الخوف ملخص خطاب السيسي بالندوة التثقيفية الثلاثين للقوات المسلحة

 


الخوف ملخص خطاب السيسي  بالندوة التثقيفية الثلاثين للقوات المسلحة


رسائل كثيرة وجهها الجنرال عبدالفتاح السيسي خلال كلمته ومداخلاته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة[1] التي أقيمت الأحد 10 مارس 2019م؛ بمركز المنارة الدولي للمؤتمرات، بمناسبة يوم الشهيد؛ وفيها دافع عن نفسه وعن الجيش والشرطة وعن مشروعاته الوهمية التي أهدر عليها مئات المليارات من الجنيهات دون عائد يذكر؛ رغم الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وتراجع معدلات الإنتاج، وكذلك توظيف ما تسمى بالحرب على الإرهاب من أجل تبرير جرائم نظامه وأجهزته الأمنية، كما واصل السيسي إصراره على تشويه أحداث ثورة 25 يناير باعتبارها فوضى انعكست سلبا على البلاد؛ محاولا بث أسافين  الفتنة بين القوى السياسية التي شاركت في الثورة باستدعاء أحداث محمد محمود في نوفمبر 2011م، وصولا إلى الهجوم على الشعب وتحميله المسئولية معربا عن  مخاوفه من الداخل لا الخارج؛ في تأكيد على رعبه من المستقبل واحتمالات الإطاحة بنظامه إما عبر انفجار ثورة شعبية عارمة أو انقلاب عسكري يلبي مطالب الشعب الملحة بضرورة رحيل السيسي عقابا له على  التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية والسياسية والفشل المستمر في كل الملفات والقطاعات؛ وتفريطه في التراب الوطني وتحويل الجيش إلى مؤسسة مكروهة من الشعب؛  بما يفضي إلى تفكيك الدولة بعد سقوطها في دائرة الدول الفاشلة.

خلال خطابه وتعليقاته استخدم السيسي أساليب ملتوية تقوم على الكذب والتدليس ولي الحقائق والأحداث بما يتوافق مع تصورات الرواية الأمنية الركيكة بما يخدم تصوراته التي تسعى لتكريس السلطوية العسكرية وتأبيد الوضع الراهن وبقانه على رأس السلطة التي اغتصبها عبر انقلاب عسكري اتسم بأعلى درجات العنصرية والفاشية تجاه الإسلاميين والعلمانيين الذين شاركوا في ثورة يناير ويرفضون ممارساته القمعية واستبداده بالسلطة.

وتضمن خطاب السيسي وتعليقاته عدة رسائل أهمها:

 

تشويه الثورة وشيطنة الإسلاميين

أولا، تشويه ثورة يناير، وشيطنة الإسلاميين؛  وهو ما يتفق مع الدراسة الإسرائيلية التي أصدرها "مركز أبحاث الأمن القومي"[2] الإسرائيلي في يناير 2019م، بعنوان "هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد"؛ والتي تؤكد أن نظام السيسي ينفذ حملة كبيرة تهدف إلى إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر، من خلال السعي لتقليص مركّبها الإسلامي والعربي واحتواء سماتها الثورية، بهدف بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعداداً للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام، إلى جانب أنها ترمي إلى تحسين صورته في الخارج.

وخلال الندوة ادعى السيسي أن «الأحداث التى شهدتها الدولة عقب ثورة 2011 كانت عملية شديدة الإحكام بهدف إسقاط الدولة ، وأن حجم الخسارة الذى ترتب على هذه الأحداث منذ 2011 ضخم للغاية وسنظل ندفع ثمنا كبيرا بسببه». واتجه إلى تحميل أحداث الثورة المسئولية عما آلت إليه الأوضاع مضيفا أن عدد المظاهرات التى شهدتها مصر منذ عام 2011 وحتى عام 2014 بلغت  200 مظاهرة فى أربع سنوات وهو كفيل بتدمير دولة ووقف السياحة وتهديد الاستقرار. وأن حالة عدم الاستقرار التى مرت بها مصر فى هذه الفترة كانت سببا فى استنفاد احتياطى النقد الأجنبى خلال عام ونصف العام والذى تشكل خلال 20 عاما وكان يعادل 38 مليار دولار، وأن الأجيال القادمة هى من تدفع ثمن حالة عدم الاستقرار".

أما عن شيطنة الإسلاميين؛ يقول السيسي «بيننا آخرون لديهم فكر مختلف يبثونه فى عقولنا وعقول أولادنا بشكل ممنهج.. ومن 50 سنة ونحن نشعر بوجود أحد وسطنا يشككنا فى كل شيء».كما زعم أنه نصح الإسلاميين بعدم الترشح للرئاسة «قلت للإسلاميين: "لا قبل لكم بتحديات مصر من فضلكم ابعدوا.. لأن أفكاركم ليست في صالح مصر وأن مصر تحتاج لشعب يقوم بمواجهة تحدياته.. وأنتم لا تمتلكون ذلك»؛ وهو ما يخالف الواقع لأنه كان شديد التزلف والنفاق للرئيس مرسي والإخوان وهو ما كشف عن خالد القزاز مستشار الرئيس مرسي الذي أكد أن السيسي كان يتظاهر بالدفاع عن "المشروع الإسلامي" أمام الرئيس مرسي،  كما أن كل الصور المتلفزة وغير المتلفزة له مع الرئيس كان يبدو فيها شديد الانصياع والخضوع؛ وثالثا لو صدق في ذلك لكان كفيلا بعدم اختياره  وزيرا للدفاع خلفا لطنطاوي. ولم يقف السيسي عند هذا الحد من الكذب؛ بل زعم أن الجماعة تستخدم سلاح الشائعات لضرب استقرار البلاد؛ متهما الجماعة كذلك بالوقيعة بين الشعب والجيش واتهام الجيش بقتل المتظاهرين في أحداث شارع محمد محمود ، وسط القاهرة، في أثناء ثورة يناير 2011، رغم  أن جريمة الجيش والشرطة موثقة في  الأحداث.

وينطلق السيسي من هذا التشويه المتعمد نحو الهجوم على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره الوعاء الإعلامي الذي فجر طاقات الشعب في الثورة التي يراها السيسي فوضى ووصفها في أكتوبر 2018 بأنها كانت علاجا خطأ لتشخيص خطأ. وربما يمهد بذلك سن تشريعات جديدة تسهم في مزيد من تأميم الفضاء الإعلامي بعد أن سيطر على الإعلام الحكومي والخاص ولم يبق سوى منصات التواصل الاجتماعي التي يبدي النظام مخاوفه منها ومن تأثيرها الكبير على وعي الجماهير، والذي يروج النظام أنها مصدر الشائعات. كما استدعى السيسي  خلال الندوة رواية أمنية ركيكة لأحداث محمد محمود التي وقعت في نوفمبر 2011م؛ والتي راح ضحيتها أكثر من 50 شهيدا  على يد قناصة الداخلية والجيش بخلاف مئات الإصابات معظمها كانت قنصا في العين؛ وهو ما يريد به السيسي أمرين:

1)      بث الفتنة بين مكونات ثورة يناير لأن أحداث محمد محمود كانت أحد مخطات الخلاف الكبرى بين الإسلاميين والعلمانيين.

2)      تحميل الإسلاميين المسئولية عن الأحداث، ففي عدد اليوم السابع الصادر الثلاثاء 12 مارس 2019م، ينقل عن مصطفى بكري ما أسماها بتفاصيل الرواية الأمنية لأحداث محمد محمود يحمل فيها الإسلاميين من الإخوان حركة حازمون المسئولية عن الأحداث وهو ما ينبئ بتوجهات نحو فبركة قضية جديدة يتم فيها اتهام قيادات بالإخوان والشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل المسئولية عن هذه الأحداث التي وثق مئات النشطاء تورط قناصة الداخلية في قتل المتظاهرين.

 

ثانيا الدفاع عن الجيش والشرطة

الرسالة الثانية هي الاستماتة في الدفاع عن الجيش والشرطة، فعبر النفي والتبرير يمضي رئيس الانقلاب مدافعا عما أسماها بمؤسسات الدولة (الجيش والشرطة) أمام الاتهامات الموثقة التي تلاحقهما حول تورط المؤسستين في قتل الثوار والمتظاهرين؛ حيث يستخدم النفي في تورط المؤسستين في قتل الثوار والمتظاهرين في أحداث الثورة وما تلاها، بينما يستخدم الاعتراف المصحوب بالتبرير في أحداث رابعة وما تلاها وربما تصل أحيانا إلى حد الزهو والمباهاة بهذه الجرائم باعتبارها الأداة التي اكتسب به شرعية نظامه أمام مؤيديه وكذلك أداة تسويق لنظامه أمام الغرب باعتباره رأس الحرب ضد ما أسماه بالإرهاب المحتمل وقتها.

كما ينفي السيسي تورط الجيش والمخابرات الحربية تحديدا في اقتحام مقرات أمن الدولة رغم أن الجيش إن لم يكن متورطا في الأحداث فعلى الأقل منح الضوء الأخضر لتنفيذها؛ حيث وقف متفرجا على الأحداث باعتبارها تفضي إلى الحد من نفوذ أمن الدولة وتؤدي تلقائيا إلى تحكم المخابرات الحربية في جميع مفاصل الأجهزة الأمنية بالدولة والتي اعترف السيسي أنه كان مسئولا عنها.

1)      فخلال الندوة  مارس السيسي قدرا هائلا من الكذب وذلك بنفيه المس بمصري واحد خلال أحداث محمد محمود؛ قائلا: «فى شهر نوفمبر 2011 خلال أحداث محمد محمود ، كانت القيادة فى الدولة حريصة على ألا يسقط مصرى واحد، وكانت القيم والمبادئ التى تحكم تصرفات المجلس العسكرى هى الحرص على كل المصريين. خلال هذه الأحداث لم نمس مصريا واحدا»! مضيفا «"كانت هناك مطالب كثيرة أثناء أحداث محمد محمود بأن المجلس العسكري يمشي (يترك الحكم)، وقدمونا للناس على أننا قتلة، وعلى أننا فسدة... ولكن كنا حريصين إن مافيش مصري يُقتل»!

2)      استخدام شماعة الإسلاميين من خلال التوجه نحو تحميلهم المسئولية عن الأحداث؛ فرغم تحفظ الإخوان وقتها عن المشاركة إلا أن فصيلا إسلاميا كبيرا وقتها شارك بقوة وهو حركة "حازمون"؛ حيث ألمح رئيس الانقلاب إلى ما أسماها بعناصر تسللت إلى وزارة الداخلية حيث سقط العشرات من القتلى وأنه تم عمل منصة حتى تهدم باقي أجهزة الدولة وأن المطلب وقتها كان  إقالة المجلس العسكرى وكى يحدث ذلك كان لابد من القيام بحدث يهز الرأى العام».

3)      للتدليل على أكاذيبه يشير السيسي إلى أمرين: الأول أنه طُلب من رئيس الهيئة الهندسية وضع كتل خرسانية كفاصل بين شارع محمد محمود وميدان التحرير. والثاني أنه طالب بتشكيل لجنة منذ 3 سنوات لدراسة جميع الأحداث التى مرت بها مصر منذ عام 2011 حتى يتم وضعها أمام المصريين بأمانة وشرف لكى يدركوا كيف تدمر الدول. لكنه لم يكشف عن تشكيل هذه اللجنة وما آلت إليه ولماذا تم تجميد عملها ولماذا لم يتم الإعلان عن نتائج تحقيقاتها خصوصا وأن هناك لجنة تمت بالفعل لهذه الأحداث وانتهت إلى إذانة الجيش والشرطة.

4)      تجاهل السيسي أن الرئيس محمد مرسي[3]  كان قد أصدر قرارا جمهوريا(رقم 10/2012) بتشكيل لجنة تقصي الحقائق حول أحداث محمد محمود، ورفعت تقريرها إليه لاحقا، وخلص التقرير إلى أن الوفيات والإصابات بين المتظاهرين قد نتجت عن استخدام مفرط لطلقات الخرطوش وإطلاق قوات لنيران أسلحتها باتجاه أفقي نحو المتظاهرين. وطبقا لما جاء في التقرير، بدأت المواجهات عقب قيام قوات الأمن بالاعتداء على المعتصمين في ميدان التحرير في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011. وبيّن التقرير أن قوات الأمن اعتدت على المتظاهرين باستخدام القوة المفرطة منذ اليوم الأول، بينما تنص اللوائح الدولية على التعامل مع المتظاهرين وفض التجمعات على أن تطلق السلطات إنذارا واحدا على الأقل قبل أن تشرع باستخدام القوة الجبرية. وكشف التقرير أن قوات من الجيش والشرطة حاولت تفريق المعتصمين في اليوم الثاني حيث تكشفت مظاهر التعدي المفرط في القوة من قبل الجيش والشرطة. وأوضح التقرير أن تجمع المتظاهرين في بداية شارع محمد محمود لم يظهر أي دليل لوجود نية لديهم لاقتحام وزارة الداخلية. ويؤكد القائمون على التقرير أن أجهزة الدولة لم تتعامل بجدية مع نتائجه ولا مع توصياته، ويعترف التقرير بأن الأمن استخدم نوعا جديدا من الغاز المسيل للدموع أكثر قوة لم يستخدمه من قبل، وأنه كان يتعمد استفزاز المتظاهرين. وختمت لجنة تقصي الحقائق في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء تقريرها بإصدار توصيات عامة أوجزتها في التالي: - إحالة تقرير تقصي الحقائق إلى جهات التحقيق والمحاكم المختصة للتحقيق في الوقائع والتصرف فيها. توحيد جهة التحقيق والمحاكمة في الوقائع المذكورة في البند السابق سعيا وراء المساواة والمحاكمة العادلة. الاستفادة من خبرة وتجربة القضاة الأعضاء في مجموعات العمل وندبهم إلى نيابة حماية الثورة.  إعادة النظر في القانون الخاص بحق الشرطة في استخدام السلاح الناري وإحلال أسلحة فض شغب أكثر تطورا من قذائف الغاز. سن قانون ينظم عمل لجان تقصي الحقائق بما يمكنها من التعامل مع كافة الجهات المعنية لتحقيق أفضل النتائج.

5)      انتقل السيسي من محطة الدفاع عن الجيش والشرطة إلى محطة الهجوم مشيدا بالعملية الشاملة، وكيف أسهمت في القضاء على الآلاف وقلصت قدرات ما أسماها بالحركات الإرهابية. وقام بتوظيف ضحايا الجيش والشرطة في تكريس حكمه الشمولي؛ حيث بدأ خطابه بالإشادة بالشهيد الفريق عبدالمنعم رياض؛ رغم أن السيسي هو أول من يخون ما مات رياض من أجله؛ ففي الوقت الذي استشهد فيه رياض في 09 مارس 1969م عندما كان يدافع عن تراب الوطن ضد الاحتلال الإسرائيلي فإن السيسي يخونه من زاويتين: الأولى أنه يضع يديه في يد قتلة عبدالمنعم رياض ويقيم معهم تحالفا شريرا على حساب دماء مئات الآلاف من أبناء مصر الذين استشهدوا على يد عصابات الصهاينة وفي الحروب التي خاضتها مصر ضدهم. والثاني هو تنازل السيسي عن التراب الوطني ببيع جزيرتي تيران وصنافير  لقوى إقليمية ترعى نظامه وتدعمه من أجل البقاء؛  وهي معادلة شديدة الغرابة؛  فالفريق رياض مات من أجل تراب الوطن والسيسي فرط فيه؛ فكيف لمن خان مبادئ وجهاد الشهيد رياض أن يوظف دماءه الزكية في خدمة ما يناقض ما مات من أجله الفريق رياض وجميع شهداء مصر جيشا وشعبا؟!

6)      كذلك، وظف السيسي دماء ضحايا الجيش والشرطة من أجل تكريس حكمه الشمولي ووأد أي احتجاج شعبي يرفض توجهات النظام وسياساته حيث تساءل السيسي: كيف يمكن الحديث عن لقمة العيش، ونحن نكرم أمهات وزوجات الشهداء... أقول للست دي إنت (المواطن) بتتكلم في لقمة عيش، وهي بتتكلم في دم ابنها وزوجها؟!". وهو تعليق يشير إلى المظاهرة العفوية التي نظمها المئات من المواطنين في الإسكندرية منذ أيام قليلة هاتفين: "عاوزين عيش" حيث طافوا الشوارع وسط دعم من فئات الشعب المصري. وهنا يوظف السيسي دماء ضحايا الجيش والشرطة الذين قتلوا في سبيل السيسي وتكريس حكمه العسكري الشمولي حيث تابع: "أقولها إيه؟ دي قدمت دم ابنها وزوجها لأجل خاطري وخاطرك، وهاتعيش باقي عمرها ما يعلم بيها إلا ربنا... أقولها عاوزين نأكل؟!".

7)      الزعم بأن مرتبات الجيش والشرطة متدنية وأنهم رغم ذلك لم يطالبوا بزيادتها؛ وهو كذب بواح؛ ذلك أن مرتبات الجيش والشرطة تحديدا تم زيادتها منذ انقلاب 03 يوليو 2013م  تسع مرات؛ بل إن مخصصات وزارة الداخلية في الموازنة العامة للدولة تضاعفت منذ الانقلاب وزادت من 30 مليارا إلى 58 مليارا في الموازنة الحالية(2018/2019).

 

ثالثا: تسويق المشروعات الوهمية

الرسالة الثالثة هي  التبرؤ من وعوده السابقة،  فهو من سوق لانقلابه عبر عدة أكليشيهات (بكرة تشوفوا مصر، مصر أد الدنيا وهتبقى أد الدنيا، اصبروا سنتين (كان في 2014)، مش هشيل الدعم إلا لما أرفع المرتبات وأغني الفقراء، الأسعار مش هترفع حتى لو الدولار رفع، إنتو مش عارفين إنكم نور عنينا ولا إيه؟)؛  لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح فبعد سنتين لم يتحقق الرخاء الموعود بل تدهورت الأوضاع بصورة حادة عبر قرارات تعويم الجنيه ما أفضى إلى أكبر موجة غلاء فاحش في تاريخ مصر كله، وسقط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر!

وخلال الندوة التثقيفية نقض السيسي كل وعوده ونبذ كل تعهداته بالرخاء متسائلا: «لم أعد بالسمن والعسل.. وإنما قلت إننا سنكون معا لمواجهة التحديات، هل وعدتكم فأخلفتكم؟».  ثم ينتقل السيسي  إلى الدفاع عن مشروعاته الوهمية؛ مدعيا أن ما ينفق من مئات المليارات على العاصمة الإدارية والمدن الجديدة ليست من ميزانية الدولة! فمن اين إذا؟ يجيب السيسي أنها من بيع الأراضي (وهي ملك للدولة) حيث يتم تحويل الأراضي ذات القيمة المنخفضة إلى أراضي ذات قيمة عالية ويتم الإنفاق منها على هذه المشروعات؛ وهو عذر أقبح من ذنب؛ ذلك أن هذه الأموال يتوجب أن تدخل موازنة الدولة العامة أولا ثم يتم الإنفاق منها، بناء على أسس وقواعد رشيدة أما بهذه الطريقة فإن السيسي يغرف دون حسيب أو رقيب ودون مساءلة من أحد. ويؤكد السيسي أن الدولة نفذت مشروعات ضخمة بتكلفة 4 تريليونات جنيه سيتم الانتهاء منها بحلول 30 يونيو 2020، وتم الانتهاء من نصف المشروعات تقريبا وجار استكمال باقى المشروعات، قائلا: «الدولة بتحارب الإرهاب وتقاتل وتنزف دما وتشتغل.. يد ترفع السلاح ويد تبني»!.

هذه التريلونات الأربعة كانت كفيلة ببناء مصر من جديد؛ فلماذا لم توضع في مشروعات إنتاجية بدلا من إهدارها على مشروعات وهمية لن تسهم مطلقا في زيادة الإنتاج القومي؟ ولماذا يتجاهل السيسي أنه في سبيل ذلك اقترض أكثر من 4 تريليونات جنيه خلال 4 سنوات فقط ما يعني أنه يقترض سنويا  ألف مليار جنيه وهو رقم مهول لو أحسن استغلاله لإقامة مشروعات إنتاجية تسهم في زيادة الدخل القومي والحد من أزمة البطالة بدلا من هذه المشروعات التي لن ينعم بها سوى أثرياء القوم وكبار القادة والجنرالات!

وفجر السيسي خلال الندوة مفاجاة مدوية عندما أعلن أنه يضع حلا لأزمة اقتصادية سوف تتعرض لها مصر سنة "2060"؛ وهو ما أصاب الحضور بصدمة وذهول، فالمواطن "الحي" أولى بالرعاية. لقد طلب السيسي من المصريين منحه مهلة مدتها 6 شهور لمعالجة الأزمات المعيشية، وأمتدت الفترة بعد ذلك إلى عامين، والآن يقفز بهم إلى العام 2060 مرة واحدة.  ذلك أن الحكم الرشيد يقتضي أولا حل المشكلات الطارئة أو قصيرة الأجل، مثل الغلاء والأسعار والبطالة وتدهور الصحة والتعليم ووسائل النقل، ثم بعد ذلك يتجه نحو المشكلات متوسطة الأجل مثل عجز الموازنة العامة، زيادة الضرائب والرسوم ، ثم يتجه بعد ذلك إلى المشكلات طويلة الأجل. هذا هو التسلسل الطبيعي لمعالجة الحكومات للأزمات التي تواجهها وتمثل تحديا بالنسبة لها، أما أن يقفز بنا السيسي مرة واحدة إلى العام 2060 ويتحدث عن تأسيس صندوق للتعامل مع أزمة ستحدث بعد 41 عاما، فهذا ما لا يستوعبه عقل ولا منطق، ولا يستسيغه مواطن يئن تحت الغلاء والفقر والبطالة وأزمات معيشية متواصلة.[4]

 

عسكرة كل شيء

الرسالة الرابعة هي الإصرار على عسكرة كل شيء في مصر؛ حيث تم الإعلان عن تعيين اللواء كامل الوزير  وزيرا للنقل خلفا للدكتور هشام عرفات الذي استقال في اعقاب كارثة محطة مصر يوم 27 فبراير 2019م؛ والتي أسفرت عن احتراق حوالي 25 مواطنا وإصابة أكثر من 45 آخرين.

وهو اختيار متوقع من زاويتين: الأولى أنه جنرال ومنذ انقلاب 03 يوليو 2013 ومصر تمضى نحو عسكرة كل شيء  في ظل هيمنة المؤسسة العسكرية على السياسة والاقتصاد والإعلام والمحليات وكل شيء. والثانية أن كامل الوزير أثار جدلا واسعا في 2015 عندما تم تسريب مقطع فيديو وهو يتحدّث مع بعض المهرِّبين في منطقة «مطروح»، ويشجِّعهم على التهريب وغسيل الأموال. وقال كامل الوزير بحسب الفيديو: «اللي عايز يهرَّب يهرَّب، أنا موافق، بس يهرَّب كويّس، المهم حصيلة التهريب تعود علينا بحاجة».

إذا رسالة السيسي هي عسكرة كل شيء وغض الطرف عن فساد القادة فلا يتم تصعيد إلا الفسدة واللصوص والمهربين وذلك حتى يستطيع السيسي التحكم في هؤلاء عبر الفضائح والسديهات وبذلك يستقيم هؤلاء على طريقة السيسي رغبا ورهبا وإن كان لذلك انعكاسات شديدة الخطورة على مستقبل البلاد.

 

الخوف والقلق

الرسالة الخامسة هي الخوف والقلق، وهو ما  يتضح من خلال تصريحاته حول الخوف من الداخل وليس الخارج،  كما أن دفاعه عن الجيش والشرطة هو من قبيل الخوف كذلك بعد أن فقدت هذه المؤسسات أي دعم شعبي وباتت عارية أمام المواطنين فلم يحدث في تاريخ مصر كله أن وصلت حدود الكراهية للجيش إلى هذا الحد الذي بلغته في عهد السيسي باعتبارها عصابة لا وظيفة لها سوى احتكار السلطة والمال من أجل ضمان المصالح الأمريكية والغربية وحماية حدود الكيان الصهيوني بذريعة الالتزام باتفاقية كامب ديفيد.

أولا، الخوف من ثورة شعبية، وهو ألمح إليه السيسي من خلال الهجوم المتواصل خلال الندوة على مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في ثورة 25 يناير  وهو ما كشف عنه السيسي حيث كان لهذه المواقع دور كبير في تهديد المجلس العسكري خلال مرحلة ما بعد ثورة يناير.

ثانيا، تشويه الثورة وشيطنة الإسلاميين هو من قبيل سحق البديل حتى تبقى الساحة فارغة من أي بديل فقد أدرك النظام أن الإسلاميين يمثلون البديل لنظام انقلاب 23 يوليو 1952م؛ وذلك لعدة أسباب تتعلق بالانتشار الواسع للإسلاميين وحجم القبول الشعبي الكبير لهم؛ إضافة إلى ضعف وهشاشة القوى العلمانية. فلا يوجد فعليا إلا الجيش أو الإسلاميين لكن فريقا من العلمانيين يفضلون الديكتاتورية مع الجش على الديمقراطية مع الإسلاميين وهو ما يوظفه السيسي لتكريس حكمه الشمولي.

ثالثا، الخوف من انقلاب مفاجئ في ظل التقارير الغربية التي لا تستبعد هذا السيناريو؛ وكان أحدث هذه التوقعات ما صرحت به السفيرة الأمريكية السابقة بالقاهرة خلال مرحلة الانقلاب "آن باترسون" والتي أكدت في ندوة بتاريخ 14 فبراير 2019م أن الجيش هو من أطاح بمرسي ويمكن أن يطيح بالسيسي مستقبلا.

رابعا، لم ينس الجنرال بالطبع  تسويق عمليات  التخويف والترهيب من العدو الوهمي (الإرهاب)، وذلك من أجل توظيفه سياسيا لإجبار الشعب على الإذاعان للنظام مهما كان فشله ومهما كان استبداده وطغيانه؛ وكذلك لتمرير  التعديلات الدستورية التي تجاهل السيسي الحديث عنها تماما في حديثه الطويل ما يكشف عن عمق الأزمة النفسية التي يعاني منها وخوفه من المستقبل في ظل الرفض الشعبي الواسع لهذه التعديلات فلو كان السيسي يتمتع بأي مسحة دعم شعبي لتجرأ على الحديث عن هذه التعديلات لكنه يخشى المستقبل الغامض في ظل توجهاته السلطوية وممارساته القمعية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] الرئيس: طلبتم منى الحفاظ على مصر وسأقف أمام الله أسألكم كما تسألوننى.. فى يوم الشهيد نكرم عطاء الصابرين الصامدين وليس فقط أرواح الشهداء.. البعض يوجه سهامه المسمومة نحو صدورنا لأن نجاح مصر لا يرضيه/مانشيت الأهرام   الأحد 11 مارس 2019

[2] صالح النعامي/ دراسة إسرائيلية: السيسي يعيد صياغة الهوية المصرية لتمكين نظامه/ العربي الجديد 28 يناير 2019

 

[3] الجزيرة تنشر تقرير تقصي حقائق "محمد محمود"/ الجزيرة نت 20 نوفمبر 2013

 

[4] مصطفى عبد السلام/ السيسي والقفز إلى 2060/ العربي الجديد الإثنين 11 مارس 2019

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة