كارثة محطة مصر.. عندما يتقدم أمن النظام على أمن المجتمع

 


كارثة محطة مصر.. عندما يتقدم أمن النظام على أمن المجتمع


بعد شهور قليلة من كارثة غرق السفينية المصرية "سالم إكسبريس" في 15 ديسمبر/كانون الأول 1991م ومقتل "476"  حاجا مصريا كانوا على متنها قبالة سواحل ميناء الغردقة على البحر الأحمر. تم إنتاج فيلم  "ضد الحكومة" الذي أدى بطولته الفنان الراحل أحمد زكي، والذي دق ناقوس الخطر من حوادث الطرق والقطارات والسفن؛ محذرا من حالات الإهمال والفساد الحكومي التي تسفر عن مقتل آلاف المصريين كل عام في حوادث الطرق والقطارات؛ وخلال المشاهد الأخيرة من الفيلم الذي كتبه "بشير  الديك" وقف البطل "أحمد زكي" أمام المحكمة صارخا بأعلى صوته «لا بد لي أن أقف.. هذه جريمة كبرى.. لا بد أن يحاسب من تسبب فيها، وإنني لا أطلب سوى محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن قتل 20 تلميذًا لم يجنوا شيئًا سوى أنهم أبناؤنا". زكي في صرخته سعى إلى تكسير تابوهات تأليه الوزراء والمسؤولين، معلنًا: "ليست لي سابق معرفة بالأشخاص الذين أطلب مساءلتهم، لكن لدي علاقة ومصلحة في هذا البلد، لدي مستقبل هنا أريد أن أحميه، أنا لا أدين أحدًا بشكل مسبق، ولكنني أطالب المسؤولين عن هذه الكارثة بالمثول أمامكم .. فهل هذا كثير؟! أليسوا بشرًا خطائين مثلنا؟! أليسوا قابلين للحساب والعقاب مثل باقي البشر؟!»[1].

لكن يبدو أن صرخات أحمد زكي لم يسمعها نظام العسكر في مصر الذي يسيطر عليها منذ انقلاب 23 يوليو 1952م، فإذا قضى جنرال نحبه قتلا بالسم أو الرصاص، أو حتى بثورة شعبية؛ جيء ــ حتما ـ بجنرال بديل حتى تبقى مصر رهينة حكم الجنرالات فلا يسمح مطلقا بتولي مدني ـــ مهمما كانت كفاءته ــ حكم مصر. ولم تتوقف الحوادث المؤلمة المروعة، فقد غرقت بعد ذلك  العبارة "السلام 98" وللعجب أنها كانت  ملكا لنفس الشركة المالكة لسالم إكسبريس، وغرق على متنها في فبراير 2006 أكثر من "1400" مصري من الذين كانوا يعملون في المملكة العربية السعودية، في الوقت الذي كان فيه مبارك بإستاد القاهرة الدولي؛ يستمتع مع أسرته وحاشيته بمشاهدة مباريات كأس الأمم الإفريقية التي نظمت وقتها بالقاهرة.

وقبلها وفي 20 فبراير "2002" وقعت كارثة "قطار الصعيد" التي تعد أكبر كارثة في تاريخ السكة الحديد المصرية منذ إنشائها(1856م) كثاني خط سكة حديد  في العالم بعد بريطانيا هذه الكارثة أسفرت عن مقتل حوالي"400" مصري، حيث ظل القطار رقم "832" المتجه من القاهرة إلى أسوان، مسرعا وهو مشتعل بالنيران مسافة 9 كم، وراح الركاب يقفزون من النوافذ والأبواب أملا في النجاة، ومن لم يستطع القفز منهم   تفحم في مكانه. كارثة قطار الصعيد ألهمت الكاتب السينمائي أحمد عبدالله في كتابة فيلمه الرائع "ساعة ونصف"[2] والذي أخرجه وائل إحسان وأنتج سنة 2012م؛ وقام ببطولته لفيف من شباب الفن والتمثيل والذي باتوا اليوم من كبار النجوم وفي مقدمة الفيلم تم إهداؤه لشهداء حوادث القطارات في مصر.

ووفقاً للأرقام الرسمية[3] الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات، تمتلك مصر خطوطاً حديدية بطول 9570 كم و705 محطات ركاب، و1330 مزلقاناً، و3500 عربة ركاب، و10 آلاف عربة بضائع، و800 جرار قطار. وتؤدي هيئة السكك الحديدية دوراً فاعلاً في خدمة نقل الركاب، من خلال تنفيذ 920 رحلة في اليوم الواحد، وتشير إحصائيات الهيئة القومية لسكك حديد مصر إلى نقل 500 مليون راكب سنوياً، بمعدل 1.4 مليون راكب يومياً، بوصفها وسيلة النقل الأنسب للفقراء لانخفاض تعرفتها بالمقارنة مع وسائل النقل البري، فضلاً عن نقل 6 ملايين طن من البضائع سنويا. وتشير إحصاءات غير حكومية إلى مقتل نحو ستة آلاف مصري، وإصابة أكثر من 21 ألفاً آخرين على خلفية حوادث القطارات خلال السنوات العشر الأخيرة، وارتفع معدل الحوادث في عام 2016 وحده إلى 722 حادثة.

 

تكرار الحوادث في مصر وضعها بين أسوأ 10 دول على مستوى العالم في ارتفاع معدلات حوادث القطارات التي تؤدي إلى الوفاة، وإدراجها على "الخريطة السوداء" لحوادث القطارات، وهو ما يكشف عنه خبراء في المعهد القومي للنقل.

 

كارثة محطة مصر المروعة

وصباح الأربعاء 27 فبراير 2019م، استيقظ المصريون على فاجعة جديدة، حيث  انفجر تانك بنزين الجرار رقم "2310" بالمصد الخرساني لرصيف نمرة "6" بمحطة مصر كبرى محطات القطارات في المنطقة العربية كلها، والذي أدى إلى مقتل 21 مصريا وإصابة أكثر من 45 آخرين بينهم 6 حالات خطرة وتفحمت بعض الجثث حتى إنه لم يتم التعرف على هوييها إلا بتحليل "DNA"، لكن تقديرات إعلامية تصل برقم الضحايا إلى حوالي 30 قتيلا. وكان الأكثر ألما وبشاعة هو مقاطع الفيديو التي تناقلها النشطاء للضحايا وهم يتفحمون دون وجود أدني أدوات الاستعداد داخل أكبر محطات مصر لمواجهة مثل هذه الحوادث المروعة، ولولا شجاعة شخصين قاما بإنقاذ أكثر من 10 ضحايا بالمياه لارتفع عدد  القتلى إلى 40 شخصا.  

ومن المفارقة المدهشة أنه في ذات الوقت الذي  وقع فيه الحادث المؤلم، كان وزير النقل الدكتور هشام عرفات يشارك في فعاليات المؤتمر الأول لرقمنة السكك الحديدة بمدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا، الذي شهد حضور عدد كبير من وزراء النقل الأفارقة وعدد كبير من الخبراء الدوليين المتخصصين في مجال السكك الحديدية، ووقف بين المشاركين مزهوا بأن مصر تضع خريطة طريق لإصلاح منظومة السكك الحديدية في دول إفريقيا!. كما أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن أكثر من 1.25 مليون شخص يلقون مصرعهم سنوياً نتيجة لحوادث الطرق، وأن 90 في المائة من تلك الوفيات تقع في الدول ذات الدخول المتوسطة والمنخفضة. وتصنف المنظمة مصر ضمن أسوأ 10 دول في مجال حوادث الطرق!. ولم تكن حادث محطة مصر هي الوحيدة التي آلمت المصريين يوم  الأربعاء الدامي، حيث شهد موجة من الحوادث التي أثارت الكثير من التساؤلات، منها نشوب حريق في كنيسة القديسة دميانة بالهرم، وآخر في محطة مياه المنصورة بمحافظة الدقهلية "دلتا مصر"  هذا بالإضافة إلى حادث قطار بمرسى مطروح (شمال غرب).

 

تعليمات الأجهزة الأمنية

وفي أعقاب الغضب الشعبي الواسع جراء المشاهد المؤلمة لاحتراق الضحايا في انفجار جرار محطة مصر واجه نظام العسكر وإعلامه هذه الكارثة بالإجراءات التالية:

أولا، تباطأ إعلام النظام  عدة ساعات عن تناول الكارثة انتظارا للتعليمات من جانب المخابرات والأجهزة الأمنية[4] التي تحدد للفضائيات والصحف والمواقع وحتى كتائب النظام الإلكترونية مسارات التناول والتوجهات والمضامين وزويا المعالجة الإعلامية؛ ونقلت صحيفة "العربي الجديد"عن  مصادر في مجموعة إعلام المصريين التابعة للمخابرات العامة، أنّ المسؤولين في قنواتها أبلغوا جميع العاملين بضرورة عدم نشْر أية مواد عن الكارثة حتى تأتي التعليمات؛  وبينما كان المصريون يبحثون عن وسائل الإعلام التي تبث مباشرة وتتابع الكارثة عن قرب كانت فضائيات النظام تبث برامج الشيف الشربيني وبرامج المطبح؛ ولم تبدأ هذه الفضائيات في تناول الكارثة إلا الساعة الواحدة ظهرا بعد مرور 4 ساعات كاملة على الحادث المروع! وذلك بعد صدور بيان من الرئاسة وجّه خلاله بـ"محاسبة المتسببين في حادث قطار محطة مصر"، كما قدم "تعازيه لأسر الضحايا"، متمنياً "الشفاء العاجل للمصابين". وبعد أن توجه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى "محطة مصر" يرافقه وزراء النقل والتضامن الاجتماعي والصحة، حيث بدأت الكاميرات تبث صوراً للمسؤولين وهم يقفون داخل المحطة. وأعلن مدبولي، خلال زيارته موقع الحادث، عن بدء التحقيقات من جانب النيابة وصرف 80 ألف جنيه لكل حالة وفاة، أو عجز كلي، وكذلك صرف 25 ألف جنيه لكل مصاب من مصابي الحادث.

ثانيا، لتهدئة الرأي العام تم قبول استقالة وزير النقل الدكتور هشام عرفات، بعد ساعات من الحادث وقد سبق أن تم الإطاحة بـ 4 وزراء نقل و3 رؤساء لهيئة السكك الحديدية في أعقاب حوادث مماثلة دون أن يسهم ذلك في حل الأزمة؛ ووفقا للأرقام الرسمية فقد تصدر عام 2015 قائمة السنوات الأكثر تعرضًا لحوادث قطارات حيث بلغت حينها 2011 حادثة، بينما وصلت إلى 489 في 2011، و447 في 2012، و781 في 2013، و1044 في 2014.

ثالثا،  تمضي خطة التناول الإعلامي لفضائيات وصحف النظام ومواقعه الإخبارية بشأن الكارثة المروعة، في ثلاثة مسارات:

1)      الأول تأكيد قوة الدولة وانتظام حركة القطارات ومعاقبة المقصرين فورًا.  والإلحاح على أن الحادث قضاء وقدر، وأنه يحدث في جميع بلاد العالم في أمريكا وأوروبا وغيرها..

2)      "الثاني" تجاهل فشل النظام وتقصيره بإبراز بطولة المصريين واتحادهم وقت الأزمات، والإشادة بأدوار الشباب الذين أسهموا في إنقاذ عدد من المحترقين أثناء الحادث؛ وتوجيه الاتهام لسائق الجرار وحده وبعض المسئولين الصغار. حيث تم احتجاز السائق و5 آخرين على ذمة التحقيقات.

3)      "الثالث" بالتزامن مع هذه التحقيقات؛  استدعى جهاز "الأمن الوطني" (37) من أقارب سائق الجرار؛ للبحث عن التوجهات والخلفية السياسية للسائق وهل كان له علاقة بالإخوان أو أي من عناصرها، أو ثمة أحد أقاربه على علاقة بالجماعة أو جماعات أخرى أو حركات سياسية معارضة للنظام من أجل توجيه التحقيقات بتعليمات من المخابرات والأجهزة الأمنية؛  والتسويق لسيناريو يشير إلى مدى انتماء السائق لجماعة إرهابية، أو تعاطفه مع جماعة "الإخوان المسلمين" بشكل يبرر التعمد في حدوث الواقعة. لكن التحريات كشفت أن السائق تم إيقافه من قبل عن  العمل في قضية تعاطي مخدرات، بينما تحدثت أبواق إعلامية موالية للنظام عن اتهامه أيضا في قضية "ممارسة دعارة" ما يعصف بأي أمل حول علاقته بالإخوان.

 

أرقام صادمة

ورصدت إحصائية حديثة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء[5]، حوادث القطارات خلال النصف الأول من السنوات الخمسة الأخيرة "2014-2018"، تزامنًا مع حادث قطار محطة حيث تمثلت في الآتي:

1)      سجلت أعداد حوادث القطارات ارتفاعًا مطرد خلال السنوات الخمسة الأخيرة، من 449 حادث في عام 2014 إلي 1082 حادث في عام 2018، كما ارتفع معدل قسوة الحوادث إلي حدود 66% في عام 2018 مقابل 63.6% في عام 2014.

2)      وقع العدد الأكبر من حوادث القطارات في وجه بحري "الدلتا" بـ1916 حادث خلال النصف الأول من السنوات الخمسة الماضية "2014-2018"، يليها خطوط وجه قبلي بـ993 حادث، ثم المنطقة المركزية بـ645 حادث.

3)      خلفت حوادث القطارات خلال الخمس سنوات الماضية 432 ضحية بينهم 291 مصابا و141 متوفي، وسجلت أعلى حالات وفاة في عام 2016 بـ103 حالات، يليه عام 2015 بـ89 حالة وفاة.

4)      كانت أكبر عدد من حوادث القطارات خلال النصف الأول من عام 2018 بسبب اصطدام المركبات ببوابة المنافذ بنسبة 81.2% بـ879 حادث، يليه السقوط على الطوالي وغير الطوالي والمخازن بنسبة 3% بـ33 حادثا، ثم اصطدام القطار بالمركبات على غير المنافذ بنسبة 2.9% بـ32 حادثا، بينما بلغ عدد حوادث حرائق القطارات 30 حادث تمثل 2.8% من إجمالي حوادث القطارات.

5)      بلغ عدد حوادث الحريق التي نشبت في القطارات 30 حادث خلال النصف الأول من عام 2018، وقع معظمهم في وجه قبلي بـ12 حادثا، يليه 9 حوادث بالمنطقة المركزية ومثلهم بوجه بحري "الدلتا".

كما أعلن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء[6]، فى تقرير حديث صادر عنه ضمن كتيب "اللمحة الإحصائية مصر" لعام 2018، أن حوادث القطارات خلال عام 2017 بلغ عددها 1793 حادثا، خلف عنها 61 مصابا و29 متوفى، مقابل 1249 حادث خلال 2016 خلف عنها 164 مصابا و62 متوفى. وأوضح الجهاز فى تقريره، أن معدل حوادث القطارات بالنسبة لعدد السكان، سجل خلال العام الماضى 0.2 حادث لكل 10 آلاف نسمة، وبالنسبة للركاب، بلغ المعدل 8.1 حادث لكل مليون راكب، فيما أشار جهاز الإحصاء فى التقرير ذاته إلى عدد حوادث السيارات خلال 2017، والتى بلغت 11.1 ألف حادث بمعدل 30.4 حادثة فى اليوم.

 

أسباب تكرار الحوادث

وفقا للدكتور أسامة عقيل[7]، أستاذ المرور والطرق والنقل بجامعة عين شمس والخبير في وسائل النقل، فإن ثمة عدة أسباب تؤدي إلى تكرار  حوادث القطارات في مصرومنها:

1)      منظومة السكك الحديدية قديمة جدا في مصر، ولم تشهد تحديثا على مدى سنوات طويلة، فما تقوم به هيئة السكك الحديدية بمصر على مدار سنوات هو الصيانة، بينما المفترض أنه يتم التحديث؛  فالصيانة تتعلق بتغيير قطع غيار بعينها، أو إحلال قضبان قطارات متهالكة بأخرى جديدة، إما التحديث فهو تغيير المنظومة التقنية بكاملها. فمصر تخلفت عن أجيال كاملة، من الأنظمة التقنية لتشغيل السكك الحديدية في العالم، مثال ذلك أن نظام الجر مر بأجيال مثل الجر بالفحم والجر بالديزل والكهرباء ثم أخيرا الجر الإلكتروني، وهو استخدام القوة المغناطيسية، التي تخفف كثيرا من وزن القطارات، وهي تقنية يعمل بها في العديد من العالم بينما مصر ما تزال في عصر الجر بالديزل! نفس الأمر ينطبق على نظام الإشارات وتنظيم الحركة إذ أنه في مصر ما يزال في العصر اليدوي.

2)      تدهور مستوى الإدارة في مرفق السكك الحديدية؛ تفسير ذلك أن النظام التراتبي الإداري المعمول به، هو أن يعين الموظف الأقدم رئيسا للهيئة، وبهذا ربما ينتهي الأمر بموظف كان في قطاع الورش رئيسا لهيئة سكك حديد كبيرة، بينما هو لا يملك الرؤية ولا الوعي، بما يحدث من تطور في هذا المجال في العالم، بما يمكنه من إدراك ما هو فيه والسعي لتحديثه، بينما منصب إداري ضخم من هذا القبيل يحتاج إلى شخص على دراية بكل ما هو جديد في دنيا النقل والسكك الحديدية، وقادر على صياغة رؤى جديدة في مجاله.

 

المسئولية السياسية

لجأ النظام لتهدئة الرأي العام إلى إقالة وزير النقل الدكتور هشام عرفات، لكن التجارب تؤكد أن ذلك نوعا من التخدير لن يسفر عن حلول لهذه الكوارث المتكررة؛ فقد سبق عزل 4 وزراء من قبل؛ هل تم حل أزمات مرفق السكك الحديدية؟ بل إن حادث احتراق أحد قطارات الصعيد الذى أدى إلى قتل نحو 400 مواطن ترتب عليه تقديم 11 مسئولا بهيئة السكة الحديد إلى المحاكمة، لكن المحكمة أصدرت حكمها ببراءتهم جميعا، فعادوا إلى مراكزهم وظل الحال كما هو عليه دون أدنى تغيير!

ورغم أن الكاتب الكبير فهمي هويدي في سياق تعليقه على حادثة قطار أسيوط في عهد الرئيس مرسي، انتقد أبواق إعلام رجال أعمال نظام مبارك مؤكدا أنه يقوم بتصفية حسابات سياسية وتاريخية مع الإخوان والرئيس؛ إلا أنه أكد أن الإهمال صار عنوانا كبيرا لوصمة تلاحق الجميع؛ محملا المسئولية لثلاث جهات: هي السلطة التنفيذية بإهمالها وقصورها وعدم وضع تصورات للحل رغم أن الرئيس لم يمض على منصبه سوى شهور قليلة وقتها؛ وثاني الجهات المسئولة هي منظمات المجتمع المدني وأخيرا سلوكيات الأفراد؛ لكنه يؤكد أن المسئولية ليست موزعة بالتساوي فيما بينها، وانما تظل السلطة هى المسئول الأول والأكبر عن رسم السياسات وتحديد الأولويات. وتدرج فى قائمة الادعاء بقية المتهمين الذين رأوا الخطر بأعينهم وظلوا يتفرجون عليه منتظرين أن تتولى الحكومة الأمر وتحمل عنهم كل العبء.

لكن هويدي أكد أن أحد أهم الحلول هو مشاركة المجتمع الذي تم تهميشه على مدار عقود فانزوى وارتضى لنفسه أن يظل متفرجا، مؤكدا أنه لا سبيل إلى تحقيق الاستنفار المنشود، الذى يستدعى المجتمع إلى ساحة الفعل إلا من خلال الممارسة الديمقراطية الحقيقية الكفيلة بإخراج المجتمع من محبسه، وإشراك المواطنين فى بناء الوطن وحراسته[8].  لكن السيسي أعاد الاستبداد وهمش المجتمع ما يؤكد مسئوليته على هذا الكوارث المتلاحقة.

الدليل الثاني الذي يؤكد مسئولية زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي أنه في أعقاب حادث قطار أواخر  2012 بأسيوط والذي راح ضحيته 50 طفلا وعشرات المصابين، وضعت حكومة هشام قنديل حينها خطة لتطوير حميع المزلقانات، والحد من الاعتماد فيها على العنصر البشري، وتم افتتاح أولها مطلع العام 2013، لكن العمل بهذه الخطة توقف نتيجة الانقلاب العسكري في يوليو/تموز  من العام نفسه[9].

ثالث الأدلة أنه في مارس/آذار 2016، أعلن رئيس هيئة السكة الحديدية اللواء مدحت شوشة عن المشروع القومي لتطوير الهيئة خلال 30 شهرا باستثمارات قيمتها 45 مليار جنيه (254.24 مليون دولار)، كما وقعت الهيئة في يونيو/حزيران 2017 قرضا بقيمة 575 مليون دولار مع شركة جنرال إلكتريك العالمية لتطوير القطارات وتدريب المهندسين. ورغم ذلك لم يحدث أي تطوير يذكر من جانب النظام. بل إن السيسي رفض من الأساس أي تطوير ؛ وما قاله يوم 12 أغسطس 2017 تعليقا على حادث قطار الاسكندرية دليل على ذلك، حيث تساءل نصاً : " أصرف لية 10 مليار جنية علي القطارات، وأنا ممكن أحطهم في البنك وأخذ عليهم سعر فائدة مليار جنية؟!".

الدليل الرابع، أن النظام الذي رفض إنفاق 45 مليار جنيه على تطوير مرفق السكك الحديدية هو من بنى أكثر من 20 سجنا، وأنفق أكثر من 100 مليار جنيه على تفريعة قناة السويس دون أن جدوى سوى رفع الروح المعنوية، كذلك فإن حجم ما يتوفر من رفع أسعار الوقود في سنة واحدة كفيل بتوفير هذا المبلغ وزيادة، فكلفة تطوير سكك حديد مصر لا تساوي شيئا مقابل تكلفة المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية الجديدة البالغة 45 مليار دولار وبما يعادل 800 مليار جنيه، وتكلفة إنقاذ حياة المصريين الذين يستقلون القطارات يوميا تقل عن ثلث تكلفة توصيل المرافق الرئيسية بالعاصمة الجديدة البالغة 140 مليار جنيه، بل وتعادل كلفة إنقاد أرواح المواطنين تكلفة بند واحد هو إنشاء محطة الكهرباء بالعاصمة الإدارية البالغة 2 مليار يورو، ما يزيد عن 40 مليار جنيه. والـ 400 مليون جنيه التي تم إنفاقها على إقامة مسجد وكنيسة بالعاصمة الإدارية الجديدة كان من الممكن أن يتم بهما شراء جرارات جديدة وتطوير عشرات مزلقانات السكك الحديدية وتحسين رواتب السائقين والمساعدين[10].

الخلاصة أن النظام ربما يوظف الحدث سياسيا، بالتوجه نحو خصخصته خصوصا بعد تمرير قانون يسمح بمشاركة القطاع الخاص في الاستثمار بالسكة الحديد، إضافة إلى ذلك فإن النظام يتجه نحو مزيد من عسكرة المرفق وسط أنباء تتحدث عن تعيين اللواء كامل الوزير وزيرا للنقل خلفا لهشام عرفات رغم وجود أكثر من 100 لواء ورتبة عسكرية تتحكم في مفاصل الوزارة من الألف إلى الياء ما يسهم في تدمير ما تبقى من المرفق دون أمل في تدارك هذه الأخطاء الكارثية. فاهتمام السلطة  العسكرية فى مصر بالتحديات التى تواجه النظام يتجاوز بكثير اهتمامها بالأخطار التى تهدد المجتمع. وذلك واضح فى الحملة الراهنة ضد ما يسمى بالإرهاب (الوهمي) إذا قورنت بموقف السلطة إزاء صور أخرى للإرهاب  (الحقيقي) سواء تمثلت فى حوادث الطرق أو تلوث المياه أو انتشار الأمراض وغياب أي إرادة لحل أزمات الصحة والتعليم وغيرها.

 

 



[1] عماد عنان/ حادث "محطة مصر".. القصة الكاملة لفساد ربع قرن داخل السكك الحديدية/ نون بوست  الخميس 28 فبراير 2019

[2] هالة نور/حوادث القطارات على الشاشة.. الواقع أسوأ كثيراً/ المصري اليوم 27 فبراير2019

[3] قطارات مصر تقتل ركابها الفقراء... مسلسل متكرر/العربي الجديد الأربعاء 27 فبراير 2019

 

[4] إعلام السيسي يتأخر عن الكارثة... في انتظار "التعليمات"/العربي الجديد 28 فبراير 2019

 

[5] "الإحصاء" يرصد أبرز 5 معلومات عن حوادث القطارات/ الدستور  الأربعاء 27 فبراير 2019

[6] هبة حسام/الإحصاء: 1793 حادثا للقطارات خلال 2017 بمعدل 8.1 حادثة لكل مليون راكب/ اليوم السابع الأربعاء، 06 يونيو 2018

[7] أحمد  عبدالرازق/ لماذا تتكرر حوادث القطارات في مصر؟/ بي بي سي عربي 13 أغسطس 2017

 

[8] فهمي هويدي/ مشكلة مجتمع المتفجرين/ بوابة الشروق الثلاثاء 20 نوفمبر 2012

[9] عبدالرحمن محمد/من يتحمل مسؤولية استمرار تدهور السكك الحديدية بمصر؟/ الجزيرة نت 15 أغسطس 2017

 

[10] مصطفى عبد السلام/ المصري الضائع بين قطارات متهالكة وعاصمة فارهة/ العربي الجديد 27 فبراير 2019

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة