الجيش والأزهر في التعديلات الدستورية

 


الجيش والأزهر في التعديلات الدستورية

 

جاءت التعديلات الدستورية في طرف منها، كاشفة عن تحالفات النظام التي يلجأ إليها في تمرير قراراته ودعم سياساته، في مواجهة الرافضين والمتضررين من هذه السياسات، خاصة مع تنامي أعداد الشرائح المناهضة لهذه السياسات شديدة القسوة، خاصة على الطبقات الوسطى والفقيرة في المجتمع. وشرعية هذا القول مصدرها، أن النظام مهما بلغت قوته واستقلاليته يحتاج إلى أطراف قوية داعمة لسياساته ومدافعة عنها بما يمكنه من الاستمرار رغم الرفض الواسع له. وأن هذا التحالف الذي يبنيه أي نظام لمواجهة قوى الرفض والمعارضة، ينعكس بشكل واضح في الدستور والقوانين؛ فتأتي الدساتير والقوانين معبرة عن التكوينات الاجتماعية والسياسية والقوى الإقتصادية والقيم الثقافية السائدة في الدول صاحبة هذه القوانين، كما تأتي كاشفة عن الوزن النسبي لكل من هذه التكوينات.

والتعديلات الدستورية المقترحة في مصر تؤكد هذه النتيجة؛ فتقليص صلاحيات واستقلالية القضاء، مقابل الامتيازات الممنوحة حصراً لقضاة المحكمة الدستورية العليا. والصلاحيات والمهام الممنوحة للجيش، وعدم الإشارة للمؤسسة الأمنية، والإبقاء على تحصين منصب شيخ الأزهر؛ كلها مظاهر تؤكد مقولة أن الدستور فضاء ومساحة كاشفة عن قوى المجتمع والدولة صاحبة الدستور، والوزن النسبي لكل منها.

في هذه السطور نعرج على موقع الجيش من التعديلات الدستورية المطروحة، مع تقديم تفسيرات لهذه التعديلات الخاصة بالمؤسسة العسكرية، ونقف على وجهات النظر المتباينة في هذا الشأن، بغرض استقراء دلالات هذه التعديلات الخاصة بالعسكريين، ومآلاتها.

كما نقف على الغياب غير المتوقع للأزهر عن صدارة التعديلات المقترحة، بعد أن كانت كل التوقعات تصب في خانة أن التعديلات الدستورية ستصيب الأزهر وتكسر الحصانة الدستورية التي يتمتع بها شيخه. محاولين رصد أسباب هذا الغياب، وهل يعكس تناغم بين الرئاسة والأزهر، أم يعكس عجز النظام عن استبعاد أحمد الطيب في الوقت الراهن، ما يعني أن هناك فصول في التوتر بين الأزهر والرئاسة لم تكتب بعد.

  الجيش في التعديلات الدستورية ... المضامين والدلالات:

شملت التعديلات الدستورية المطروحة، عدد من المواد المتعلقة بالمؤسسة العسكرية؛ وهي: المادة 200 وتنص على «القوات المسلحة ملك للشعب مهمتها حماية البلاد، والحفاظ علي أمنها وسلامة أراضيها والدولة وحدها هي التي تُنشئ هذه القوات ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية». التعديل المقترح: إضافة عبارة إلى مهام القوات المسلحة تنصّ على «وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد». المادة 204 وتنص على «لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد ...». التعديل المقترح حذف كلمة «مباشرًا». المادة 234 وتنص على «يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلي للقوات المسلحة وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارًا من تاريخ العمل بالدستور». التعديل المقترح: «يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة»[1].

هذه المهام الجديدة للمؤسسة العسكرية، المطروحة في التعديلات الدستورية على النواب في البرلمان، يمكن اعتبارها تحمل تحول نوعي في وظيفة المؤسسة العسكرية، وفي علاقتها بالدولة من جهة، وبالمجتمع من جهة أخرى. فإلى جانب وظيفتها الوحيدة المتعارف عليها من حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، حملت التعديلات الدستورية مهام ثلاثة جديدة للعسكريين؛ وهي: "صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد"[2]. ولعل من المهم أن نشير إلى أن هذه المهام الثلاث الجديدة، لم تشهدها/ أو ما يشبهها أياً من الوثائق الدستورية التي عرفتها مصر منذ 1882، والذي شهد ميلاد أول وثيقة دستورية عرفتها البلاد في العصر الحديث[3]، وحتى 2014، وظهور الوثيقة الدستورية الأحدث في مصر[4].

ليست المشكلة في ظاهر هذه المهام الثلاث، بقدر ما هو في تأويلها وتفسيرها، وهي المسألة التي تعددت قراءاتها، وأختلف حولها المراقبون، سواء كانوا عسكريين أو سياسيين أو مؤرخين أو قضاة؛ "فمنهم من اعتبرها مدخلًا لتدخلات لا نهائية من القوات المسلحة في الحياة السياسية، لمنع وصول غير العسكريين إلى مقعد الرئاسة بعد انتهاء «مُدَد» عبد الفتاح السيسي، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك؛ معتبرًا أنه بإقرار هذا التعديل سيتحوّل الجيش إلى السلطة العليا في الدولة، والمخول لها تفسير مواد الدستور، على غرار المؤسسة العسكرية في تركيا قبل 2007[5]، في المقابل اعتبرها آخرون إقرارًا لما هو مطبّق بالفعل ومتعارف عليه منذ 3 يوليو 2013، ولن يترتب عليها جديدًا"[6]. ويمكن -اختصاراً- القول أن هناك موقفين متقابلان من التعديلات الدستورية المطروحة بشأن المهام الجديدة للمؤسسة العسكرية:

الرأي الأول: يرى أصحاب هذا الطرح، أن استخدام التعديلات الدستورية لمصطلحات بالغة العمومية لمهام القوات المسلحة، يفتح الباب لتدخلات لا نهائية من الجيش في الحياة السياسية، ويعطي للقوات المسلحة هامش واسع لتفسير ما يُهدد مدنية الدولة وفقًا لرؤيتها. وأن إسناد مهام فضفاضة للجيش مثل «حماية الديمقراطية»، و«مكتسبات الشعب»، وغيرها، هو أمر مقصود؛ لإحاطة تلك الاختصاصات بالغموض، حتى يكون للقوات المسلحة أن تتدخل في أي وقت لترجيح كفة فصيل سياسي ما على حساب آخر. فعندما تتحدث المادة عن دور للقوات المسلحة في الحفاظ على مدنية الدولة، فهذا يعني أنه من حق القوات المسلحة التدخل من تلقاء نفسها إذا نجح حزب إسلامي مثلًا في الحصول على الأغلبية البرلمانية؛ بالغاء النتيجة، أو إذا كان مرشح لرئاسة الجمهورية متعاطف مع الإسلاميين وحصل على أغلبية في الانتخابات، فالصلاحيات الجديدة تتيح للقوات المسلحة منع وصوله للمنصب، تنفيذًا لدورها في حماية مدنية الدولة، على أن يكون للقوات المسلحة نفسها تحديد آلية التنفيذ وقتها[7].

فالتعديلات وفق هذا الطرح، تمهد لدور أكبر للجيش على نحو يجعل وزير الدفاع رقيباً على الرئيس، فضلاً عن تحصين الجيش في مواجهة أي صعود للتيار المدني إلى السلطة خلال العقود المقبلة[8]. كذلك، بحذف تعديل المادة 204 كلمة "مباشر" من عبارة "اعتداء مباشر"، في وصف الجرائم التي تُرتكَب بحق القوات المسلحة والتي يجوز للقضاء العسكري النظر فيها، ما يزيد من السلطة الممنوحة للقوات المسلحة لمحاكمة المدنيين. أخيراً، يجعل تعديل المادة 234 تعيين وزير الدفاع رهناً بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حيث تنص المادة بصيغتها الراهنة بأن أحكامها تسري لدورتين رئاسيتين اعتباراً من تاريخ العمل بالدستور، وفي ذلك ضمانةٌ لبقاء الجيش فريقاً مستقلاً يمسك بزمام شؤونه الخاصة من دون أي إشرافٍ مدني[9].

الرأي الثاني: يندرج تحت هذا الرأي، التسويق الإعلامي للتعديلات، والذي يبرر التعديلات الخاصة بالمؤسسة العسكرية، بـ " مين فينا ينسى انحياز قواتنا المسلحة لاختيارات الشعب سواء فى ثورة 25 يناير و30 يونيو وحمايتها لينا وكانت هى طوق النجاة فى الثورتين، لما اتدخلت فى الوقت المناسب قبل ما تتحول مصر لبرك دماء بسبب الجماعة إياها اللى هددت بقتلنا وقت ثورة 30 يونيو"[10]. وكأنه يعتبر أن انقلاب الجيش في 3 يوليو 2013، بعد مظاهرات 30 يونيو من نفس العام، هي مصدر شرعية هذه التعديلات، أو أن التعديلات جاءت تعبيراً دستورياً عن وضع قائم فعلياً، هو معادلة الحكم الجديدة التي انتجها مشهد 3 يوليو 2013.

نفس الفكرة يتم طرحها في ثوب أكثر علمية، يخفي تحيزاته الانقلابية، متوسلاً بالمعجم العلمي؛ فيفسر التعديلات الدستورية المزمعة، والمواد الخاصة بالمؤسسة العسكرية فيها، بأنها تهدف إلى مأسسة "شرعية التفويض"، التي منحها الناس للسيسي، في يوليو 2013، حينما كان وزيرًا للدفاع؛ "لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل". وبموجبها أصبح السيسي "تجسيدًا للدولة (لا مجرد النظام)، وحاملًا للشرعية، والمسئول السياسي الأوحد أمام الجماهير في شأن كيفية أداء الدولة وقيامها بمهماتها المختلفة. وبموجبها أصبح السيسي حامل الشرعية ومرتكزها الرئيسي، ومصدر شرعية كل مؤسسة أخرى".

هذه الصلاحيات، التي منحهُ – أي السيسي – إياها التفويض الشعبي، كانت بصفته وزيراً للدفاع، فهو تفويض –في حقيقته – للمؤسسة العسكرية، متمثلة في السيسي، وزير الدفاع. ولذلك عكست التعديلات المطروحة، فكرة أن السيسي والمؤسسة العسكرية يتقاسمان شرعية التفويض، المُؤسسة ليس لنظام يوليو 2013 فقط، إنما مُؤسسة للدولة المصرية ككل بعد الثالث من يوليو، التي باتت تكتسب شرعيتها من شرعية السيسي والعسكريين "التفويضية".

ومن ثم فالتعديلات الدستورية وفق هذا الطرح – هي تجسيد دستوري لشرعية السيسي، الذي أصبح بعد تفويضه في 2013، أي منذ خمس سنوات، أعلى شرعية من الدولة ومن النظام، وباتت ممارسات الدولة والنظام تكتسب شرعيتها من قبول السيسي لها وموافقته عليها[11].

فهذا التعديل يوكل دستوريًّا للقوات المسلحة المشاركة في حراسة شرعية التفويض، بعبارة أخرى، التصدي لأية محاولة لتهديد مدنية الدولة، سواء من داخل جهاز الدولة نفسها، أو من خارجها. لكن هذه المأسسة لا تهدف إلى حلول القوات المسلحة مباشرة محل “السيسي” في حماية شرعية التفويض، بل كضمانة دائمة في عهده وبعده. فالتعديلات تستبقي “السيسي”، العنوان الأصلي لهذه الشرعية، لأعوام مقبلة[12].

ما وراء التعديلات الدستورية الخاصة بالجيش من دوافع:

لكن من الأسئلة الهامة في هذا السياق، هل تعد هذه المهام الجديدة التي أوكلت بالعسكريين في التعديلات الدستورية المقترحة، صلاحيات حقيقية، أم إقحام لهم وإيقاع بهم في مصيدة الصراع السياسي بين النظام وأعدائه ومعارضيه.

تتبُع علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة والمجتمع في مصر، تظهر أن هذه التعديلات المقترحة لم تكن جزء من طموحات العسكريين في مصر، ولم تكن جزء من تاريخ علاقتهم بالنظام والمجتمع؛ خاصة أن المؤسسة العسكرية هي المسئولة عن توريد رؤساء للجمهورية منذ يوليو 1952، وبالتالي ليس هناك ما يستدعي الحديث عن حماية مدنية الدولة، ما دام العسكريين هم الحكام الفعليين لهذه الدولة، وما دامت المؤسسة العسكرية تضخ رجالها في كل أوصال الدولة، وتدعم أبنائها السابقين الموجودين في سدة الحكم. وفي هذه اللحظة يتربع على كرسي الرئاسة وزير الدفاع السابق، وابن المؤسسة العسكرية.

هذه الخلفية تؤكد فكرة، أن هذه التعديلات تستهدف توريط المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي بصورة أكبر، عبر منحها صلاحية حماية مدنية الدولة، وامتياز تفسير هذه المدنية وفق رؤيتها ومصالحها الخاصة. ومن المرجح أن هذا التوريط، غرضه، حماية نخبة الحكم الحالية، وعلى رأسها السيسي، عبر بناء تحالف مع الجيش؛ بموجبه يحمي الجيش السيسي باعتباره الممثل الوحيد لمدنية الجيش.

مقابل هذه الحماية وذلك الإقحام والتوريط، ووفق التعديلات الدستورية ذاتها، يصبح "اختيار وزير الدفاع من صلاحية الجيش، حيث نصت على تعيينه بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة"[13]. وذلك كقاعدة عامة، وليست مؤقتة لمدة 8 سنوات فقط كما كانت في دستور 2014[14]، والذي كان ينص في المادة 234، على أن "يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسرى أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور"[15].

 وباعتبار أن هذا التحالف بين الجيش والرئاسة يشترط الضرب بيد من حديد على المعارضين والرافضين ومصادر التهديد التي تمثل خطر حقيقي على هذا التحالف، فقد نصت التعديلات المقترحة، في الجزء الخاص بالمحاكمات العسكرية، على حذف كلمة (مباشر) من المادة 204، والتي تنص على "ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري، إلا في الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشراً على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشراً على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم[16]". وبحذف هذا القيد يصبح تعبير "الإعتداء على المنشآت العسكرية وما في حكمها" تعبير فضفاض يمكن أن يستخدم في التنكيل بكل من يعارض التحالف بين العسكريين والرئيس، ويوسع من نفوذ المحاكم العسكرية، عبر منحها صلاحية تحديد النشاطات التي تعد اعتداء على المنشآت العسكرية ومافي حكمها.

إن المواد الخاصة بالجيش في التعديلات الدستورية المقترحة هي عبارة عن رشاوي دستورية "الغرض منه قبول المؤسسة العسكرية لأخطار فكرة التعديل التي قد ينتج عنها حراك شعبي رافض لن يصده إلا الجيش"[17]. بالطبع في التعديلات صلاحيات جديدة للعسكريين، لكن مقابل هذه الرشاوي هناك أثمان، نصت عليها التعديلات الدستورية، على المؤسسة العسكرية أن تدفعها عبر قبولها "فتحِ مُدد الرئاسة وترسيخ الحكم الفردي[18]"، وحمايتها للرئيس وسياساته، مهما بلغت خطورتها وانعكاساتها السلبية على الناس.

الأزهر يفلت من مقصلة التعديلات الدستورية:

إن كانت التعديلات الدستورية قد حملت صلاحيات ومهام جديدة للمؤسسة العسكرية، فقد كان من المتوقع أن تقضم هذه التعديلات من الصلاحيات التي يتمتع بها الأزهر، في ضوء الامتيازات التي منحه إياها دستور 2014؛ وهي التوقعات التي كانت تجد تبريرها فيما وصف بالصراع الدائر بين الأزهر والرئاسة في السنوات الماضية؛ على خلفية محاولة الأخيرة التدخل في الشئون الدينية ودعوتها لتجديد الخطاب الديني بشكل يتعارض مع الخطاب التقليدي للأزهر من جهة، ومع مسئوليته الحصرية عن هذا الملف الذي خولته به الدولة من جهة أخرى. إلا أن التعديلات المطروحة لم تمس صلاحيات الأزهر ولا الحصانة التي يتمتع بها شيخه.

فقد أكد البرلمان المصري –في تصريحات لوكيل مجلس النواب، أن التعديلات الدستورية لن تمس المواد الخاصة بالأزهر وشيخه؛ وأن المادة الخاصة باستقلال الأزهر، وطرق اختيار شيخ الأزهر غير معروضة بالمرة ضمن التعديلات الدستورية المقترحة، وأن المادة 7 من الدستور والخاصة بتحصين شيخ الأزهر من العزل لم ترد ضمن التعديلات التى تقدم بها ائتلاف دعم مصر، وأن ما أشيع عن تعديل المواد الخاصة بالأزهر في الدستور، إشاعات مغرضة، هدفها تشويه التعديلات الدستورية المطروحة[19].

وتنص المادة السابعة من الدستور المصري لسنة 2014، على أن "الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم. وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء"[20].

ومن التفسيرات التي طرحت لعدم المساس بالأزهر في التعديلات الدستورية، أن وساطة مشتركة قام بها وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، والرئيس المؤقت سابقًا والرئيس السابق للمحكمة الدستورية، عدلي منصور، للتقريب بين وجهات نظر الرئاسة والمشيخة، وإثناء الحكومة عن طرح مادة في التعديلات الدستورية المقترحة، كان من شأنها أن تنهي استقلال الأزهر بالعودة إلى وضع سلطة اختيار شيخه الأكبر في يد رئاسة الجمهورية، كما كان الحال قبل 2012، وإنهاء اختياره بالانتخاب من قبل هيئة علماء الأزهر[21]. وبحسب هذا التفسير، فقد قبلت الرئاسة التراجع عن كسر حصانة الشيخ أحمد الطيب، والميل عن طرح المادة الخاصة بالأزهر في التعديلات الدستورية المقترحة، مقابل موافقة شيخ الأزهر على مقترح للسلطة التنفيذية بإبعاد رجلين من رجال الطيب الأقوياء عن المشيخة.

"الأول هو عباس شومان، وكيل الأزهر من عام 2013 والمقرب من الإمام الأكبر، والذي كانت السلطة التنفيذية قد وافقت على مضض قبل عامين تجديد انتدابه من جامعة الأزهر إلى منصب الوكيل، قبل أن تقرر العام الماضي رفض التجديد فترة أخرى، مما دفع الطيب لنقل شومان من منصبه التنفيذي بالمشيخة واستبقائه عبر عضوية هيئة علماء الأزهر، التي تركها أوائل الشهر الجاري. الثاني هو محمد عبد السلام، المستشار القانوني للإمام الأكبر، والذي قبل الطيب ذهابه عن المشيخة قبل أسابيع أيضًا تحت عنوان استحداث هيئة لتولي مهام المستشار القانوني، إلى جانب منصب آخر لأول مرة هو المستشار السياسي لشيخ الأزهر، والذي كان من نصيب الشيخ قدري عبد المطلب. شومان وعبد السلام كانا من أقوى الشخصيات في الأزهر، وكانا يديران العديد من الأمور الخاصة بتشغيل المشيخة ويمثل ذهابهما فقدًا كبيرًا للإمام الأكبر؛ فالرجلين يعلمان كل التفاصيل الإدارية الخاصة بالمشيخة، ويعملان بالقرب من الإمام الأكبر"[22].

رغم ذلك، يبدو أن احتمالات حدوث توافق بين السيسي وشيخ الأزهر، بعيدة وصعبة التحقق؛ خاصة أن شيخ الأزهر أبدى صلابة واستقلالية في التعاطي مع قرارات الرئاسة المتعلقة بالشأن الديني؛ فأعرب –على سبيل المثال – عن رفضه لطلب الرئيس بإبطال الطلاق الشفوي. إضافة إلى تحركات شيخ الأزهر الخارجية، التي تبدو مستقلة عن السلطة في مصر، وتتمتع بدعم واسع من الإمارات والسعودية، وهو ما تنظر له الرئاسة بعين القلق. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، أن أحمد الطيب – بجانب السيسي وتواضرس هو الوحيد المستمر في المشهد العام في مصر منذ 2013، بينما غاب عن المشهد كل من شارك في صنع لحظة الثالث من يوليو 2013. كل هذه المعطيات تؤكد ما ذهب التحليل إليه من أن احتمالات التوافق بين السيسي والطيب تبقى محدودة حتى مع عدم المساس بالأزهر في التعديلات الدستورية. في ضوء هذه الفرضية يمكن اعتبار موافقة الرئاسة على بقاء الطيب مع مطالبته باستبعاد "شومان" و"عبد السلام" الغرض منه إبقاء شيخ الأزهر حتى تواتي الظروف لإقصائه، مع تقليم اظافره عبر استبعاد رجاله الأقوياء من المشيخة، خاصة أن استبعاده في الوقت الراهن قد يغضب حلفاء القاهرة في أبو ظبي[23] والرياض.

الخاتمة:

استعرضنا في هذه السطور موقع كل من الجيش والأزهر من التعديلات الدستورية المطروحة، ودلالاته. وخلصنا إلى أن التعديلات الخاصة بالجيش تكشف عن صفقة بين العسكريين والرئاسة؛ بموجبها تدافع المؤسسة العسكرية عن النخبة الحاكمة باسم حماية مدنية الدولة، مقابل مزيد من الامتيازات للجيش، مثل: أن اختيار وزير الدفاع يكون بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. أما توسيع المحاكمات العسكرية، فالغرض منها ملاحقة كل من يناهض هذا التحالف أو يعاديه.

فيما يتعلق بالأزهر؛ فالتعديلات الدستورية المطروحة –على غير المتوقعلم تمسه أو تمس الحصانة التي يتمتع بها الشيخ أحمد الطيب؛ وهو ما اعتبر كنتيجة لتهدئة بين الأزهر والرئاسة، بعد تدخلات خليجية، وإن كانت هذه التهدئة استراحة محارب لا تعني أن صفحة التوتر بين الأزهر والرئاسة قد طويت، وفي النهاية تبقى هذه التعديلات معلقة في الفراغ؛ ما دام هناك أطراف لم تقل كلمتها في التعديلات، رغم أنها قادرة على التأثير بقوة في مسار هذه التعديلات.  



[1] مدى مصر، مقترح التعديلات الدستورية: تعديل 12 مادة و9 مواد جديدة، 4 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2tVQYtb

[2] اليوم السابع، فيديو.. ليه هنعدل المادة 200 الخاصة بالقوات المسلحة فى الدستور؟، 25 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2UvcFfe

[3] بوابة الحكومة المصرية، الرابط: https://bit.ly/2ITMTjO

[4]عرفت مصر في الفترة من 1882 وحتى الآن تسعة دساتير (1822 و1923 و1956 و1958 و1964 و1971 و2012 و2014)، تضمنت جميعها، باستثناء الدساتير الصادرة في العهد الملكي (1882 و1923)، مادة للقوات المسلحة تحدد مهمة وحيدة للجيش هي «حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها»، في حين أضاف لها دستور 1964 مهمة «حماية مكاسب النضال الشعبي الاشتراكية». مدى مصر، الرابط: https://bit.ly/2VlI9Vx

[5] الحرة، تعديل الدستور المصري.. ماذا يعني 'صون الجيش لمدنية الدولة'؟، 5 فبراير 2019، الرابط: https://arbne.ws/2DbBTrK

[6] مدى مصر، الجيش في التعديلات الدستورية: الحفاظ على مدنية الدولة من أجل عسكرة الحكم، 22 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2VlI9Vx

[7] مدى مصر، الجيش في التعديلات الدستورية: الحفاظ على مدنية الدولة من أجل عسكرة الحكم، 22 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2VlI9Vx

[8] جلال خيرت، ما بعد تمديد الرئاسة: دسترة الانقلابات العسكرية؟، الأخبار اللبنانية ، 5 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2GmWzjO

[9] ماجد مندور، الجنراليسيمو السيسي، كارنيجي، 14 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2IZs9qE

[10] اليوم السابع، فيديو.. ليه هنعدل المادة 200 الخاصة بالقوات المسلحة فى الدستور؟، 25 فبراير 2019، الرابط:  https://bit.ly/2UvcFfe

[11] شريف يونس، التعديلات الدستورية: مأسسة شرعية التفويض، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 14 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2H3Oul0

[12] شريف يونس، المرجع السابق.

[13] الجزيرة نت، ليس فقط تخليد السيسي بالحكم.. توقعات بتعديلات غير مسبوقة لدستور مصر، 4 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2XDIwMR

[14] عربي بوست، الجيش يتدخل في السياسة بالقانون، والسيسي رئيساً لـ20 عاماً! لهذه الأسباب يقلق المصريون من تعديل الدستور، 4 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2UmXt3R

[15] دستور مصر، الرابط: https://bit.ly/2Uo5Dcc

[16] دستور مصر، الرابط: https://bit.ly/2ESTnv5

[17] عربي 21، كيف يورط السيسي الجيش في تعديل الدستور الجديد؟، 5 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2tQXLUX

[18] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، التعديلات المقترحة على دستور 2014 في مصر: تكريس حكم الفرد، 17 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2XBI4Pn

[19] اليوم السابع، وكيل البرلمان: مادة شيخ الأزهر غير معروضة نهائيا ضمن التعديلات الدستورية، 4 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2Tkk3Oe

[20] موقع برلماني، "برلمانى" ينشر نص المادة 7 من الدستور المصرى بشأن نظام مؤسسة الأزهر الشريف، 17 مايو 2016، الرابط: https://bit.ly/2TFwgfW

[21] مدى مصر، كيف نجا شيخ الأزهر من التعديلات الدستورية؟، 25 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2IV5ETO

[22] مدى مصر، كيف نجا شيخ الأزهر من التعديلات الدستورية؟، 25 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2IV5ETO

[23] العربي الجديد، مواد الأزهر في دستور السيسي: وساطة إماراتية وضغوط نيابية، 4 فبراير 2019، الرابط: https://bit.ly/2SpVA94

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة