خطة النظام لترضية المعارضة مقابل تمرير التعديلات الدستورية

 


خطة النظام لترضية المعارضة مقابل تمرير التعديلات الدستورية

 

لا يكف كهنة المعبد عن طرح الأفكار واقتراح التوصيات التي تخدم البقاء والاستمرار، وقد قدم الكاتب ياسر رزق مقاله[1] طرحاً جديداً في 19 يناير 2019 في جريدة أخبار اليوم يتحدث فيه عن تأسيس نظام سياسي رشيد – من وجهة نظره – يعمل السيسي على إرساء دعائمه، نافياً استطاعة غيره على القيام بهذه العملية الإصلاحية، فما الذي يسعى إليه ياسر رزق من وراء سلسلة مقالته التى تسعى إلى ترسيخ حكم السيسى.

والحقيقة أن التصور الذي طرحه ياسر رزق هو بمثابة "صفقة سياسية"[2] مع القوى التي دعمت انقلاب 3 يوليو 2013، ويتكون التصور الذي يطرحه النظام على تلك القوي في العناصر التالية: دمج الأحزاب في كيانات ثلاث أو أربع بين يمين ويسار ووسط، وانتخاب مجالس إدارات مراكز الشباب، والسماح بالعمل السياسى داخل الحرم الجامعى، وإعادة إحياء جمعيات الكشافة، وحظر قيام أياً من الأحزاب الدينية.

يؤكد ياسر رزق علي مبدأ دمج الأحزاب من خلال نشوء تكتلات وأحزاب جديدة بالتحالف والاندماج قادرة على خوض الانتخابات المحلية والبرلمانية في مجلسي النواب والشيوخ عند إنشاء الأخير. وبهذا الخطاب يسعي ياسر رزق لضمان دعم القسم الأكبر من الأحزاب الصورية وتحييد القوي المعارضة والنخبة السياسية التي تعاني من ضعف واضح. وتقوم الصفقة علي أساس دعم التعديلات الدستورية من خلال إسالة لعاب المعارضة لكراسي ومقاعد ليس في فقط في مجلس النواب ولكن من خلال إعادة تأسيس مجلس الشورى مرة أخري تحت اسم مجلس الشيوخ، وهو نفس الاجراء الذي كان يستخدمه حسني مبارك لضمان ولاء وسكوت أحزاب المعارضة فقد كان يتم تعيين رؤساء الأحزاب في هذا المجلس الهامشي وكان من أبرزهم رفعت السعيد وناجي الشهابي وآخرون وذلك إلى جانب عدد من المثقفين والنخب السياسية.

يقترح مقال ياسر رزق العودة إلي سيناريو المنابر ثم الكتل السياسية (المعارضة الشكلية) الذي جري في عهد السادات لاخراج النظام السياسي من الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) إلي نمط التعددية المقيدة والصورية، ولكن بدلاً من تأسيس ثلاث كيانات هي الوسط واليسار واليمين فقط يقترح ياسر رزق تصميم مشابه للحياة السياسية  تأسيس 4 أحزاب رئيسية(من أجل اظهار اختلاف نسبي)، بحيث يتم  دمج الأحزاب ذات التوجه السياسي مع بعضها في حزب واحد، فأحزاب الوفد والمصريين الأحرار والمحافظين ومن على شاكلتهم يمثلون كتلة اليمين، والأحزاب اليسارية مثل الناصري والتجمع والكرامة وغيرها، يكونون تحت مظلة واحدة، ربما تكون مظلة الناصري، أما كتلة الوسط، فاقترح «رزق» أن تتكون من عديد من الأحزاب الأخري وأبرزها  هو حزب مستقبل وطن الذي يعيد تجربة الحزب الوطني الديموقراطي فهو حالياً يقوم بدور الوريث الطبيعي للقوى التقليدية الموالية للسلطة ، فهو كما يري رزق قد نواة لتكوين هذه الكتلة، لاسيما مع حجم عضويته الكبيرة داخل مجلس النواب، ويكون باسم «كتلة 30 يونيو»، أما الأحزاب الليبرالية كحزب الدستور والحزب الديمقراطي الاجتماعي وغيرهما، فقد اقترح رزق إما الاندماج أو التحالف في كتلة تمثل يمين الوسط.

ويتمثل البند الثانى فى هذه الخطة فى إعادة تشكيل مجالس إدارات مراكز الشباب بالانتخاب، وإنشاء مجلس إدارة منتخب للمركز أو المدينة، من أعضاء مجالس إدارات مراكز شباب القرى، ومجلس إدارة منتخب للمحافظة من أعضاء مجالس المدن والمراكز، ومجلس إدارة منتخب لمراكز شباب الجمهورية من أعضاء مجالس المحافظات.

أما البند الثالث فيتمثل فى تشجيع اتحادات طلاب الجمهورية والأسر الجامعية، والسماح بالعمل السياسي داخل الجامعات للمنتمين لمبادئ ثورتي 25 يناير و30 يونيو، فالتجربة على مدار أكثر من نصف قرن أثبتت أن الكوادر السياسية التي تصدرت المشهد المصري في الأحزاب وداخل السلطة التنفيذية، هى تلك التي أفرزها العمل السياسي داخل الجامعات واتحادات الطلاب والأسر الجامعية.

والبند الرابع يتمثل فى إحياء جمعيات الكشافة والمرشدات والجوالة لتستوعب تلاميذ الابتدائي والإعدادي والثانوي، في هذه التنظيمات المعروفة عالميًا ذات الأزياء الموحدة، من أجل توسيع مداركهم وتعميق وعيهم وولائهم للوطن، وتعزيز مشاركتهم المجتمعية وتوطيد أواصر الوحدة الوطنية وتحصينهم ضد أفكار التطرف وتغييب العقل وتشتيت الولاءات.

إضافة إلى ذلك، يقترح "رزق" مادة  تُضاف إلى الدستور ولتكن بديلة عن مادة «العدالة الانتقالية» تضاف إلى المادة التي تحظر قيام أحزاب دينية، وتنص على حظر وجود جماعة الإخوان المسلمين في صورة أحزاب أو جمعيات أو تنظيمات أو تحت أي مسمى، ويمكن الاستنارة في ذلك، بالحظر الساري على الأحزاب النازية في أوروبا وبالذات في ألمانيا.
واشترط "رزق" أن تتم كل هذه العملية على يد السيسي، كما وضع حدا زمنيا لهذه الخطة، قائلا: «أظن أمامنا عشر سنوات مرحلة انتقالية لاستصلاح التربة السياسية لحرث الأرض في الفضاء السياسي الفسيح، وغرس البذور والشتلات، وتعهدها بالري والرعاية، حتى تنبت وتثمر، ويحين أوان الجني والحصاد". وقد أضاف رزق أن "عشر سنوات، على غير ما يحسب البعض، هى مدة زمنية قياسية في عرف الإصلاح السياسي، كالفترة التي استغرقها شق الفرع المزدوج لقناة السويس.. هى أشبه بمدة الإنضاج داخل جهاز «الميكروويف، يختصر الزمن المفترض في الأفران التقليدية، ويحقق الغرض، وهو في هذه الحالة تجهيز نظام سياسي مهيأ للاستقرار وقابل للاستدامة».

كما اقترح أن يكون الجيش حاميا لمبادئ ثورة 30 يونيو، ومدافعًا عن الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وحافظًا للتعددية ضد الفاشية الدينية والسياسية، خلال سنوات المرحلة الانتقالية السياسية التي قدرها بعشرة أعوام، والمراحل التالية لها في البناء السياسي.

 أحزاب المعارضة لا تقطع خيوط التواصل مع سلطة الانقلاب:

لا يمكن لأحزاب المعارضة أن ترفض هكذا صفقة من النظام إن أثبت النظام جديته ولم تكن مجرد خداع لتقسيم صف الأحزاب والقوي التي سترفض التعديلات الدستورية. وقد توافرت كثير من المعلومات في تقرير مدي مصر عن التعديلات الدستورية عن تواصل النظام مع المعارضة وأعضاء جمعية الخمسين التي شاركت في وضع دستور 2014 وذلك إلي جانب الحوار مع شخصيات من الكتاب الناصريين مثل عبدالله السناوي وخالد يوسف وعبدالحليم قنديل لتقبل التعديلات أو عدم اعلان معارضتهم لها، وذلك مقابل تهميش المعارضة الحقيقة وتغييبها، وهو ما تمثل في اعتقال المعارضين البارزين مثل يحي حسين عبدالهادي ومعصوم مرزوق.  ونتيجة لهذه الاتصالات والمحاولات ظهرت نبرة تصالحية قابلة للتفاوض مع السلطة  لدي بعض قوي المعارضة التي كان يتوقع أن ترفض تلك التعديلات، وفي هذا الاتجاه أعلن "محمد سامي"، رئيس حزب «تيار الكرامة»، إنه مستعد لمناقشة أي أفكار، بشرط أن تكون دون إملاءات، وأنه مع فكرة دمج الأحزاب، ولكن لابد أن يتم ذلك بإرادة كاملة منها، مشيرا إلى أن مادة العدالة الانتقالية الموجودة بالدستور لا علاقة لها بالإخوان، والمقصود بها المصالحة مع القوى السياسية التي لم تستخدم العنف أو الإرهاب، ومحاسبة كل المتورطين في قتل شهداء ثورة 25 يناير، مؤكدا أنه مستعد لدراسة أي الأفكار بعيدا عن العبث بنصوص الدستور.

فى حين أكد المستشار "مصطفى الطويل"، القيادي في حزب الوفد، قد رأى أن فكرة دمج الأحزاب سبق وأن تم طرحها أكثر من مرة قبل ذلك، لكن كل المحاولات فشلت، بسبب تدخل الأهواء الشخصية لبعض رؤساء وأعضاء الأحزاب، وخاصة الأحزاب الصغيرة المعرضة للاختفاء، وبالتالي هذا الفكر ثبت فشله أكثر من مرة. ولفت إلى أنه مع حظر الأحزاب الدينية، منوهًا بأن مصر ما زالت لم تدخل بعد إلى مرحلة الديمقراطية الحقيقية، بسبب الحرب ضد الإرهاب، وبناء الدولة المصرية، لكن هناك أمل أن يحدث تحول ديمقراطي حقيقي في مصر، وأن يكون هناك تداول للسلطة، في المستقبل القريب.

وأضاف "أحمد عبد الحفيظ"  القيادي في الحزب الناصري، أن هذه الأفكار تم تجربتها في العهود السابقة، ولم تحقق أي نتائج تُذكر، مشيرا إلى أن مسئولية السيسي هي نقل الحكم لقيادة شابة، ويمكن أن تكون هناك مادة دستورية تنص على استمراره في القيادة العليا للقوات المسلحة لمدة خمس سنوات، من أجل تمكين القيادة الجديدة ونقل خبراته لها، مثلما حدث في الصين.

ولفت إلى أن الأحزاب تنشأ طبقا لحاجة المجتمع وظروفه، ومسئولية السلطة هي تمكين هذه الأحزاب من القيام بدورها، مشيرا إلى أن الكاتب الصحفي ياسر رزق يعبر عن اتجاه معين داخل أجهزة الدولة، ولا يستطيع كتابة هذه الأفكار عن طريق اجتهاده الشخصي، أو بدون تنسيق مع أطراف داخل السلطة، وخاصة أنه يعمل في مؤسسة صحفية حكومية.

خاتمة

من المعروف أن ياسر رزق لا ينطق عن الهوى، إنما يستخدمه النظام من أجل تجميل الصورة وإضفاء بعض المنطق إلى القرارات التى يسعى إلى إصدارها، لم يتبين بعد ما ينتوى السيسى فعله من أجل تحقيق مطلبه فى الرسوخ فى الحكم، وإن كان يسميها رزق بالإصلاح، إلا أنها إعادة هيكلة للحياة السياسية فى مصر لكى تتناسب مع بقاء السيسى فى سدة الحكم.

هناك ملاحظتين تُؤخذ على هذا المقال: أشار "رزق" فى بداية مقاله أنه يحلم بإن يرى "حكاماً يسلمون السلطة لحكام، وحكومات تتسلم الحكم من حكومات، لأرى شخصيات وطنية محترمة تتنافس على مقاعد المسئولية" ألا يرى ذلك متناقضاً مع مقاله السابق[3] الذى دعا فيه إلى تعديل الدستور حتى يضمن بقاء السيسى لمدد تالية بعد 2022 بما ينفى مبدأ تداول السلطة الذى يحلم به.

هذا يرتب الملاحظة الثانيه التى حدد بها مدة هذا الإصلاح بعشر سنوات، فإذا كان يسعى إلى إصلاح يهدف إلى تداول السلطة، فكيف سيكون السيسى هو الوحيد القادر على تحقيق هذا الإصلاح وإن كانت مدة حكمه من المفترض أن تنتهى بحلول عام2022، وإذا كان هو القادر على تحقيق هذا الإصلاح فلماذا لم يبدأ هذا الإصلاح منذ أربع أعوام مضت منذ توليه الحكم2014.

بالطبع مدة العشر سنوات التي يؤكد عليها ياسر رزق هي الوهم الجديد الذي يتم تروجيه لخداع المعارضة والقوي الشعبية، فبدلاً من الاصلاح الديموقراطي خلال عام أو عامين كما تريد المعارضة مثلاً يقترح رزق الانتظار عشر سنوات، وإن كانت العشر سنوات تعد تطوراً في موقف النظام فالسيسي أكد سابقاً أن الاصلاح والديموقراطية يحتاج ربع قرن على الأقل.



[1] ياسر رزق، استصلاح التربة السياسية الجدباء، جريدة أخبار اليوم، بتاريخ:19/1/2019، على الرابط التالي: https://bit.ly/2D3P5yQ

[2] على الهوارى، تفاصيل صفقة "هندسة" الحياة السياسية  ومحو "الإخوان" من الوجود، جريدة النبأ الوطني، بتاريخ:26/1/2019، على الرابط التالي: https://www.elnabaa.net/746403

[3] ياسر رزق، عام الإصلاح السياسى الذى تأخر، جريدة أخبار اليوم، بتاريخ:30/12/2018، على الرابط التالي: https://bit.ly/2Ra13kA

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة