دلالات تمديد الطوارئ للمرة السابعة في عهد السيسي

 


دلالات تمديد الطوارئ للمرة السابعة في عهد السيسي

ثمة فرقا جوهريا بين قانون الطوارئ وحالة الطوارئ، فكل الدول بلا استثناء لديها قوانين للطوارئ  لكن العمل بهذه القوانين وتفعيل حالة الطوارئ يكون استثنائيا وعلى فترات قليلة تشهد مخاطر واضطرابات عامة، لكن ما يسبب كثيرا من المشاكل والأزمات هو فرض حالة الطوارئ وتفعيل القانون الخاص بها خصوصا عندما تقوم على تطبيقه نظم سلطوية ديكتاتورية معروفة بالقمع والطغيان وانتهاك حقوق الإنسان؛ وبذلك تتحول الحالة الاستثنائية إلى أصل توظفه النظم المستبدة لتكريس حكمها وضمان بقائها في السلطة.  لكن جنرال الانقلاب عبدالفتاح السسي سن خلال المرحلة الماضية عدة قوانين وتشريعات بات معها فرض الحالة الطوارئ شيئا هينا إلى جانب ترسانة القوانين التي تشرعن إرهاب السلطة وتقنن ممارساتها القمعية واستبدادها بالسلطة.

وفي 13 يناير 2019م، أعلنت الحكومة المصرية تمديد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة 3 شهور إضافية؛ حيث وافق مجلس النواب وقوفا على قرار  زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي بتمديد حالة الطوارئ؛ وأرجع النواب في بيان الموافقة على التمديد إلى “الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد”، ويعد التمديد هو السابع لقرار إعلان حالة الطوارئ في البلاد الصادر في في 10 أبريل/ نيسان 2017، حيث وافق البرلمان وقتها على إعلان حالة الطوارئ 3 أشهر لـ “مواجهة أخطار الإرهاب وتمويله”، ردا على هجومين استهدفا كنيستين شمالي البلاد، آنذاك، وأوقعا 45 قتيلا على الأقل، وتبناهما تنظيم “داعش”.[1]

وهكذا خلال مرات التمديد السبع كان القرار يصدر، وينشر في الجريدة الرسمية، ويكون مسببًا إما لدواع أمنية أو لمكافحة الإرهاب. بينما يرى محللون وساسة أن القرار متوقع ويأتي متسقا مع توجهات النظام الرامية لجعل الشعب تحت حالة الطوارئ باستمرار منذ عشرات السنين بذريعة مواجهة الإرهاب والتي تأتي غطاء للأهداف الحقيقية وهي قمع الشعب ووأد الحريات وتهيئة البلاد لحكم الفرد المطلق وتعديل الدستور لكي يبقى زعيم الانقلاب رئيسا مدى الحياة[2] خصوصا وأن عملية التمديد الأخيرة سبقت البدء في حملة ترقيع الدستور رسميا والتي بدأت الأحد 03 فبراير 2019م.

ولم تسلم مصر وشعبها من "حالة الطوارئ"  أو "الأحكام العرفية" منذ سنة 1914 مع بدء الحرب العالمية الأولى حتى اليوم إلا مرتين فقط: الأولى "18 شهرا" في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات ما بين عامي 1980 و1981م. والثانية في عهد الرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي والتي امتدت من مايو 2012م وحتى بيان 03 يوليو 2013م.[3] باستثناء فرضها شهرا في يناير 2013 في مدن القناة الثلاث.

في العهد الملكي كانت تسمى بالأحكام العرفية وفي مرحلة ما بعد انقلاب 23 يوليو 1952م ظلت كما هي حتى عرفت مصر "حالة الطوارئ" في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي استصدر قانون الطوارئ الحالي رقم 162 لسنة 1958، وطبق لأول مرة في الخامس من يونيو 1967، واستمرت حالة الطوارئ قائمة في البلاد من ذلك التاريخ مروراً بعصر الرئيس الراحل السادات إلى أن تقرر إلغاؤها اعتباراً من منتصف ليل 15 مايو 1980 بعد حوالي 13 سنة من تاريخ إعلانها.

ومع تولي محمد حسني مبارك الحكم بعد اغتيال سلفه أنور السادات في 6 أكتوبر 1981، لجأ إلى "الطوارئ" إلا أنه لم يكن حالة مؤقتة تتعلق باغتيال السادات، حيث عاشت مصر 30 سنة "طوارئ" (أطول فترة طوارئ في تاريخ مصر الحديث) وهو ما اعتبره المحللون السياسيون أن "الطوارئ" في مصر ليست وسيلة لمواجهة تهديد ولكنها وسيلة لإطالة عُمر النظام. وكان مبارك يجددها كل سنتين وكان آخر قرار تمديد لمبارك الصادر برقم 126 لسنة 2010 الذي كانت تنتهي بموجبه حالة الطوارئ في 31 من شهر مايو 2012.  وبالرغم من اندلاع ثورة يناير في 2011 والتي كان من أبرز مطالبها إنهاء حالة الطوارئ، إلا أن هذه الأخيرة ظلت معلنة حتى نهاية المدة المحددة بقرار حسني مبارك في 31 من مايو 2012.

وبينما تعيش منطقة سيناء تحت "الطوارئ" منذ أكتوبر 2014، فيما اعتبر حقوقيون أن "طوارئ سيناء" منذ إقرارها قبل 5 سنوات يتم تطبيقها على كل محافظات مصر بالفعل دون الحاجة إلى قرار جمهوري رسمي تنشره وسائل الإعلام، خصوصا مع ترسانة القوانين المشبوهة سيئة السمعة مثل التظاهر والإرهاب وتكميم الصحافة والإعلام.

 

"تحايل على الدستور"

ولا يسمح دستور 2014 بتمديد حالة الطوارئ إلا مرة واحدة فقط مما أثار جدلا بشأن مدى دستورية قرار  تمديده الثالث الذي صدر في 13 أكتوبر 2017م،  الذي اعتبره البعض خرقا صارخا للدستور ومناقضا لنصوصه، بينما دافع الموالون للسلطة عن القرار بوصفه إعلانا جديدا لحالة الطوارئ. فهذا التمديد يعد تحايلا والتفافا على الدستور ؛ فترك يوم واحد بعد انقضاء حالة الطوارئ ثم إعادة إعلانها مرة أخرى يعد نوعا من التحايل، وربما يستمر هذا الوضع ويكون سيفا مسلطا على الحقوق والحريات  ما بقي السيسي مغتصبا للحكم بقوة السلاح. فالفلسفة التي قام عليها النص الدستوري (مادة 154) أرادت تحديد سقف زمني للطوارئ مدته ثلاثة أشهر يمكن مدها لثلاثة أخرى ولا يجوز مدها للمرة الثالثة إلا بعد استفتاء شعبي يستهدف عدم الإبقاء على الأوضاع التي سبقت ثورة يناير حينما استمر العمل بحالة الطوارئ ثلاثين سنة.

في المقابل يرى الموالون للسلطة "أن انقضاء مدة الطوارئ لا يعني انتهاء الأسباب التي أدت إلى إعلانها". ودائما ما يأتي في صدر القرار الرئاسي بتمديد حالة الطورائ مبرر فرضها بأنه جاء نظرا للحالة الأمنية "الخطيرة" التي تمر بها البلاد.[4]  وعلى الأرجح فإن المادة 154 سوف ينالها الترقيع الذي بدأه النظام حاليا لجعل الخروق الصارخة  للدستور   أمرا طبيعيا دستوريا وبذلك لا يلتزم النظام بالدستور بل يطوع الدستور لانحرافاته ونزواته وتوظيف السلطة لحساباته الخاصة لتكريس حكمه القمعي وضمان بقاء استمراره.

وطبقاً للمادة 154 من دستور 2014، فإن لرئيس الجمهورية إعلان الطوارئ بعد أخذ رأي مجلس الوزراء، وتجب موافقة أغلبية مجلس النواب بعد عرض الإعلان عليه خلال الأيام السبعة التالية، ويكون إعلان الطوارئ لمدة محددة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ولا يمدد إلا لفترة أخرى مماثلة، بعد موافقة ثلثي عدد أعضاء المجلس. ونص القرار الجمهوري الصادر بشأن حالة الطوارئ: "تتولى القوات المسلحة وهيئة الشرطة اتخاذ ما يلزم لمواجهة أخطار الإرهاب وتمويله، وحفظ الأمن بجميع أنحاء البلاد، وحماية الممتلكات العامة والخاصة وحفظ أرواح المواطنين" و"يُعاقب بالسجن كل من يخالف الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية بالتطبيق لأحكام القانون رقم 162 لسنة 1958 المُشار إليه".

 

"ماذا تعني حالة الطوارئ؟"

وبعد دخول حالة الطوارئ حيز التنفيذ يتم تطبيق قانون الطوارئ الذي صدر عام 1958 ويعطي رئيس الجمهورية عدة صلاحيات. ويتضمن القانون غرامات مالية بالجنيه وبالليرة السورية، إذ أنه صدر إبان الوحدة بين القاهرة ودمشق. وينص القانون على تطبيق حالة الطوارئ عندما يتعرض الأمن العام في أراضي الجمهورية أو في منطقة منها للخطر للأسباب التالية: (الحرب أو قيام حالة تهدد بوقوع حرب أو حدوث اضطرابات في الداخل أو كوارث عامة أو انتشار وباء).

والأهم في مد حالة الطوارئ أنها تمثل غطاء قانونيا للتستر على الجرائم والانتهاكات التي يمارسها النظام بحق المصريين من احتجاز واعتقال ومصادرة أموال وصحف وغلق وحجب مواقع صحافية وإعلامية وتهجير قسري امتد لعدة أماكن في مصر منها رفح وجزيرة الوراق وماسبيرو وعدة جزر تقع في محيط مياه النيل.

قانون الطوارئ المصري، رقم 162 لسنة 1958، شهد العديد من التعديلات كان آخرها في 27 من إبريل الماضي بموجب القانون رقم 12 لسنة 2017. ينظم القانون الإجراءات المتبعة عند إعلان حالة الطوارئ والسلطات التي تمنح للأجهزة الأمنية بموجبه. أبرز ما في ذلك القانون:[5]

أولاً، السلطات الواسعة لرجال الضبط القضائي (من الشرطة أو القوات المسلحة) في ضبط المشتبه بهم أو القبض عليهم أو احتجازهم لمدد طويلة.

ثانياً، ينشأ بموجب قانون الطوارئ محاكم أمن الدولة طوارئ (الجزئية والعليا) وذلك في كل محكمة ابتدائية واستئنافية على امتداد البلاد، وتشكل هذه المحاكم من قضاة، ويجوز لرئيس الجمهورية أن يضم لعضوية المحكمة ضباطًا من القوات المسلحة، كما أن أحكام هذه المحكمة غير قابلة للاستئناف بأي طريق من طرق الطعن، وأخيرًا، يعين رئيس الجمهورية جميع قضاة محاكم أمن الدولة طوارئ، سواء القضاة المدنيين أو العسكريين.

ثالثاً، يتمتع رئيس الجمهورية بسلطات هائلة طبقا لقانون الطوارئ، لرئيس الجمهورية (أو من يفوضه) أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة أي من جرائم القانون العام، أي الجرائم المؤثمة بموجب القوانين العادية، كالقانون الجنائي وغيره من القوانين الأخرى التي تتضمن عقوبات جنائية، كقانون التظاهر، أو الإرهاب، وغيرهما. من سلطات رئيس الجمهورية أيضا المصادقة على أحكام محاكم أمن الدولة طوارئ، فله الموافقة على الحكم، أو تخفيف العقوبة، أو إلغاء الحكم، أو إعادة المحاكمة لدى محكمة أخرى.

رابعا، يجوز لرئيس الجمهورية الأمر بمراقبة الرسائل أيًا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها.

خامسا، وبإمكان رئيس الجمهورية بموجب قانون الطوارئ[6]: وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والمرور في أماكن أو أوقات معينة. وتحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها. والاستيلاء على أي منقول أو عقار والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وسحب التراخيص بالأسلحة والذخائر أو المواد القابلة للانفجار أو المفرقعات على اختلاف أنواعها والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة. والأكثر خطورة هو منحه صلاحيات إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة. وهو ما يمثلا تقنينا لعمليات التهجير القسري التي تتم في شمال سيناء وجزيرة الوراق وماسبيرو وغيرها.

 

إبطال نص الاعتقال

ومن الناحية العملية، استخدمت الصلاحيات التي يمنحها القانون للسلطة التنفيذية، خلال الفترة الماضية في منع الوصول إلى عدد من المواقع على الإنترنت وإحالة متهمين إلى محكمة أمن الدولة العليا لاختصار درجات التقاضي.

وجدير بالذكر أنه تم إلغاء إحدى أهم السلطات الخاصة برئيس الجمهورية طبقا لقانون الطوارئ بموجب حكم من المحكمة الدستورية العليا في يونيو 2013. طبقا لنص المادة الثالثة (البند 1 منها) يجوز لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ بأمر كتابي أو شفوي قرارا بالاعتقال أو الترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية.

مثلت هذه السلطة الأساس القانوني الذي استند عليه النظام الحاكم في مصر لاعتقال آلاف المواطنين على امتداد عشرات السنوات، فقد جرى العرف أن يفوض رئيس الجمهورية وزير الداخلية في هذه الصلاحية.  وفي 2 يونيو 2013  قبل أن يتسلم صدر حكم المحكمة الدستورية العليا رقم 17 لسنة 15 ق بعدم دستورية هذا النص من قانون الطوارئ. جدير بالذكر أن الدعوى الدستورية التي صدر على أساسها هذا الحكم رفعت في إبريل 1993، أي أن المحكمة الدستورية استغرقت أكثر من عشرين عامًا للفصل في هذه الدعوى، وهو ما مؤداه أن جميع قرارات القبض والاعتقال والتفتيش التي اتخذت طوال عشرين عاما كانت تتم بناء على نص غير دستوري.

 

 

دلالات مد الطوارئ

أولا تؤكد حالة عدم استقرار، فمن أهم دلالات مد حالة الطوارئ أنها تمثل انعكاسا لمخاوف السلطة ودليلا على غياب الأمن وعدم الاستقرار وهو ما يخالف حملات الأبواق الإعلامية وتصريحات جنرال الانقلاب ومسئولي النظام العسكري الذي يدعون باستمرار  وجود حالة استقرار بالبلاد. ومنذ 3 يوليو 2013 تعيش مصر حالة طوارئ لا تنتهي، ومعها تتجدد المخاوف الشعبية من إطلاق يد السلطة التنفيذية والقبضة الأمنية وتغييب القانون، ويتواصل الانهيار الاقتصادي وهروب الاستثمارات الأجنبية لأن استمرار إعلان حالات الطوارئ دون أسباب منطقية مقنعة للعالم، لا يعني إلا حقيقة واحدة أن البلاد غير آمنة. فحالة الطوارئ يتم تعريفها على أنها إجراء تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة في العالم في حالات محددة "الحرب، التهديد بالحرب، الكوارث الطبيعية" فضلاً عن "محاربة الإرهاب" المصطلح الأكثر انتشاراً في السنوات الأخيرة، إلا أن المبرر الأخير دائماً ما يثير مخاوف الشعوب خاصة حينما يصدر عن أنظمة "غير ديمقراطية وقمعية"، بحسب دول ومنظمات حقوقية في العالم، لأن محاربة الإرهاب تتحول من هدف إلى وسيلة. إضافة إلى ذلك فعلى الرغم من تمديد حالة الطوارىء أكثر من 15 مرة ببعض مناطق محافظة شمال سيناء بدأت في 2014 فإن ذلك لم يجلب الاستقرار للمنطقة الملتهبة ، كما لم تحقق طوارئ 30 سنة لمبارك أي استقرار حتى عصفت به الثورة وأطاحت بنظامه.

ثانيا تؤكد انتهاك حقوق الإنسان، فالأحداث التي تشهدها مصر منذ الانقلاب على الرئيس مرسي وما أعقبها من إجراءات قمعية واعتقال الآلاف دفعت الكثير من المراقبين إلى اعتبار أن "السيسي" تفوق على "مبارك" في توظيف القانون والدستور لقمع الحريات وتشديد القبضة الأمنية من أجل تثبيت دعائم الحكم على حساب مصر وشعبها. وتتجدد الانتقادات الدولية بسبب "تراجع الحريات" وارتفاع عدد المعتقلين السياسيين من القوى المعارضة وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، وانهيار الاقتصاد دون تحقيق أي إصلاحات. وفي 10 أبريل 2017م.. أكد ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن جهود مكافحة الإرهاب لا ينبغي أن تعرقل احترام قوانين حقوق الإنسان. وقال دوجاريك في مؤتمر صحفي بنيويورك "من حيث المبدأ نؤمن بأن الحرب على الإرهاب لا ينبغي أن تكون على حساب حقوق الإنسان".

ثالثا، رسالة سلبية للمستثمرين،  فمد حالة الطوارئ للمرة السابعة يبعث برسائل شديد السلبية للمستثمرين تؤكد أن الأوضاع غير مستقرة، ويبدو أن روبرت فيسك الكاتب في صحيفة "إندبندنت" البريطانية" كسب الرهان، عندما كتب في أبريل 2017 عندما شرع النظام في فرض حالة الطورائ: النظام المصري "أعلن استمرار حالة الطوارئ بمصر ثلاثة شهور، لكنني أراهن على مدها عاماً"، مضيفاً "السيسي يؤكد بذلك للعالم استحالة زيادة الاستثمارات خلال الشهور المقبلة، وذلك بعد تعويم العملة وإجراءات التقشف التي أغضبت الفقراء"، لكن السيسي مدها لحوالي سنتين حتى الآن والأرجح أنها سوف تستمر ما بقي في الحكم.

رابعا، تؤكد حجم الخوف الشديد من جانب النظام كما أنها تتزامن مع سن قوانين وتشريعات مشبوهة جعلت من حالة الطوارئ أصلا حتى دون الإعلان عنها، فوتيرة إصدار القوانين الاستثنائية تصاعدت منذ انقلاب "03" يوليو 2013م،

1)     ففي الثامن والعشرين من أكتوبر صدر القرار بقانون رقم 136 لسنة 2014، والذي أدخل في اختصاص القضاء العسكري الجرائم التي ترتكب على عدد كبير من المنشآت والمرافق المدنية، وهو ما يشكل اختصاصا جديدا للقضاء العسكري لم يرد ذكره في المادة 204 من الدستور الخاصة بالقضاء العسكري. فقد قررت المادة 204 أن الاعتداءات التي تقع على المنشآت العسكرية، هي فقط ما تدخل في اختصاص القضاء العسكري. صدر ذلك القانون للعمل به لمدة عامين تنتهي في أكتوبر 2016، إلا أن مجلس النواب أصدر القانون رقم 65 لسنة 2016 لمد العمل بالقانون 136\2014 لمدة خمس سنوات إضافية تنتهي في أكتوبر 2021. اعتراضات واسعة أيضا أثارها إصدار ذلك القانون لأسباب من بينها مخالفته للدستور، وأنه يمهد الطريق لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري في غير الجرائم العسكرية.طبق القانون 136 لسنة 2014 في العديد من المناسبات وترتب عليه إحالة مدنيين إلى محاكمات عسكرية في قضايا متعددة.

2)      بالتزامن مع ذلك تم إصدار حزمة أخرى من القوانين الخاصة، من بينها قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، وقانون تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية رقم 8 لسنة 2015.

3)     بناء على قرار إعلان الطوارئ أصدر رئيس الوزراء ــ بموجب تفويضه من رئيس الجمهورية ــ قرارا بالقوانين والجرائم التي يطبق بشأنها قانون الطوارئ، ومن ثم يحال مرتكبي الجرائم المتعلقة بها إلى محاكم أمن الدولة طوارئ. شمل قرار رئيس مجلس الوزراء قانون التظاهر 107 لسنة 2013، وقانون التجمهر 10 لسنة 1914، وقانون مكافحة الإرهاب 94 لسنة 2015، وقانون تجريم الاعتداء على حرية العمل وتخريب المنشآت (الإضراب) 34 لسنة 2011، وقانون الأسلحة والذخائر 394 لسنة 1954، وقانون حرية العبادة 113 لسنة 2008، وكذلك الجرائم المتعلقة بالإرهاب والمساس بأمن الدولة والترويع والبلطجة وتعطيل وسائل المواصلات والمنصوص عليها في قانون العقوبات، وكذلك جرائم التموين ومخالفة التسعير الجبري.

 

مخاطر القوانين الاستثنائية

من نتائج تطبيق هذه المنظومة من القوانين الاستثنائية والخاصة وجود ثلاثة أنواع من المحاكم والمحاكمات؛:

·       الأول هو المحاكم العادية التي تمثل جسد السلطة القضائية، وهي المعنية بتطبيق القوانين العادية، غير أن الكثير من اختصاصات وصلاحيات هذه المحاكم سحبت منها لصالح النوعين الآخرين من المحاكم.

·       الثاني هو المحاكم العسكرية التي تحاكم المدنيين المتهمين بارتكاب العديد من الجرائم “ضد” المنشآت المدنية طبقا للقانون 136 لعام 2014.

·       ثالثا، هناك محاكم أمن الدولة طوارئ القائمة بموجب إعلان حالة الطوارئ، وهي المحاكم التي يحاكم أمامها المتهمون بالعديد من الجرائم الذي ذكرت تفصيلا بقرار رئيس مجلس الوزراء سابقا.

وتبقى مزاعم النظام بتبرير  مد حالة الطورائ  والادعاء بأنها سوف تحقق الأمن والاستقرار محل شك كبير،  فمصر تواجه حاليا مخاطر كبيرة أكثرها تأثيرا إرهاب السلطة التي تؤصل للفكر المتطرف وتستبدل بصناديق الانتخابات صناديق السلاح والذخيرة بالسطو على الحكم عبر انقلاب عسكري اتسم بأعلى درجات الفاشية والدموية وبمصادرة السياسة وتأميم الإعلام والمنع الفعلي للتداول السلمي للسلطة كل عوامل تفرخ بيئة خصبة للأفكار المتطرفة ونزعات تدعو إلى المواجهات المسلحة إيمانا بأن من اغتصب الحكم بالسلاح لا يتركه بصناديق الانتخابات، وأمام تفشي نزعات العنصرية والكراهية وانتشار معدلات التعذيب وتكميم الأفواه فإن مصر أمام انفجار واسع قادم لا محالة إذا استمرت الأوضاع الحالية على ما هي عليه، وساعتها لن تمنع الطوارئ ولا القوانين سيئة السمعة شعبا غاضبا من الانفجار في وجه الطغاة.

فالاستمرار في تطبيق هذه القوانين الاستثنائية يمثل إقراراً من السلطة بفشلها المستمر في تحقيق الأمن العام وردع الخارجين عن القانون وهو، في الوقت نفسه، إقراراً بنجاح الحركات المسلحة. ومن ناحية ثانية، فثمة علاقة عكسية بين فرض هذه القوانين الاستثنائية وبين ضمان الحريات العامة لاسيما للمعارضة السياسية، والواقع المصري يؤكد أن هذه الأجواء الملبدة بغيوم القوانين الاستثنائية والمحاكمات العسكرية والخاصة يوصد الباب تماما أمام أي نشاط سياسي معارض لنظام الحكم القائم، وهذا بحد ذاته سبب رئيس من أسباب ازدياد معدلات العنف وأرض خصبة لشيوع التطرف.

 



[1] للمرة السابعة.. تمديد حالة الطوارئ في مصر 3 أشهر إضافية/ القدس العربي 13 يناير 2019

[2] انظر تصريحات د.حسن نافعة  ..... آيات قطامش/فيديو| بعد تمديد حالة الطوارئ للمرة السابعة.. «نافعة»: هذا هو السبب الأساسي/ مصر العربية 13 يناير 2019

[3] "طوارئ السيسي" لا تنتهي.. ومصر تدفع الثمن/ الشرق القطرية الخميس 12 أكتوبر 2017

 

[4] علي جمال الدين/ مصر: جدل بشأن فرض حالة طوارئ جديدة في البلاد/ شبكة بي بي سي 13 أكتوبر 2017... انظر تصريحات د.عصام الإسلامبولي ود.صلاح فوزي..

 

[5] يوسف عوف/حالة الطوارئ في مصر: استثناء أم قاعدة؟/ مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط 02 فبراير 2018

 

[6] ماذا يعني فرض حالة الطوارئ في مصر؟/ الحرة 10 أبريل، 2017

 

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة