أبعاد قرار السيسي منع سفر "الكبار" دون تصريح

 


أبعاد قرار السيسي منع سفر "الكبار" دون تصريح

 

في توقيت متزامن، أصدر عبد الفتاح السيسي قرارا يحظر سفر رئيس الوزراء ونوابه، ورؤساء الهيئات المستقلة، والأجهزة الرقابية والأمنية، وكبار العاملين بالدولة، في مهام رسمية أو لأعمال تتعلق بالوظيفة، إلا بإذنه، وقال شيخ الأزهر أن "الازهر لن يفرط في رسالته قيد أنملة فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية والقرآن الكريم وسنة النبي" وأنه "يقوم بواجبه حين يتصدى لإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي تحاول سلطة السيسي تمريره عبر مجلس النواب".

قرار السيسي الذي نشر في الجريدة الرسمية، وتوقيت صدروه متزامنا مع تأكيد شيخ الازهر "لن نسمح باستبعادنا من تشريع قوانين متعلقة بأحكام الإسلام"، وانه سيظل يتصدى لأي مشروع قانون يتعارض مع الشريعة الاسلامية مثل قانون الاحوال الشخصية، هو مؤشر واضح على ان القرار جاء ليستهدف شيخ الازهر ضمن سلسلة مستهدفات اخري، ويضيق عليه، وتعبيرا عن حالة الفتور المستمرة بين الطرفين، لعدم استجابة "أحمد الطيب" لرغبات السيسي تفكيك الخطاب الديني تحت اسم "التطوير"، عبر قوانين تخالف الشريعة نفسها.

فقرار السيسي ضم كل من يشغل وظيفة بدرجة رئيس مجلس الوزراء، منصب (شيخ الأزهر) تحديدا، أو نائب رئيس الوزراء، على الرغم من أن منصب شيخ الأزهر لا يخضع للحكومة ولا الرئاسة، إنما هو "هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية واللغة العربية"، وفق الدستور.

وهناك سؤال اخر يطرحه هذا القرار هو: هل سيطبق هذا القرار على الكنيسة مثل الازهر والبابا تواضروس ام أن القرار مفصل على شخصيات بعينها منها شيخ الازهر؟!.

مخاطر قرار السيسي الجديد

لا تقتصر خطورة قرار السيسي الجمهوري الجديد على سعيه لتقييد حركة شيخ الازهر ضمن سلسلة خطوات تستهدف تهميشه، مثل بناء مسجد "الفتاح العليم" لموازي للأزهر الشريف، وتعيين الشيخ "أسامة الازهري" الذي يعده السيسي ليكون بديلا لشيخ الازهر إماما له، عقابا له علي رفضه خطاب السيسي الديني، وعلي أمل أن يكون الحل هو فرض تجديد الخطاب الديني عن طريق أخر وهو علماء وخطباء مسجد السيسي الجديد.

 

إذ يحمل قرار السيسي مخاطر اخري تتعلق بالسعي للسيطرة على الاجهزة القضائية والرقابية المستقلة وجعلها تحت قدميه يتحكم فيها، فمنع النائب العام نفسه من السفر حتى يأذن له السيسي، معناه زيادة السيطرة على رمز الدفاع عن الشعب ولن يجرؤ أحد من القضاء على مجرد الاعتراض بعدما قبلوا الاصطفاف مع السلطة في اصدار احكام سياسية، وقبلوا تنازلات اخري لصالح السيسي مثل قانون الهيئات القضائية التي بات يعينها السيسي لأول مرة في تاريخ مصر لا القضاة أنفسهم وفق الاقدمية، ما يعني المزيد من اهدار القضاء المستقل.

ايضا يثير قرار منع مسئولي الجهات الرقابية المستقلة تساؤلات حول الهدف من المنع؟، فهؤلاء "مستقلين" دستوريا كي يمكنهم مراقبة المسئولين ومنهم السيسي ومنع أي عمليات فساد أو رشوة، ومنع منعهم من السفر بدون إذن، تقييد حركتهم لو كان الهدف من السفر جمع معلومات او التحقق من اتهامات للسيسي نفسه أو غيره من مسئولي نظامه.

بل ويثير المنع لهم ولغيرهم من الوزراء (الدفاع والداخلية والخارجية) تساؤلات حول: هل اكتشف السيسي سفر بعض مسئوليه أو اجراءهم مقابلات من خلف ظهره خارج مصر؟! أو لديه تصور أو معلومات عن سفريات ومقابلات مستقبليه تضر بنظامه؟ وما هي؟

وهل يعني هذا أن نظام السيسي مهلهل ومسئولي نظامه غير متجانسين ولا متفقين معه جميعا؟ أو أن هناك من يعمل ضده أو اكتشف السيسي ذلك أو يخشى ذلك فأغلق الباب بمنع السفر دون اذن؟

دلالات القرار

لأنه قرار غير مسبوق وإن كان من الوارد حدوثه من نظام سياسي قائم على القمع والديكتاتورية المطلقة، يبدو أن للقرار ابعاد ودلالات يمكن رصد ما يلي منها:

1-    القرار نموذج عملي واضح على "عقلية قائد الكتيبة" المسيطرة على الحياة السياسية في مصر منذ انقلاب 3 يوليه 2013، وعودة مصر للحكم العسكري للعام الـ 66 على التوالي منذ الغاء الحكم الملكي عام 1952 وتولي الجيش الحكم، باستثناء عام واحد حكم مدني حكمها فيه الدكتور محمد مرسي، فهو أشبه بالحصول الي إذن في الجيش (أورنيك) إجازة او راحة او مرض، ما يعزز سيطرة الحكم العسكري علي كافة نواحي الحياة.

2-    القرار معناه "توسيع صلاحيات السيسي"، وزيادة قيود "الحاكم بأمره على الحكومة بالمخالفة للدستور، بعدما زاد القيود على المعارضة والشعب كله، لأنه اعطي لرئيس السلطة التنفيذية سلطة التحكم في السلطة القضائية، بمنع سفر قضاة أو رؤساء للجهات الرقابية، تضاف الي منعه من قبل سفر الصحفيين رؤساء المؤسسات الحكومية إلا بإذن.

3-     المفترض في الأجهزة الرقابية انها "مستقلة" وغير تابعة للرئاسة، كي يمكنها ممارسة دورها الرقابي في حيده وسرية، ولكنها بهذه القرار باتت "غير مستقلة"، وهذه ثان خطوة على طريق استلاب "استقلالية" هذه الأجهزة الرقابية، حيث كانت الخطوة الاولي هي تعديل القانون ليسمح للسيسي بتعيين رؤساء هذه الأجهزة الرقابية، والثانية هي منعهم من السفر الا بإذن السيسي!!.

4-     إذا كان شيخ الازهر "تاعب" السيسي، كما قال بنفسه في مؤتمر علني سابق، فلماذا لا يمنعه السيسي من السفر ويحدد حركته؟ ما يعني تقييد خروجه من مصر، رغم أنه ممثل هيئة إسلامية تمثل (القوة الناعمة) وكثير السفر بناء على هذا الدور، ومنعه من حضور اي اجتماعات رسمية بصفته اعلي هيئة سنية ما لم يوافق السيسي" بعبارة أخري: إذا كان السيسي غير قادر علي السيطرة عليه وتطويعه لقبول قراراته فهو قادر علي تقييد حركته ومنعه من السفر وعزل عن صفته ومحيطة الإسلامي.

5-    القرار قد يكون له معاني تتعلق باحتمالات اكتشاف اجراء مسئولين ووزراء اتصالات بأطراف خارجية لا ترضي السيسي، أو يحظون بشعبية أو قبول خارجي أكثر من السيسي، لهذا صدر، أو أن هناك من يسافر ويقابل مسئولين اجانب من وراء السيسي؟ وهناك مثال سابق على هذا حين تردد أن سبب عزل السيسي صهره ورئيس أركان الجيش "محمود حجازي" من منصبه عقب عودته من أمريكا مباشرة كان له علاقة باتصالات اجراها الأخير في أمريكا لم ترضي السيسي.

صناعة القرار السياسي

هناك علامات استفهام عديدة حول كيفية صناعة القرار السياسي في مصر منذ تولي العسكر حكم مصر عام 1952، وصعوبة في الحديث العلمي عن صناعة القرار في مصر لأنه لا يكاد يوجد صناعة قرار بالمعني المعروف، بقدر ما هي "فرض القرار" من المستوي الأعلى بالدولة والذي هو رئيس الدولة.

فوفقا للأنظمة الديمقراطية كلما اتسعت دائرة المشاركين في صنع القرار السياسي من حيث عدد الأفراد، ومن حيث أدوار المؤسسات الفعلية، كشف ذلك عن تطـور حقيقـي فـي أداء النظـام السياسي نحو الديمقراطية، وبالتالي فإن احتمال النجاح يصبح أكبر من احتمالات الفشل فـي صناعة القرارات السياسية وبالتالي فاعليتها كعلاج جذري لحل المشكلة أو المشاكل.

ولكن بتطبيق ذلك على الحالة المصرية، تبدو النظرية السياسية نوعا من الترف لأن القرارات كلها وخصوصا المصيرية، يتخذها المستوي السياسي الأعلى (الرئيس) ويفرضها على المستويات الأدنى، وهذا أحد أسباب العديد من الكوارث السياسية والاقتصادية بداية من هزيمة 67 وحتى انهيار الاقتصاد المستمر بسبب السياسات الفاشلة والتضارب فيها.

فقد ظل الدستور الذي حكم به السادات ومبارك ينص على "الاقتصاد الاشتراكي" بينما على الأرض هناك اقتصاد مختلط اشتراكي على رأسمالي، والان ينفذ السيسي اقتصادا ليبراليا رأسماليا متوحشا وضعه صندوق النقد الدولي بينما يدعي ان هذا "خيار الشعب".

أيضا ظل غالبية الرؤساء المصريين موالين لأمريكا بينما اعلام نظامهم يهاجم أمريكا ويتهمها بالعداء لمصر، ومن مفارقات حكم السيسي حجم الدعم الأمريكي لنظامه وانقلابه ومع هذا يخرج اعلامه وفضائياته ليحذر من تامر أمريكا على مصر ويصف ثورة يناير بأنها "مؤامرة أمريكية صهيونية اخوانية حمساوية"!!

عملية "صنع القرار السياسي" تقوم على فكرة طرح مجموعة من البدائل لاختيار أحدها باعتباره الأنسب أو الأكثر ملاءمة للحل أو العلاج، في حالة مواجهة البلاد، أزمة ما، أو مشكلة ما تتطلب قرارا ما، لهذا يفترض فيها على من يطرحون البدائل أن يكونوا مستقلين في قراراتهم ويستهدفون مصلحة الدولة لا السلطة أو النظام الحاكم.

ولكن الازمة العميقة التي تشهدها عملية صناعة القرار السياسي في مصر منذ انقلاب 3 يوليه لم تلغ فقط هذه البدائل والأطراف المستقلة القادرة على اتخاذ قرار للصالح العام، ولكنها جاءت بأعوان للنظام يمجدونه ويرونه الفيلسوف والحكيم الذي لا يخطئ، ومن ثم دعم كل ما يقوله واعتباره "حكمه" حتى ولو عدل عن قراره للعكس يبررونه أيضا بحكمة القائد، ما جعل النتيجة حتمية وهي صدور قرارات غير مدروسة ومشوهة.

وقد اعترف السيسي بنفسه في ديسمبر 2018 أنه يتخذ قراراته دون دراسة جدوى وهي ابسط القواعد التي علي يجري على أساسها المفاضلة بين القرارات المختلفة، قائلا: "احنا في مصر .. لو دراسات الجدوى مشينا بينها وخليتها العامل الحاسم في حل المسائل .. كنا حققنا ما بين 20 إلى 25% مما تحقق»!!.

وغياب هذه الدراسات وكذا غياب الآراء المستقلة الخبيرة المحايدة في عملية اتخاذ القرار هي سبب الكوارث التي تعاني منها مصر وإنفاق أموال البلاد وحصيلتها الدولارية على مشروعات وهمية او غير ذات عائد على الشعب، بداية من حفر تفريعة قناة السويس التي تكلفت 7 مليار دولار، والعاصمة الإدارية التي تبلغ تكلفة المرحلة الأولى منها فقط 300 مليار جنيه، بخلاف كنيسة العاصمة (400 مليون جنية) ومسجد السيسي (100 مليون جنية).

وكمثال على طريقة اتخاذ القرار السياسي في أخطر القرارت وهي حفر توسعة قناة السويس التي اجمع الخبراء على عدم جدوها الان بسبب تأكيد الإحصاءات الدولية تقلص حركة التجارة الدولية ومن ثم حجم السفن المارة بالقناة، نشير لما قاله رئيس القناة مهاب مميش في هذا الصدد والذي يؤكد أن ما جري "كوميديا سوداء" ضاحكة لا علاقة لها بالقرار السياسي الصحيح المدرس.

فلم تجر أي دراسات معلنة ولم يستشار خبراء في جدوي حفراها ولكن الفريق مهاب مميش قال انه عرض الفكرة علي السيسي فوافق وقال له ابدا فورا وان يجري الحفر في عام واحد لا ثلاثة برغم أن هذا استدعي استئجار كراكات عالمية بملايين الدولارات إضافية وزيادة تكلفة الحفر دون أي جدوي اقتصادية من وراء تسريع الحفر أو الحفر القناة نفسها في ضوء التقارير التي تشير لأن إيرادات الهيئة السنوية كما هي وعدد السفن المارة سنويا أيضا كما هو قبل حفر القناة!

 

ولعل جانب نت قرار حظر سفر الكبار يكمن ورائه مخاوف من تحركات من داخل دوائر النظام، جراء خالة عدم رضا عن صناعة القرار في نظام السيسي، قد تكون ورائه مشف اتصالات بين اطراف خارجية وبعض قيادات منظومة السيسي...

وهو ما قد يفاقم اجراءات تعسفية داخل دوائر النظام من قبل الدائرة الضيقة التي تدير الامور في البلاد حاليا...

 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة