مستقبل المسار السياسي في مصر

 


مستقبل المسار السياسي في مصر

ومحدداته في ظل سيطرة العسكر

 

.. قراءة في الأزمة المصرية

أكثر من "10" مبادرات سياسية تم طرحها من شخصيات مختلفة  لحل الأزمة المصرية التي أعقبت انقلاب 03 يوليو 2013م على الرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي، وماتلاه من مذابح دموية نفذتها قوات  الجيش والشرطة بحق آلاف المصريين، أبرزها مبادرة الدكتور محمد البرادعي التي أطلقها عقب استقالته بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، من أول حكومة للانقلاب شكلتها ما كانت تسمى بجبهة الإنقاذ من الأحزاب والقوى العلمانية، حيث كان يشغل نائب رئيس المؤقت عدلي منصور للشئون الخارجية؛ حيث تقدم بمبادرة للمصالحة، تضمنت الإفراج عن الرئيس محمد مرسي وكافة معتقلي الإخوان، في مقابل ما أسماه تخلي الجماعة عن العنف والعودة مرة أخرى إلى ما أسماه بأحضان الشعب. والمبادرة الثانية أطلقها زياد بهاء الدين؛ نائب رئيس الوزراء الأسبق للشؤون الاقتصادية، في حكومة حازم الببلاوي والتي جاءت من داخل النظام أيضا، عندما تبنى زياد بهاء الدين، مبادرة لم يعلن عن تفاصيلها، ولكنها قامت على بعض الأساسيات، تمثلت في عدم الإقصاء السياسي للإخوان طالما نبذوا العنف على حد وصفه، والجلوس معهم للوصول إلى نقاط اتفاق تخرج الوطن من أزمته الحالية.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تتابعت المبادرات السياسية[1] من الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح المعتقل حاليا في سجون العسكر، والدكتور محمد سليم العوا والدكتور أحمد كمال أبو المجد ثم  الدكتور حسن نافعة والدكتور سعد الدين إبراهيم والسفير إبراهيم يسري وغيرهم.

وبعد مسرحية الرئاسة في مارس 2018م، أطلقت عدة مبادرات  كان أهمها مبادرات السفير معصوم مرزوق وكمال الهلباوي والسفير عبدالله الأشعل ومبادرة جديدة لكل من الدكتورحسن نافعة والدكتور سعد الدين إبراهيم ثم آخرها مبادرة الدكتور محمد محيي. وقوبلت هذه الموجة من المبادرات بتصريحات  متشددة من جانب قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي إضافة إلى إجراءات استبدادية تؤكد انفراده بالسلطة وإصراره على غلق الفضاء السياسي والإعلامي وتأميم مؤسسات الدولة لحسابه والتصميم على إجراء تعديلات دستورية تفضي إلى بقائه في السلطة فترة أطول من الممنوحة له بموجب دستور الانقلاب 2014م (8سنوات على فترتين كل فترة 4سنوات)أو ترقيته ليكون رئيسا للرؤساء ومرشدا عسكريا أعلى لأي رئيس قادم على غرار النموذج الإيراني وفق نظرية "ولاية الفقيه" لتتحول مصر إلى نظرية "ولاية الجنرال".

 

مضامين هذه المبادرات وتوجهاتها

واتسمت هذه المبادرات بعدة سمات تشكف عن مضامينها وتوجهاتها ومراميها:

أولا، هذه المبادرات لها إيجابيات وعليها سلبيات، فمن إيجابياتها أنها عكست الأزمة التي تعيشها مصر، وأن الحكم الحالي تحول من حلم الخلاص عند البعض إلى كابوس الديكتاتورية، وبالتالي فإن وجود مبادرات يعني أن هناك أزمات. وعلى صعيد السلبيات فإن معظم هذه المبادرات كانت ضد جماعة الإخوان المسلمين، وحاولت القفز على وجود الجماعة واعتبارها في حكم الميت، وهو ما لا يستقيم على أرض الواقع، لأن الجماعة، كما أنها كانت جزءا من الأزمة، فهي أيضا جزء من الحل، واستبعادها يشكك في نوايا طارحي المبادرات من الأساس[2].

ثانيا، بعيدا عن التفتيش في نوايا الذين أطلقوا هذه المبادرات وسبب وتوقيت إطلاقها، إلا أنها استهدفت  صبغ نظام 30 يونيو بشرعية الاعتراف من جانب الإخوان والإسلاميين في ظل رفض الرئيس مرسي وصموده أمام الضغوط والممارسات القمعية بحقه وحق أنصاره وأسرته وأولاده وهو ما قوبل بالرفض المطلق من جانب الإخوان والإسلاميين في العموم. وفي غالبيتها لم تقدم الحل للموضوع الأساسي المتعلق بإنهاء الانقلاب العسكري والآثار المترتبة عليه، وإنما قدمت ما يمكن أن نسميه شرعنة الانقلاب. فالمبادرات التي تم إطلاقها تم بناؤها على ما بعد 3 يوليو 2013 واعتباره أمرا واقعا، وهو أمر لا يقضي فقط على فكرة الشرعية التي منحها الشعب وانقلب عليها وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، وإنما تقضي هذه المبادرات على ثورة 25 يناير برمتها، لأنها تقر شرعية عسكرية بديلا عن الشرعية الشعبية، وبالتالي فإنها حصرت الحل في النهاية بمجموعة من الخيارات وضعتها جميعها في يد الخصم الأول لثورة يناير وهو النظام العسكري الذي يقوده السيسي. " في تناقض مدهش مع مبادي وقيم الديمقراطية إذا كيف يتم الإطاحة برئيس منتخب بعد سنة واحدة  فقط عبر بيان للجيش ثم يسمون ذلك "ثورة"؟!.

ثالثا، معظم المبادرات باستثاء مبادرتي الدكتور محمد سليم العوا والسفير إبراهيم يسري ، تجاهلت شرعية الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي واعتبرت عودته مرة أخرى مستحيلا أو وضعا للعربة أمام الحصان وأغفلت حق الرئيس مرسي ليس في كونه رئيسا مدنيا منتخبا تم الانقلاب عليه واعتقاله تحت تهديد السلاح، وإنما حتى في حقه أن يكون جزءا من الحل، أو أن يتركوا له حق اختيار مصيره، وهو ما جعل الفشل محتوما لهذه المبادرات لأنها دعمت طرف الانقلاب الذي يمثله السيسي على طرف الشرعية الذي يمثله الرئيس مرسي.

رابعا، هذه المبادرات ولدت ميتة ولكنها أحدثت دويا  يشبه إلقاء حجر في مياه راكدة. وباستثناء مبادرتي  الدكتور البرادعي و زياد بهاء الدين، اللتين خرجتا من رحم حكومة جبهة الإنقاذ التي شكلتها القوى العلمانية بعد الانقلاب برئاسة الدكتور حازم الببلاوي،   فإن باقي المبادرات جاءت من رموز فكرية وسياسية، ومن الواضح أن مبادرتي البرادعي وبهاء الدين لم تعبرا عن النظام  الذي تجاهل المبادرتين بقدر ما كانت تعبر عن مخاوف كل منهما على مستقبل البلاد في ظل الممارسات التي كانت تؤكد عودة البلاد بسرعة الصاروخ  إلى الحكم العسكري الاستبدادي بعد فترة الحريات التي أعقبت ثورة 25يناير حتى 03 يوليو 2013م.

خامسا،  كل المبادرات  تضمنت بندا بضرورة تحصين قيادات الانقلاب من أي مسئولية قانونية عن الممارسات التي جرت في أعقاب 03 يوليو 2013م وما تلاه من مذابح وانتهاكات يندى لها جبين الإنسانية.  كما انطلقت معظم المبادرات من تصور  خاطي يقوم على أساس أن الأزمة بين "العسكر والإخوان" متجاهلين أن الأزمة في جوهرها بين "الدولة العميقة التي تقودها المؤسسة العسكرية من جهة والتي تسعى إلى حماية واستمرار امتيازاتها الخاصة عبر تكريس "30 يونيو"  والشعب من جهة ثانية وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الفصيل الشعبي الأقوى والأكثر تنظيما في مصر والتي تتبنى الدعوة للحرية والديمقراطية والتعايش السلمي المشترك ممثلة في مكاسب ثورة "25" يناير.

سادسا،  المبادرة الوحيدة التي شككت في شرعية نظام 30 يونيو بشكل واضح كانت للسفير معصوم مرزوق في سنة 2018م بعد مرور  5 سنوات على الانقلاب وبعدما تبين للجميع أن مصر عادت أسوأ بكثير عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. ومثلت  مبادرة مرزوق تهديدا للسيسي لأنها تضمنت استفتاء على شرعية النظام ووجهت الدعوة بالنزول لميدان التحرير، ورغم أنها دعوة مشروطة بموافقة الأمن المسبقة، وأن يقتصر الحضور فيها على مؤيدي المبادرة، إلا أن السيسي اعتبر دعوة النزول لميدان التحرير بالقرب من ذكرى فض اعتصام رابعة، خطرا يجب مواجهته، وبالتالي فقد اعتقل صاحب المبادرة. وتم التنكيل بمروزق وتلفيق عدة تهم له بالسعي لقلب نظام الحكم والتعاون مع جماعة إرهابية محظورة للإضرار بمصالح البلاد ولا يزال معتقلا حتى اليوم!.

سابعا، مبادرات الرموز الفكرية والأكاديمية العلمانية مثل الدكتور حسن نافعة[3]  تبنت حلا يقوم على إبعاد الجيش والإخوان عن الحكم، وهو أيضا طرح بخلاف أنه بعيد عن الواقع الذي يتذرعون به فإنه مجحف؛  لأن المطالبة بعودة الجيش إلى ثكانته هو أمر يتسق مع قيم الديمقراطية والحكم الرشيد ؛ ولكن على أي أساس يطالب بإبعاد الإخوان وهم الفصيل الشعبي الأكبر الذي فاز بثقة الشعب في أنزه انتخابات في تاريخ مصر؟  ألا يمثل ذلك مثالا صارخا على أبشع صورالعنصرية والإقصاء؟!  فالأصل أن يكون الجميع سواء  أمام الشعب الذي له وحدة ممارسة حق السيادة والاختيار؛ فلماذا يصر البعض أن يجعل من نفسه وصيا على اختيار الشعب وإرداته الحرة؟!  أما  مؤسسات الدولة(الجيش والشرطة والقضاء) فيتوجب أن تكون على الحياد باعتبارها ملكا للشعب كله، ولا يصح لها أن تتحول إلى قوة سياسية أو حزبية بديلة للشعب.

 

بيان الإخوان "تعالوا إلى كلمة سواء"

وردًا على هذه المبادرات وفي ظل سياق داخلي وإقليمي ملتهب، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين يوم الثلاثاء 14 أغسطس الماضي، مبادرة بعنوان (تعالوا إلى كلمة سواء وطن واحد لشعب واحد)، تضع خريطة طريق للأزمة المصرية ، تضمنت "10" بنود  ترسم ملامح  الإطار السياسي الذي تراه الجماعة «الطريق الأفضل» وليس الوحيد للخروج من النفق المظم الذي أدخل فيه انقلاب 03 يوليو  البلاد. ما يعني أن الجماعة لا تفرض رؤيتها على شركاء الوطن والقوى السياسية، بقدر ما تطرح تصوراتها عن المشهد، فإذا كانت الجماعة لم تصادر حق أحد في طرح ما يراه صوابا للخروج من الأزمة، واكتفت بإبداء تحفظاتها  ـــ بكل احترام ــ على بعض ما ورد في المبادرات السابقة التي أطلقها وطنيون  مخلصون، فبالمقابل لا ينبغي لأحد أن يفرض وصايته على الجماعة أو يضغط لفرض تصورات لا تتسق مع ما تراه صحيحا، أو يصادر حقها في الطرح الذي تراه مقبولا من جانبها باعتبارها طرفا أصيلا في المعادلة دون تطاول أو تجريح أو اتهامات جزافية؛  وإن كان ذلك لا يعني ثنائية الصراع الذي يحشر فيه النظام القوى السياسية والشعبية (ثنائية العسكر والإخوان)، بل هي معركة بين شعب يتطلع بكل فئاته وقواه الحية نحو الحياه الكريمة والحرية المصونة والعدالة الاجتماعية المنشودة، ونظام عسكري شمولي استبدادي، استباح كل شيء وأطاح بأحلام الشعب التي تعاظمت بعد ثورة 25يناير، بإجهاص المسار الديمقراطي الذي أقره الشعب في أنزه استحقاقات ديمقراطية في تاريخ البلاد.

المبادرة دعوة صريحة لحوار وطني جاد وشامل لا يقصي أحدا،  وتفعيل عقد مجتمعي جديد،  ما يمثل إشارة تصالحية لبدء صفحة جديدة  وطي صفحة الماضي مع أولئك الذين انخدعوا بالانقلاب ثم أدركوا اليوم كم آلت أوضاع البلاد إلى صورة بائسة وسط مخاوف كبيرة على مستقبل البلاد إذا استمر نظام الحكم الحالي بنفس الأشخاص والسياسات، وتضمنت عدة رسائل أهمها:

أولا،الشرعية والقصاص:..  تؤكد المبادرة على أهمية عودة الشرعية والقصاص من القتلة المتورطين في الدماء باعتبار ذلك من الثوابت التي لا استقرار بدونها، وبحسب المبادرة فإن "أفضل طريق للخروج من هذا النفق المظلم هو عودة الرئيس محمد مرسي إلى سدة الحكم على رأس حكومة ائتلافية يتم التوافق عليها من القوى الوطنية لمدة محددة وكافية، يتم خلالها تهيئة البلاد لإجراء انتخابات حرة نزيهة تشرف عليها هيئة قضائية مستقلة، تتوافق عليها القوى الوطنية دون إقصاء لأحد".

ثانيا،السلمية ثوابت الحركة، المبادرة كذلك، تؤكد على سلمية الجماعة والتشديد على رفض العنف بكل صوره وأشكاله بغض النظر عن مبرراته أو ذرائعه؛ وللتأكيد على السلمية التي أعلنها فضيلة المرشد العام فوق منصة رابعة العدوية "سلميتنا أقوى من الرصاص"، تجدد المبادرة إصرار الجماعة على التمسك بالسلمية التي وصفتها الجماعة بخيار الشعب في ثورته وخيار الإخوان في التغيير وتؤكد المبادرة (أن "السلمية ثابت أصيل له جذور عميقة في منهج الإخوان وتاريخهم، ويتطابق مع مبادئهم الثابتة التي يستوحونها من فهمهم للإسلام ومنهجه وتشريعاته، التي تؤكد حرمة الدماء والأموال والأعراض، ولا تجيز العدوان عليها بأي حال من الأحوال، أو بأي ذريعة من الذرائع).

ثالثا، إعلاء قيمة المواطنة، الرسالة الثالثة في مبادرة الجماعة هي إعلاء قيمة المواطنة، وهي بذلك تبعث رسالة طمأنة لمن يتخوفون من عودة الجماعة للمشهد مرة أخرى مثل الأقباط من ناحية والقوى السياسية التي شاركت في مشهد الانقلاب وبدأت تفيء إلى الحق وتدرك حجم مخاطر استمرار النظام العسكري على مستقبل البلاد من ناحية أخرى.

رابعا، طمأنة مؤسسات الدولة، الرسالة الرابعة، في المبادرة  هي طمأنة مؤسسات الدولة وخصوصا المؤسسة العسكرية، فالمبادرة تؤكد على (حرص الجماعة المتين على الدولة ومؤسساتها التي هي ملك للشعب المصري وحده، ومن بينها المؤسسة العسكرية الوطنية).  وأن الجماعة حريصة على استمرارها في أداء مهامها التي ينص عليها الدستور والقانون؛ في حماية حدود الوطن وأمنه القومي والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه؛ ما يقتضي إيقاف توغلها في الحياة السياسية والاقتصادية، وهو ما ألقى عليها مهمة غير مهمتها، وهي إدارة شؤون الحكم في البلاد، كما يحتم عليها التحول إلى مؤسسة احترافية بعيدة عن تجاذبات السياسة ومصالح رأس المال والاقتصاد).

يبقى الأكثر صعوبة هو وضع خريطة طريق للتخلص من النظام الاستبدادي العسكري،  وهو ما لم تشر إليه مبادرة  الإخوان مطلقا، ولا غيرها من المبادرات، سوى بالتأكيد على سلمية الحركة والمسار، دون أن تجيب عن كيفية الخروج من النفق المظلم بالتحرر أولا من قبضة النظام العسكري الشمولي، إذ كيف سيتم ذلك؟ وما هي أدواته؟ وهل تملك فئات  الشعب  ــــ الرافضة للنظام ومنها الجماعة أو حتى قوى المعارضة التي باتت مقتنعة بضرورة إزاحة نظام العسكر ـــ  آليات عملية تؤدي إلى الإطاحة بالنظام؟. عموما كل هذه التحفظات لا تمنع من أن المبادرة  خطوة على الطريق، قد أكدت على ملامح تصور الجماعة لمرحلة ما بعد الانقلاب؛ فقد وضعت الجماعة تصورها عن «تصميم البناء»  وإن كان الشعب لم يحصل بعد على «الأرض المغتصبة» التي يقيم عليها البناء المأمول لنظام ديمقراطي ودولة مدنية حديثة تسع الجميع دون إقصاء.

 

هل تطيح الانتخابات بالسيسي؟

التيار العلماني في شقه الذي شارك في ثورة يناير والذي أيد الانقلاب على المسار الديمقراطي، كان يراهن على الانتخابات لتكون مسار سياسيا سلميا يمكن أن يفضي لحل الأزمة المصرية وذلك عبر طرح منافسين للسيسي حيث تقدم حمدين صباحي في مسرحية 2014 وحاز على المركز الثالث بعد الأصوات الباطلة، ثم فقد هذا التيار القدرة على تقديم منافس في مسرحية 2018م، وذلك أمام المؤشرات التي تؤكد أنها مسرحية محسومة النتائج ومنافسة صورية بلا منافسين فأحجموا عن المشاركة وأعلنوا مقاطعة هذه المسرحية.

رهانهم  ــ إذا ـــ  على الانتخابات لتغيير النظام يتآكل، فلا أحد يعتقد حاليا أن السيسي يمكن الإطاحة به عبر صناديق الانتخابات؛ لأن من جاء بصناديق الذخيرة لا تطيح به أصوات الناخبين، كما أن الجنرال وأجهزته الأمنية حصن نفسه من ذلك فانتخاباته  صورة تفتقد إلى الروح، وشكل بلا جوهر ، ومنافسة بلا منافسين ونتائجها معروفة النتائج مسبقا!.. فعلي أي شيء يراهن هؤلاء؟!

 

تآكل الرهان على الدستور

ومع تآكل الرهان على صناديق الاقتراع؛ راهن هؤلاء على دستور الانقلاب 2014  ليخلصهم من ديكتاتورية الجنرال؛ حيث ينص الدستور على عدم جواز تولي أي رئيس أكثر من فترتين كل منها "4" سنوات فقط وبذلك فلا يحق لأي شخص أن يحكم أكثر من "فترتين 8سنوات" بحكم نصوص الدستور؛ كما حصن الدستور هذه المواد من التعديل؛ لكن كل ذلك بدأ يتاكل هو أيضا أمام إصرار النظام على تعديلات دستورية تفضي إلى بقائه في السلطة فترة أطول من الممنوحة له بموجب الدستور أو ترقيته ليكون رئيسا للرؤساء ومرشدا عسكريا أعلى لأي رئيس قادم على غرار النموذج الإيراني وفق نظرية "ولاية الفقيه" لتتحول في مصر إلى نظرية "ولاية الجنرال".[4] بحسب ما دعا إليه ياسر رزق ، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم" والمقرب من جنرال الانقلاب والذي يكتب بناء على توجيهات النظام وأجهزته المخابراتية والأمنية ودوائر صناعة القرار العليا.

وبحسب الكاتب  وائل قنديل فإن الهدف الأول لتعديل الدستور، بدأ يتضح وهو المحو التام لثورة 25 يناير من التاريخ المصري، والإعلان صراحة أن ما جرى في 30 يونيو/ حزيران 2013 كان انقلابًا عسكريًا، قامت به القوات المسلحة، من أجل عسكرة الحكم في البلاد إلى الأبد، ومن ثم توجيه الرسالة الأهم إلى من يتمسّكون بحلم التغيير الديمقراطي، تقول إن على من يفكّر في التغيير أن يخوض صراعًا مع الجيش.

ولا يتركنا السيسي للتخمينات هنا، إذ يتبع ذلك بفقرة شديدة الوضوح في مقال ياسر رزق، يقول فيها نصًا "ليست بدعة تنفرد بها مصر، إذا استحدثت مادة جديدة، أو أضيفت فقرة إلى المادة 200 الخاصة بمهام القوات المسلحة، تنص على أنها هي الحارس على مبادئ ثورة الثلاثين من يونيو، وأهداف بيان الثالث من يوليو".

يبقى الهدف النهائي هنا هو حشد القوات المسلحة لوظيفتها الجديدة، في توقيتٍ له دلالته الصريحة، قبل أن نستهل يناير/ كانون ثاني شهر الثورة، وهي إعلان الحرب على أي مطالب للتغيير، يعتقد أصحابها أنه في الإمكان اجتراح معجزة ثورة يناير مرة أخرى.

وبالنظر إلى المشاهد الأخيرة في 2018، ستجد أن السيسي أنهاه بذلك العرض المثير لحسني مبارك في قاعة المحكمة، مدليًا بشهادته الزور على ثورة يناير، باعتبارها مخططًا أجنبيًا، في إطار مؤامرة على مصر، ثم استدعاء فزاعة الإرهاب، لتضرب في قلب القاهرة مجدّدًا، مع الربط بين يناير والإرهاب، ومن ثم صناعة المناخ الأمثل لكي يفصح عما ينتوي الإقدام عليه، لكي يحمي البلاد من العدو (الثورة) بتوريط المؤسسة العسكرية على نحوٍ أعمق للحرب على دعوات التغيير الديمقراطي، وكأنه يستلهم التجربة السورية في محاربة الثورة.  باختصار، لا يخرج مضمون رسالة السيسي في 2019 عن أنه لا تغيير إلا بانقلاب عسكري جديد.[5]

 

ماذا بعد انسداد المسار السياسي؟

رسائل النظام واضحة ولا تحتاج إلى ذكاء خارق لفهم أبعادها ومراميها، فقد صادر الفضاء السياسي واحتكر وسائل الإعلام وأجهز على الحريات وسن تشريعات قمعية تشرعن انتهاكاته وجرائمه، وبدعوى الحرب على الإرهاب يواصل الإجهاز على مواطن القوة والمناعة الشعبية وخصوصا الحركات الشعبية الكبيرة الموالية لثورة 25 ينايرمثل الإخوان والحركات الإسلامية ثم استفرد بعد ذلك بالقوى العلمانية والشبابية التي شاركت في الثورة، وما جرى في مسرحيتي 2014 ثم 2018م يؤكد أن أبواب التغيير السياسي قد أغلقت، فلا مبادرات يكترث لها ولا انتخابات يمكن أن توقفه؛ لأن من جاء بالدبابة لا تقصيه الانتخابات، كما أن  الرهان على الدستور يتآكل في ظل إصرار النظام على تعديلات تفضي إلى بقاء الجنرال في الحكم مدى الحياة؛ فما الحل؟ وكيف يمكن للقوى الثورية المتشوقة للحرية واسترداد ثورة يناير الإطاحة بحكم العسكر الفاشي الدموي؟ وهل يملكون الأدوات التي تمكنهم من ذلك؟ وهل يمكن أن تفلح الأدوات السلمية في إنهاء الظلم والاستبداد والنظام بمارس قمعا مفرطا لإرهاب الشعب ومنعه من التفكير  ــ مجرد التفكير ــ في الثورة من جديد؟

إزاء هذا الوضع سيناريوهان:

السيناريو الأول هو ما ذكره "وائل قنديل" بأن السيسي لم يترك مجالا للتغيير إلا بانقلاب عسكري جديد؛ لكن الروائي عز الدين شكري فشير الذي توقع  في 4 فبراير 2011م نجاح ثورة يناير والإطاحة بمبارك ثم توقع فشل القوى الثورية في الحفاظ على مكتسبات الثورة  توقع كذلك في 2013م أن العسكر  إذا تخلوا عن المسار الديمقراطي لن يستطيعوا الحفاظ على الكتلة الشعبية التي دعمتهم في 30 يونيو، "فشير" يتوقع أن يتخلى العسكريون عن حكم مصر؛ ويرى أن يأس البعض، وربما الكثيرون، من إمكانية التحول الديمقراطي في مصر، والاستسلام إلى قناعة بأن الجيش لن يتخلى عن حكم مصر في المستقبل المنظور، وربما أبدًا. نظرة مخطئة،  وأن العسكريين، آجلًا أو عاجلًا، سيضطرون للتخلي عن الحكم والانسحاب من المجال العام، مفسحين المجال لبداية عملية تحول ديمقراطي حقيقي، مقابل احتفاظهم، ولسنوات طويلة، باستقلالية في إدارة شؤون القوات المسلحة وبصوت مسموع في القرارات الاستراتيجية للبلاد.[6]

وينتهي "فشير" إلى أن  «رصيد النظام والجيش» مآله النفاذ. وعندها لن تكون أمام العسكريين مساحة كبيرة للمناورة. فعملية الشحن والتعبئة الجارية منذ 30 يونيو هي أقصى ما يمكن للعسكريين حشده. وبمعنى آخر، فهي علبة الذخيرة الأخيرة. وحين نصل للنقطة التي ينفد فيها الرصيد أو يوشك على النفاد، قد يقرر الحاكم، أيًا كان اسمه، استخدام ما تبقى من الطلقات في قمع الرفض الشعبي، أيًا كانت صورته، بما يتركه ومن معه عزلًا في مواجهة من يبقى بعد حملة القمع الأخيرة، وهي حماقة نادرًا ما يتورط فيها الجميع. ومن ثم، فالأرجح أن يتفق العسكريون، في نقطة ما قبل نفاذ الرصيد، على تنظيم انسحابهم من الحكم لتجنب الوقوع فيما هو أسوأ، وضمان استقلالهم وحصانتهم، واحتفاظًا بصوت مسموع في القرارات الكبرى، وهو أفضل ما يمكنهم تحقيقه.

وبذلك فإن سيناريو "فشير" يقوم على فشل النظام ونفاد رصيده ما يؤدي إلى فوضى يواجهها النظام بقمع مفرط وعندئذ يتدخل قطاع من الجيش بانقلاب على الأوضاع المتدهور والانسحاب في إطار تسوية خوفا مما هو أسوأ وضمان استقلالهم وحصانتهم ومشاركتهم في صناعة القرارت الكبرى.

لكن ثمة عدم ثقة في ذلك لاعتبارين: الأول: أن السيسي هيمن بالفعل على الجيش ومؤسسات الدولة بما يضمن عدم انقلابها عليه. والثاني: المخاوف من استبدال النظام العسكري القمعي بنسخة مخففة عنه تفتح أبواب الحريات قليلا لكنها تضمن احتكار المؤسسة العسكري للمشهد العام لعدة عقود مقبلة.

السيناريو الثاني، هو الثورة الشاملة التي يمكن أن تشهد بعض مظاهر ثورة الجياع، فأمام تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية ووصول الألم الناتج عن سوء الأوضاع إلى نفس معدلات الخوف الناتج من قمع النظام عندها سوف تتساوى كل النتائج أمام الشعب الغاضب ويحدث الانفجار الكبير الذي لا يبقي ولا يذر. وبذلك يحدث الاقتتال الأهلي الذي يحذرنا منه السيسي وتتفشى الفوضى وقد هدد السيسي بذلك وفق نظرية مبارك “أنا أو الفوضى” وهو سيناريو مخيف لكنه غير مستبعد في ظل طغيان السيسي ودمويته وشره حبه للسلطة.

ويبقى توحيد المسار الثوري عاملا استراتيجيا في التحول السياسي المرتقب في مصر، وما يستلزمه من وقوف على حقيقة الفراق والاحتراب السياسي ومداواته بعد انكشاف العلة ومقدار ما أصابته في الجسد المصري، والاتفاق على خريطة علاج تقودها القوى السياسية بشتى فصائلها...



[1] "11" مبادرة للمصالحة بين نظام السيسي والإخوان.. هذا مصيرها/"عربي 21" الإثنين، 07 مايو 2018

[2] عبدالله المصري/كيف تحولت مبادرات 2018 لحل الأزمة بمصر للعنة تطارد أصحابها؟/ عربي "21" السبت 29 ديسمبر 2018 (انظر تصريحات د.جمال حشمت والباحث عصام سعدون)

 

[3] طه العيسوي/ في الحلقة الثانية من حواره الخاص مع "عربي21".. نافعة يدعو لبلورة خارطة طريق جديدة للخروج من الأزمة المصرية/"عربي 21" الأحد، 15 يوليو 2018

 

[4] ياسر رزق/عام الإصلاح السياسي الذي تأخر/ الأخبار  29 ديسمبر 2018م

[5] وائل قنديل/ سيسي 2019: لا تغيير إلا بانقلاب/ العربي الجديد 31 ديسمبر 2018

 

[6] عز الدين شكري فشير/ لماذا سيتخلى العسكريون عن الحكم في مصر؟/ مدى مصر 3 يوليو 2018

 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة