشة الوزارة وضع خطة لإنشاء أكاديمية للدعاة تزلفا للجنرال وترجمة لدعوته حول ما يسمى بتجديد الخطاب الديني، وأعلن الوزير افتتاح الأكاديمية في يناير 2016، وتم تقديم مجموعة من الدورات في اللغات «الإنجليزية والفرنسية والألمانية» وتخرجت دفعة واحدة وتم تجميد نشاط الأكاديمية دون أية مقدمات.

بعد تجميد مشروع الأكاديمية بعد افتتاحها في 2016 لأسباب غير معروفة، طفت على السطح مجددا في احتفالية المولد النبوي الأخيرة. وحدد الوزير الهدف منها بأنها تأتي ترجمة لما طلبه جنرال الانقلاب بــ«تكوين الإمام المثقف المستنير الملم بعلوم العصر وقضاياه المتعددة»  وذلك بالطبع مرهون بالولاء المطلق للنظام والانصياع التام للسلطة؛ وإلا فإن هناك الآلاف من الدعاة يمتلكون هذه الأدوات كاملة؛ لكنهم لا يحظون برضا السلطة ولا ترقيات الوزير لأمور تتعلق بمواقفهم السياسية من النظام وتمسكهم بأخلاق الإسلام التي تمنعهم من التزلف للوزير أو النفاق للسلطة.

وانعكاسا لحالة التنازع القائم بين مكونات المؤسسة الدينية "الأزهر والأوقاف والإفتاء"  كان الأزهر قد أعلن عن أكاديمية مماثلة، لكنها بالطبع تختلف عن أكاديمة مختار جمعة؛ فأكاديمية الأزهر  تستهدف  تخريج دعاة مؤمنين بقيمة التراث وقيمة الأزهر ورسالته في حماية منهج الأزهر الممتد  لأاكثر من ألف عام، يوازن بين علوم التراث وعلوم العصر في صياغة متوازنة لا تقبل التطاول على الثوابت أو المس بها تحت أي دعاوى، وهو ما يتضح من خلال مواقف شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي وقف أمام شطحات السيسي وانحرافاته في عدة قضايا مهمة منها محاولات السيسي السطو على أموال الأوقاف ما رفضه الأزهر بشدة مؤكدا أن «وقف الواقف كنص الشارع»، ومنها الموقف من الطلاق الشفهي ومنها كذلك الموقف مما يسمى بتجديد الخطاب الديني  ففي الوقت الذي يبدي فيه مختار جمعة تزلفا وتجاوبا مطلقا مع السلطة وانصياعا تاما للنظام، فإن شيخ الأزهر  يبدي وقار الأزهر وصموده أمام دعوات التجريح والتطاول حتى لو جاءت من أعلى هرم سلطة مستبدة تحت دعاوى التطوير والتجديد.

وسبق أن اعتمد وزير الأوقاف  في أواخر أكتوبر الماضي، تشكيل مجلس أمناء أكاديمية الأوقاف المصرية لتأهيل وتدريب الأئمة والواعظات وإعداد المدربين من داخل مصر وخارجها.  ويضم مجلس أمناء الأكاديمية وزير الأوقاف مختار جمعة رئيسا لمجلس الأمناء وعضوية كل من الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية، والدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق، والدكتور مصطفى الفقى رئيس مكتبة الإسكندرية، والدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق، والأستاذ الدكتور أسامة محمد العبد رئيس جامعة الأزهر الأسبق".  كما يضم :"الدكتور حسين عيسى رئيس جامعة عين شمس السابق، والدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، والدكتور عبد الله النجار عضو مجمع البحوث وعميد كلية الدراسات العليا الأسبق بجامعة الأزهر، والدكتور بكر زكى عوض عميد كلية أصول الدين السابق، والدكتور محمد سالم أبو عاصى عميد كلية الدراسات العليا الأسبق بجامعة الأزهر، والدكتور سامى عبد العزيز عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، والدكتورة آمنة نصير عميدة كلية الدراسات الإنسانية بنات بجامعة الأزهر الأسبق، والدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة الأسبق".

 

العسكرة منهج حياة

بعد عسكرة الاقتصاد وامتداد إمبراطورية الجيش الاقتصادية إلى كل شي؛ حتى تحول القادة والضباط إلى رجال أعمال لا محاربين ، وبعد حتكار الفضاء السياسي والإعلامي ما يغري الضباط إلى التزلف والنفاق من أجل الحصول على مناصب وامتيازات على حساب مهتهم الرئيسية، باتت العسكرة في كل شيء في الوزارات والمحافظات والمحليات والشركات ونافست القطاع المدني والخاص في كل شيء واحتكرت العسكرة كل شيء.  وحتى الشباب، أنشأ السيسي ما يسمى ببرنامج الشباب الرئاسي، الذي أطلقه «السيسي» في سبتمبر/أيلول 2015، وهدفه المزعوم «تخريج قيادات شابة قادرة على الإدارة وتولي المسؤولية والمناصب القيادية وفقا لأساليب الإدارة الحديثة». ويحصل المنخرط في البرنامج – حسب القائمين عليه – على 7 دورات تشمل التثقيف السياسي والاقتصادي والإعلامي تحت إشراف مؤسسات وقيادات تابعة للجيش والمخابرات.  والدليل على خطورة هذا التنظيم أن حركة المحافظين الأخيرة التي أعلنت الخميس 30 أغسطس 2018م، شهدت تواجد 6 من شباب هذا التنظيم كنواب محافظين من بين 17هم مجمل من تم اختيارهم بنسبة تصل إلى 35% تقريبا من الذين شملتهم الحركة.[4]

أما في السلك الدبلوماسي فقد تم تغيير العقيدة المهنية من جذورها، فبعد 4 سنوات من حكم السيسي ، تم خلالها إبعاد جميع السفراء والدبلوماسيين غير المؤيدين للنظام أو المتعاطفين مع ثورة 25 يناير 2011 عن المناصب والمهام رفيعة المستوى، كرّس النظام استراتيجية جديدة لتأهيل الشباب الملتحقين بوزارة الخارجية للعمل بأول درجاتها المهنية، يتمثل في إرضاخهم للمفاهيم العسكرية والأمنية وجعل ولائهم للقيادة العسكرية. حيث يتم إلحاق الخريجين المقبولين بدورات تأهيل في أكاديمية ناصر العسكرية، وبمعسكرات مغلقة يحاضر فيها مسؤولون بوزارة الدفاع وعدد من الأجهزة الاستخباراتية والأمنية".[5]

وفي قطاع الإعلام، هيمنت المؤسسة العسكرة عبر المخابرات العامة على جميع الفضائيات والصحف والمواقع، كما احتكرت سوق الدراما، ولا يقف الأمر عند ذلك فقط بل  يعقد المجلس الأعلى للإعلام برئاسة مكرم محمد أحمد ما تسمى بدورات تثقيفية للدراسات الاستراتيجية والأمن القومي وفيها يتلقى رؤساء التحرير  وكبار الصحفيين والإعلاميين وشبابهم دورات مكثفة تقدمها أكاديمية ناصر العسكرية العليا من أجل تطويع الصحفيين والإعلاميين لخدمة النظام والولاء للسلطة فلا يتم ترشيح أحدهم لأي منصب إلا إذا حاز على هذه الدورات ولقي ترحيبا من جانب الأجهزة الأمنية وتحريات الأمن  الوطني.[6]

 

مخاطر العسكرة

عسكرة كل شيء في مصر، وهيمنة المؤسسة العسكرية على جميع مفاصل الدولة السياسية والإعلامية والاقتصادية،  ربما يحقق للمؤسسة العسكرية قدرا كبيرا من السيطرة والهيمنة على نظام الحكم، والتحكم كذلك في كل مفاصل الدولة، وربما يعتبره النظام ضمانة للسيطرة على أي غضب أو احتجاج جماهيري متوقع، لكنه في ذات الوقت  يتسبب في كثير من الأزمات والمخاطر، أهمها هروب المستثمرين المحليين والأجانب، لعدم تكافؤ الفرص في ظل الامتيازات الضخمة التي تتمتع بها الجهات التابعة للمؤسسة العسكرية في الأعمال المدنية كالهيئة الهندسية مثلا  أوغيرها، وهو ما حذرت منه بعثة صندوق النقد في إحدى  زياراتها للقاهرة وطالبت بتقليص  سيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد.

ثانيا، أفضى ذلك إلى كشف فضائح المنتسبين إلى المؤسسة العسكرية فهم فسدة مجرمون، ولصوص  مرتشون ما يناقض الصورة الوردية التي يروج لها الإعلام لمن يصفهم بخير أجناد الأرض! ولا شك أن ذلك يفضي إلى تآكل سمعة المؤسسة العسكرية ويبرهن على  أن التربية العسكرية تنطوي على جوانب خلل كثيرة أهمها حماية الفساد خصوصا وأن المؤسسة ذاتها لا تكترث كثيرا  بالانتقادات الموجهة لها بعدم الكشف عن أنشطتها الاقتصادية وأوجه الإنفاق بحجة أنها أسرار تتعلق بالأمن القومي.

ثالثا، هذه العسكرة للدولة والمجتمع، تسهم في تكريس السلطوية العسكرية والحكم الشمولي ، وما يترتب على ذلك من أزمات وكوارث تفاقمت بشدة خلال السنوات الماضية لا سيما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، و سوف تتحمل المؤسسة العسكرية كل هذه الأوزار باعتبارها  المؤسسة المهيمنة على البلاد منذ 6 عقود كاملة ولم تحقق أي نجاح يذكر في أي قطاع من قطاعات الدولة الصناعية أو الزراعية أو التجارية رغم الإمكانيات الضخمة والثروات الهائلة التي تتمتع بها مصر من موقع متميز وتملكها لثلث آثار العالم ومناخها المعتدل طوال العام.

رابعا، أمام هذه العسكرة،  من المتوقع أن تفضي إلى احتجاجات صاخبة على خلفية تردي الأوضاع وفشل اللواءات في إدارة شئون ومفاصل الدولة في الوزارات والمحافظات والهيئات، مع تردي الأوضاع الاقتصادية وعدم توقف موجات الغلاء الفاحش، وعدم قدرة عشرات الملايين من المصريين على إدارة حياتهم اليومية مع تآكل قيمة الأجور والمرتبات  فإن احتمالات اندلاع فوضى عارمة أو ثورة شاملة يكاد يكون احتمالا قائما بنسبة عالية مع استمرار هذه الأوضاع المزرية، وعسكرة كل مناحي الحياة.

 



[1] د.زياد بهاء الدين/ ما سر قانون السلطة القضائية؟/ بوابة الشروق الإثنين 01 مايو 2017م

[2] "أكاديمية القضاة": مشروع جديد يضمن سيطرة السيسي على المحاكم/ العربي الجديد 19 نوفمبر 2018

 

[3] أحلام حسنين/ الأوقاف: وفقا لمنهج السيسي.. (فيديو) بتكلفة 100 مليون جنيه.. تفاصيل «أكاديمية الأوقاف» لتدريب الدعاة/ مصر العربية  19 نوفمبر 2018

 

[4] محمد سامي/ بينهم 6 من شباب البرنامج الرئاسي.. ننشر أسماء 17 نائبًا للمحافظين/ مصراوي الخميس 30 أغسطس 2018

[5] مصر: تغيير عقيدة السلك الدبلوماسي وعسكرة تأهيل الملتحقين بالخارجية/العربي الجديد 4 أغسطس 2017

[6] أحمد البهنساوى /مكرم: دورات أكاديمية ناصر العسكرية مكون أساسي لوجدان كل صحفي/ الوطن  الثلاثاء 28 أغسطس 2018

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة