هل النظام السياسي بناء هرمي أم شبكة من التفاعلات؟

 


عن علاقة السيسي بجهاز الدولة

هل النظام السياسي بناء هرمي أم شبكة من التفاعلات؟

تختلف التصورات المتداولة عن طريقة عمل النظام السياسي داخل الدول، وتشتد حدة الخلاف في حال كان النظام شمولي أو سلطوي، حيث يهيمن على الحكم، نخبة صغيرة، يقبع في صدارتها شخص واحد، تدور حوله كل التفاعلات. وجوهر الخلاف حول المسار الذي تتخذه القرارات الصادرة عن سلطة الحكم، وعن فلسفة صنع القرار داخل النظام الحاكم.

فبينما هناك من يرى أن النظام السياسي عبارة عن بناء هيراركي/ هرمي صارم؛ حيث يصنع القرار في أعلى مستوى من بنية النظام، ويكون دور بقية بنية النظام هو تنفيذ القرار الصادر عن القيادة دون أية مشاركة في صنع هذا القرار. وأن كل مسئول في جسد النظام يضطلع بوظيفتين؛ واحدة إدارية؛ وتتعلق بتنفيذه القرارات الصادرة عن قيادته، وعن المسئولين الأعلى في بنية النظام. الثانية سياسية؛ وتُعني باتخاذ قرارات ووضع سياسات يكلف بها من دونه في سلم السلطة؛ فأية مسئول بالدولة ينفذ سياسات من فوقه ويرسم سياسات من دونه.

وفق هذا النموذج يكون الرئيس هو المحتكر لصنع القرار على المستوى القومي، وتصبح كل أجهزة الدولة مجرد أذرع وظيفتها تحويل قرارات الرئيس إلى سياسات واقعية.

على الجانب الآخر، هناك من يرى أن النظام السياسي، كغيره من المؤسسات والبنى الاجتماعية، عبارة عن حيز أو مساحة تتدافع فيه الإرادات، وتكون القرارات المنتجة داخل هذا الحيز وليدة تفاعلات متداخلة بشكل شديد التعقيد. وفق هذا التصور فإن أية ممارسة أو قرار سياسي يخلق معارضة داخل النظام ذاته، وأن الهرمية داخل النظام السياسي مجرد تصور قانوني بعيد عن واقع النظام السياسي وتفاعلاته الفعلية.

يمكن القول بشكل مختصر، هناك رؤيتين للنظام السياسي؛ أحدهما: تشير إلى أن النظام عبارة عن مجموعة من الموظفين الذين يقومون بتنفيذ قرارات الرئيس، وأن الرئيس هو المتحكم الوحيد فى صنع واتخاذ القرار، وأن الحديث عن وجود صراع أجنحة ومراكز قوى داخل أي نظام محض إدعاءات. الرؤية الثانية: أن صنع القرار داخل النظام تتقاسمه مجموعة من مراكز القوى؛ لأن الجهات المخولة بالتنفيذ، يجب اقناعها، واسترضائها سواء بالعطايا المالية أو بالمناصب السياسية أو بالحصانة الدبلوماسية.

علاقة السيسي بجهاز الدولة:

يلقي هذا الجدل بظلاله على العلاقة بين الرئيس وجهاز الدولة في مصر، وتثار بشأنه الخلاف مجدداً؛ بين من يرى أن النظام السياسي في مصر، هيراركي بشكل صارم، يتربع على قمته السيسي، المتحكم المتفرد بصنع القرار السياسي فيه؛ في حين أن جهاز الدولة مجرد أذرع تنفيذية تحقق إرادته وسياساته وحتى أوهامه المحتملة. وبين من يرى أن سياساته وقراراته، ناتجة عن عملية تفاوض بينه وبين الكيانات الرسمية والمجموعات غير الرسمية داخل جهاز الدولة، وأن من يشغل قمة جهاز الدولة في مصر عليه أن يعي هذه المعادلة ويحميها ويلعب وفقها. وأن مهما بلغت هيمنة رأس السلطة وسيطرته على التفاعلات الدائرة داخل النظام السياسي، إلا أنه يعلم أن هناك قواعد وأعراف سابقة عليه تحكم هذه اللعبة، وأنه يعترف بهذه الأعراف ويحتكم إليها في سياساته ومواقفه.

وبناء عليه يمكن أن نميز بين اتجاهين مختلفين في تفسير الواقع المصري ومدي هيمنة السيسي علي الدولة، الرأي الأول: أن السيسي يتحكم بشكل منفرد في التفاعلات الرئيسية على الصعيد الوطني في مصر، وأنه يحتكر هذه التفاعلات. وأنه نجح بشكل كبير في ترويض مراكز النفوذ داخل جهاز الدولة؛ فنجح في تقليم أظافر المخابرات العامة والمؤسسة العسكرية، وإعادة هيكلتها، بشكل ضمن سيطرته عليها.

ويحتج أصحاب هذا التصور بشكل خاص، بقرار إقالة صدقي صبحي، "وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، أهم منصب في الدولة بعد رئاسة الجمهورية، والذي يصنف ـحسب هيكل السلطة الفعلي ـ الرجل الثاني في الدولة". ومنصب وزير الدفاع كانت له شبه حصانة دستورية في دستور 2014، حيث كانت هناك مادة استثنائية، ضمن عدد من المواد الانتقالية في الدستور، وهي المادة 234 وتنص ـحرفياـ على أن (يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتباراً من تاريخ العمل بالدستور)، وهذا يعني أن عزل القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع، لا يكون إلا بقرار من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس الجمهورية يملك التصديق فقط على القرار وليس إنشاءه[1].

كما يدفع أصحاب هذا التصور، بأن تعيين اللواء محمد زكي قائد الحرس الجمهوري، بعد ترقيته الاستثنائية إلى رتبة فريق؛ إذ لم يتولَ قائد من الجيش المصري قيادة الحرس الجمهوري إلا برتبة عميد أو لواء. باستثناء الليثي ناصف مؤسس السلاح، والذي ترقى فيه إلى فريق، ليصبح زكي أول قائد للحرس يتم ترقيته إلى فريق بعد وفاة ناصف عام 1973[2]. يدفع أصحاب هذا التصور بأن تعيين اللواء محمد زكي قائد الحرس الجمهوري، على رأس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو من خارج المجلس، يعد انتهاكاً لكل الأعراف التي احتكم إليها الرؤساء في تعيين أصحاب هذا المنصب؛ حيث حرص الرؤساء على أن يكون صاحب هذا المنصب من داخل المجلس وليس مفروضاً على أعضائه من الخارج، كما في حالة محمد زكي. وهو ما يؤكد فكرة سيطرة السيسي بشكل تام القرار السياسي داخل جسد الدولة، وتحول أجهزة الدولة المتنفذة ومجموعات النفوذ غير الرسمية إلى مجرد دمى في يد الرئيس.

الرأي الآخر: أن السيسي يتقاسم السلطة مع مؤسسات الدولة المتنفذة "المؤسسة العسكرية، المخابرات، القضاء... "، ومع جماعات وكيانات النفوذ وشبكات المصالح الرسمية وغير الرسمية داخل دولاب الدولة؛ مجموعات القرابة، والمجموعات المتشاركة في المهن والمصالح ... إلخ. وأن السيسي أكثر من لديه معرفة بوجود هذه الجماعات والكيانات، ويدرك سطوتهم ونفوذهم. ويتعامل معهم وفق الأعراف السائدة الحاكمة للعلاقة بين القيادة السياسية وهذه المجموعات، والتي كانت الداعم الأول لبقاء الرئيس، والفاعل الوحيد القادر على عرقلة مسيرته وإفشالها. فهذه المؤسسات وهذه المجموعات هي المسئول الأول عن إفشال تجربة الرئيس أول رئيس منتخب بعد الثورة، وهي الجبهة التي افتتحت الهجوم ضد الثورة في يناير 2011، وحمت بقايا ميراث دولة مبارك، وقادة الثورة المضادة.

يحتج أصحاب هذا الطرح؛ بأن هامشية دور المؤسسة العسكرية السياسي في الوقت الراهن لصالح مؤسسة الرئاسة وجهاز المخابرات العامة بقيادة اللواء عباس كامل؛ دليل على فكرة التدافع المستمر داخل جهاز الدولة بين مكونات الدولة والنظام السياسي، وتأكيد على فكرة أن النظام حيز يضم داخله كيانات رسمية ومجموعات غير رسمية، في تنافس وتدافع وصراع مستمر بينهم، وأن القرارات ناجمة عن هذا الصراع، ووليدة تفاوض مستمر بين هذه الكيانات.

فلو كانت الدولة والنظام السياسي بناء هيراركي صارم، ما تغيرت سلطات ونفوذ وحضور مكونات الدولة من فترة وأخرى؛ فقبل الثورة في 2011، كان الحضور الأبرز لوزارة الداخلية وأمن الدولة، بعد الثورة كان المجلس العسكري صاحب حضور بارز وطاغي، بعد 2013، بدء انسحاب المؤسسة العسكرية لحساب حضور أكبر للسيسي، مع تعويض الانسحاب من المجال السياسي بحضور غير مسبوق في المجال الاقتصادي؛ ما يؤكد أسطورية فكرة هيراركية النظام وهرميته. من جانب آخر ليس هناك ما ينفي أن هناك ترضيات منحت للعسكريين مقابل صمتهم حيال استبعاد صدقي صبحي وتعيين وزير دفاع من خارج نخبة المجلس العسكري.

على خلفية ما تردد عن وجود صراع مكتوم بين الرئيس والقضاة، وعلى هامش اجتماع رؤساء الهيئات القضائية مع السيسي، أعلن الأخير عن حل أزمات التعيينات المتأخرة في الهيئات القضائية، وذلك بحلول العام الجديد[3]، ما يعني أن النظام يحاول استرضاء القضاة المغضبين جراء قانون الانتداب، وجراء دخول جهة جديدة "الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب" على خط اختيار وتدريب المختارين للعمل بالنيابة العامة ومجلس الدولة، بعد أن كانت هذه الهيئات مسئولة حصراً عن اختيار المنضمين الجدد. ما يدعم مجدداً فكرة أن السيسي في تفاوض مستمر مع مكونات النظام السياسي للوصول إلى حلول وسط مقبولة من الطرفين؛ فلو اعتبرنا جدلاً أن الأجهزة والمؤسسات تقوم فقط بتنفيذ السياسات؛ فعلي الأقل تملك مكونات النظام القدرة على الاحتجاج أو على الأقل رفض التعاون أو التلكؤ في التنفيذ وتعطيل سير العمل.

الخاتمة:

يفرق المتخصصون في الإدارة بين نوعين من التنظيمات/ الجماعات داخل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية؛ النوع الأول: جماعات العمل الرسمية؛ وهي: مجموعة ذات عدد محدد من الافراد، في حالة تفاعل، لتحقـيق هـدف مشـترك متفق على أهمـيته، وتتسم بأنها تعمل في اطار الانظمة واللوائح والقوانين، ومن أمثلة الجماعات الرسمية في العمل؛ (الإدارات، الوحدات، الاقسام، اللجان)[4].

النوع الثاني: جماعات العمل غير الرسمية؛ وهي: الجماعات التي تنظم العلاقات بين الأفراد -داخل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية – على أساس من الروابط غير الرسمية، المستمدة من القرابة أو الانتماء العرقي، أو الديني، أو مكان الإقامة الأصلي أو الحالي، أو الاشتراك في مجموعة من الأهداف والطموحات الخاصة، أو الهموم التي يعيشها العاملين. وهي جماعات تعمل خارج اطار الانظمة واللوائح والقوانين، (بعكس النوع الأول). وتسهم مجموعة من العوامل في تكوين الجماعات غير الرسمية، منها: الحاجة إلى الحب والميل للاجتماع، الحاجة إلى الأمن، الحاجة إلى السيطرة، الحاجة إلى التقدير وتوكيد الذات[5].

يؤكد هذا التصور المأخوذ عن التنظيم الإداري وعلم الإجتماع التنظيمي -البعيد كل البعد عن معارك السياسة وتجاذباتها وتحيزاتها- الفكرة التي تخلص إليها هذه السطور، وهي أن النظام السياسي حيز للتفاعلات بين مكوناته، الرسمي منها وغير الرسمي، وأن القرار السياسي والسياسات التي ينتجها النظام السياسي، هي خلاصة عملية تفاوض مستمرة، وضغوط ومساومات، وأن تصور النظام السياسي كبناء هرمي هيراركي تصور متخيل لا يصمد أمام النقد.

فالنظام السياسي كغيره من التنظيمات، يجمع بين جدرانه نوعين من الجماعات، جماعات رسمية وجماعات غير رسمية، الغير رسمي منها يكون في أحيان كثيرة أكثر قوة وفاعلية من الرسمي، بل وتشير الدراسات التنظيمية إلى أن القائد غير الرسمي ينال احترام العاملين وتقديرهم أكثر من القائد الرسمي.

نختتم بما أكده مراقبون، من أن المجلس العسكرى الذى أدار البلاد بعد يناير 2011، إنما كان يرتدى قبعتين، إحداهما هى القبعة العسكرية، والأخرى هى القبعة السياسية، وأن الخطأ الفادح نجم عن التعامل مع التسلسل القيادى تحت القبعتين وكأنهما تسلسل واحد؛ فتسلسل القيادة داخل المجلس العسكرى وهو يعمل تحت القبعة السياسية كان مختلفاً عن تسلسلها وهو يعمل تحت القبعة العسكرية، وأن اللواء -وقتها- عبد الفتاح السيسى كان يؤدى تحت القبعة السياسية دوراً قيادياً يتجاوز دوره داخل المجلس العسكرى كما كنا نفترضه[6]. وهو ما يؤكد ذات الفكرة بضرورة الوعي بالفرق بين الرسمي وغير الرسمي، وأن النظام السياسي قد يكون رسمياً بناء هيراركي صارم يتربع على قمته الرئيس منفرداً، لكن على الصعيد غير الرسمي هو حيز من التفاعلات المستمرة بين كيانات ومجموعات رسمية وغير رسمية، وأن القرارات السياسية مهما كان ظاهرها، هي وليدة عملية تفاوضية شاقة.



[1] جمال سلطان، دلالات عزل وزير الدفاع المحصن دستوريا، المصريون، 15 يونيو 2018، الرابط: https://bit.ly/2DgJfvl

[2] عصام الزيات، الفريق محمد زكي: تعرف إلى خليفة «صدقي صبحي»، اضاءات، 15 يونيو 2018، الرابط: https://bit.ly/2McUWGa

[3] مدى مصر، السيسي يعيد تفعيل «مجلس الهيئات القضائية» برئاسته.. ويعد بحل أزمة التعيينات مع بداية العام، 24 ديسمبر 2018، الرابط: https://bit.ly/2Q5C0cW

[4] محاضرات في علم الاجتماع التنظيمي.

[5] محاضرات في علم الاجتماع التنظيمي.

[6] تدوينة للدكتور حازم حسني على الفيس بوك، الرابط: https://bit.ly/2AQiigP

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة