هل ثمة ربيع مصري جديد فى الطريق؟

 


هل ثمة ربيع مصري جديد فى الطريق؟


عند المقارنة بين الأوضاع الحالية فى مصر بتلك التى كانت عشية25يناير 2011، يتأكد أن وتيرة إغلاق المجال العام وقتل السياسة فى ازدياد، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق بما أدى إلى تراكم الغضب الشعبى تجاه سياسات النظام وخبيتهم من وعوده.

وقد شكل مطلع هذا العام بداية تكون ما يمكن أن نسميه غصب شعبى مسموع تجاه سياسات النظام. ففى بداية العام أعلن السيسى عن مشروعه لتعديل الدستور بما يسمح له بالبقاء على سُدة الحكم لما بعد نهاية مدة حكمه من خلال زيادة مدة ولايته من أربع إلى ست سنوات إلى جانب رفع الحظر عن ترشحه لمدد رئاسية متتالية، مع إعطاء صلاحية واسعة للجيش فى تعريف وحماية "مدنية الدولة"، وقد وافق البرلمان فى 14 فبراير[1] الماضى مبدأيا على تلك التعديلات. إلا أن هذا المشروع قد قوبل بالرفض من قبل أطياف القوى المدنية، وتم تشكيل حملة شعبية لجمع توقيعات ترفض تلك التعديلات تجاوزت الآلاف خلال أيام من تدشينها[2].

تلى ذلك في 20 فبراير تنفيذ الحكم بالإعدام على تسعة شباب متهمين باغتيال النائب العام، المستشار هشام بركات، فى ظل تأكيدات تفيد بأن محاكمة هؤلاء الشباب والحكم الصادر عليهم تمّا في ظروف جائرة، ومطالبة منظمة العفو الدولية بوقف إجراء تنفيذ حكم الإعدام على هؤلاء الشباب[3]. وفى ظل تأكيد "محمود الأحمدى" أحد الشباب الذين حكم عليهم بالإعدام بإنه قد تعرض للتعذيب كى يعترف[4]، وقد شهد المجال العام صراعاً بين المعارضة والنظام للسيطرة على الرأى العام كان الفوز فيه لخطاب المعارضة على حساب هشاشة خطاب النظام العارى من أى دعم شعبى واضح.

بالتزامن مع هذه الإعدامات، شهدت مصر ثلاثة تفجيرات متصلة، بدأت بتفجير قرب مسجد الاستقامة بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، وبعدها بيوم هجوم مسلح على نقطة تفتيش بمدينة العريش بمنطقة شمال سيناء أسفرت عن مقتل 15 مجندا وضابط بالجيش، وسبعة من منفذي العملية التي تبناها تنظيم ولاية سيناء لاحقا، تبعه حادث منطقة الدرب الأحمر بوسط القاهرة[5]

ويرى معارضون للنظام الحالي أن ما تشهده مصر من تفجيرات وإعدامات للشباب، يأتي ضمن مساعي السيسي  لنشر الفوضى من أجل تمرير التعديلات الدستورية التي تسمح له بالبقاء فى الحكم.

إلا أن حادث حريق قطار محطة مصر فى 28 فبراير الماضى الذى أسفر عن مصرع 20 وإصابة أكثر من 40 شخص جاء ليفجر الأزمة مع النظام، فعلى الرغم من قرارات النظام بـ"إقالة وزير النقل" وأمر النائب العام بفتح تحقيق فى هذا الحادث، وإعلان الحكومة عن تشكيل لجنة فنية تعمل مع النيابة العامة لكشف المسئول عن الحادث، إلا أن الشعب قد حمل النظام مسئوليته واعتبروه دليل على فشل النظام وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعى فيديو للسيسى يرد فيه على وزير النقل الذى أفاد أن تطوير السكك الحديد يحتاج إلى حوالى 10 مليارات جنيه، فكان رد السيسى أن هذه المليارات ستجلب فوائد أكبر إذا ما وضعت فى البنوك[6].

كان من الممكن أن تكون تلك الأحداث كغيرها من الأحداث التى مرت من قبل ولا تستدعى مشهد يناير من جديد، إلا أن ظهور المعطيات الجديدة على الساحة الدولية المتمثلة فى الجزائر ومطالبة الشعب بعدم ترشح بوتفليقه لولاية جديدة. فضلاً عن السودان التى تطالب بالرحيل للبشير. تجعل تلك الأحداث لا يمكن التهاون بها فبواعث تلك الحركات فى المنطقة تكاد تكون متشابهة تتمحور حول القمع والفقر والظلم.

 

هل تسفر انتهاكات النظام عن ثورة جديدة

تنطوى الثورة على إعادة تخيل الواقع ورسم جديد للحاضر، وهناك مجموعة من المؤشرات الدالة على محاولة إعادة تخيل الواقع المصرى ظهرت مؤخرا، متمثلة فيما يلى:

أولا: بعد حادث محطة مصر ذهب الشاب " أحمد محيى" البالغ عمره 34 عاماً إلى ميدان التحرير يوم الخميس الماضى، ورفع لافتة كتب عليها "ارحل يا سيسى" وقد أكد والده أنه لا ينتمى إلى أى تيار أى أنه يمثل نفسه فقط، و دعا فى فيديو بثه على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعى "فيس بوك" يدعو فيه الشعب إلى الانتفاض والثورة على السيسى، وقد ألقت سلطات الأمن القبض عليه وتم إخفاءه إلى الآن.[7]

ثانياً: تجمع مجموعة من الأفراد أمام مسجد الفتح برمسيس عقب صلاة الجمعة 1مارس، إلى جانب تجمع مجموعة من الشباب فى دمنهور يطالبون برحيل السيسى، وقد تعامل معهم النظام بأمرين: الأول/ الاعتقال. فاعتقلت السلطات المصرية 200شاب أثناء مشاركتهم فى المظاهرات، والثانى/ هو نشر آلاف الجنود المدججين بالسلاح ومحاصرة جميع الميادين بوسط القاهرة والمحافظات في أعقاب تلك التظاهرات[8].

 ثالثاً: تصدر وسم "ارحل يا سيسى" موقع التواصل الاجتماعى "تويتر" كأكثر الوسوم تداولاً فى مصر لمطالبة المصريين بالنزول إلى الشوارع ضد النظام بسبب فشله فى توفير الحماية والأمن لهم. إلى جانب تصدر مجموعة من الوسوم الآخرى كـ "راجعين التحرير، و"وأنت مش لوحدك".[9]

والجدير بالذكر أنه لا يمكن الاستهانة بتلك الوسوم خصوصاً أن ثورة يناير انبعثت شراراتها الأولى من مواقع التواصل الاجتماعى، إلى جانب أن الانتفاضات الجزائرية الحالية نبعت من بعض الدعوات العشوائية على مواقع التواصل الاجتماعى. وتحمل تلك الوسوم دلالات هامة: الأولى/ تكمن فى إيصال حالة الغضب إلى جميع الناس، وبالتالى فحالة الغضب عامة ولا تخص فرد بعينه. والثانى/ يتمثل فى سهولة الحشد للناس دون الحاجة إلى توافر قيادة أو كيان يدعو الناس إلى التوحد والنزول فى الميادين.الثالث/ الطريقة التى يتعامل بها النظام مع تلك الوسوم، فبعد أن كان النظام يتعامل معها على أنها نوع من نكران للجميل الذى يقدمه السيسى بسعيه للتخلص من حالة العوز والفقر التى يعانى منها الشعب، كما جاء على لسان السيسى فى مؤتمر الشباب.[10] إلا أنه الآن  يعمل على مواجهتها حتى لا يتسع حجمها بحملات تُصدر وسوم تدعو السيسى إلى البقاء كـ "اطمن يا سيسى أنت مش لوحدك" .

نزول الناس مجدداً إلى الشارع.. دلالات ومؤشرات

 يحمل نزول الناس للشارع دلالات هامة تتمثل فى: كسر حاجز الخوف الذى يحيط به السيسى نظامه، فنزول الناس وهم مدركين تماماً أنهم لن يعودوا إلى ديارهم مجدداً تؤكد ذلك. إلى جانب ذلك هناك دلالة أخرى تشير إلى أن الشارع لم يعد يتحرك على أساس أيديولوجى وإنما تحركهم نابع من الظروف التى يعيشها الشارع المصرى. إلى جانب ذلك خروج بعد المظاهرات من بعض المناطق التى كانت محسوبة على النظام على سبيل المثال تشير إلى أن النظام فقد دوائر تأييده فى الشارع المصرى.

الإخوان ... والمشهد الراهن

ما تزال حركة الإخوان فاعل أساسي في المنطقة رغم تعقيدات المشهد، ففي مصر أعلنت الجماعة مقاطعة مشروع التعديلات لأنها لا تريد أن تضع نفسها فى صف المعارض لتلك التعديلات، لأنها غير معترفة بشرعية هذا النظام من الأساس، وبالتالى فالتعليق على مشروع التعديلات يعنى أن الجماعة تعترف بشرعية النظام إلا أنها لا توافق على مشروع تلك التعديلات التى تعتبر مجرد أحد إفرازاته. كما جاء على لسان المهندس مدحت الحداد عضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين فى أحد مداخلاته.[11]

كما أعلنت الجماعة نفيها للبيان[12] الذي نُسب إليها "عزاء مؤجل" تعليقاً على حادثة الإعدامات الأخيرة. ويحمل ذلك دلالة واضحة وإن كان لا يمكن الجزم بها، تتمثل فى أن القيادة الحالية للجماعة ليست لديها أى نية للمقاومة وأنها محملة برؤية استسلامية للواقع مغلفة برغبتها فى المحافظة على الجماعة. قد يكون السبب وراء ذلك أن الجماعة ترى أن الحضور فى اللحظة الراهنة يكلف الجماعة أكثر مما يفيدها.

خاتمة

تفجر العديد من الأزمات الحالية بوتيرة سريعة ومتقاربة تؤكد إخفاقات النظام في ظل أجواء من القمع والاعتقال والتنكيل بالحريات تقاطع معها تهيأ الوضع الإقليمى بانتفاضات الجزائر والسودان، ساهم فى تأجيج الغضب الشعبى تجاه سياسات النظام واكساب الشعب المصرى الجرأة للعودة إلى الشارع من جديد، وبالتالى فليس من المستبعد أن يواجه النظام الحالي ثورة اجتماعية قريبة يقودها مختلف أطياف الشعب المصرى فى وقت ليس ببعيد.



.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة