كيف يخطط النظام المصرى لتمرير التعديلات الدستورية؟

 


كيف يخطط النظام المصرى لتمرير التعديلات الدستورية؟


يستمر النظام فى البحث عن شكل مناسب لتفعيل خطة التعديلات الدستورية التي يصر الرئيس السيسي على تمريرها بما يفضي إلى تأبيده في السلطة من جهة ومنحه صلاحيات مطلقة من جهة ثانية، وجعل المؤسسة العسكرية وصيا سياسيا وعسكريا على الشعب والوطن وتقنين تورطها السياسي بما يسمح لها بالانقلاب على أي مسار ديمقراطي قادم من جهة ثالثة. فى ظل مواجهة بعض التحفظات الدولية، ومخاوف من تحرك واسع من الكونجرس الأمريكى، واستفزاز مشاعر المصريين ودفعهم للنزول إلى الشوارع ضد استمرار حكم النظام لأجل غير مسمى.

وقد بدأت لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب يوم الأربعاء، 20مارس، فى عقد أولى جلسات الاستماع الخاصة بالتعديلات الدستورية[1] برئاسة الدكتور على عبد العال رئيس المجلس، وستنتهى تلك الجلسات يوم الخميس 28مارس[2]، وقد وضعت اللجنة قائمة تضم 720 شخصية هم مَن سيحضرون جلسات الحوار المجتمعي الست المخصصة لمناقشة التعديلات الدستورية، وقد خلت تلك الجلسات من أي أصوات معارضة، وقد جاء ذلك متماشيًا مع ما أوضحه مصدر باﻷمانة العامة لمجلس النواب أن اختيار الحضور لهذه الجلسات "سيكون على أساس عدم وجود أصوات معارضة للتعديلات"[3]

حيث صرح "مدحت الزاهد"، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، والقيادي بالحركة المدنية الديمقراطية، إنه اجتمع برؤساء أحزاب معارضة وتأكد أنه لم يتم دعوة أحد، فمن الملاحظ أنه تم اختيار شخصيات بعينها من المؤيدين للتعديلات الدستورية لحضور الجلسات، وهو ما يعتبر دليل على أن الحوار إقصائى للمعارضة وحصرى لمؤيدى التعديل[4].

وقد أعلن البرلمان المصرى فى بيان، الأحد، أن الإجراءات المتعلقة بالتعديلات الدستورية داخل المجلس ستنتهى فى منتصف أبريل، لتتولى الهيئة الوطنية للانتخابات دعوة الناخبين للاستفتاء عليها[5]، وبالتالى فمن المتوقع أن يتم الاستفتاء على تلك التعديلات قبل شهر رمضان.

يبدو أن النظام يسير فى خطواته لتعديل الدستور وكأنها تتمتع بالدعم الشعبى، إلا أن النظام يعمل على الدفع بتلك العملية بكل الوسائل الممكنة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر من أجل إتمامها.

تحايل نظام السيسي لتمرير تعديلاته:

يُسخِر النظام جميع أجهزته من أجل إنجاح خطته لتمرير تعديلاته فى ظل أجواء من الرضاء المصطنع، ولكى يبدو أنها بدفع من البرلمان وأجهزة الدولة وليست بدفع من السيسى، على الرغم من أن نجل السيسى هو من يقود تلك العملية بنفسه.  

حيث  كثفت بعض الأحزاب المؤيدة للتعديلات من نشاطها لحثّ المواطنين على المشاركة في الاستفتاء، حتى وصلت إلى "طرق الأبواب" في القرى لدعوة المواطنين للتصويت بـ"نعم". حيث أعلن حزب "مستقبل وطن" بمركز الصف جنوب الجيزة، بدء حملة "طرق الأبواب" التي ستجوب كل قرى المركز البالغ عددها نحو 34 قرية، وذلك من خلال زيارة قيادات الحزب بالمركز لكل دواوين العائلات، والاجتماع مع كبار العائلات وشبابها لحثهم على المشاركة فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية[6].

إلى جانب ذلك نظمت "أمانة الإعلام بالحزب" بالقاهرة  "ندوة تثقيفية" لمناقشة أهمية التعديلات الدستورية بمقر الأمانة بالتجمع الخامس، وركزت على أهمية تعديل مواد الدستور الخاصة بزيادة تمثيل الشباب لدمجهم في المشهد السياسي، والمرأة والأقباط الذى يعكس تدعيم الدولة لمبدأ المواطنة والتميز الإيجابى وتوسيع المشاركة السياسية[7].

وتبذل وزارة الداخلية المصرية جهوداً حثيثة للتحضير المبكر لعمليات حشد الناخبين لمراكز التصويت على التعديلات الدستورية المقرر طرحها للاستفتاء خلال الشهر المقبل، حيث تسعى السلطة المصرية لإجراء بروفات لحشد الناخبين لمراكز التصويت على التعديلات، فقد استدعت وزارة الداخلية لمقرات الأقسام التابعة لها مسؤولي الجمعيات الأهلية ذات التأثير الكبير في المناطق والأحياء الشعبية، لاختبار مدى قدرتها على تعبئة وحشد الجماهير للاستفتاء[8]

وشدد ضباط تابعون للوزارة خلال الاجتماعات التي جرت داخل الأقسام على ضرورة إجراء هذه الجمعيات "بروفات حشد ضخم" أمام مقراتها، تدريبا لكوادرها على قدرتهم على الحشد، عبر جذب المحتاجين من الجماهير بمساعدات مالية وعينية، وتأمل السلطات من الحشد إظهار أكبر مشاركة شعبية ممكنة للتصويت على التعديلات، لـ"ترسيخ شرعيتها"[9].

وبالتوازى يعقد حزب "مستقبل الوطن" اجتماعات مكثفة لدراسة أفضل سبل الحشد للناخبين، وتعتمد الخطة الرئيسية المطروحة حتى الآن على رجال أعمال تابعين للحزب، لتمويل عمليات حشد الناخبين وتغطية تكاليف نقلهم وتقديم أموال ومواد غذائية للمصوتين. وتلوح فى مقابل ذلك  بعضويات في البرلمان ومجلس الشيوخ لرجال الأعمال حال تمرير الاستفتاء "بنعم" بنسبة كبيرة[10].

إلى جانب ذلك بدأت أقسام الشرطة في عقد اجتماعات لأصحاب المحلات والمقاهي، للحديث معهم عن تعليق لافتات مؤيدة للتعديلات، وجمع هويات العاملين، لإجبارهم على المشاركة في الاستفتاء[11].

وتشير تلك الاجتماعات وما جرى فيها إلى التخوف الكبير لدى السلطات من عزوف المصريين عن المشاركة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، فى ظل محاولات النظام لإظهارها كمطلب شعبى، كما جرى بالانتخابات الرئاسية الماضية التي جرت في مارس 2018، فى ظل عجز الجمعيات والمنظمات الأهلية عن دفع الجماهير إلى التصويت في اللجان.

إلى جانب ذلك يعمل النظام بشكل غير مباشر لإحكام خطته لتمرير التعديلات بخلق انطباعات إيجابية عن الوضع العام فى مصر، متمثلة فى:

مطالبة السيسى الحكومة، بسحب طعنها فى حكم قضائى لصالح أصحاب المعاشات بأحقيتهم فى إضافة 80%من قيمة آخر خمس علاوات حصلوا عليها من قيمة أجورهم، كما طالب السيسي برد إجمالي المديونية المستحقة لصناديق المعاشات على وزارة المالية وبنك الاستثمار القومي، وذلك من خلال إعداد تشريع خاص ينظم تلك الإجراءات، على أن يبدأ تنفيذ التسوية اعتبارا من موازنة العام المالى الجديد[12]. ويأتى ذلك القرار وكأن السيسى يغازل أصحاب المعاشات، خصوصاً بعد أن فشل فى كسب قطاع الشباب، إلى جانب ذلك  فهناك بعد آخر في قضية المعاشات وهو "البعد الجغرافي"، حيث ينتشر أصحابها في أنحاء البلاد، مما يسبب مشكلة على مستوى الجمهورية في حال قرروا النزول للشارع وإعلام الشعب بقضيتهم ولفت نظر الإعلام، وهو ما يخشاه النظام من اتساع رقعة المعارضة له خصوصاً أن انضمام هذه الشريحة إلى صفوف المعارضين يشكل عبئا كبيرا، خاصة في ظل رواج الحملة التي أطلقها الإعلامي المعارض "معتز مطر" تحت اسم "اطّمن أنت مش لوحدك"، كما أن توقيت ذلك القرار يشير إلى رغبة النظام فى تمرير التعديلات الدستورية فى هدوء وتجنب شحن المعارضة تجاهه.

هناك بعد آخر يلعب عليه النظام إلى جانب الترضية، وهو محاولة خلق أوضاع اقتصادية ثابتة ومرضية للجماهير، فلا يمكن تفسير تأجيل ارتفاع أسعار الوقود وانخفاض سعر الدولار والتباشير بتحقيق مصر اكتفاء ذاتى من الغاز الطبيعى بعد اكتشاف أبار غاز جديدة، وحملة "100مليون صحة" التى تستهدف الكشف المجانى للمصريين وتقديم العلاج بالمجان، إلا فى إطار استكمال خطة السيسى بالترويج بإنجازات وهمية تضفى حاجة إلى استمراره.

السيسي يسحق المعارضة:

فضلاً عن ذلك فمنذ تلويح السيسى ونظامه بعزمه على تعديل الدستور بما يسمح بتأبيده فى الحكم، وتتوالى ردود الفعل الرافضة لهذه التعديلات، سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى الكيانات والأحزاب، أو على مستوى الشخصيات العامة والسياسيين والأكاديميين، أو حتى على مستوى بعض المنتمين للنظام نفسه، إلا أن السيسى يواجهها بسلاح السجن والاعتقال.

بدأت أولى محاولات المعارضة  بتشكيل تحالف "للدفاع عن الدستور"، أعلن عنه المرشح السابق "حمدين صباحي" كـإطار شعبي ديمقراطي مفتوح يتصدى لمهمة حماية الدستور والدفاع عنه، تلى ذلك تدشين حملة جمع توقيعات شعبية لحشد المعارضة تجاه سياسات النظام.

كان آخر تلك المظاهر الاحتجاجية تقدم "الحركة المدنية الديموقراطية" يوم الأحد ٢٤ مارس، بإخطار لوزارة الداخلية بتنظيم وقفة احتجاجية سلمية أمام البرلمان يوم الخميس الموافق ٢٨ مارس، للإعراب عن احتجاجها و رفضها لعملية تعديل الدستور وإجراءاتها التي تتم حاليا في مجلس النواب تحت مسمي الحوار المجتمعي[13]، وقد أرسلت وزارة الداخلية  ردّاً إلى الأحزاب المنضوية تحت لواء "الحركة المدنية الديمقراطية"، يوم الأربعاء27مارس، تخطرها فيه برفضها الطلب المقدم منها بتنظيم وقفة احتجاجية، ظهر الخميس، أمام مقرّ مجلس النواب، للإعلان عن رفضها التعديلات الدستورية، وللمطالبة بوقف حملات القبض والاعتقال على المعارضين، والإفراج عن المعتقلين السياسيين على ذمة قضايا تتعلق بالاعتراض على الدستور[14].

 إلى جانب ذلك سعت الدولة إلى احتواء المعارضة وإسكاتهم بتوجيه دعوات لحضور جلسات الحوار المجتمعى فى البرلمان، الثلاثاء والأربعاء، فى ظل إيمانهم بشكلية هذا الحوار وفى ظل تضييق غير مسبوق على المعارضة يُصّعب أى حوار مجتمعى فى هذا المناخ[15].

خاتمة

تناولت الورقة كيف يُسخر السيسى نظامه من أجل تمرير التعديلات من خلال عقد اجتماعات مكثفة مع الجمعيات الأهلية للاتفاق حول الكيفية التى سيتم بها  حشد الناخبين ودفعهم للتصويت بـ"نعم" فى الاستفتاء، إلى جانب المسار الذى يسلكه السيسى بالترويج لإنجازات وهمية يتزعمها من أجل إضفاء الحاجة إلى استمراره، فضلاً عن وأد كل أصوات المعارضة لسياساته، وبالتالى لم تعد إمكانية التنبؤ بنجاح السيسى فى تمرير تعديلاته صعبة، إلا أن التنبؤ بما سيترتب على تلك التعديلات هو ما أصبح غير قابل للتنبؤ.

 

 



[2] أحمد عبد الرحمن، "متحدث النواب":انتهاء جلسات الحوار المجتمعى عن التعديلات الدستورية الخميس، موقع اليوم السابع، بتاريخ 26/3/2019، الرابط:

https://bit.ly/2OtPbFb

[4] على أحمد، فى "الحوار المجتمعى" لتعديل الدستور..هل ستحضر المعارضة؟، بتاريخ 19/3/2019، الرابط:

https://bit.ly/2YspV72

[5] سكاى نيوز العربية، مصر..البرلمان يعلن موعد انتهاء اجراءات التعديلات الدستورية، بتاريخ 24/3/2019، الرابط:

https://bit.ly/2TYeXHV

[6] على أحمد، طرق الأبواب بالقرى..دعاية حزبية للتصويت بـ"نعم لتعديل الدستور"، موقع مصر العربية، بتاريخ 5/3/2019، الرابط:

https://bit.ly/2FFKTIh

[7] بوابة أخبار اليوم، ندوة تثقيفية بمستقبل وطن حول جدوى التعديلات الدستورية، بتاريخ 5/3/2019، الرابط

https://bit.ly/2HVnYKj

[8]الجزيرة، كيف يخطط النظام المصرى لحشد الناخبين لاستفتاء على التعديلات الدستورية؟،بتاريخ 17/2/2019، الرابط:

https://bit.ly/2TFQdzb

[9] المرجع السابق.

[10] المرجع السابق.

[11] القدس العربى، مصر:النظام يطلق خطة أمنية لتمرير الاستفتاء على التعديلات الدستورية، بتاريخ 15/2/2019، الرابط:

https://www.alquds.co.uk/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D8%B7%D9%84%D9%82-%D8%AE%D8%B7%D8%A9-%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA/

[12] محمد سيف الدين، السيسى يغازل أصحاب المعاشات..لماذا الآن؟، بتاريخ 22/3/2019، الرابط:

https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/3/22/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9

 

[15] مصطفى محيي، الحركة المدنية تتلقى دعوات لـ"الحوار المجتعى"حول التعديلات الدستورية..والداخلية ترفض وقفتها الاحتجاجية، بتاريخ 27/3/2019، الرابط:

https://us14.proxysite.com/process.php?d=%2FFn70FJmJ%2Fk4sqBV3ZYY6VOaGqX1sO1vkmDyTPudsTV%2BQigKYZZmr3jVDhI3Pt%2Fg%2BmxOssfqZ5v1dSI%2BSIkoG0qRR%2FHT23gJWIsS80kl%2FhrVM5VNBq0lQo3s3WnBjxt44JcRxTE7IFm6pq5s53QHZYuU1MP61ZDfHBojPHQsQnHq6EXrrZEZPpJOMmaph%2Fe2G%2FZ7IKBLc9aV635tEJQpcf%2FDtFw%2BOCRiJyqTR4m0ZP5%2FFQS1eH6IsN4ib0d27M3ZDp2wpVmEQKI648hDMXiJ7x9z6YEq%2Br8q01E%3D&b=1&f=norefer

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة