هل تقزمت مكانة مصر الإقليمية في عهد السيسي؟

 


هل تقزمت مكانة مصر الإقليمية في عهد السيسي؟


يتزايد الحديث مؤخراً حول المكانة الإقليمية لمصر بين من يرى أن هناك تراجعاً فى دور مصر الإقليمى لصالح صعود دول أخرى نتيجة قوتها الاقتصادية مثل السعودية أو نتيجة قوتها العسكرية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، وعلى الجانب الأخر لا يزال العديد من المراقبين يؤكدون على قوة مصر الإقليمة المتمثلة فى قيامها بأدوار هامة فى العديد من الملفات الإقليمية كالملف الليبى والسورى. وتسعى هذه الورقة إلى التعرف على مظاهر القوة الإقليمية لمصر، ومدى تطورها، وما طرأ عليها من تراجع في ظل سيطرة السيسي علي الأوضاع والصراع الداخلي فيها.

 مصر تمتلك مقومات القوة الإقليمية:

تمتلك مصر العديد من المقومات التى تمكنها من لعب دوراً إقليمياً كبيراً، فهي تشرف على منطقة شمال إفريقيا من الشرق، وتتصل بالعمق الإفريقي من الشمال، وتخولها سيناء الاتصال ببلاد الشام برًّا وبحرًا من خلال البحر الأحمر والبحر المتوسط، وهي مُطلَّة في نفس الوقت على شبه الجزيرة العربية من خلال البحر الأحمر قبالة غرب السعودية، وهو ما يعطيها الخيارات للعب أدوار على أكثر من منصة إقليمية في وقت واحد.

وتمتلك مصر ثروات طبيعية أهمها الغاز والنفط والقطن، وتعتبر واحدة من أغنى دول العالم بالآثار التاريخية الأمر الذي يؤهلها لأن تحتل مراتب متقدمة عالميًّا لناحية جذب السياح وتاليًا العملات الصعبة، كما تمتلك قناة السويس التي تدر عليها دخلًا منتظمًا، إضافة إلى كونها الأكبر في العالم العربي من حيث عدد السكان، وتمتلك قوة عسكرية لا يستهان بها من ناحية التعداد البشري[1].

وتتسم الدولة المصرية بدرجة عالية من التجانس الإجتماعى بين أفرادها، فلا توجد إنقسامات حادة بين مكوناتها (سواء كانت انقسامات عرقية أو دينية أو مذهبية) للدرجة التى قد تؤدى إلى نشوب الصراعات المسلحة كما يحدث فى دول اخرى مثل سوريا وليبيا والعراق واليمن.

تراجع دور مصر الإقليمى:

شهد الدور الإقليمى لمصر تراجعاً كبيراً خلال الفترة الماضية، فمصر تعتمد بشكل كبير على المعونات الخارجية، سواء كان مصدر هذه المعونات أمريكا أو دول الخليج أو صندوق النقد الدولي. بل وعلى الرغم من هذه المعونات فإن الاقتصاد المصري أزداد تدهوراً، وسجلت مصر أعلى معدل للدين الخارجي في تاريخها.

كما أن القوات المسلحة المصرية على الرغم من عددها البشرى الكبير، إلا أنها لا تمتلك أحدث المعدات العسكرية كدول الخليج العربي، ولا التفوق العسكري التكنولوجي كإسرائيل، كما لا تمتلك القدرات غير التناظرية أو البالستية كإيران مثلًا، وليست بكفاءة القوات المسلحة التركية التي تعتبر ثاني أكبر جيش في الناتو. وفي الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة لهذه الدول تقوم بعمليات عسكرية خارج حدودها في السنوات القليلة الماضية، شهدت مصر في العام 2017 أعلى معدل في تاريخها لناحية سقوط قتلى جرَّاء عمليات إرهابية، وقد عانى الجيش المصري في مواجهة ما يُقدَّر بأنه ألف من المتطرفين في سيناء.

كما أن مصر لم تكن حاضرة أو موجودة كقوة إقليمية مفترضة في أي من الملفات الحساسة والمحورية في المنطقة، سواء فى سوريا أو اليمن أو العراق أو لبنان أو الصومال، فى الوقت الذى سيطرت قوى أخرى على هذه الملفات تمثلت فى دول تركيا وإيران والسعودية وقطر والإمارات.

بل أن مصر أصبحت مجرد تابع إقليمي للدول الأخرى، وفي هذا السياق، يُضرب المثال بتنازل السلطات المصرية عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وهناك من يشير إلى أن النظام المصري قد تنازل أيضًا عن حقوق مصرية لإسرائيل في غاز شرق المتوسط ومنح مساحة بحرية واسعة لليونان أيضًا، هذه التنازلات تبعها موقف ضعيف في مواجهة المخاطر المستقبلية لسد النهضة الإثيوبي على مياه النيل التي توفر 90% من احتياجات مصر من المياه.

ولإخفاء حالة الضعف المصرى، قامت السلطات المصرية بالاعتماد على تحالفات جماعية مع لاعبين آخرين أكثر قوة منها في مجالات متعددة. ففي شرق البحر المتوسط على سبيل المثال، تحاول القاهرة الانخراط في مثلث يجمعها مع إسرائيل واليونان، ومصر ليست قائدة هذا المثلث؛ إذ تعتبر إسرائيل القوة الأكبر فيه سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا أيضًا، كذلك الأمر، تنجر مصر إلى مثلث آخر يضمها إلى جانب السعودية والإمارات موجه ضد قوى إقليمية غير عربية لاسيما إيران وتركيا، وبالرغم من أنها القوة العسكرية الأكبر فيه، إلا أنها ليست قائدة لهذا المثلث أيضًا. وبعكس إسرائيل وتركيا وإيران وحتى السعودية والإمارات، فإن الجيش المصري لا يخوض حروبًا خارجية، وتجاربه الداخلية مؤخرًا كانت سيئة من الناحية العسكرية[2].

مصر لا تزال قوة إقليمية:

على الرغم من مظاهر الضعف الذى طرأ على الدور الإقليمى لمصر كما هو موضح أعلاه، إلا أن مصر لا تزال تمارس أدوار إقليمية هامة تتمثل فى:

التأثير فى قضايا المنطقة: تشارك مصر بقوة فى العديد من الملفات الإقليمية، حيث تشارك بشكل فعال في المحادثات التي تدور بين حماس والسلطة الفلسطينية، وقد وقعت حركتا فتح وحماس إتفاق المصالحة الفلسطينية بالقاهرة فى 12 أكتوبر لعام 2017[3]، كما تلعب مصر دور الوسيط الأساسى بين حماس وإسرائيل فى ملف التهدئة بينهما. كما لعبت مصر دوراً أساسياً فى حل الأزمة التي انفجرت بين لبنان والسعودية في 2017[4]، والتى تمثلت فى إعلان رئيس الوزراء، سعد الحريرى، عن تقديم استقالته من الأراضى السعودية. بالإضافة إلى الدور المصرى فى إنشاء مناطق خفض التوتر فى سوريا، فقد استضافت القاهرة فى 2017 عددًا من أطراف النزاع فى سوريا، حيث قاموا بتوقيع إتفاق خفض التوتر فى منطقة الغوطة الشرقية برعاية مصرية[5]، وتقود مصر حالياً الجهود من أجل إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، ويبدو أن مصر نجحت فى ذلك بصورة كبيرة بعد إعلان العديد من الدول العربية إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا.

وفي المقابل فإن المصالحة في غزة لم تنجح بل إنها تتدهور بشكل متسارع، كما أن دول مثل قطر وإيران وتركيا وحتي روسيا تلعب أدوراً كبيرة في هذا الملف لا تصب دوماً في صالح الدور المصري، كما أن دعم نظام السيسي لعودة سوريا للجامعة العربية تواجه بتردد وترقب غربي وأوروبي فقد وضع الغرب فيتو علي قمة بيروت الاقتصادية للضغط من أجل عدم مشاركة النظام السوري، واستجاب النظام المصري لدعوات بومبيو في زيارته للقاهرة من أجل وضع شروط علي عودة نظام بشار الأسد للجامعة العربية.

وتلعب مصر أيضاً دوراً كبيراً فى الأزمة الليبية من خلال دعمها الكبير لما يسمي بالجيش الوطنى الليبى بقيادة خليفة حفتر، دون أن يؤدى ذلك إلى قطع علاقتها مع حكومة الوفاق الوطنى برئاسة فايز السراج، وتسيطر مصر على أهم الملفات المتعلقة بالأزمة الليبية والمتمثلة فى رعاية جهود توحيد المؤسسة العسكرية من خلال اللقاءات التى تعقدها الأطراف العسكرية الليبية على الأراضى المصرية.

قدرة مصر على مكافحة الإرهاب: فقد نجحت مصر فى تسويق دورها الإقليمي استناداً إلى ما تملكه من قدرة عسكرية وأمنية واستخباراتية في مواجهة قضية مفزعة للغرب وهي الإرهاب، والتى أدت إلى تحسين العلاقات المتوترة مع العديد من الدول الغربية كأمريكا وإيطاليا (على الرغم من قضية ريجينى)، وتراجع اهتمام الغرب بقضايا حقوق الإنسان فى مصر، نظراً لاحتياج الغرب إلى شريك قوي لمواجهة التهديدات الأمنية والهجرة غير الشرعية[6].   وفي المقابل فإنها عاجزة عن انهاء تمرد محدود ومحاصر جغرافيا في جزيرة سيناء حيث يتعرض الجيش لخسائر كبيرة، كما أن سياسات النظام تساهم في توليد مزيد من الارهاب والعنف وسط مخاوف من عدم استقرار مستقبلي.

استقلالية السياسة الخارجية المصرية:

فعلى الرغم من الأموال الهائلة التي تقدمها السعودية لمصر، إلا أنها لا تخضع للسياسة السعودية، بل على العكس ظهر تعارض فى بعض الحالات بين الدولتين مثل رفض مصر المشاركة العسكرية بقوات كبيرة فى حرب اليمن، كما أن مصر ظلت داعمة بصورة كبيرة للأسد على الرغم من إصرار السعودية على الإطاحة به، كما أنها لم تساند الرياض خلال أزمتها مع بيروت 2017. وهو ما يشير إلى عدم خضوع مصر بشكل كامل لسياسة وتوجيهات الدول التي تساعدها مالياً، بل على العكس فهي تحاول دائماً تنويع حلفائها والتوقيع على عقود وشراكات تجارية و شراء أسلحة مع دول مختلفة أخرى كفرنسا وروسيا ودول الخليج، بل وتنويع الاقتراض والمساعدات أيضاً من أمريكا ودول الخليج والإتحاد الأوروبى وصندوق النقد الدولى، الأمر الذي يجعلها تحافظ على نوع من الاستقلالية في القرار[7].

وفي تقرير لمحلل الاستخبارات الأمريكية كينيث بولاك[8] يؤكد فيه أنه على الرغم من الدعم الذى تقدمه أمريكا  بالمال والسلاح للجيوش العربية مثل المصري والسعودي، إلا أن هذه الجيوش قد فشلت فى القيام بمهامها،وظهر ذلك فى فشل الجيش السعودى ضد الحوثيين فى اليمن، وفشل الجيش المصرى فى مواجهة الإرهاب فى سيناء ( إلى جانب ما ادعاه الكاتب من فشل الجيش المصرى فى حرب الخليج 1991)، وفشل الجيش الافغانى فى مواجهة حركة طالبان. ويُرجع التقرير أسباب هذا الفشل إلى: 1- عدم قدرة هذه الجيوش على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. 2- طبيعة النظم السلطوية التى ترفض مناقشة الأوامر الصادرة من القيادات العليا، وهو على عكس ما تتطلبه التكنولوجيا التى تحتاج إلى المناقشة من أجل فهم كيفية التعامل معها. 3- إرتباط الجيوش العربية بالسياسة بصورة كبيرة، وهو ما يؤدى إلى قلة التركيز على تنمية المهارات القتالية.

ختاماً،

وبتقييم موضوع للدور المصري في ليبيا يمكن القول أنه هناك تراجع من منظور تاريخي، حيث يبدو أن الصراع يتركز حالياً بين الأطراف الدولية المتمثلة فى فرنسا وإيطاليا، وبالنسبة لملف غزة فإنه حدث تدخل من قبل أطراف أخرى تتمثل فى تركيا وقطر وإيران وليس أخيراً روسيا.

وربما هذا التراجع الإقليمى لمصر يقدم تفسيراً منطقياً لتقليص المعونات الأمريكية لمصر، بل إن الولايات المتحدة أصبحت تستخدم هذه المعونات بصورة كبيرة للضغط على مصر فى قضايا مختلفة كقضايا حقوق الإنسان والعلاقة مع كوريا الشمالية.

على الرغم من العديد من مقومات القوة التى تملكها مصر، والتى مكنتها من لعب أدوار إقليمية هامة،  إلا أن هذه الأدوار شهدت خلال السنوات الماضية تراجعاً كبيراً، وهو ما يرجع بصورة أساسية إلى تدهور الاقتصاد، وضعف الكفاءة القتالية لدى الجيش المصرى نتيجة انشغاله بالسياسة وعدم القدرة على التعامل مع الأسلحة الحديثة، ما أدى إلى تراجع الدور المصرى فى العديد من القضايا الإقليمية.

وربما يقدم تراجع الدور الإقليمى لمصر  تفسيراً منطقياً لتقليص المعونات الأمريكية، واستخدام هذه المعونات بصورة كبيرة للضغط على مصر فى قضايا مختلفة كقضايا حقوق الإنسان، ونتيجة ذلك يبدو أن مصر وجدت فى قضية محاربة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، قضايا ذات أهمية تمكنها من تقديم نفسها كقوة إقليمية للدول الغربية. 



[1] على حسين باكير، "المكانة الإقليمية لمصر في الذكرى الثامنة لاندلاع الثورة المصرية: هل مصر "قوة إقليمية"؟"، مركز الجزيرة للدراسات، 29/1/2019، الرابط التالى:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/01/190129120931503.html

[2] المرجع السابق.

[5] "فى عهد السيسى.. مصر تقود العالم"، اليوم السابع، مرجع سابق.

[7] "ما هو ثقل مصر في منطقة الشرق الأوسط في عهد السيسي؟"، مرجع سابق.

[8] "الولايات المتحدة تهدر مليارات الدولارات على الجيوش العربية الفاشلة"، نون بوست، 3/2/2019، الرابط التالى:

http://www.noonpost.com/content/26430

.

Share:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة