القمة العربية الأوروبية.. قراءة في خطاب السيسي ومواقف الأوروبيين

 


القمة العربية الأوروبية.. قراءة في خطاب السيسي ومواقف الأوروبيين


انعقدت القمة (العربيةــ الأوروبية) بمنتجع شرم الشيخ المصري خلال يومي الأحد والإثنين (24/25 فبراير2019م) وسط إجراءات أمنية مشددة، تحت شعار "الاستثمار في الاستقرار"[1]، ورغم غياب نصف الرؤساء والحكام العرب وتراجع مستوى التمثيل العربي باستثناء العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز، وعدد من الرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء، فإن أبرز من حضر من الجانب الأوروبي دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، وجان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية، وفيدريكا موغريني مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد. ومن أبرز الحضور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، والرئيس الروماني كلاوس يوهانيس بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي. حيث شاركت وفود 24 دولة أوروبية و16 عربية. وقد ناقشت القمة خمسة موضوعات رئيسية[2] هي: (أولا،الشراكة العربية الأوروبية، وثانيا،التحديات الدولية، وثالثا الملفات الإقليمية مثل صفقة القرن وسورية وليبيا واليمن، ورابعا الهجرة غير الشرعية وآليات منع تدفق اللاجئين إلى أوروبا، وخامسا، سبل مواجهة الإرهاب). وتعرضت المشاركة الأوروبية الواسعة لانتقادات حادة رأت فيها دلالات ورسائل تؤكد دعمها للنظم العربية المستبدة وتبنيا للغة المصالح على حساب القيم وهو ما يبدو من مغزى التوقيت ودلالات المشاركة الواسعة والتغاضي عن انتهاكات النظام في الملف الحقوقي.

الأهداف ومسارات التعاون

ووفقا لصحيفة "الأهرام"[3] الحكومية المصرية، فإن القمة العربية الأوروبية توفر مسارين من التعاون بين الجانبين:

المسار الأول، التكاتف لمواجهة ما أسمته بخطر الإرهاب وذلك عبر المواجهة الشاملة التى طرحها السيسى وتركز على المواجهة الأمنية والفكرية والتنموية واتخاذ مواقف رادعة ضد الدول التى ترعى وتمول وتدعم الإرهاب لوجيستيا وماليا، وتوفر حاضنات وأبواقا إعلامية له, والعمل على منع تسلل العناصر الإرهابية عبر الحدود بين الدول. كذلك مواجهة الهجرة غير المشروعة عبر المنظور التنموى الذى يرتكز على معالجة أسباب تلك الظاهرة وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، كذلك تسوية الصراعات والأزمات فى المنطقة العربية التى تمثل مصدرا للهجرة غير المشروعة كما أنها أيضا تمثل بيئة مواتية لنمو الإرهاب والتنظيمات الإرهابية، وتسوية تلك الأزمات تكون عبر حلول سياسية توافقية وتدعيم الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية.

المسار الثاني, هو تفعيل وتطوير أوجه التعاون الاقتصادى والسياسى والثقافى والذى تفرضه ضرورات الجوار الجغرافى والتاريخ العميق من التفاعل الحضارى وتعظيم الفرص الاستثمارية بينهما فى المجالات المختلفة، ولاشك أن تشبيك المصالح الاقتصادية بين العرب وأوروبا يسهم فى تحويل منطقة الشرق الأوسط من منطقة صراعات وأزمات إلى منطقة مزدهرة اقتصاديا ومستقرة سياسيا.

وبحسب رؤية السيسي فإن "الاستثمار في الاستقرار" يتحقق من خلال  ثلاثة عناصر:

الأول، الحفاظ على ما يسمى بكيان الدولة الوطنية وصيانتها، وإصلاحها في الحالات التي تقتضي ذلك، واعتبر ذلك مفتاح الاستقرار، والخطوة الأولى على طريق إعادة الأمن للشعوب، التي طالها الخوف والقلق على المستقبل، وبما يفتح الباب أمام جهود التنمية. ويطالب لتحقيق ذلك مزيدا  من التعاون المشترك مع الأوروبين  بغرض تدعيم مؤسسات الدولة لمواجهة التحديات الصعبة، مع الاعتداد بمبدأ المواطنة في مواجهة دعوات الطائفية والتطرف.

ثانياً: ضرورة الاتفاق على مقاربة شاملة لمكافحة الإرهاب، بحيث تتضمن، كمكون أساسي، مواجهة أمنية صارمة مع التنظيمات والعناصر الإرهابية، ومواجهة فكرية مستنيرة مع منابعهم الأيديولوجية، كعنصر لا يقل أهمية، وكذلك منع التمويل والدعم المقدم لهم، ووقف التحريض الذي يقومون به، كعناصر مكملة لهذه المقاربة الشاملة، وفي إطار هذه المقاربة، وبغرض ضمان إنجاحها، لا يفوتني تأكيد أهمية التنفيذ الكامل لجميع أركانها، وأنها لن تكلل بالنجاح حال عدم تكاتفنا جميعاً لتنفيذها، أو الوقوف معاً بحزم أمام أي طرف يرفض تنفيذها تحت أية دعوى.

ثالثاً: ضرورة  المساهمة في تحويل منطقة الشرق الأوسط من منطقة "للنزاعات" إلى منطقة "للنجاحات"، ولتحقيق ذلك، دعا إلى التعاون الاقتصادي والتغاضي عن ما وصفها بالمصالح الضيقة، والعمل مع أطراف النزاع، عبر التحفيز وأحياناً الضغط المحسوب، بهدف تنفيذ القرارات الأممية، والتي تمثل نهجاً ملزماً متفقاً عليه، لتسوية تلك النزاعات.

 

مغزى المشاركة ودلالة التوقيت

والرسالة الأهم في المشاركة الأوروبية الواسعة أنها تعلي من لغة المصالح والتفاهمات مع النظم العربية الاستبدادية على حساب القيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتي طالما تتشدق بها؛ وهو ما يؤكد أن أوروبا عندما ترفع لواء الدفاع عن حقوق الإنسان فإنها تكون في سياق المساومة والابتزاز لتحقيق مكاسبها ومصالحها على حساب هذه القيم ذاتها؛ وهو ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى معايرة الأوروبيين بهذه المشاركة واعتبارها رسال سلبية تشرعن النظم المستبدة التي قامت على انقلاب عسكري، كما أن هذه المشاركة سوف تفقد تبني أوروبا لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان أي معنى أو قيمة. ولذلك تعرضت هذه القمة لانتقادات حادة وعنيفة من جانب الإعلام الأوروبي الذي رأي فيها دعما لنظام عسكري سلطوي ملفه في حقوق الإنسان منتخم بالجرائم المروعة. ووترى صحيفة The Financial Times البريطانية[4]، أن توقيت استضافة القاهرة للقمة العربية الأوروبية، هو الأسوأ بالنسبة للأوروبيين، إذ أيد البرلمان المصري قبل أيام مقترحاً لتمديد حكم السيسي «السلطوي» على نحو متزايد حتى عام 2034، وهو «استيلاءٌ على السلطة هز البلاد»، بحسب وصف الصحيفة. وأضافت، لو تمت الموافقة على هذا التعديل، فسوف توسع هذه الخطوة من سلطة الجيش والسيسي، الذي يتهمه منتقدون بأنه مستبدٌ مسؤول عن كبح الحريات وسجن المعارضين. وينتهي تقرير الصحيفة إلى أن الأزمات التي خلقتها الهجرة غير النظامية دفعت الأوروبيين إلى التعاون مع الحكام المستبدين مثل السيسي الذي يظن أنه باستضافة هذه القمة يمكنه الإفلات من العقاب. وشنت  صحيفة "الغارديان" البريطانية[5]  هجوما مزدوجا وحادا على نظام السيسي والمشاركة الأوروبية الواسعة في مؤتمر شرم الشيخ بمصر، وذلك بعد يومين من إقدام نظام السيسي على إعدام تسعة من معارضيه. وقالت الغارديان في افتتاحيتها: بعد أيام من إعدام مصر لرجال قالوا إنهم عذبوا حتى يعترفوا بقتل النائب العام السابق في البلاد، ها هم رؤساء الدول الأوروبية يرفلون في ضيافة رئيسها، حيث يستضيف منتجع شرم الشيخ قمة الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية. وتضيف أنه بينما يعزز السيد السيسي قبضته على الحكم في مصر التي قالت منظمة هيومان رايتس واتش لحقوق الإنسان، إنها تعاني من أسوأ أزمة في حقوق الإنسان تمر بها منذ عقود، تتمتم البلدان الأوروبية حول "دبلوماسيتها الهادئة" بخصوص تلك القضايا. ثم يمضون قدما في بناء العلاقات وتوفير مناخ من الشرعية الدولية التي هو في أمس الحاجة إليها، بالنظر إلى سجله البائس منذ أن استولى على الحكم في انقلاب عسكري عام 2013.

وحول مغزى ودلالة التوقيت والمشاركة تؤكد "الغارديان"  أن ثمة رسالة مهمة تحملها وجبة الإعدامات التي أمر بها السيد السيسي مؤخرا، ومفادها أنه واثق من أن إعدامه لعدد من الناس قريبا من موعد القمة لن ينجم عنه أي تداعيات، على الرغم من أن المحاكمات التي صدرت عنها أحكام الإعدام جائرة.  وتضيف أنه في هذه الأثناء يجري العمل على إجراء تعديلات دستورية من شأنها أن تسمح للسيد السيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2034، وتمنح للعسكر سلطات سياسية جديدة، وتزيد من التحكم الرئاسي بالقضاء. وحالما يتم إقرار هذه التعديلات من قبل النواب، سينظم استفتاء بشأنها يتوقع أن يكون من النزاهة بالقدر نفسه الذي كانت عليه الانتخابات التي فاز فيها السيسي في العام الماضي، بما يقرب من 97% من الأصوات. إلا أن زعماء الاتحاد الأوروبي يرون في نظام السيد السيسي مصدرا نادرا للاستقرار في المنطقة، حتى لو كانت أفعاله هي التي تولد الأزمات على المدى البعيد.

أما صحيفة "نيويورك تايمز"[6] فقد سلطت في  التقرير الذي أعده مراسلها بالقاهرة  ديكلان وولش، الضوء على هيجان السيسي بعد الانتقادات التي وجهت له بشأن انتهاكات نظامه لحقوق الإنسان وإعدام 9 نشطاء قبل أيام من القمة، ويقول  التقرير إن السيسي الذي سجنت حكومته النقاد، وكممت الإعلام المستقل، وأعدمت تسعة سجناء في الأسبوع الماضي، لم يتقبل محاضرات حول حقوق الإنسان، فالسيسي هاجم الأوروبيين الذين تجرأوا وانتقدوا سجله في مجال حقوق الإنسان، وقال السيسي للصحافيين: "تريدون تعليمنا الإنسانية.. الإحساس بالإنسانية والقيم والأخلاق مختلف.. احترموا قيمنا وأخلاقنا كما نحترم قيمكم".  وتعلق الصحيفة أن هيجان السيسي علامة على التعاون المحرج بين قادة الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، الذي يأمل فيه الطرفان التعاون في مجال الهجرة والإرهاب.

 

خطاب السيسي بين الداخل والخارج!

خلال فعاليات القمة ألقى السيسي خطابين: الأول في افتتاحها والثاني في ختامها، إضافة إلى ردوده على بعض الاستفسارات والأسئلة التي وجهها صحافيون أجانب والتي أحرجت زعيم الانقلاب وكشفت عن حجم الورطة التي يعانيها بشأن الانتقادات المستمرة لملف حقوق الإنسان.

تم توظيف القمة وعنوانها "الاستثمار في الاستقرار" سياسيا من أجل رسم صورة تخالف صورة مصر الحقيقية المألومة الموجوعة، حيث استخدم الجنرال العسكري عبارات رنانة فخيمة وبدا مزهوا بانعقاد القمة في مصر باعتبارها دليلا على استقرار  مصر في عهده، ودليلا على تجاوب الغرب مع سياساته وتوجهاته رغم بشاعة النظام في ملف حقوق الإنسان، واستخدم أساليب التودد التي تصل حد التوسل للتزلف للجانب الأوروبي ومحاولة رسم صورة لنظامه باعتباره متعاونا لأبعد الحدود لمواجهة ما أسماها بالتحديات المشتركة في كافة المجالات؛ لذلك استخدم العبارات الدالة على هذه المعاني مثل (أرض مصر مدينة السلام، تحقيق السلام والاستقرار والتنمية، المدينة الآمنة، أسمى قيم التعايش والتعارف والمحبة، تعزيز الروابط الإنسانية، إرساء السلام والإخاء بين بني البشر، مصر التي شهدت امتزاجا فريدا بين الحضارات، ما يجمع أكثر مما يفرق، الاهتمام والحرص المتبادل لدى الطرفين، تعزيز الحوار والتنسيق بصورة جماعية) وهو خطاب يخالف تماما الخطاب الموجه للداخل والذي تجلى في عشرات بل مئات المواقف ولا يحمل سوى نبرة واحدة  هي الكراهية والاستبداد وإقصاء الآخر المخالف ومنها: (متسمعوش لحد غيري، أنا طبيب الفلاسفة، إنتو مين؟، فوضوني أواجه الإرهاب المحتمل، القانون يغل يد السلطة، الجيش مستعد ينتشر في مصر كلها في  غضون 6 ساعات، مش هسيب الكرسي ده لحد،  اوعوا تفتكروا إني هسيب الكرسي ده ..لا على جثتي وجثة الجيش!). وانتهى السيسي إلى التحذير من خطرين: الأول الهجرة غير الشرعية والثاني الإرهاب. ليطالب بضرورة التعاون المشترك  لكيفية التعامل مع الأخطار والتحديات المتصاعدة، التي باتت تهدد الدول والمنطقة على اتساعها، وبعدما صار التغلب على تلك التحديات بجهود فردية، أمرا يصعب تحقيقه. بحسب خطاب  السيسي.

وتضمنت خطابات السيسي وتصريحاته "5" موضوعات أساسية[7]: هي (مخاطر الإرهاب، والحد من الهجرة غير الشرعية، والأزمات الإقليمية مثل فلسطين وسوريا وليبيا واليمن، ومفاتيح الحل، ثم أخيرا  دفاع السيسي عن انتهاكات حقوق الإنسان والإعدامات الأخيرة باعتباره جزءا من الثقافة العربية والإسلامية)، لكن تركيزنا يقع على الموضوعات الأكثر أهمية وهي الإرهاب والهجرة غير النظامية وملف حقوق الإنسان وكيف غلبت أوروبا المصالح فوق  القيم وتغاضت عن النظام العسكري وجرائمه وملفه المتخم بالانتهاكات في ملف حقوق الإنسان.

أولا، توظيف الإرهاب سياسيا

يتشارك النظم العربية المستبدة والحكومات الغربية في مقاربة متماهية حول مفهوم الإرهاب والعمل على توظيفه سياسيا بما يخدم أهداف كل فريق؛ فالحكومات العربية المستبدة تستهدف تكريس سلطويتها وضمان بقائها في السلطة. أما الحكومات الغربية فتستهدف تبرير غزوها وتدخلاتها السافرة في البلاد العربية والإسلامية وقد تناول السيسي في خطاباته وتصريحاته خلال القمة العربية الأوروبية، ملف الإرهاب، من ثلاثة جوانب:

1)    التضخيم والمبالغة في خطورته، حيث وصفه  بالوباء اللعين الذي يستشري في العالم كله من خلال انتقال العناصر المتطرفة عبر الحدود من دولة إلى دولة، أو باتخاذهم بعض الدول ملاذا آمنا، لحين عودتهم لممارسة إرهابهم المقيت، أو من خلال حصولهم على الدعم والتمويل، مختبئين وراء ستار بعض الجمعيات المشبوهة، وأخيراً وليس آخراً، عبر توظيفهم لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لتجنيد عناصر جديدة والتحريض على العنف والكراهية.

2)    محاولة تبرير  قمعه والتزلف للغرب وقيمه  بأن «الإرهاب مختلف كل الاختلاف عن المعارضة السياسية السلمية، التي نقبلها جميعا كظاهرة صحية ومقوم أساسي لأي حياة سياسية سليمة!» لكن السيسي تعامى عن ممارساته القمعية التي طالت الجميع علمانيين وإسلاميين وعسكريين، كما أنه أقصى جميع خصومه ومنافسه عبر استخدام أعتى أدوات القمع والبطش، واتهام أكبر تيار سياسي في مصر  حصل على ثقة الشعب ولا يزال يدعمه ثلث المصريين على الأقل بالإرهاب وهو التيار الإسلامي الواسع، وعلى رأسه حركة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة.

3)    الزعم بأن مصر طرحت رؤية شاملة، للقضاء على خطر الإرهاب وآثاره السلبية على التمتع بحقوق الإنسان، خاصة الحق في الحياة، وغيرها من الحقوق الراسخة، واستطاعت بالحوار والتعاون أن تربط بين هذه الرؤية والموقف الأوروبي، القائم على أهمية احترام حقوق الإنسان خلال محاربة الإرهاب، وهو ما لا نختلف عليه بل نمارسه على أرض الواقع!  ليطالب السيسي بضرورة التعاون والوحدة أمام هذا الخطر والوباء!

بتحليل خطاب السيسي وخطاباته الماضية، فإنه أولا،  لا يملك بضاعة يقدمها للعام الغربي والأمريكان سوى الحرب على ما يسمى بالإرهاب وكذلك ملف الهجرة غير الشرعية، فالإرهاب يتم التعامل معه من جانب النظام على أنه ذلك الغول الوهمي الذي تم صناعته وتضخيمه ويراد له أن يبقى  ويستمر من أجل توظيفه سياسيا لخدمة أغراض النظام، ولعل ذلك التوظيف يفسر أسباب العجز المقصود من جانب النظام بكل ما يملك من جيش وشرطة ومخابرات وإمكانات هائلة أمام عدة مئات أو  حتى آلاف من المسلحين؛ فالأرجح أن الجيش والشرطة وأجهزة السيسي تخوص حربا مسرحية مفتعلة لا يراد لها أن تنتهي؛ لإن إعلان القضاء على هذا الإرهاب المفتعل والمبالغ فيه،  وهو ما وعد به السيسي عدة مرات ولم يحققه؛ يعني عدم قدرة النظام على استخدام هذه الشماعة الجاهزة باستمرار لتعليق الفشل عليها باستمرار وتوظيفها لتبرير القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في كل المحافل والمواقف.

الأمر الثاني، أن تسويق ملف الإرهاب والمبالغة فيه، نجح في تحقيق غنائم استراتيجية وسياسية جمة ما كانت لتخطر على بال من أسس له. فقد تم احتلال العراق وتدمير سوريا وإفشال ثورات الربيع وترسيخ قدم الاستبداد والاستعمار على حد سواء باسم مقاومة الإرهاب والحرب على الإرهاب. لكن من جهة أخرى لا يزال المفهوم غامضا غموض الحرب عليه وغموض العناصر المشاركة فيه والكيانات المستهدفة منه، وهو الأمر الذي أسهم بشكل كبير في التغطية على الجرائم المرتكبة تحت شعار هذه الحرب الغامضة.[8] وبلغة الأرقام وبعد حادثة تشارلي إيبدو بفرنسا، نشطت الإحصائيات حول العمليات الإرهابية، وكانت النتيجة صادمة للكثيرين. ففي إحصاء لمنظمة يوروبول (وكالة إنفاذ القانون بالاتحاد الأوروبي) تبين أن 2 في المئة فقط من الهجمات الإرهابية في أوروبا عام 2013 نفّذها مسلمون و98%، نفذها غير مسلمين على خلفية دوافع عرقية أو قومية أو انفصالية. وفي دراسة أجرتها جامعة نورث كارولاينا الأمريكية عام 2014، فإنه منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر لم تُوقِع العمليات المرتبطة بمسلمين إلا 37 قتيلا، في حين أن 190,000 قتلوا في الفترة الزمنية ذاتها بالولايات المتحدة الأمريكية من غيرهم. واستنادا إلى هذه الأرقام وغيرها، خصصت مجلة ديلي بيست الأمريكية تحقيقا خلُصت فيه إلى ما يلي: "ليس خطؤك لو لم تكن على علم بحقيقة أن غالبية الجرائم الإرهابية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ينفذها غير مسلمين.. إنه خطأ الإعلام"، وقديما قيل: "أعطني إعلاما بلا ضمير، أعطك شعبا بلا وعي".[9]

ومن جهة الدول الغربية التي تقود هذه الحرب الكونية والشاملة، كما تسميها، يُجمع أصحاب القرار بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على الربط المتعمد بين الإرهاب والإسلام حتى ليكاد الإرهابي لا يكون إلا مسلما. هذا التوجه الخطير والعنصري يكشف أن دعاوى حوار الحضارات والتسامح بين الأديان والثقافات ليست إلا شعارات ترفعها المؤسسات الغربية زورا من أجل الاستهلاك الإعلامي. لكن الموقف المحير هو الموقف العربي من المسألة الإرهابية وخاصة من التعريف المقدم لها والطرق التي تراها كل دولة أنجع في مواجهة الظاهرة الإرهابية. وتبدو مقاربة النظام المصري الذي يقوده زعيم الانقلاب السيسي هي الأكثر تماهيا مع النظرة الغربية الأمريكية التي تحصر الإرهاب في الإسلام والمسلمين؛ وتحت شعار الحرب على الإرهاب أوغل العسكر في تنفيذ عمليات الإعدام ضد الأبرياء والخصوم السياسيين وصار يفعل ذلك بدافع الانتقام والترهيب والتشفي وخلق هالة من الفزع والرعب في صفوف المصريين. بل إن الرئيس الانقلابي قد تجرأ على تقديم النصح للأوروبيين بمزيد مراقبة المساجد في أوروبا لأنها حسب زعمه تفرخ الإرهاب والتطرف والتشدد. أي أن الرئيس الانقلابي الذي اقترف أبشع العمليات الإرهابية ضد المدنيين وضد المتظاهرين صار يقدم نصائح للدول الأوروبية. فالثابت هو أن هذه الرؤية التي تربط الإرهاب بالإسلام وبالشعوب هي نفس الرؤية الأوروبية لكنها في الحالة المصرية تشكل مدخلا للتخلص من الخصوم ولتبرير تصفية المعارضين السياسيين وتكريس ديكتاتورية العسكر.

الأمر الثالث أن مقاربة السيسي والغرب المتماهية حول الإرهاب تركز على المبالغة فيه والتضخيم من خطورته لكنها تتجاهل الزاوية الأخرى الأكثر أهمية وهي الأسباب التي أفضت إلى هذه الظاهرة؛ فالتطرف والتشدد والغلو ليس إلا مظهرا من مظاهر إرهاب الأنظمة واستبداد الدولة، وممارسة هذه النظم أقسى صور الإقصاء والعنصرية والتمييز ضد الخصوم والمعارضين خصوصا إذا كانون إسلاميين. فمقاربة نظام العسكر والنظم العربية السلطوية لمفهوم الإرهاب والتي تتماهي مع المقاربة الغربية التي تربط الإرهاب بالدين الإسلامي وبالشعوب، توظفها النظم العربية كمدخل لتبرير الدكتاتورية.  فما اقترفه النظام السوري في حق المدنيين العزل من قصف بالبراميل وبالأسلحة الكيماوية ومن تعذيب وخطف وتهجير إنما تم تحت راية الحرب على الإرهاب. وهو الأمر نفسه الذي يحدث في مصر وفي ليبيا وفي أغلب الدول العربية التي تبرر فيها الحرب على الإرهاب كل أنواع القمع والتنكيل الذي تمارسه الأنظمة على شعوبها.

 

ثانيا، المساومة بورقة الهجرة غيرالنظامية

الورقة الثانية التي ساوم بها السيسي قادة الاتحاد الأوروبي هي  ملف "الهجرة غير النظامية" حيث اعتبرها السيسي لا تمثل تحديا بقدر ما تمثل مجالا للتعاون يمكن أن يفضي إلى ثمار مشتركة، لأن المنطقة العربية تمتاز بوفرة الأيدي العاملة بينما المنطقة الأوروبية تتطلب اقتصاداتها مصادر متنوعة من قوى العمل، لذلك فإن ضمان الهجرة الآمنة والنظامية من شأنها تحقيق العديد من المصالح المشتركة، مع العمل بالتوازي على مكافحة أنشطة الإتجار في البشر في إطار الجهود المشتركة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، أخذا في الاعتبار كذلك ضرورة احترام مبدأ سيادة الدول، والابتعاد عن المقاربات المصممة لتصدير التحدي لمنطقة بعينها، وكذا ضرورة أن نضع نصب أعيننا الأسباب الجذرية لهذا التحدي.

وإمعانا في المساومة والابتزاز، دائما ما يلمح السيسي  بدون أدلة أو براهين إلى أن مصر تستضيف ملايين اللاجئين، يعيشون بين المصريين ويتلقون خدمات حكومية في التعليم والصحة كنظرائهم المصريين، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي  تمر بها مصر، كما يبدي زهوا بنجاحه في قمع جميع محاولات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا عبر شواطئها منذ سبتمبر 2016م؛ ويستهدف بذلك ابتزاز الأوروبيين من أجل تحقيق عدة أهداف: الأول دعم نظامه والقبول به باعتباره ضامنا لمصالح أوروبا والثاني دعمه ماليا في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعانيها، وثالثا التغاضي عن ملفه الكارثي في حقوق الإنسان باعتبار ذلك أحد ضمانات قيام السيسي بوظيفته لخدمة المصالح الأوروبية.

 

 

 

 



[1] افتتاح القمة العربية ـ الأوروبية بشرم الشيخ..السيسى: حان الوقت لتحويل منطقة الشرق الأوسط من «النزاعات» إلى «النجاحات» ..إحلال التسوية الشاملة والعادلة للقضية الفلسطينية يفوت الفرصة على قوى التطرف والإرهاب..الإرهاب «وباء لعين» يستشرى فى العالم.. ومصر طرحت رؤية شاملة للقضاء عليه/الأهرام اليومي الإثنين 25 فبراير2019

[2] أول قمة عربية أوروبية.. 5 ملفات بارزة ودعوات للمقاطعة (إطار)/ الأناضول السبت 23 فبراير2019  

[3] رأي الأهرام/مرحلة جديدة بين العرب وأوروبا/ الأهرام اليومي الثلاثاء 26 فبراير2018

 

[4] «تجميل» صورة السيسي.. لماذا اختار الأوروبيون الوقت «الأسوأ» لاجتماعهم مع حكام الشرق الأوسط بالقاهرة؟/ عربي بوست 24 فبراير 2019

[5] افتتاحية "الغارديان": أوروبا توفر الشرعية لرئيس الإعدامات/"عربي 21" الإثنين، 25 فبراير 2019

 

[6] باسل درويش/"NYT": كيف استغل السيسي الضوء الأوروبي للخروج من مأزقه؟/ "عربي 21" الثلاثاء، 26 فبراير 2019

 

[7] تفاصيل كلمة الرئيس السيسي في أول قمة "عربية - أوروبية" تستضيفها مصر/الوطن الأحد 24 فبراير2019

 

[8] محمد هنيد/ الإرهاب بين الرؤيتين المصرية والقطرية/ "عربي 21" الخميس، 21 فبراير 2019

[9] أحمد السوقي/مفهوم الإرهاب بين الغموض والتوظيف/ عربي "21" الأربعاء، 22 مارس 2017

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة