جريمة دستورية وتهديد لحياة المصريين

 


تخلي الحكومة عن مسئولياتها الاقتصادية  والاجتماعية بالموازنة الجديدة...
جريمة دستورية وتهديد لحياة المصريين

 

 

في تسارع لتطورات الازمات المعيشية التي يلاقيها المواطن المصري، كشفت مصادر حكومية عن قرب اجراء تعديل حكومي مخدود بحكومة مصطفى مدبولي، بعد تصريحات اطلقها عدد من الوزراء عن ازمة نقص الموارد المالية ، التي تمكنهم من تقديم خدمات مجتمعية لائقة بالشعب –حسب تعبيرهم، وهو ما تجلى بتصريحات وزيرا التربية والتعليم والصحة، خلال مناقشة ميزانية وزرتيهما بالبرلمان...

وهو ما دفع المخابرات والأجهزة الأمنية للدفع نحو تغيير الوزيرين كما يرجح المراقبون للشأن المصري، بجانب منع ظهورهما الاعلامي او التعاطي الاعلامي معهما ، او نشر اخبار عن وزارتيهما، لحين اتمام التعديلات...وهو الأمر الذي يكشف أن الادارة العسكرية للمنظومة المصرية، تعتمد اخفاء الحقائق عن الشعب وفقط، وعدم اطلاعه على حقيقة آلامه التي يشعر بها ويتيقن بها، الا انه لا يستطيع ان يعبر عنها ، في ظل سيطرة كاملة من الاذرع الأمنية على خريطة الاعلام المصري، بكافة أشكاله...تلك المخاطر الحياتية التي تواجه المصريين، حاولنا الوقوف عليها ، خلال تلك الدراسة...

 

نصريحات من الواقع المرير

ففي الوقت الذي يوافق فيه البرلمان على تمرير الزيادة العاشرة للعسكريين منذ حكم السيسي، الأحد 12 مايو، ترفض حكومة السيسي دعم منظومة التعليم والصحة والصرف الصحي ومياة الشرب ببعض المخصصات التي تدعم حياة الشعب المصري..

 

تأتي تصريحات عدد من وزراء حكومة السيسي المنتقدة لغياب المخصصات المالية بالموازنة واستجدائهم وزارة المالية لتوفير اعتمادات مالية لضمان الاستمرار في تادية دور الوزارات المنوط بها إزاء المواطنين لتعبر عن كوارث جمة تنتظر الشعب المصري، عقب استتباب الامر لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ، بمشروعية قانونية مهترأة تضمن له البقاء حتى 2030 وما بعدها، بتعديلات جديدة او صياغة دستور جديد بشكل كامل...

 

التعليم

ففي 6 مايو الجاري، صدم وزير التربية والتعليم المصريين بأنه تم خصم نحو 39 مليار جنيه من ميزانية الوزارة في العام المالي المقبل، موضحاً أن "وزارة التعليم طلبت 138 مليار جنيه، إلا أن وزارة المالية خصصت 99 مليارا فقط .

وقال طارق شوقي أمام لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، "نحتاج 110 مليارات جنيه على الأقل سنوياً لتطبيق نظام التعليم الجديد، من دون حساب الزيادة على مرتبات المعلمين، لأن النظام يتضمن إعداد كتب ومناهج جديدة، وتدريب مئات الآلاف من المعلمين، وإنشاء شبكات إلكترونية، وشراء أجهزة (تابلت) للطلاب، إلى جانب افتتاح المدارس اليابانية".

وأضاف: "نفذنا في العام الماضي ما تم الاتفاق عليه مع وزارة المالية من دون زيادة في اعتمادات وزارة التعليم، إلا أننا اضطررنا إلى خصم 50 % من مخصصات مديريات التعليم في المحافظات، وأكثر من ملياري جنيه من مخصصات هيئة الأبنية التعليمية لتنفيذ برنامج التطوير وسط وعود متكررة من وزارة المالية بصرف هذه الأموال بلا جدوى".

متابعا: طلبنا 11 مليار جنيه إضافية، ولو لم نحصل عليها لن أكمل نظام التعليم الجديد، خصوصاً أن أموال التمويل الأجنبي ضخت كلها في التطوير، واستدنا ملياري جنيه من هيئة الأبنية التعليمية بما يؤثر على دورها، ويفاقم من كثافة الطلاب في الفصول".

وزاد: "نريد 4.6 مليارات جنيه لهيئة الأبنية التعليمية زيادة عن المبالغ المعتمدة، و4.9 مليارات جنيه لتطوير الشبكات وشراء التابلت، و800 مليون جنيه لطباعة الكتب، و12.7 مليار جنيه لطلبات المديريات في المحافظات وديوان عام الوزارة، بالإضافة إلى 16 مليار جنيه لزيادة مرتبات المعلمين. عدم تفعيل شرائح التابلت في امتحانات الصف الأول الثانوي كان سببه قطع الإنترنت لعدم وجود أموال للدفع مقابل الخدمة".

وعن الكثافة الطلابية الكبيرة في الفصول، قال: "نعمل حالياً على تطوير النظام التعليمي، وبعدها يمكن للناس أن تتحدث عن الكثافة. من يقول الكثافة كبيرة، سأقول له هات فلوس عشان نحلها، لأن عدد المواليد يصل إلى 700 ألف طفل سنوياً...وهو تخلي واضح عن مسئولية الدولة إزاء مواطنيها، وفق الاستحقاقات الدستورية الملزمة للدولة بتوفير الحد الأدني من التعليم..

كلام الوزير الذي يعد بداية للتخلي الفعلي عن الحق الدستوري للمواطن في التعليم، قد يمهد لقرارات وسياسات اكثر تقشفا يتضرر منها الطلاب، خاصة في        ضوء ان الوزير نفسه كان قد تبرع لصندوق "تحيا مصر"

ب 200 مليون من ميزانية 2018/ 2019 ...

 

الصحة

 

وعلى نفس المنوال،

لوحت وزيرة الصحة، هالة زايد، بوقف تنفيذ برنامج التأمين الصحي، وقالت إن ما تم رصده بمشروع الموازنة العامة للدولة لا يكفي لبناء مستشفى واحد بـ100 سرير، مطالبة باعتمادات إضافية تُقدر بنحو 33 مليار جنيه ...

حيث خيرت وزيرة الصحة مجلس النواب بين تعديل قانون التأمين الصحي الشامل، أو زيادة المخصصات المالية لقطاع الصحة في الموازنة الجديدة، حتى تتمكن الوزارة من تنفيذه.

وقالت الوزيرة خلال مناقشة ميزانية وزارة الصحة في البرلمان، في 7 مايو الجاري، "أنا غير مقتنعة بتنفيذ قانون التأمين الصحي الجديد لأنه يحتاج إلى 17.5 مليار جنيه  من أجل تطوير المنظومة الصحية في محافظات المرحلة الأولى فقط، وهي بورسعيد والسويس والإسماعيلية والأقصر، بينما لا تتوفر تلك المبالغ لدينا".

 

وأضافت أن "الوزارة طلبت 96 مليار جنيه لميزانيتها للعام المالي الجديد الذي يبدأ في الأول من يوليو المقبل، ولكن وزارة المالية اعتمدت 63 مليار جنيه فقط  على الرغم من حاجة الوزارة إلى ما يقرب من 33 مليار جنيه ، للصرف على بنود محددة تُعاني من العجز الشديد في الموارد.

 

وتابعت أن الوزارة تحتاج إلى تطوير 25 مستشفى، و125 وحدة صحية، في محافظات المرحلة الأولى لنظام التأمين الصحي الجديد، فضلاً عن تدريب وميكنة المنظومة بتلك المحافظات، مستطردة أن "المشروع القومي لإعادة وتأهيل المستشفيات النموذجية يحتاج إلى 4.8 مليارات جنيه، وهو مبادرة رئاسية تشمل 30 مستشفى، انتهت أعمال التأهيل منها في 8 مستشفيات".

وأفادت زايد بأن هناك مبادرة رئاسية أخرى في شأن الكشف المبكر على سرطان الثدي، تحتاج إلى مليار ونصف المليار جنيه، إلى جانب نحو 825 مليون جنيه  لمبادرة فصل وتجميع البلازما ومشتقاتها، ومليار و284 مليون جنيه لمبادرة دعم الاستثمار في الصحة، وتدريب الكوادر البشرية بمختلف التخصصات، والتمريض في الداخل والخارج، و4 مليارات جنيه لشراء المستلزمات الطبية.

 

وزادت بالقول إن الوزارة تحتاج كذلك إلى ملياري جنيه لشراء الأجهزة الطبية، ومليار جنيه للدعم الخاص بالعلاج علي نفقة الدولة، مشيرة إلى أن المبالغ التي تطلبها وزارة الصحة تتعلق ببنود لا يمكن الاستغناء عنها، بوصفها مبادرات رئاسية من ناحية، وتتعلق بتنفيذ قانون التأمين الصحي الشامل من ناحية أخرى، والذي لا يمكن تنفيذ مراحله نظراً لعدم وجود مخصصات مالية.

 

وواصلت زايد: "لا توجد رفاهية في قطاع الصحة، والمبلغ الإضافي المحدد بنحو 33 مليار جنيه،  أكثر من نصفه سيذهب إلى تطوير وتأهيل منظومة التأمين الصحي الجديدة في 4 محافظات"، لافتة إلى أن مخصصات الصيانة التي أقرتها وزارة المالية لجميع مستشفيات الجمهورية في مشروع الموازنة العامة الجديدة "لا تكفي لصيانة مستشفى واحد في أي محافظة"، على حد تعبيرها.

 

وأوضحت أن إنشاء أي مستشفى بسعة 100 سرير يتكلف نحو 750 مليون جنيه، مبينة أن منظومة التأمين الصحي الشامل بدأت في محافظة بورسعيد من خلال تطوير 8 مستشفيات، تكلفت حتى الآن ما يقرب من 5 مليارات جنيه، على الرغم من أن بورسعيد من المحافظات الصغيرة، وتعداد سكانها لا يتجاوز مليون نسمة من إجمالي مائة مليون مصري.

وقالت زايد إن "توفير الموارد المالية اللازمة لمشروعات الصحة في مصر يواجه مشكلات عدة، منها عدم تخصيص أموال للصيانة، في ظل تعطل المصاعد في القطاع الأكبر من المستشفيات، مستدركة "هانجيب فلوس منين، بنروح نبوس رأس أي مسؤول عشان يدينا فلوس، وعشان كده قلنا المستشفيات النموذجية هي الحل، لأنها مستشفيات لا نبنيها، بل نشغلها بعقد صيانة وتدريب".

 

وأضافت: "إما هانشتغل بجد، أو هانمثل إننا بنشتغل، ومستشفى السويس العام على سبيل المثال، لديها 13 أسانسير جميعها لا تعمل، وطلبت للمستشفى أموالاً للصيانة، وماحدش عبرنا"، معربة عن استنكارها من تخصيص مبلغ 661 مليون جنيه لتطوير المستشفيات المخاطبة بقانون التأمين الصحي الشامل في 4 محافظات، على اعتبار أن هذا المبلغ لا يكفي لبناء مستشفى تضم مائة سرير.

 

وعلى الرغم من خطورة كلام الوزيرة، جاء رد الحكومة كالحا ومتخليا عن مسئوليتها تجاه الشعب، حيث رد رئيس قطاع الموازنة العامة بوزارة المالية، محمد عبد الفتاح، إنه "لو توافرت الموارد المالية الكافية لدى وزارة المالية فلن تبخل على أي وزارة"، منوهاً إلى أن الوزارة جمعت مقترحات كافة الوزارات الخاصة بمشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2019-2020، والتي أظهرت ارتفاع العجز الكلي المتوقع إلى 15.8%، بدلاً من 7.2 % متوقعة بمشروع الموازنة الجديدة.

وفي ديسمبر 2017، وافق البرلمان على مشروع قانون التأمين الصحي الشامل المقدم من الحكومة، والذي فرض رسوماً من قيمة كل عبوة سجائر مباعة في السوق المحلي، سواء كانت محلية أو أجنبية الإنتاج، تصل إلى جنيه ونصف الجنيه، إلى جانب تحصيل 10 في المائة من قيمة كل وحدة مباعة من مشتقات التبغ من غير السجائر، وذلك لتمويل المنظومة الجديدة للتأمين الصحي.

 

كما نص القانون على تحصيل ألف جنيه عن كل سرير عند استخراج تراخيص المستشفيات والمراكز الطبية، ومبلغ يتراوح بين ألف و15 ألف جنيه عند التعاقد مع نظام التأمين الجديد، بالنسبة للعيادات الطبية، ومراكز العلاج، والصيدليات، وشركات الأدوية.

 

ونص كذلك على ألا يزيد مجموع ما يسدده الفرد عن كل الأسرة عن 7 %، وتتحمل الحكومة فرق التكلفة، مع إقرار 2 % من قيمة المعاش الشهري لأصحاب المعاشات، و4% نظير خدمات تأمين المرض، والعلاج، وإصابات العمل، من إجمالي أجر الاشتراك للعاملين المؤمن عليهم، بحد أدنى 50 جنيهاً شهرياً.

ويأتي حديث وزيرة الصحة ليكشف الأزمة الصحية المتوقع تفاقمها في المستشفيات الحكومية، حيث يتزايد العجز الطبي مع هروب الأطباء من مصر لتدني رواتبهم، كما من المتوقع أن تزيد الرسوم على المواطنين لتمويل الخدمات الصحية المنهارة أساسا، حيث كانت الوزيرة ونواب برلمانيين اقرحوا في فبراير الماضي انشاء صندوق لتمويل علاج قوائم الانتظار للمرضى ، وتدبير موارده من خلال القروض والمنح، وفرض رسوم جديدة على المواطنين في بعض القطاعات..وهو نهج غالبا ما يتبعه النظام الحاكم في ظل انسحاب كبير للحكومة من قطاعات حيوية للمجتمع المصري..

 

وفي 15 ديسمبر الماضي، قال السيسي: "إحنا رصدنا 300 مليون جنيه من وزارة الصحة، ومثلها من صندوق (تحيا مصر)، للعمل على إنهاء قوائم الانتظار"، مستدركاً "اكتشفنا أن تكلفة العلاج فوق قدراتنا المالية، لأن هناك 10 آلاف حالة انتظار في الشهر، ما يعني 360 ألف حالة خلال 3 سنوات... وبحساب تكلفة علاج الحالة الواحدة عند 50 ألف جنيه، فإننا في حاجة إلى 18 مليار جنيه... وماكناش عاملين حسابنا على كده!".

 

الصرف الصحي ومياة الشرب

وفي سياق نفس الكوارث المستقبلية والحالة على الشعب المصري، أوصت لجنة الإسكان والمرافق في مجلس النواب المصري، الثلاثاء 1 مايو، بزيادة اعتمادات الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي للسنة المالية 2019 /2020 بنحو 4 مليارات جنيه عن المخصص لها في الموازنة الجديدة الذي يقدر بـ 10 مليارات و209 ملايين جنيه.

 

وأوصت اللجنة أيضاً بزيادة اعتمادات الجهاز التنفيذي لمياه الشرب والصرف الصحي بنحو 3 مليارات جنيه للسنة المالية 2019 /2020، عن المبلغ المخصص لها بقيمة 4 مليارات و308 ملايين جنيه، وكذلك صرف مليار جنيه للجهاز من متأخرات موازنة العام الحالي.

وتحفظ رئيس الجهاز، حسن الفار، على الميزانية المقدرة للهيئة في الموازنة الجديدة، بالقول إنه "يتوقع اقتطاع مليار و200 مليون جنيه من الموازنة لتعويض ما تم صرفه خلال العام المالي الحالي على المشروعات، بالإضافة إلى مليار جنيه أخرى ستذهب لمشروع أبورواش للصرف الصحي بمحافظة الجيزة".

 

وأضاف الفار: "سيكون بذلك صافي الموازنة قرابة الملياري جنيه فقط، رغم أننا طلبنا تخصيص 6 مليارات جنيه من أجل الوفاء بالالتزامات الحالية، وغيرها من المشروعات الجديدة بالقرى".

وقال مساعد وزير الإسكان والمرافق، محمد عصام، إن استمرار تخصيص وزارتي المالية والتخطيط لـ4 مليارات جنيه كموازنة للجهاز، سيترتب عليه عدم استكمال 73 مشروعاً لتوصيل المياه، وسيضطر الجهاز إلى استكمال تنفيذ 39 مشروعاً فقط، وعدم الدخول في مشروعات جديدة.

الأمر الذي حذرت منه  النائبة منى شاكر ، قائلة: "5.1 مليارات جنيه دول ما يوصلوش الصرف حتى لمحافظة قنا، بطلوا كذب علينا... أنا عندي 7 قرى عطشانة، وفي اجتماع في مدينة إدفو الرجالة قالوا لي أنت بتكذبي علينا، وكانوا هايطلعوا علينا بالشوم (العصي)".

وأضافت شاكر أن "مواطني القرى السبع يضطرون إلى شراء جركن المياه بـ 5 جنيهات، وتكلفة التوكتوك 50 جنيهاً لتوصيل الجراكن للمنازل"، مستطردة "هل ستكفي المواطن 5 جراكن عشان يستحمى ويتوضأ ويشرب ويطبخ في شهر رمضان".

ورداً على مدى إمكانية توجيه فائض الموازنات للوزارات في حل مشاكل مياه الشرب، أوضح ممثل التخطيط: "لم يعد هناك فوائض من الوزارات على غرار السنوات السابقة، نظراً لتوجيهها للمشروعات القومية بناءً على تعليمات من جهات سيادية، ومن الصعوبة توفير حتى 50 مليون جنيه لهذه المشروعات"، على حد تعبيره.

وهو ما يعد وفق مراقبون كارثة اجتماعية أخرى مقبل عليها المصريون، الذين بات عليهم تمويل مشروعات البنية الأساسية والحياتية من جيوبهم، فيما فوائص الميزانيات التي كانت توجه للصرف في المشروعات الحياتية للمواطنين باتت توجه للمشروعات القومية كالعاصمة الإدارية الجديدة وغيرها...

ولعل ما كشف عنه مؤخرا في وسائل الاعلام التي تعاني الحجب وقلة المعلومات، قد نرى مثله وأكثر في العديد من القطاعات المجتمعية ، بجانب ما تم رصده في مجالات التعليم والصحة ومياة الشرب والصرف الصحي..

مخالفات دستورية

يشار إلى أن الموازنة المصرية خالفت للعام المالي 2019-2020، نصوص المواد 18 و19 و21 و23 من الدستور، للمرة الرابعة على التوالي، والمتعلقة بالتزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 3 % من الناتج القومي لقطاع الصحة، و4 %  للتعليم، و2 % للتعليم العالي، و1 % للبحث العلمي، إذ لم تخصص الموازنة الجديدة سوى ما يعادل ثلث المخصصات الدستورية لكل من هذه القطاعات.

 

القادم أسوأ

 

ولعل التصريحات الوزارية تعبر عن جزء من أزمة معيشية يصطلي بنارها أكثر من 80 مليون مصري، هم الفقراء الذين تحدث عنهم البنكك الدولي في تقديره الأخير عن مصر، وهو ما عبر عنه أستاذ الاقتصاد مصطفى شاهين، الذي وصف تصريحات الوزراء بشأن نقص الاعتمادات بالخطيرة، قائلا: "نبهنا من هذا الأمر مرارا، والقادم أخطر؛ لإن المديونية وفوائدها زهاء 900 مليار جنيه ، بزيادة قدرها نحو 150 مليار جنيه عن العام الماضي ".

وتوقع في تصريحات لـ"عربي21": أن "يطال العجز جميع الخدمات المقدمة للمواطنين سواء في التعليم أو الصحة أو النقل أو التموين، وسيسوء وضعها في الفترة المقبلة، ما ينعكس بالسلب على حياة المواطنين"، مشيرا إلى أن "الحكومة لا تأبه لعجز الموازنة، وهو ما حذرنا منه من لجوء الدولة لطباعة النقود لسد العجز".

وأكد أن "ما يحدث هو نتيجة الوضع المزري للسياسات الاقتصادية، والتي لا تحد من المشكلة بل تزيدها، وسواء أضافت الحكومة ضرائب جديدة، أو قللت النفقات فيسؤدي ذلك إلى انكماش في الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة، ويوجد تقرير لصندوق النقد يتحدث عن انخفاض معدلات النمو في الدول المدينة".

 

أعباء جديدة

 

وفي سياق تحميل الحكومة للمواطنين عجز الموازنة، فقد كشفت نقاشات الموازنة الجديدة بمجلس النواب، أن مصر ستشهد موجة غلاء غير مسبوقة فور انتهاء شهر رمضان، نتيجة تطبيق الزيادات الجديدة في أسعار الوقود اعتباراً من منتصف يونيو المقبل، وفي أسعار الكهرباء بدءاً من فاتورة الأول من يوليو..

حيث ستخفض الحكومة دعم الوقود بنسبة 40%، وعلى دعم الكهرباء بنسبة 75 %.

كما أن موجة الغلاء لن تتوقّف على الوقود والكهرباء، بل ستتبعها زيادات على أسعار كل السلع والخدمات، بل إنّ هناك اتجاهاً داخل وزارة المالية لزيادة الرسوم الجمركية على المئات من السلع المستوردة، والتي تصفها الحكومة بـ"الترفيهية" أو "الاستفزازية"، ومعها ستشعل أسعار السلع الكهربائية على وجه الخصوص، لتصل الرسوم المفروضة على بعض الأجهزة المستوردة مثل التكييف إلى 70 %.

 

وايضا فإنّ زيادة أسعار الكهرباء المرتقبة سترفع من تكلفة تشغيل مترو أنفاق القاهرة، ما يرجح زيادة أسعار التذاكر مجدداً، بالتزامن مع افتتاح المرحلة الجديدة من الخطّ الثالث، والتي تخدم مناطق شرق القاهرة وصولاً إلى ميدان "الألف مسكن". ونوّه المصدر في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ زيادة أسعار الوقود ستقفز بتكلفة وسائل النقل لتصبح أعلى من المترو، بما يمثّل حجة "مقنعة" لدى الحكومة لرفع أسعار تذاكره.

ومن ثم فالزيادة في أسعار أتوبيسات النقل المملوكة للدولة، باتت أكيدة في ضوء أرقام الموازنة الجديدة، بعد رفع إيرادات هيئة النقل العام في محافظات القاهرة الكبرى (تضم 3 آلاف باص لخدمة 350 خطاً) المتوقعة من مليار و43 مليون جنيه إلى ملياري جنيه في العام المالي الجديد، لافتاً إلى أنّ السعر الجديد للتذكرة سيرتفع من 5 إلى 8 جنيهات، وهو ما يشكّل عبئاً كبيراً على الملايين من المواطنين البسطاء.

 

وكان تقرير حديث لـ"الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء"، أكد أن  ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز ومواد الوقود بنسبة 36% خلال شهر إبريل الماضي، ومجموعة المياه والخدمات المتعلقة بالمسكن بنسبة 32.9 %، والنقل والمواصلات بنسبة 31.6% بسبب ارتفاع أسعار النقل الخاص بنسبة 27.2 %، وذلك مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

 

وحسب مصادر برلمانية مطلعة، فإنّ الزيادة المتوقعة في أسعار الوقود ستتراوح بين 30 و50 %، ليرتفع سعر السولار وبنزين "أوكتان 80" من 5.5 جنيهات إلى 7.5 جنيهات للتر، وبنزين "أوكتان 92" من 6.75 جنيهات إلى 9 جنيهات للتر، وبنزين "أوكتان 95" من 7.75 جنيهات إلى 10 جنيهات للتر، فيما سعر أنبوبة البوتاجاز (غاز الطهو) سيرتفع من 50 جنيهاً إلى 75 جنيهاً للاستهلاك المنزلي، ومن 100 جنيه إلى 150 جنيهاً للاستهلاك التجاري.

كما تتراوح زيادة أسعار الكهرباء المقررة مع بداية العام المالي الجديد، بين 33 و60 % للشرائح الأقل استهلاكاً، و5 و22 % للشرائح الأكثر استهلاكاً، وفقاً للأسعار المقترحة من وزير الكهرباء، محمد شاكر، والمقرر عرضها للتصويت على مجلس الوزراء نهاية مايو الحالي، بعدما خفضت الحكومة دعم الكهرباء إلى 4 مليارات جنيه فقط، مقابل نحو 16 مليار جنيه مقدرة في موازنة العام المالي الحالي..

 

ويرى مراقبون أنّ الزيادات المتوقعة في أسعار السلع والخدمات كافة، ستلتهم الزيادات التي أقرها السيسي على رواتب العاملين في الحكومة نهاية مارس الماضي، والتي شملت رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في الجهاز الإداري بالدولة من 1200 جنيه شهرياً إلى 2000 جنيه، ومنحهم علاوة استثنائية بمبلغ 150 جنيهاً، فضلاً عن زيادة المعاشات بواقع 15%، ورفع الحد الأدنى لها إلى 900 جنيه شهرياً.

 

انعكاسات لأزمة الديون

وتعد تلك الانتكاسات المعيشية افرازا لأزمة تفاقم الديون والقروض التي تنتهجها حكومات السيسي..

حيث ارتفع إجمالي الدين الخارجي بنحو 3.5 مليارات دولار، خلال الربع الأخير من عام 2018، ليسجل 96.6 مليار دولار بنهاية العام الماضي، صعوداً من 93.1 ملياراً في نهاية سبتمبر المنصرم، وفق البنك المركزي المصري.

 كما أن السياسة الفاشلة التي انتهجتها حكومات الانقلاب المتتالية بالاعتماد على الاقتراض أدخلت البلاد في أزمة مالية عنيفة وأصبحت الإيرادات لا تغطي المصروفات، خاصة أن حجم فوائد الديون الواجب سدادها هذا العام 541 مليار جنيه، وأقساط الديون 276 مليار جنيه من إجمالي الإيرادات..

وبحسب خبراء الاقتصاد، فإن ما تمارسه حكومة السيسي من تضييق على الشعب وخصم من استحقاقاته الدستورية بالتنمية ، بمثابة ارتداد طبيعي لأزمة الديون المتصاعدة في البلاد..

ففي 8 مايو الجاري، أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع إجمالي الدين الخارجي بنحو 3.5 مليارات دولار، خلال الربع الأخير من عام 2018، ليسجل 96.6 مليار دولار بنهاية العام الماضي، صعوداً من 93.1 ملياراً في نهاية سبتمبر الفائت.

ووفقاً لبيانات نشرها البنك المركزي على موقعه الإلكتروني، ارتفع الدين الخارجي المصري خلال عام 2018 نحو 13.7 مليار دولار، بزيادة نسبتها 16.6%، بعدما سجل نحو 82.9 مليار دولار آخر 2017، بينما ارتفع بنسبة 133.9% مقارنة بعام 2014.

 

وقبل أيام كشفت أرقام رسمية أن الديون المستحقة عن سندات دولية تصل حالياً إلى 16.2 مليار دولار.

وأكد جدول استراتيجية الدين متوسطة الأجل، الذي نشرته وزارة المالية المصرية عبر موقعها الإلكتروني، يوم الأحد الماضي، أن الديون الخارجية للبلاد المستحقة عن سندات دولية تصل حالياً إلى 16 ملياراً و200 مليون دولار، مشيراً إلى استحقاق مليار دولار منها في 20 إبريل 2020، و2.5 مليار دولار في 31 يناير 2022، و1.25 مليار دولار في 21 فبراير 2023.

وبلغت الديون المستحقة على مصر 1.5 مليار دولار في 11 يوليو 2025، و1.131 مليار دولار في 16 إبريل 2026، وملياري دولار في 31 يناير 2027، و1.25 مليار دولار في 21 فبراير 2028، و1.131 مليار دولار في 16 إبريل 2030، و500 مليون دولار في 30 إبريل 2040، و2.5 مليار دولار في 31 يناير 2047، و1.5 مليار دولار في 21 فبراير 2048.

وفي الثاني من الشهر الجاري، أعلن البنك المركزي أن مصر ستطرح عطاء أذون خزانة مقومة بالدولار بقيمة مليار دولار لأجل عام يوم الإثنين الماضي.

وقال مسؤولون إنهم يحاولون تنويع مصادر البلاد من الدين الأجنبي ومد متوسط أجل السداد، في حين أن سياسة الاستدانة تراكم الأعباء على الخزينة وعلى المصريين المرهقين من تقليص سياسات الدعم ومن زيادة الضرائبنحياز للعسكر والقضاة والرسوم.

 

موازنة منحازة للعسكر والقضاة

وعلى الرغم من تقليص الاعتمادات المالية للخدمات الاجتماعية وتوفير مستوى معيشي مناسب لعموم الشعب، وتقليص الاعتمادات المخصصة لدعم الوقود والطاقة والتموين، كشفت أرقام الموازنة سعي حكومة السيسي لإبعاد شرائح بعينها من ارتفاع الأسعار المرتقبة، وفي مقدمتها مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء، بعد رفع تقديراتها لباب "المصروفات الأخرى" في العام المالي الجديد، من 74.69 مليار جنيه إلى 90.44 ملياراً، والتي تخصص لصالح ميزانيات الدفاع والأمن القومي، واعتمادات جهات مثل مجلس النواب، والقضاء، والجهاز المركزي للمحاسبات.

كذلك، رفعت الحكومة من مخصصات باب "قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة" من 61.72 مليار جنيه إلى 69.68 ملياراً في الموازنة الجديدة، من بينها 54.37 مليار جنيه لباب الأجور، والتي تذهب إلى خدمات الشرطة، والسجون، والمحاكم، ووزارتي الداخلية والعدل، والمحكمة الدستورية، والهيئات القضائية، ودار الإفتاء المصرية، وصندوق تطوير الأحوال المدنية، وصندوق أبنية المحاكم، وصندوق السجل العيني.

تلك التوجهات جاءت وفق تقديرات استخباراتية بتصاعد الغضب الشعبي جراء سياسات الافقار المتبعة في مصر، وأن نظام السيسي يحاول ابعاد العسكريين والقضاة وعناصر الدولة العميقة العليا من ذلك الغضب المتوقع ...

 

إجراءت تقشفية

وبحسب الوزير الأسبق زياد بهاء الدين في مقال له بالشروق المصرية، فإن برنامج الإصلاح الاقتصادي "لم يحقق تحسنا في معيشة المواطنين بل عرضهم لغلاء شديد وتدهور في الخدمات العامة على نحو أثر على المجتمع كله وبخاصة طبقته الوسطى، وذلك بسبب عدم نمو الاستثمار في المجالات الإنتاجية، وبالتالي عدم استحداث فرص عمل مستدامة ولا زيادة كافية في الدخول".

وتمضي مصر في إصلاحات اقتصادية صعبة في إطار الاتفاق، بما في ذلك رفع أسعار الوقود بما يصل إلى 50% في يونيو الماضي، حيث من المتوقع أن تخفض مصر الدعم على الوقود مجددا بحلول منتصف 2019.

وشملت الإصلاحات تطبيق ضريبة القيمة المضافة وتخفيضات كبيرة على دعم الطاقة وتحرير سعر صرف العملة ورفع معظم الدعم عن الكهرباء والمياه ووسائل المواصلات، وهو ما يفرض أعباء جديدة على ميزانيات المصريين الذين يعيش الملايين منهم تحت خط الفقر.

 

ولم يقابل ذلك تحسن في الدين العام المصري، حيث ارتفع الدين الخارجي للبلاد بنسبة 15.2% إلى 93.130 مليار دولار حتى سبتمبر 2018، مقابل 80.831 مليار دولار في الشهر نفسه من 2017، وفقا لبيانات "المركزي".

 

وتمهد الحكومة لاتخاذ إجراءت تقشفية جديدة في موازنة 2019-2020 تبدأ أول يوليو المقبل، حيث تستهدف خفض الدعم المقدر للمواد البترولية إلى 52.9 مليار جنيه من نحو 89 مليار جنيه، في ميزانية 2018-2019 .

كما كشفت تصريحات رسمية، صدرت خلال الأيام القليلة الماضية، عن توجه الحكومة المصرية لإلغاء الدعم التمويني على مراحل، حيث أكد وزير التموين المصري، علي المصيلحي في تصريحات صحفية أنه اعتبارًا من شهر مايو الجاري سيتم تصنيف مستحقي الدعم إلى فئتَين: "الأكثر احتياجا والأقل احتياجا"

 

وكان هيثم الحريري، عضو مجلس النواب كشف في بيان عاجل إلى رئيس البرلمان الشهر الماضي، عن قرار بمنع صرف المقررات التموينية والخبز المدعم لمن تجاوزت دخولهم الشهرية 1500 جنيه...

كما كشفت مصادر في لجنة الطاقة بمجلس النواب أن زيادة أسعار الكهرباء المقررة مع بداية العام المالي الجديد، في الأول من يوليو المقبل، ستتراوح بين 33 و60% للشرائح الأقل استهلاكاً، و5 و22% للشرائح الأعلى استهلاكاً، وذلك في إطار خطة لإلغاء الدعم، اعتباراً من العام المالي المقبل 2020/2021.

وخفضت حكومة السيسي دعم الكهرباء في موازنة العام المالي الجديد 2019/2020، إلى 4 مليارات جنيه، مقابل نحو 16 مليار جنيه مقدرة في موازنة العام المالي الجاري، بنسبة خفض بلغت 75%، حسب مشروع الموازنة العامة للدولة المعروض على البرلمان حالياً.

 

وقدر مشروع الموازنة الجديدة باب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بنحو 327 ملياراً و699 مليون جنيه، بما يمثل نحو 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نحو 328 ملياراً و291 مليون جنيه بموازنة العام المالي 2018-2019 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي، بخفض قدره 592 مليون جنيه، بما يُنذر بخفض أعداد المستفيدين من منظومة الدعم في العام المالي الجديد.

 

 

موازنة تزيد الفقر

 

 

ووزعت الموازنة اعتمادات باب الدعم، بواقع: "149 ملياراً و28 مليون جنيه للدعم السلعي، و128 ملياراً و947 مليون جنيه للدعم والمنح للخدمات الاجتماعية، و4 مليارات و870 مليون جنيه لدعم ومنح مجالات التنمية، و12 ملياراً و326 مليون جنيه لدعم ومنح الأنشطة الاقتصادية، و32 ملياراً و528 مليون جنيه لدعم ومنح الأنشطة الاقتصادية، و32 ملياراً و528 مليون جنيه اعتمادات إجمالية واحتياطيات للدعم والمساعدات المختلفة".

وفي البيان التمهيدي ،الذي أصدرته  وزارة المالية في ابريل الماضي، جاء بند «الدعم والمنح والمزايا الإجتماعية» في ذيل القائمة، إذ بلغ النمو في مخصصات الاستثمارات 42% في حين لم يتجاوز النمو في مخصصات «الدعم والمنح والمزايا الإجتماعية» 3.8% مقارنة بالعام الماضي، وذلك بحسب دراسة استقصائية للموازنة الجديدة نشرها موقع مدى مصر، مؤخرا..

وأيضا ارتفاع مخصصات «شراء السلع والخدمات» و«المصروفات الأخرى» بنسب تتخطى معدل التضخم المتوقع على نحو واضح وتجعلها ضمن أولويات الحكومة هذا العام، إذ تضمن البيان التمهيدي ارتفاعًا في مخصصات «شراء السلع والخدمات» والمصروفات الأخرى بنسبة 24.6% و19.5% بالترتيب.

ويمثل شراء السلع والخدمات وفقًا لدليل تصنيف الموازنة العامة الصادر عن وزارة المالية، المبالغ التي تخصصها الحكومة لشراء السلع والخدمات اللازمة لعمل الوزارات والمحافظات والهيئات مثل المواد الخام والأدوات المكتبية وغيرها من الخدمات مثل النقل والاتصالات. ويشمل هذا الباب سلعًا وخدمات وسيطة تستخدم في إنتاج سلع أخرى، كما يشمل سلع تامة الصنع. أما «المصروفات الأخرى» فتمثل اعتمادات وزارة الدفاع بالإضافة إلى مخصصات مواجه التعويضات والغرامات ورسوم الضرائب التي تخصص لشراء السلع المستوردة، تبعًا للتعريف الوارد في نفس الدليل.

 

اصلاح اقتصادي رقمي

يدفع ثمنه الفقراء

 

وفي أعقاب تعويم الجنية حدثت الكثير من الأضرار بشدة بالاستهلاك ما أدى بدوره للإضرار بالاستثمار الخاص، فيما «الإنفاق الاستثماري الحكومي أصبح يعتمد بشدة على جهات حكومية أخرى من قبيل اعتماد الحكومة في عقودها على جهات مثل القوات المسلحة في تنفيذ استثماراتها.. وتعتبر مدفوعات الحكومة لتلك الجهات الحكومية جزءًا من الإنفاق الاستثماري في الموازنة العامة بطبيعة الحال».

ويمكن متابعة تضرر الاستثمار الخاص من خلال «مؤشر مديري المشتريات»، وهو مؤشر مركب يقيس ظروف التشغيل في القطاع الخاص غير المنتج للنفط. وقد هبط المؤشر في فبراير إلى مستوى 48.2 نقطة مقابل 48.5 نقطة في الشهر السابق. وتبعًا للبيان الصحفي الصادر عن بنك «الإمارات دبي الوطني» -الذي يعد المؤشر-  فقد شهدت الشركات المصرية تراجعًا قويًا في الطلبات الجديدة، وصولًا لانخفاض في المبيعات هو الأقوى في 20 شهرًا، كما واصلت معدلات التوظيف انخفاضها للشهر الخامس على التوالي.

 

وتواصل الدولة سياسة الاستثمار فيما يُسمى بـ «المشروعات القومية»، عبر عدد ضخم من عقود تطوير الطرق والمشروعات السكنية والمنشآت الطبية ومشروعات المياه، تشارك في تنفيذ معظمها الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة، فضلًا عن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي تمتلك القوات المسلحة -عبر جهاز الخدمة الوطنية وجهاز مشروعات أراضي  القوات المسلحة- 51% من الشركة المالكة له. بينما رجح عمر الشنيطي المدير التنفيذي لمجموعة «مالتيبلز» للاستثمار خفض الحكومة المخصصات الموجهة للدعم عما كان متفق عليه مع صندوق النقد الدولي إلى ما قال إنه «عدم اليقين من القدرة على تحصيل الإيرادات التي أعلنت عنها الحكومة في الموازنة الجديدة وخاصة فيما يتعلق بالإيرادات الضريبية». مضيفًا أن «مخصصات الدعم تبدو أكثر البنود التي يمكن تقليصها مقابل بنود أخرى لا تملك الحكومة المساس بها من قبيل مخصصات الفوائد التي ترتبط بعوامل لا يد للحكومة فيها من قبيل سعر الفائدة في السوق العالمي».

 

كما أنه من اللافت للنظر أن البيان التمهيدي للموازنة العامة لم يحمل ما يشير إلى تغيير في سياسة الدولة المُعلنة فيما يتعلق بالأجور، بالرغم من أن العام المالي الجديد يفترض أن يشهد تنفيذ حزمة من الإجراءات المرتبطة برفع الأجور والتي أعلن عنها عبد الفتاح السيسي مؤخرا، إذ بلغ النمو في مخصصات الأجور 11.5%، ما يعني أن النمو الحقيقي في تلك المخصصات -بعد خضم معدل التضخم المستهدف- لايتجاوز 1.5%. كما تراجع الوزن النسبي للإنفاق على الأجور إلى إجمالي المصروفات بشكل طفيف- كما يبدو من الشكل السابق.

 

يعاني المصريون خلال العامين الأخيرين من تراجع ملموس في مستويات معيشتهم، بعد انخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع والخدمات بمعدلات كبيرة وبشكل متزامن، على غير ما ألفوه من تغييرات تدريجية خلال العقود السابقة، وترتبط معاناتهم بتطبيق برنامج «إصلاح اقتصادي»، يستهدف إخراج الاقتصاد المصري من أزمته عبر حزمة من السياسات التقشفية التي تم الاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي.

ولعل الأخطر على المصريين، الذين قدر البنك الدولي نسبة الفقر بينهم بـ 60%، تراجع الإنفاق الحكومي -وفق الموازنة الجديدة- على عدد من البنود التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، في الوقت الذي تتوسع الدولة في الإنفاق على عدد من مشروعات البنية التحتية والإنشاءات، التي لم تطرحها للحوار المجتمعي ولم توضّح لماذا تعتبرها أولوية؟، بينما هي لا تصب بأي شكل في تحسين المؤشرات الأساسية التي يسعى البرنامج الاقتصادي لتحسينها، وعلى رأسها الموازين الخارجية والدين العام، فضلًا عن السيطرة على عجز الموازنة الذي يفترض بالضرورة تقليص النفقات وزيادة الإيرادات.

وبنفس المنهج تتبنى الدولة مشروعات ضخمة يوجه لها جانبًا كبيرًا من الموارد التي يشير برنامجها الاقتصادي إلى أنها شحيحة، وذلك دون أن تتشاور مع أحد في هذه المشروعات أو توضح جدواها أو مساهمتها في تنمية الدخل القومي، أو رفع القيمة المضافة أو سداد الديون أو تحقيق التنمية البشرية، وهي الأهداف التي يمكن تقييم المشروعات التي تتبناها الدولة بناءً عليها.

ولعل الأخطر ، هو تمويل المشروعات الكبرى عبر الاقتراض والديون، التي يبتلع سداد فوائدها ما يقرب من 40% من الإنفاق الحكومي سنويًا، متفوقًا على نصيب الأجور والدعم والاستثمارات العامة من هذه النفقات.

وبذلك يتحمل المواطن الزيادات المتوالية في الأسعار، وانسحاب الدولة من دعمه، فضلًا عن عدم تقديمها أي ضمان لزيادة دخله، في سبيل تحقيق توازن لمؤشرات مالية يصعب أن تتوازن بشكل فعلي دون تغييرات كبيرة في هيكل الاقتصاد، لا يتطرق إليها برنامج «الإصلاح».

وبدأت خسائر المستهلكين من برنامج «الإصلاح» مع تطبيق ضريبة القيمة المضافة في سبتمبر 2016، والتي حلت محل ضريبة المبيعات ورفعت النسبة المفروضة على السلع الاستهلاكية، كما توسعت في إخضاع طيف واسع من السلع والخدمات التي لم تكن خاضعة للضريبة.

 

وكانت الحكومة المصرية قررت في يوليو 2016 (نفس العام الذي بدأ فيه البرنامج الاقتصادي) خفض الضرائب على الشريحة الأعلى من الدخل لتكون 22.5% بدلًا من 25%، وألغت في نفس الوقت ضريبة استثنائية مدتها ثلاث سنوات طبقت عام 2014 بنسبة 5% من دخل المواطنين الذي يزيد على مليون جنيه مصري سنويًا، كما ألغت ضريبة نسبتها 10% على الأرباح الرأسمالية.

 

ثم لحق تطبيق ضريبة القيمة المضافة قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر من نفس العام، والذي ترتب عليه انخفاض قيمة الجنيه إلى النصف ومعها القدرة الشرائية للمصريين، وكان هذا القرار هو تذكرة المرور للحصول على الموافقة النهائية على قرض صندوق النقد، والذي صُرفت لمصر الدفعة الأولى منه بعد أسبوع واحد من تعويم العملة. وفي نفس الليلة رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 30 إلى 80%.

 

نتيجة لهذه القرارات المتتالية بدأت موجة غلاء طاحنة، ووصل معدل زيادة أسعار المستهلكين (التضخم) لمستويات قياسية، وسجل 30.7% في المتوسط خلال عام 2017 الذي تلى التعويم.

وبذلك يكون المواطن (وليس الدولة أو المستثمر) هو أكبر متحمل لتكاليف سياسات الإصلاح، سواء تلك المبنية على خفض النفقات أو المؤدية لزيادة الإيرادات، فرغم تأكيد صندوق النقد على أهمية التوسع في فرض الضرائب على أصحاب الدخل الأعلى وملاحظاته في الوثائق الخاصة بمتابعة البرنامج الاقتصادي المصري التي تشير إلى أن الضرائب على أرباح الشركات تشهد تراجعًا مستمرًا خلال السنوات العشر الأخيرة، إلا أنه في نهاية الأمر سمح للحكومة بالتراجع عن الضرائب التي كانت قد بدأت تفرضها على أصحاب الدخل الأعلى، وعلى المعاملات الرسمألية، بينما ضغط عليها بشدة حين تأخرت في تطبيق ضريبة القيمة المضافة، رغم أن الأخيرة هي ضريبة تراجعية يتحملها المستهلك الذي لا يحقق أي أرباح.

 

ويطرح المنتقدون لتلك السياسات، سواء من الاقتصاديين أو العاملين في مجال الدفاع عن الحقوق الأساسية للمواطنين، الأسئلة حول كفاءة مثل هذا «الإصلاح» في إخراج الاقتصاد من أزمته، وإلى أي مدى يمكنه أن يقدم تغييرًا في هيكل وطريقة إدارة الاقتصاد بما يجعله يحقق نموًا مستدامًا، ويضمن توزيع الأعباء والمزايا بقدر من العدالة، بدلًا من تحميل المواطن عبء الإصلاح كاملًا، دون مقابل، بينما تملك أطراف أخرى فرصًا لتجنب التكلفة أو تحقيق المكاسب.

 

خاتمة

 

....وهكذا وبين اشتراطات صندوق النقد الدولي وسياسات الافقار المنحازة ضد الشعب المصري، من قبل نظام عسكري يؤمن بالرأسمالية المتوحشة يزداد الفقير فقرا، بل ان حياته ذاتها باتت مهددة أمام مستشفيات بلا خدمات أو مدارس بلا  تجهيزات وفصول مكدسة لا تجد اموالا لتطويرها، او عجز مائي ومشكلات في الصرف الصحي والخدمات الاساسية يدفع ثمنها المواطن البسيط...بينما يجري تأمين حياة مرفهة للعسكريين ورجال الشرطة والقضاة...وغيرهم من دوائر السيسي، مع تعتيم اعلامي وسيطرة مخابراتية على حرية التعبير التي تترصد لأي رأي قد يخالف النظام، حتى من قبل وزراء الحكومة...إلى أن يفقد المواطن أدنى مقدرات حياته، دون ان يعبر عن رايه بفعل القبضة الأمنية التي تعلم حجم الآلآم المجتمعية، التي تهدد النظام  إلا أنها لا ترى في دورها سوى تأمين النظام العسكري القائم وتعويمه اجتماعيا وسياسيا واعلاميا وفق رؤية استخباراتية لا تقيم لضعفاء الشعب اي قيمة او تقدير...

و

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة