التطبيع الصهيوني في عهد السيسي من المناهج إلى الغاز وبينهما سيناء

 


التطبيع الصهيوني في عهد السيسي من المناهج إلى الغاز وبينهما سيناء

 

 

يمكن رصد 3 محطات فاصلة في تاريخ العلاقات المصرية الإسرائيلية؛ الأولى مرحلة الصدام الذي وقع مع تأسيس الكيان الصهيوني حيث خاضت مصر ومعها بعض الدول العربية عدة حروب سنوات 1948 و1956، و1973 التي اعتبرها الرئيس الأسبق محمد أنور السادات آخر الحروب!

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة السلام الرسمي البارد؛  والتي تبدأ بزيارة السادات للقدس والتي دشنت مرحلة جديدة من السلام الرسمي وتوجت باتفاقية السلام سنة 1979م والتي أخرجت مصر فعليا من دائرة التأثير في الصراع العربي الإسرائيلي وظلت العلاقات باردة تعلو حينا وتخبو حينا  في ظل زيادة معدلات التطبيع الاقتصادي وتشبيك العلاقات مع عصابة الحكم في أعلى هرم السلطة المصرية وكبار الجنرالات في مؤسسات الدولة القوية مثل الجيش والمخابرات والتي توجت بمكاسب كبيرة للكيان الصهيوني على رأسها الحصول على الغاز المصري بسعر أقل من السعر العالمي ما حاق بمصر وشعبها الفقير  خسارة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات؛ إضافة إلى اتفاقية الكويز والتي ترهن التصدير المصري بحجم علاقات الشركة المنتجة بالكيان الصهيوني ونسبة المكونات المستوردة في المنتج من "إسرائيل" ما يعني تطبيعا بالإكراه لشركات القطاع الخاص.

أما المحطة الثالثة، فهي القفزة الهائلة في العلاقات في مرحلة ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، والانتقال من مرحلة السلام البارد إلى مرحلة الحليف والعلاقات الحميمة والتطبيع الأمني والعسكري غير المسبوق.

 والتطبيع هو محاولات لحوحة من أجل التعامل مع الوضع الشاذ وغير الأخلاقي أو القانوني  "الاحتلال الإسرائيلي" باعتباره "شيء طبيعي" لا يتوجب  رفضه أو استنكاره؛ وذلك عبر حملات تشويه الوعي باستخدام أدوات السلطة التعليمية والثقافية والتشريعية والإعلامية من أجل تشكيل تصور جديد يجعل العدو صديقا والصديق عدوا؛ وبعد أن جيء بالجنرال عبدالفتاح السيسي إلى هرم السلطة في مصر عبر انقلاب عسكري خشن برعاية أمريكية إسرائيلية وبتمويل سعودي إماراتي استهدف إجهاض المسار الديمقراطي الذي أسسته ثورة 25 يناير وبقاء الأوضاع في مصر مرهونة بمدى قيام النظام بوظيفته المتفق عليها دوليا وإقليميا  وفق قواعد اتفاقية "كامب ديفيد"،  وأساسها خدمة المصالح الأمريكية وضمان حماية أمن الكيان الصهيوني  ومنع أي تحول ديقمراطي في مصر ؛ يبقى التطبيع هو المعيار الذي يحدد مدى نجاح النظام في أداء وظيفته والانتقال من التطبيع الرسمي إلى التطبيع الشعبي وهو ما يقابل برفض شعبي واسع يرى في "إسرائيل" عدوا لا يمكن أن يكون صديقا أو حليفا إلا في عقول المرضى وذوي الأوهام أو المأجورين لهذه الجريمة القذرة.

 

التطبيع التعليمي والثقافي

لعل أبرز وأخطر أشكال التطبيع هو ما يبدأ بإعادة تشكيل  الوعي على أسس خاطئة مشوشة ومشوهة؛ تتعلق بالصورة الذهنية التي ترسمها مناهج التعليم للعدو الصهيوني، فعلى مدار العقود الماضية اختفت الموضوعات والأناشيد التي كانت تمجد في المقاومة والتصدي للعدوان مثل" دع سمائي فسمائي محرقة.. دع قناتي فقناتي مغرقة.. هي أرضي أنا وأبي ضحى عنا وأبي قال لنا: مزقوا أعداءنا".. وهي الأبيات التي كان يحفظها تلاميذ الابتدائي حتى الثمانينات لكن هذه النبرة اختفت من مناهج التعليم المصري تماما خلال مرحة التسعينات، وخلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013  حذفت وزارة التربية والتعليم كثيرا مما يتعلق باعتداءات "الصهاينة" على مصر والعرب؛ وهو ما فسره مراقبون بالتقرب مع الكيان الصهيوني لدعم شرعية النظام العسكري في الأوساط الأمريكية والأوروبية.

"المناهج الجديدة  تؤكد شرعية إسرائيل كدولة ترتبط بعلاقات صداقة مع مصر، ولا تتطرق لحروب مصر ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولا للقضية الفلسطينية كما كانت عليه المناهج سابقا".فكتاب دراسي في عام 2002 كان يضم 32 صفحة عن الحروب العربية الإسرائيلية وثلاث صفحات للسلام مع إسرائيل، أما كتاب عام 2015 فخصص فقط 12 صفحة للحروب العربية الإسرائيلية، و4 صفحات للسلام مع إسرائيل".  هذه التحولات أصابت أولياء الأمور بصدمة؛ لأنه أصبح يتوجب عليهم زيادة وعي أبنائهم بالصراع العربي الإسلامي مع الصهاينة والتأكيد بأن "إسرائيل" عدو.. فالفضائية التي تدعو إلى التطبيع مع الصهاينة يمكن عدم مشاهدتها لكن ماذا نفعل بمناهج التعليم التي تعتبر العدو صديقا ويتوجب على التلاميذ الإجابة على ذلك في الامتحانات؟!

فما قام به النظام الحالي لم  يجرؤ عليه أي نظام سابق، حتى نظام الرئيس الراحل أنور السادات أو الرئيس المخلوع حسني مبارك، لأن "السيسي يريد من مناهج التعليم أن تدشن لجيل جديد يعتبر إسرائيل هي الصديق، والإسلاميون هم الأعداء".

وفي مقابل هذا القلق، تحتفي دوائر وصحف إسرائيلية بتعديلات المناهج المصرية، فصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" ثمنّت تدريس اتفاق السلام للمرة الأولى بما وصفته بـ"شكل واقعي دون تحيز أو أي محاولة لإظهار إسرائيل بصورة سلبية". بينما أكدت صحيفة "إسرائيل ناشيونال نيوز" أن أحدث خطوة في تعزيز العلاقات بين مصر وإسرائيل هي "تحديث نظام التعليم المصري ليتضمن معاهدة السلام بين البلدين".[1]

أما التطبيع في المجال الثقافي،  فمؤخرا، صدر كتاب “غصن الزيتون، قصة المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة” يوثق من خلاله الباحث الإسرائيلي “شمعون شامير” تاريخ العلاقات الأكاديمية الإسرائيلية المصرية وشبكة العلاقات المتداخلة بين الطرفين منذ سبعينيات القرن الماضي. حيث قضت بنود معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل بالتبادل الثقافي بين البلدين، وعلى هذا الأساس، أقيم المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة عام 1982، واستثمرته تل أبيب جيداً، فجعلت منه قبلة ونقطة انطلاق لباحثيها في الشأن العربي والإسلامي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا.[2] ووفق تقارير إعلامية، فقد أتاح المركز للباحثين الإسرائيليين فرصة القيام بزيارات ميدانية برعايته، والقدرة على البحث والتحري والدراسة وإجراء جولات حرة لجمع وتحليل المعلومات فيما يخص مصر والشرق الأوسط.  المركز مزود بمكتبة ضخمة تكتظ بأحدث الكتب والدراسات العبرية والعربية وأقامت فيه الندوات واللقاءات الطلابية بين مصريين وإسرائيليين من المتخصصين والمهتمين بما تسمى بثقافة السلام، فقاطعته الجامعات المصرية، واستفاد من بقائه الباحثون الإسرائيليون. يدير المركز حاليًا البروفسور الإسرائيلي “جبرائيل روزنباوم” وزوجته ميشال، ويتلقى تمويله من الحكومة الإسرائيلية، ويعامل المدير وزوجته معاملة الدبلوماسيين ضمن فريق عمل السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وتتحفظ إدارة المركز الأكاديمي على ذكر مقدار الميزانية المخصصة لأنشطته وبرامجه بشكل واضح.

وكانت معركة تكريم مهرجان القاهرة السينمائي للكاتب الفرنسي كلود ليلوش انعكاسا لمدى قوة المناعة الشعبية ضد توجهات النظام الرسمي نحو التطبيع الثقافي؛ حيث أعلن المنتج محمد حفظي، رئيس المهرجان في أكتوبر 2018 عن تكريم ليلوش ما دفع كتابا وفنانين كثيرين للاعتراض لأن ليلوش مشهور بدعمه لإسرائيل والصهيونية، وأصر حفظي على موقفه لكن هبت بعدها أعداد كبيرة من الصحفيين والكتاب والسينمائيين المصريين بفضح سيرة كلود ليلوش فى دعم الكيان الصهيوني. والمساعدة فى التبرع بالأموال للاستيطان هناك. وكان على رأس حملة إلغاء التكريم د. مالك خورى رئيس قسم السينما بالجامعة الأمريكية ومدير التصوير الرائد سعيد شيمي.[3] وهو ما أجبر حفظي على التراجع والاعتذار  للكاتب الفرنسي المؤيد لإسرائيل.

وإزاء ذلك ثمة اتجاه أساسي رافض للتطبيع يضم معظم الكتاب والصحفيين والفنانين والمثقفين  لكن ثمة قلة تدعو إلى التطبيع علنا ،وهناك ملاحظات عليهما:

1)     يوجد استقطاب حاد بين المؤيدين والرافضين للتطبيع، وينطلقون من فرضيات مختلفة، فرافضو التطبيع يربطونه بمفاهيم الشرق أوسطية والتعاون الإقليمي، في حين يتجنب المؤيدون استخدام كلمة "تطبيع" أو الدعوة إليها صراحة ويستخدمون بدلا منها التمسك بالسلام وضرورة إنهاء الصراع.

2)     مؤيدو التطبيع يرون أن المشروعين العربي والصهيوني واجها قدراً غير قليل من الانكسارات، وأنه يمكنهما التعايش الآن "بواقعية"، في حين يرى الرافضون أن الحق التاريخي في فلسطين للعرب وأنه يجب أن لا نكافئ المعتدي.

3)     يرى المؤيدون أهمية الاستجابة للمتغيرات والظروف الدولية وقيم نبذ التعصب في حين يرى الرافضون أن هذه الوعود بالسلام والرفاهية وعود زائفة.

4)     ليس في مصر ما يمكن أن نسميه ثقافة المقاومة؛ لكنه إرث ديني وتاريخي يمكن أن يتآكل بمرور  الزمن مع حملات التطبيع المدعومة رسميا، إذا لم يتم تعظيمه وتعزيزه باستمرار  ما يتعين معه التركيز على نشر الوعي والتأكيد باستمرار على أن "إسرائيل" عدو.

 

 "السيسي" عرَّاب التطبيع

ومنذ  اغتصاب السيسي للحكم بانقلاب 30 يونيو 2013م، وهو يعمل على توطيد العلاقات مع تل أبيب، على نحو غير مسبوق، وصل إلى حد التحالف في بعض المواقف الإقليمية، وتبني الرواية الإسرائيلية في العديد من الأحداث، خلاف التنسيق حول توجيه ضربات الطيران للمسلحين في سيناء، بوصفه أحد الأطراف الفاعلة فيما يُعرف بـ"صفقة القرن"، التي يرعاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتزايدت معدلات التطبيع منذ 2018 بصورة غير مسبوقة؛ حتى تحولت القاهرة إلى عرَّاب للتطبيع في المنطقة؛ في ظل تشكيل تحالف الثورات المضادة وهو نفسه التحالف العربي الصهيوني الذي يضم مصر و"إسرائيل" والسعودية والإمارات والبحرين والذي تراعاه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب التي تسعى إلى توسيع التحالف ليتحول إلى تحالف سياسي عسكري بدعوى مواجهة النفوذ الإيراني.  ومظاهر الدور القذر الذي يقوم ربه نظام العسكر كعراب للتطبيع في المنطقة يتمثل في عدة إجراءات:

أولا، التطبيع الإقليمي عبر التوسط لضم السعودية لقطار التطبيع الرسمي؛ فثمة ترتيبات  أفضت إلى تنظيم 3 لقاءات سرية جرت في القاهرة خلال الشهر الماضي؛ بين وفود مصرية وسعودية وإسرائيلية وأمريكية، للتجهيز  لعقد لقاء مرتقب يجمع  ولي عهد بلاد الحرمين الشريفين محمد بن سلمان برئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو. في محاولة للتفاهم ووضع الخطوط العريضة للخطوة المقبلة التي تنوي الرياض اتخاذها وستكون الأولى في تاريخ علاقاتها مع "إسرائيل"؛ وهو ما يمثل ترجمة لتوجهات النظام السعودي لفتح باب العلاقات السياسية العلنية مع الاحتلال لأوسع حدٍّ ممكن ومتوقع، وستفاجئ بخطوتها الجديدة الجميع، وستكون بمنزلة تعبيد طريق لباقي الدول العربية التي تسعى لتطوير وتوطيد علاقاتها بكافة أشكالها مع إسرائيل". وثمة توافقات بين أركان هذا التحالف على أن تشهد سنة 2019، خطوة متقدّمة وكبيرة في تاريخ علاقات الدول العربية والإسلامية مع الاحتلال، وستكون بدايتها بالتجهيز لعقد لقاء ثلاثي علني يجمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بنتنياهو، وولي العهد السعودي.[4]

ثانيا، ضم الكيان الصهيوني لأول مرة لتحالف اقتصادي إقليمي للغاز، وذلك بإعلان وزراء الطاقة في 7 دول شرق متوسطية، الإثنين 14 يناير/كانون الثاني2019، شملت مصر وإسرائيل وإيطاليا واليونان وقبرص والأردن وفلسطين، إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط (‏EMGF‏)،  ولأول مرة يشارك وزير صهيوني في اجتماع رسمي اقتصادي بالقاهرة وهو وزير الطاقة يوفال شطاينتس، والذي قام بجولة سياحية لمعالم القاهرة وزيارة مسجد محمد علي بالقلعة وسط حراسة أمنية مشددة.

ولا شك أن دمج  "إسرائيل" في المعادلة، وربط مصالح هذه الدول العربية بها، وفتح أكبر باب اقتصادي للتطبيع معها منذ بدء عملية السلام العربي قبل نحو 45 عاما، يضع علامات استفهام على دورها في هذا المنتدى المحوري الخطير. حيث يأتي ضم إسرائيل للمنتدى الذي اتخذ من القاهرة مقراً له، في الوقت الذي يتم فيه استثناء كل من تركيا وسوريا ولبنان، وهي دول شرق متوسطية، ولها حصة في حقول غاز مكتشفة في شرق البحر المتوسط، بعضها متنازع عليه مع إسرائيل.[5] ورغم تأكيدات نظام العسكر أن مصر اكتفت في 2018 من الغاز بسبب اكتشافات حقل "ظهر" وغيره، إلا أن السيسي  أبرم  في 19 فبراير 2018 معاهدة لاستيراد الغاز من الصهاينة لمدة 10 سنوات في صفقة تقدر بحوالي 15 مليار دولار. الأمر الذي عده نتنياهو  عيدا يتوجب الاحتفال به.

في حين يشهد التعاون العربي- الإسرائيلي في مجال تصدير الغاز أحداثاً كبيرة خلال السنوات الماضية، ففي عام 2005 وقّعت كل من مصر وإسرائيل اتفاقاً بتصدير الغاز المصري للأخيرة لمدة 20 عاماً، بواقع 60 مليار قدم مكعب/ سنة. وبدأت مصر في استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل بكميات تصل إلى 100 مليون قدم مكعب غاز يومياً، في الربع الأول من عام 2019، وسيرتفع تدريجياً ليصل إلى 700 مليون قدم مكعب في اليوم، وذلك ضمن اتفاقية الـ15 مليار دولار التي وقعتها مؤخراً شركة دولفينوس المصرية الخاصة مع الشركاء في حقلي تمار ولوثيان الإسرائيليين للغاز برعاية إحدى شركات المخابرات العامة التي يرعاها عباس كامل رئيس  الجهاز وذراع السيسي الأيمن.

وسبق لمجلس النواب أن استعدّ للصفقة، حين أقر بصفة نهائية مشروع قانون مقدماً من حكومة السيسي، في 5 يوليو/ تموز 2017، يسمح لشركات القطاع الخاص باستيراد الغاز الطبيعي، وتسويقه، وبيعه في السوق المحلي، بحجة التوسع في مجالات استثمارات الغاز، وتشجيع وجذب الاستثمارات إلى القطاع.

وبعد تدشين هذا المنتدى وإشراك إسرائيل فيه كلاعب رئيسي، ستحقق السياسات الإسرائيلية العديد من المكاسب في منطقة شرق المتوسط، في مجال يضمن لها تفوقاً اقتصاديّاً كبيراً، عنوانه الطاقة. إذ يرى مراقبون أن تأسيس هذا المنتدى يحمل أبعاداً كبيرة، إذ إنه يربط مصالح إسرائيل رسمياً بمصالح مصر والأردن وفلسطين، كما أنه سيجعل من إسرائيل كياناً محورياً في الاقتصاد الإقليمي، ولاعباً رئيسياً على الصعيد الدولي؛ بسبب الإمكانات التكنولوجية والتمويلية المتوفرة لدى تل أبيب، التي لا تتوفر لأي من أعضاء المنتدى الذين يصارعون مشاكل اقتصادية كبيرة، ويقيمون اقتصادهم على القروض والمعونات.  وحول استثناء دول مثل تركيا ولبنان وسوريا من هذا المنتدى، وضم إسرائيل التي تعتبر عدوة لسوريا ولبنان وخصماً لدوداً لتركيا، فالمنتدى بهذه الصيغة يمثل تشكيلا لجبهة معادية لتركيا، ويضع مصر مع إسرائيل في خندق واحد معاد لتركيا. وبذلك يمثل اصطفافاً إقليمياً لمواجهة تركيا ومعاداتها، فكيف يتم استثناؤها رغم أن أنقرة طرف فاعل ومهم ولا يمكن الاستغناء عنه؟!. كما أن المنتدى بهذه الصورة يعتبر تماهٍ عربي في المشاريع المصيرية مع إسرائيل، التي ما زالت عدوة لنا رغم أنف كل اتفاقات السلام الوهمي. كما أن ثمة حصصاً ستوزع ومكاسب من الاكتشافات، التي يجري التستر عليها في شرق المتوسط،فهل ستفيد شعوب المنطقة أم أن السيسي ورؤوساء العرب سيكونون مجرد شهود زور على صفقات تستنزف ثروات شعوب العرب لصالح الصهاينة؟!

ثالثا،  يمثل التعاون الأمني والتنسيق المخابراتي بين مصر والصهاينة أكثر  صور  التطبيع تأثيرا؛ وهو ما اعترف به السيسي في مقابلته مع برنامج "60 دقيقة" على قناة " سي بي أس" الأمريكية، وهو ما أكد التسريبات الإسرائيلية بأن السيسي يستعين بطيران الاحتلال لاستباحة أجواء سيناء بدعوى الحرب على الإرهاب. وكان صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية قد ذكرت  في "3" فبراير 2018 أن طيران الاحتلال نفذ أكثر من مائة غارة على أهداف مدنية في شمال سيناء بضوء أخضر  من جنرال الانقلاب وكبار جنرالات الجيش؛ وهو ما لم يصدر نفيا بصدده من جانب النظام. واعترف السيسي في المقابلة بتعاون الجيش مع الاحتلال الإسرائيلي "للقضاء على  ما يسمى بالإرهاب" في شمال سيناء، وقبوله بتنفيذ دولة الاحتلال ضربات جوية على معاقل "الإرهابيين"، علاوة على إقراره بوجود شراكة مع الإسرائيليين في مجالات عدة. وهو ما يؤكد التسريبات حول مواقفه غير المعلنة بشأن الانحياز إلى إجراءات دولة الاحتلال في مواجهة الفلسطينيين، لإضافة مزيد من "الدفء" إلى العلاقات مع إسرائيل. وأمام اعتراف السيسي حاول سفير لانقلاب في واشنطن الضغط على القناة من أجل منع بث المقابلة وهو ما قوبل بالرفض.

وفي "2" ديسمبر 2018 لم يصدر أي تصريح رسمي ينفي أو يكذب ما قاله الصحفى الصهيونى "يوسى مليمان" محلل الشؤون الاستخباراتية الذى كتب تقريرا فى صحيفة "معاريف الاسرائيلية" حول خيبة أمل كبيرة في "إسرائيل" بسبب فشل السيسي في مواجهة "داعش" سيناء على الرغم من المساعدات العسكرية والاستخبارية التي تقدمها تل أبيب لها، مضيفا أنه قد انضمت إلى حرب مصر ضد الإرهاب هيئات استخباراتية عديدة تابعة للولايات المتحدة مثل وكالة الاستخبارات الوطنية(NSA) ووكالة الاستخبارات المركزية(CIA)، وللاستخبارات الفرنسية والاستخبارات البريطانية (MI6) وكذلك الاستخبارات الاتحادية الالمانية (BND)، بالاضافة الى الاستخبارات الإسرائيلية: خاصة شعبة الاستخبارات في الجيش (أمان)، والامن العام (الشاباك) والموساد، وسلاح الجو الاسرائيلى. بالاضافة الى سماح إسرائيل بتجاوز الملاحق الأمنية لاتفاقية "كامب ديفيد" عبر منح مصر إذن بجلب دبابات واستخدام طائرات وقوات مشاة إلى شمال سيناء من أجل تمكينها من إلحاق هزيمة بالتنظيم.

الأكثرة خطورة  أن موقع "وللا" العبري المقرب من الموساد كشف في تقرير له يناير 2019م أن الهدف من التواجد الإسرائيلي القوي في شمال سيناء ليس مواجهة تنظيم "داعش" بل ملاحقة شبكات تهريب السلاح للمقاومة  الفلسطينية وحركة حماس؛ ما يعني أن تعاون السيسي مع الصهاينة  بهدف تمكينهم من كل فلسطين بالقضاء على المقاومة، ويؤكد أيضا أن ما يسمى بالإرهاب هو مجرد ستارة "ضرورية" للتغطية على الأهداف الحقيقية من الحرب المسعورة على سيناء، وهي رسالة تعني كذلك أن وجود ما يسمى بالإرهاب واستمراره بات ضرورة ملحة للصهاينة والعسكر من أجل التستر بها لمزيد من التعاون وبقاء التواجد الإسرائيلي في شمال سيناء و.ربما نستنج من ذلك أن  ثمة فصائل بتنيظم "ولاية سيناء" أسسها الموساد على عينه لتكون وقودا لاستمرار الحرب في سيناء كلما خبت الأجنحة المسلحة المؤمنة حقا بأفكار التنظيم.

رابعا، السماح لأول مرة باحتفال الصهاينة بنكبة فلسطين في أحد أكبر فنادق القاهرة، حيث سمحت سلطات الانقلاب للسفارة الإسرائيلية، في 9 مايو/ أيار 2018، بالاحتفال علناً للمرة الأولى بالذكرى السبعين لنكبة فلسطين، في فندق "ريتز كارلتون" المطل على ميدان التحرير بوسط القاهرة، في أعقاب افتتاح السفارة في القاهرة مجدداً بعد إغلاقها تسعة أشهر كإجراء أمني وقائي. مع العلم أنه أُعيد افتتاح السفارة في سبتمبر/ أيلول 2015، عقب أربع سنوات من الإغلاق، من جراء محاصرتها من حشود غاضبة، رداً على مقتل جنود مصريين برصاص إسرائيلي على حدود البلدين. وحضر هذه الاحتفالية أكثر من 100 من نواب برلمان العسكر، يتصدرهم رئيس المجلس، ووكيلاه، ورؤساء اللجان النيابية، ومُمثلو الهيئات الحزبية، مذيلة بتوقيع السفير الإسرائيليّ لدى القاهرة، ديفيد غوفرين، والتي وُجِّهت كذلك للمئات من المسؤولين المصريين، والصحافيين، ورجال الأعمال، وسط تعتيم إعلامي على أسماء الحضور في الاحتفال.

خامسا، إلحاح جنرال الانقلاب على التطبيع والسلام المزعوم، حيث كرّر السيسي مقولته المفضلة بأن السلام أصبح في وجدان المصريين، خلال ندوة تثقيفية للقوات المسلحة في الذكرى الـ36 لتحرير سيناء، في 18 أبريل/ نيسان الماضي، قائلاً: "أوعوا حد يأخذ البلد للحالة التي كانت قائمة أيام عام 1967 (نكسة حزيران)، الوجدان تشكل على عداوة شديدة (لإسرائيل)، واستعداد لقتال الآخر (حتى آخر مدى)". وأضاف السيسي: "لم يكن هناك أحد في المنطقة، وفي مصر، يقبل بمبادرة السلام التي طرحها الرئيس الراحل أنور السادات"، مستطرداً "ما كانش في كتير مؤمن بفكرة السلام ساعتها، أو شايف اللي شايفه السادات، وهو  بيأخذ هذا القرار. إحنا بنتكلم (النهارده) بعد 50 سنة عندما تشكل وجدان جديد، ووعي آخر، وحالة جديدة في نفوس الناس هي حالة السلام، والتشبث به".[6]

سادسا، القيام بدور عرَّاب لصفقة القرن والتغاضي عن القرار الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس، ففي 16 مايو/أيار 2018، صرح السيسي تعليقاً على القرار الأميركي بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس المحتلة، وما تلاه من مذابح إسرائيلية للفلسطينيين على حدود قطاع غزة، قائلاً إن "مصر لا تستطيع أن تفعل شيئاً، لأنها صغيرة، وضعيفة، وبلا تأثير"، مضيفاً خلال فعاليات المؤتمر الخامس للشباب، أن "قرار نقل السفارة سيؤدي إلى شيء من عدم الرضا والاستقرار، وإحنا بنتحرك في حدود قدرتنا، وحطوا خط تحت حدود قدرتنا". وتابع: "على الفلسطينيين أن يحتجوا بطرق لا تؤدي إلى سقوط ضحايا، وعلى الإسرائيليين أن يكونوا أكثر حرصاً في عدم إسقاط ضحايا. ولا يمكن لمصر أن تفعل شيئاً، وعلينا أن نعمل ونكبر لكي يكون لنا تأثير في المستقبل"!.  كما كشفت القناة العاشرة الإسرائيلية عن زيارة سرية أجراها نتنياهو إلى مصر، في 22 مايو الماضي، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من المذبحة التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد المتظاهرين السلميين العزل من الفلسطينيين، على حدود القطاع مع أرض فلسطين 1948، وراح ضحيتها 63 شهيداً فلسطينياً في 14 مايو. وهذه ليست المرة الأولى التي يجتمع فيها السيسي بنتنياهو سراً، إذ التقيا في مدينة العقبة الأردنية، في 21 فبراير/ شباط 2016، بمشاركة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وملك الأردن عبدالله الثاني. وبعدها بشهرين، زار  زعيم المعارضة الإسرائيلية إسحاق هرتزوغ، وفريق من المستشارين والخبراء الأمنيين الإسرائيليين القاهرة بشكل غير مُعلن.[7]

سابعا، تعزيز مساعي الإدارة الأمريكية نحو تأسيس تحالف سياسي عسكري عربي إسرائيلي لمواجهة إيران، وهو ما أعلن عنه مايك بومبيو وزير خارجية ترامب فى محاضرته فى الجامعة الامريكية بالقاهرة فى 10 يناير 2019 مؤكدا أنهم بصدد تشكيل تحالف جديد يضم مصر والاردن ودوّل الخليج لمواجهة ايران. ودعى شعوب المنطقة الى التخلص من عداءات الماضى والتوحد فى مواجهة المخاطر المشتركة، وبمعنى أوضح دعاهم الى الخروج من الصراع العربى الاسرائيلى الى التضامن العربى الاسرائيلى فى مواجهة ايران. إنه ذات المشروع الذى تبنته إدارة ترامب منذ البداية وتم الإعلان عنه أول مرة فى الورقة التى أعدها الجنرال "مايكل فلين" مستشار الأمن القومى المستقيل وآخرين، والتى تتحدث عن تأسيس منظمة جديدة باسم ((منظمة اتفاقية الخليج والبحر الأحمر)) لتكون بمثابة حلف عسكرى جديد تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية وعضوية مصر والسعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان والأردن، تحتل فيها (إسرائيل) صفة المراقب، وتكون لها ثلاثة أهداف محددة هى القضاء على داعش، ومواجهة ايران، والتصدى لما يسمونه بالإسلام المتطرف. وهى بمثابة اتفاقية دفاع مشترك، يكون الاعتداء على أى دولة عضوا فى المعاهدة، بمثابة اعتداء على الدول الأعضاء جميعاً، كما ورد بالنص فى الورقة المذكورة.[8]

 



[1] عبد الله حامد /تطوير المناهج بمصر.. تعليم بنكهة التطبيع/ الجزيرة نت 10 أكتوبر 2016

[2] منصور عطية/التطبيع الثقافي مع إسرائيل.. آخر محطات “قطار السيسي” السريع/ العدسة الأربعاء - 31 يناير 2018

 

[3] د.أحمد عاطف/ التطبيع الثقافى مع إسرائيل/ الأهرام السبت 27 أكتوبر 2018

[4] نادر الصفدي/تجهيزات سرية في القاهرة للقاء بين نتنياهو وبن سلمان/ الخليج  أون لاين  الجمعة 11 يناير 2019

[5] تطبيع برائحة النفط.. تكتّل غاز في شرق المتوسط بقيادة مصرية - إسرائيلية في مواجهة تركيا/"عربي بوست" 18يناير 2019

 

[6] محمد سيف الدولة/ العلاقات المصرية الاسرائيلية فى عام 2018..مزيد من التنسيق والتطبيع والاستفزاز/ مدونة "ذاكرة الأمة" 02 يناير 2019

[7] السيسي وإسرائيل: سجلّ اللقاءات السرية والتنسيق العسكري والانحياز للاحتلال/ العربي الجديد 06 يناير 2019

[8] محمد سيف الدولة/ لا لهذا الحلف الامريكى العربى الصهيونى/ مدونة ذاكرة الأمة 11 يناير 2019

 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة