دروس من التاريخ … النظام الدولي الجديد لترامب

 مرت عشرة أيام على انتخاب “دونالد ترامب” الذي سيكون الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، هناك فجوة في اليقين عما ستكون عليه سياسته الخارجية، لكن يمكن التخمين في هذا الشأن اعتمادا على الأشياء التي قالها في خطاباته والمقابلات التي أجراها. قلما اعتمدت السياسة الخارجية لأي رئيس على خطابات حملته الانتخابية، وفي نفس الوقت قلما خالف سياسة أسلافه في هذا المنصب، لأنه يمكن القول أن الممارسة العملية أثبتت أن السياسة الخارجية عبارة عن عقيدة متماسكة وتعد جزءا من استراتيجية شاملة. وتشير التجربة أن السياسة الخارجية لإدارة ترامب ستعتمد على من سيتولى المناصب الأساسية: الخارجية والدفاع ومستشار الأمن القومي.

بدلا من التكهن حول هذه الأسئلة الانتقالية، من الممكن أن نتساءل في الوقت الراهن حول الخيارات الاستراتيجية لترامب بشكلها الواقعي. في هذا السياق، يمكن اللجوء لأحد المفكرين “هنري كسينجر”، هو لم يؤيد أي من المرشحين للرئاسة ولكنه قابل كل منهما، ويجب معرفة رأيه في هذا النطاق. ليس من المؤكد أن وجهة نظره ستصل للرئيس المنتخب أو فريق الأمن الوطني.

دعونا نبدأ من المشهد الجيوسياسي الذي ورثه ترامب من سلفه، فيقول “كسينجر” في أحدث كتاب له بعنوان “النظام الدولي” الصادر في 2014 أن العالم في حالة محفوفة بالمخاطر تقارب الفوضى الدولية، ليس هذا فقط بسبب التحولات في الميزان المادي من الغرب للشرق ، ولكن أيضا بسبب أن شرعية النظام الذي خلفته الحرب العالمية الثانية أصبح موضع تحدي. أ{بع رؤى متنافسة حول النظام الدولي هي الأوروبية والإسلامية والصينية والأمريكية. ونشأ من الاضطراب الدولي تكتلات إقليمية غير متوافقة مما سيؤدي إلى صراع أخطر من الصراع الذي يكون بني الدول.

وخلافا لوجهة النظر التي ترى أن العالم قد تجاوز فكرة احتمالية نشوب حرب شاملة كبرى، يرى “كسينجر” أن السياق العالمي شديد الاشتعال، فهناك توتر بين العولمة الاقتصادية وبين استمرار الجانب السياسي من الدولة القومية، وهو ما كشفت عنه الأزمة المالية في 2008، بالإضافة إلى السعي لامتلاك الأسلحة النووية عقب الحرب الباردة وأصبح هناك ما يسمى ” النادي”. وهناك أيضا ما يسمى “الحرب الالكترونية، التي تعد النسخة الجديدة لحالة “الطبيعة” التي ذكرها هوبز.

وفقا للمقابلات التي أجراها “كسينجر” وما يكتبه كتّاب سيرته الذاتية، فهو يرى أن هناك أربعة سيناريوهات تعد المحفز الأساسي لصراع واسع النطاق:

تدهور العلاقات الصينية الأمريكية، إذ ستتجه البلدين لما يسمى أن القوة الحالية يظهر لها منافس صاعد يعمل على تحديها.
انهيار العلاقات بين روسيا والغرب بسبب انهيار ما تبقى من القوة الصلبة لأوروبا أو الاستعداد لاستخدامها، وبسبب عدم قدرة القادة الأوروبيين الجدد على قبول الدبلوماسية دون وجود تهديد حقيقي.
تصعيد الصراع في الشرق الأوسط بسبب ما تعتقده الدول العربية وإسرائيل بأن إدارة أوباما تستعد لتوجيه الهيمنة في المنطقة لإيران.
أحد هذه السيناريوهات أو مزيج بينها في ظل غياب استراتيجية أمريكية متماسكة، يهدد بتحويل مجرد الاضطراب لحريق.
تزايد التعاون في آسيا، والذي قد يكون له دور في موازنة الولايات المتحدة، لكن الولايات المتحدة في نفس الوقت حليف لليابان وشريك معلن للصين، مثلما فعل بسمارك عندما تحالف مع النمسا ووازن ذلك بمعاهدة مع روسيا. واستطاع أن يحافظ على مرونة التوازن الأوروبي، لكن المفارقة تكمن في أن ذلك زاد من المواجهات وبلغت ذروتها في الحرب العالمية الأولى.

“كسينجر” لا يقول أن الإدارة الفاشلة “محور آسيا” يمكن أن تمثل تكرارا لنفس الخطأ الذي حدث من قادة ألمانيا بعد بسمارك، لكنه أكثر وضوحا فيما يخص الشرق الأوسط، إذ يرفض الحجج التي تقد بها أوباما في يناير 2014 في مجلة نيويوركر، إّ أكد أن هدفه هو تحقيق التوازن بين السنة والشيعة، ويتمحور اعتراض “كسينجر” أن أمريكا يمكنها أداء هذا الدول على أساس المشاركة وليس الانسحاب، في الواقع، قد أحدث أوباما تراجعا استراتيجيا مدفوعا بحسابات سياسية داخلية.

ففي مقابلة له مع “جيفري جولدبرج” من صحيفة ذي أتلانتك، ذهب “كسينجر” إلى أن قرار أوباما بعدم التدخل في سوريا حتى بعد تخطي الأسد الخطوط الحمراء حين استخدم الأسلحة الكيميائية. بأن قرار استخدام لقوة العسكرية لا يجب أن يكون وسطا في صراع قوى محلية، لكن مهما كانت المبررات في جهود أوباما لتحقيق توازن جديد بين السنة والشيعة، لكنهخلق انطباعا بالانسحاب الاستراتيجي الأمريكية من المنطقة. الاتفاق الإيراني كان يحمل تفضيلات أكثر لإيران لأنه ترك العقوبات دون أن يحددها بأن تحد إيران من سياستها الخارجية الجهادية والتوسعية في المنطقة. افتراض أن التفاوض لأجل تحديد الأسلحة يمكن أن يؤدي إلى اختراق نفسي في تفكيرهم بأنه لا يعكس الخبرة الإيرانية التوسعية المستمرة لألفين عام.

“كسينجر” يرى أن أوباما يفكر في نفسه وليس بوصفه جزءا من العملية السياسية، وهو يلاحظ الهجوم عليه، ولكنه يعتبر ذلك أمورا ذات طابع خاص، وأنه يعرف أن مسئوليته هي الحفاظ على العناصر الأمريكية الحساسة من زعزعة العالم، فهو يرى أن الاتجاهات العالمية تسير في اتجاه إيجابي نحو القيم الأمريكية، وأن الالتزام الاستراتيجي هو ألا يتم إجبار الولايات المتحدة على الدخول في طريق لا يمكنها الفرار منه. لكن رؤيته للتاريخ تنتج سياسة سلبية، فهو فخور بنفسه أنه منع أحداث معينة من الوقوع، وهو رأي آخر لقيادة تركز على تشكيل التاريخ بدلا من تجنب الدخول في طريقها.

دونالد تارمب عمل على التقليل مما فعله أوباما الذي فشل في سياسته الخارجية وخاصة في الشرق الأوسط، حيث الخراب الدائر في سوريا ناهيك عن العراق وليبيا، مما يدل على سذاجة نهجه الذي أوضحه في خطابه بالقاهرة في 2009 ومحاولته إيجاد توازن بين السنة والشيعة، لكنه تعامل مع الدول العربية الصديقة لأمريكا بازدراء واضح، إذ ساعد إيران من خلال الاتفاق النووي على ترك يدها في المنطقة، فهو لم يحقق السلام ولكنه خلق آلية للصراع والانقسام مع إمكانية إحداث سباق تسلح نووي، وفي نفس الوقت سمح لروسيا أن تكون لاعب كبير بالمنطقة لأول مرة منذ تقليص تواجد السوفييت في مصر منذ السبعينيات من القرن العشرين، فيقترب عدد القتلى في سوريا من نصف مليون شخص، ولا أحد يعرف كم سيصبح ما بين الآن وحتى تنصيب الرئيس ترامب.

يضاف إلى ذلك تصاعد وتيرة الإرهاب العالمي في ظل إدارة أوباما، ففي الـ16 سنة الماضية كان عام 2014 الأسوأ، حيث عانت 93 دولة من هجوم وقُتل 32765 شخصا، وفي 2015 الذي كان ثاني أسوأ عام قُتل 29376 شخصا، وفي العام الماضي كان هناك أربع مجموعات إسلامية متطرفة مسئولة عن 74% من الوفيات الناجمة عن الإرهاب، هي : داعش وبوكوحرام وطالبان والقاعدة، في هذا السياث يعد حديث الرئيس عن نجاحه ضد ما يسميه “التطرف العنيف” أمر سخيف، وقد ازدرى أوباما ترامب في العام الماضي، لكن ترامب كان محقا حين قال في 15 أغسطس حول خطاب سياسته الخارجية أن إدارة أوباما فشلت في إلحاق الهزيمة بالتطرف الإسلامي.

وقد فشلت “عقيدة أوباما” في أوروبا أيضا، حيث اختار الناخبون الإنجليز مغادرة الاتحاد الأوروبي، وحيث تصاعد القيادة الألمانية، والأزمة المالية التي طال أمدها، ومعاناتها من أزمة المهاجرين، ولقد فشل الرئيس أيضا في شرق أوروبا، حيث تعرض أوكرانيا للغزو وتم ضم شبه جزيرة القرم، وهناك انحراف النمسا وبولندا عن الرئيس الليبرالي.

وقد فشلت أيضا سياسته الخارجية في آسيا، واتضح ذلك في التعامل مع الأحداث في بحر الصين الجنوبي، على الرغم من تباهي أوباما في مقابلة له في مارس أنه نجح في حشد معظم آٍيا لعزل الصين، بما يعزز تحالفات الولايات المتحدة، لكن جاء الرئيس الفلبيني “رودريجو ديروتي” في أكتوبر ليعلن في بكين انفصال بلاده عن الولايات المتحدة.

كل هذا يعني أنه بمجرد تغيير السياسة الخارجية التي كان عليها عهد أوباما، من المرجح أن يتحقق بعض النجاح لترامب، لكن السؤال هو كيف يذهب لتحقيق هذا التغيير؟

يرى “كسينجر” أنه قد تسعى الجماعات الإرهابية لإثارة الرئيس عديم الخبرة والذي يمكن أن يتخذ رد فعل مبالغ فيه. بالإضافة إلى أن الدول غير الصديقة تنتظر الوقت كي تأخذ خطوتها التالية عقب الانتخابات الأمريكية. بمعنى آخر، ترامب ليس بعيدا عن أول أزمة في سياسته الخارجية، فهو لا يحتاج إلى موظفين في إدارته بقدر حاجته لإطار استراتيجي، والذي بدونه ستتحول إدارة الأزمة إلى ما آلت له أزمة 11/9 حيث حرية المؤسسات فيما تفعل، فقد استطاع نائب الرئيس ووزير الدفاع أن يستغلوا الحدث لغزو العراق.

يقدم “كسينجر” بعض المقترحات لترامب، يمكن تلخيصها في الآتي:

عدم الذهاب في مواجهة شاملة مع الصين، سواء في التجارة أو في بحر الصين الجنوبي، وبدلا من ذلك، يجب اللجوء لحوار شامل يهدف للتطور المشترك، ويؤيد “كسينجر” ما قاله الرئيس الصيني بأن المواجهة أمر خطير للغاية، وأن الدول المعادية يجب أن يصبحوا شركاء وأن يتعاونوا على أساس يستهدف توجيه سؤال مضمونه أنه إذا كنا مكان الولايات المتحدة سنعمل على قمع الصين، هل سيسعى ترامب لقمع الصين؟ وإذا لم يفعل، فماذا سيكون شكل النظام الدولي عندما تكون الدولتان أقوياء؟ على ترامب أن يوجد إجابات لهذه الأسئلة.
ضرورة النظر فيما آلت له روسيا في عهد بوتين ورغبته في العودة كقوة عظمى، يرى “كسينجر” أن ترامب لا يمكنه جلب روسيا للنظام الدولي من دون أن تحدث تحويلا، والأمر يتطلب عقد صفقة ولكن في نفس الوقت عليهم فهم أن أوكرانيا يمكن أن تتحول لجسر بين الناتو وروسيا وليست فاصلا بينهما، ليصبح الجانبان أحرارا في علاقتهما السياسية والاقتصادية، فيجب أن تكون أوكرانيا لا مركزية وأن يزيد حكمها الذاتي للمناطق الشرقية المتنازع عليها، وإذا لم يحدث ذلك فالبديل هو أن تستخدم الولايات المتحدة تفوقها المالي والعسكري لتحويل روسيا بعد بوتين إلى نسخة جديدة موسعة من يوغوسلافيا التي دمرتها الصراع.
يجب التعامل مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كفرصة لتوجيه الأوروبيين بعيدا عن البيروقراطية والعودة إلى المسئولية الاستراتيجية.
تحقيق السلام في سوريا غير ذلك الذي تحقق في يوغوسلافيا منذ ما يقارب العشرين عاما، “كسينجر” يقترح إقامة “كانتونات” على غرار الفيدرالية البوسنية بموجب اتفاق بين واشنطن ودايتون، وفي إطار الحديث عن خروج للأسد وتواجد قوى ذات مصالح بالقضية، يجب كبح جماح إيران مثلما حدث مع الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، لأن كل منهما دولة توسعية تستند على دافع ثوري. لكن يجب الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران لأن التخلي عنه حاليا يعني إضافة مزيد من الإيجابيات لإيران. مع الاستفادة من الدول العربية المعادية لإيران وداعش لتحقيق نوع جديد من اتفاق سلام مع إسرائيل برعاية عربية من شأنه تحسين حياة الفلسطينيين.
ربما يكون هناك قدوة للرئيس الجديد، لكنه هل سيأخذ بنصيحة “كسينجر”؟ ليس من المستبعد، في حديثه مع جولدبرج، أشار “كسينجر” إلأى “ريتشارد نيكسون”، سياق عام 2017 مختلف كثيرا عما كان عليه عام 1969. مع المقارنة بفيتنام، فالقوات الأمريكية في الوقت الراهن أقل تدخلا في الصراعات ولما بقيت في الصفوف الأمامية. الكذبة الخاصة بالانفتاح على الصين كانت في الماضي ولم تتحقق في المستقبل، فالمتوقع هو الإغلاق، فالرئيس الصيني الحالي ليس “ماو”.

وبالمثل روسيا اليوم ليست كالاتحاد السوفيتي الذي قام قبل سبع سنوات من تنصيب نيكسون بنشر صواريخ نووية في كوبا، واستمرار اشتعال ثورة عالمية في أنحاء العالم خلال السبعينيات، أوروبا لن تنقسم كما كانت في 1969، الشرق الأوسط شهد تحولات كبيرة، ليس أقلها صعود الشيعية والسنية، وهي أكبر بكثير من القومية الإيرانية والعربية في الماضي، ومع مرور ما يقرب من نصف قرن، ربما كانت القنطرة على الحدود السورية- الإسرائيلية هي النقطة الثابتة في المنطقة.

إن لم يكن نيكسون، فمن الذي يمكن أن يمثل قدوة استراتيجية لترامب؟ على الرغم أن كسينجر لم يذكر اسمه في مقابلته مع جولدبرج، إلا أن الإجابة واضحة وتتمثل في “تيودور روزفلت”.

روزفلت- كما كتب كسينجر- انطلق من فرضية أن الولايات المتحدة قوة مثل الآخرين وليست جزءا فريدا، ولكن إذا اصطدمت مصالحها مع مصالح دول أخرى، سيكون على الولايات المتحدة أن تسعى لفرض قوتها، لم يقم روزفلت ببناء جدار مع المكسيك، لكنه انطلق من مبدأ مونرو والذي أصبح فيما بعد أساسا للتدخلات في هايتي وكولومبيا وجمهوربة الدومنيكان وكوبا والاستحواذ على أراضي تم إنشائها علا قناة بنما.

بالإضافة إلى أن روزفلت كان يرفض أمور مثل نزع السلاح متعدد الأطراف والأمن الجماعي مثل معاهدات السلام التي حدثت في عهد ويلسون.

وفقا لروزفلت، القانون الحقيقي للجغرافيا السياسية هو توازن القوى، لذلك كان من مؤيدي هجوم اليابان على روسيا في 1904 واحتلال اليابان لكوريا بعد ذلك، وكان من مستضيف المفاوضات الروسية اليابانية في 1905 التي توجت بمعاهدة “بورتسموث” والتي تهدف للحد من مكاسب اليابان وإعادة التوازن في الشرق الأقصى.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى 1914، تردد روزفلت حول أي جانب يؤيد، لكنه خلص في النهاية إلى أن انتصار ألمانيا من شأنه أن يمثل تهديدا أكبر على الولايات المتحدة عن بريطانيا، نظرا لأنه لو انتصرت ألمانيا ستريد أن يكون لها السيطرة في أمريكا الجنوبية والوسطى.

وكان روزفلت يرى أن التقارب الثقافي بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مهم، وقد ندم على عدم موافقة الأمريكان على استخدامه للقوة ضد ألمانيا، ورأى أن الشعب كان قصير النظر ولم يفهم الأمور الدولية.

إذن، روزفلت يرى أن السياسة الخارجية الأمريكية تستند على مبدأ المصلحة الوطنية، وتفوق القوة العسكرية وميزان القوة، “إذا كان من الواجب الاختيار بين سيساة الدم والحديد وبين أخرى تتكون من الحليب والماء” سيكون من الأفضل اختيار سياسة الدم والحديد، ليس فقط للأمة ولكنها لأفضل أيضا للعالم على المدى البعيد.

الشئ الوحيد المشترك بين كل من روزفلت وكسينجر وأوباما أن ثلاثتهم حاز على جائزة نوبل للسلام.

من تتبع رؤية روزفلت، ما هو المتوقع للاستراتيجية التي سيكون عليها ترامب؟ من المتوقع أن ترامب –مثل روزفلت- يفترض أن العالم لم يعتمد على نظام الأمن الجماعي الذي ارتآه ويلسون، فيزيد ترامب أن العالم يديره قوى إقليمية كبيرة تقوم على أساس توازن القوى، ويرى “كسينجر” أن “الحياة الدولية تعني الصراع، وأن نظرية دارون-البقاء للأصلح- أفضل دليل على التاريخ أكثر من التوجهات الشخصية”.

يرى “كسينجر” أنه في “عالم تنظمه القوة” يعتقد روزفلت أن ذلك انعكس في مفهوم “مناطق النفوذ”، وهذا هو ما يتضح حاليا بعد ما يقارب القرن من حكم روزفلت.

وهذا ما حدث في اليابان تجاه روسيا في آسيا، ومن المملكة المتحدة وفرنسا تجاه ألأمانيا، لكن الوضع الحالي يحمل تحالفات مختلفة كثيرا عن تلك التي كانت موجودة منذ مائة عام.

لكن ماذا لو حدث أن خالف ترامب كل التوقعات؟ وبدأ في تحسين العلاقات مع موسكو وبكين؟ من شأن هذا الأمر أن يُحدث شراكة تجارية مع الصين “وهو ما يتوقعه الكثير من الصينيين”، ومن شأنه أيضا أن يجعله يتخذ موقفا أكثر تشددا من التطرف الإسلامي كما قال في حملته الانتخابوفي هذا الإطار تتشارك الثلاث دول في نفس المصلحة وخاصة حول القلق من صعود الأقليات الإسلامية، وكذلكتكون متسقة مع الرغبة في إعادة الترتيب في الشرق الأوسط وإعادة فرض النظم القديمة الملكية والاستبدادية في العالم العربي، بالإضافة لتعزيز إسرائيل، وكل ذلك على حساب إيران.

وكنتيجة طبيعية، تتوافق الثلاث قوى على تقليل دور أوروبا كقوة كبرى والعمل على الاستفادة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومستقبل سياسة الاتحاد في ضوء الانقسامات التي قد تطوله.

يمكن من ذلك أن يقوم ترامب بعمل استبدال صغير على “نافتا” لتشمل دول شمال الأطلسي، ما يدفع المملكة المتحدة للدخول مباشرة إلى منطقة مرحلة ما بعد الاتحاد الأوروبي.

يمكن لترامب وبوتين مساعدة “مارين لو بان” بالفوز في انتخابات 2017 للتأكد من مقولة روزفلت في 1906 بأن فرنسا يجب أن تكون معنا هي وبريطانيا في منتطقتنا، هذا هو بداية الاتحاد اقتصاديا وسياسيا.

من المهم الإشارة إلى أن هذه القوى الخمسة هم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أي أن فكرة ويلسون عن الأمن الجماعي بأنها تخدم في نهاية المطاف مصالح القوى الكبرى كما لم تكن من قبل، وسيكون باقي العالم هم الخاسرون وستكون اليابان وألمانيا أكبر الخاسرين.

لكن كسينجر سيحث الإدارة الجديدة على اتباع نهج بسمارك مع اليابان والحفاظ على التزام الولايات المتحدة في الدفاع عنها رغم شراكتها الجديدة مع الصين، بالإضافة لحثه على تشجيع ألمانيا على أن تكون ذات نهج أوروبي.

في حالة حدوث التوافق الثلاثي بين الصين والولايات المتحدة وروسيا، فإن الأمر سيكون أكثر مرونة من ذلك الذي فعله نابليون مع النمسا وبروسيا وروسيا، ومن المتوقع في هذا النطاق ألا تقوم حرب عالمية، وبالتالي فهو نظام جيد للعالم ككل.

لكن ما العقبات التي قد تقف أمام ترامب إذا أراد القيام بهذا الأمر؟، وفقا لكسينجر، فإول هذه الأمور أن التحالف بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا لم يشبه التحالف الذي كان في الحرب العالمية الثانية، ثاني هذه الأمور أن هذا التحالف قد لا يستمر في ظل عدم وجود ألمانيا واليابان، ثالثها أن روسيا والصين في ظل حدودهم المشتركة (2600 ميل) من المتوقع أن يحدث صدام بينهما، مثلما حدث في أواخر الستينيات من القرن العشرين، بالإضافة لسياسة الصين الاقتصادية للتوغل في وسط آسيا.

من ناحية أخرى، فإن إدارة ترامب ستكون مطالبة بزايدة ميزانية الدفاع، وبناء مئات من السفن الجديدة لتأمين غرب المحيط الهادئ، والعمل على تحرير الملاحة في بحر الصين الجنوبي، وهنا قد يصطدم ترامب مع الصين، وهنا قد تنتهز اليابان الفرصة لاستغلال موقف ترامب المناهض للصين، وهذا ما يدفع رئيس الوزراء الياباني حاليا للسعي لمقابلة ترامب في المائة يوم الأولى لتأكيد التحالف بين البلدين ولدعم التعديل الدستوري الذي يريده، لكن الصين تضع خطا أحمر إذا ما التحقت السفن اليابانية بالأمريكية فيما يخص عملية تحرير الملاحة.

ومع ذلك، فمن غير الحكمة أن تجازف الصين في حرب بحرية مع الولايات المتحدة أو اليابان، لأن الأسطول الصيني غير قادر على الفوز في حرب مثل هذه، تاريخيا، تميل الصين لاستخدام القوة في النزاعات الإقليمية في حال وجدت أن ميزان القوى يتحول لصالح الطرف الآخر، لكن هذا عكس ما يحدث الآن، فمع فشل لشراكة عير المحيط الهادئ التي بدأها أوباما، ومع تطور آفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية التي تدعمها الصين، وأن المد الاقتصادي يتوجه نحو الصين، كل هذا لن يجعل أي مواجهة بحرية تنجح في إذلال الصين، لكنه في نفس الوقت سيؤدي لتراجع أي إنجاز حدث في العلاقات مع دول مثل الفلبين وكوريا الجنوبية.

السبب الوحيد الذي يمكن أن يدفع لمواجهة بحرية هو أن الرئيس الصيني يصبح مقتنعا بضرورة تعزيز شرعية دولة الحزب الواحد في مواجهة انخفاض حاد في النمو، الحربين الكبيرتين التين خاضتهما الصين مع كوريا وفتنام ساعدت قادة الحزب في توطيد الحكم في الداخل حتى ولو لم تكن النتائج العسكرية مُرضية.

هناك مجموعة أخرى من الاعتراضات تتعلق بالموقف في أوروبا، ترامب غير مبال بالاتحاد الأوروبي والناتو، لكن ماذا لو اهتم بوتين بهما؟ فمن شأن أي خطوة خاطئة أن تفعل مثلما حدث في أوكرانيا، هل سيتقبل ترامب انتقادات مؤسسات السياسة الخارجية على جانبي المحيط الأطلنطي وحثه على تطبيق المادة 5 من معاهدة واشنطن؟، من ناحية أخرى، يتقبل ترامب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ويفكر في إقامة اتفاق تجار معها، لكن المشكلة تكمن في أن بريطانيا لم تنفصل بشكل كامل، ومن المتوقع أن يأخذ الأمر سنتين على الأقل، ويبدو أنه من غير المحتمل أن تخاطر “تيريزا ماي” بخرق الالتزامت التعاهدية لبريطانيا.

أخيرا، علينا أن ننظر للمشكلات المحتملة لسياسة ترامب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التشدد تجاه إيران: يمكن أن يهدد ترامب باستخدام القوة العسكرية إذا انتهكت إيران شروط الاتفاق النووي، بالإضافة إلى أن الهزيمة المحتملة لداعش في العراق ستطلق العنان للقوى المركزية لتقسيم البلاد، وستكون إيران مستفيدة كالعادة، وستواجه إدارة ترامب خيارا معقدا يخص احترام الأكراد الذين ساهموا بقوة ضد داعش، هل سيؤدي دعم الفصائل الكردية في المنطقة إلى حد الاعتراف بكردستان المستقلة؟ إذا كان كذلك، فمن الصعب رؤية أي مستقبل للعلاقة بين واشنطن وأنقرة، وهذا سيعطل أي تسوية للأزمة السورية التي تحتاج تركيا أن تكون طرفا فيها.

وفي نفس الوقت، قد يغفل التفاهم بين بوتين وأردوغان الذي قد يصبح سمة من سمات الجغرافيا السياسية بالمنطقة، لكنها قد تختفي في حال وجود ترامب في موسكو. التنافس الأطول عمرا في الشرق الأوسط الكبير سيكون بين تركيا وروسيا، بالتالي الخاسر من التفاهم الروسي الأمريكي ستكون تركيا.

لقد سعى أردوغان كثيرا لإظهار أهمية العضوية في الاتحاد الأوروبي، على الرغم من ضعف القيادة العسكرية في البلاد وتوجه تركيا لحكم الإسلام السياسي، وتوجهاته العثمانية الجديدة كقوة إقليمية أُارت شكوك الدول العربية، بالإضافة إلى قمع السلطة لحرية التعبير، يبدو أن أردوغان أحد ضغفاء النظام الدولي الجديد.

كما كتبت، المناصب الأساسية في فريق الأمن القومي لترامب أوشكت على الانتهاء، ما نعرفه أن استراتيجية الرئيس المنتخب تعتمد بالأساس على الخطب والمقابلات، لكن اعتقد أن السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة بدأت تتخذ شكلها.

خطاب ترامب في 15 أغسطس يمكن قراءته على أنه نسخة أولية لعقيدة ترامب، من خلال إعلان نواياه لوقف انتشار الإسلام المتطرف، ولفت الانتباه إلى وجود تشابه بين الوضع الحالي وتهديدات القرن العشرين التي تتمثل في الفاشية والشيوعية، فقد قال أن المعركة لن تقتصر على داعش، وأعلن عن أن القاعدة ستهلك وسيسعى لقطع الدعم الموجه لإيران وحزب الله وحماس، وقد قد ورقة رابحة لكل من يريد خوض هذه الحرب، حين قال “أنه لا يمكننا اختيار أصدقائنا، لكن لا لا يمكن أن نفشل في التعرف على أعدائنا، وسنعمل مع أصدقائنا في الشرق الأوسط، بما فيهم إسرائيل –الحليف الأكبر-، وسيشترك مع الملك عبد الله ملك الأردن، والرئيس السيسي في مصر وجميع من يُدركون ضرورة إسقاط ثقافة الموت، وسيعمل مع الناتو في مهمته الجديدة. فقد قلت في وقت سابق عن فشل سياسة الناتو في التعامل مع الإرهاب، ومنذ ذلك الوقت وهو يسعى لتغيير سياسته، ومن الممكن إيجاد أرضية مشتركة مع روسيا لمحاربة داعش”.

الرئيس المنتخب ترامب تقريبا مكروه من الليبراليين الأمريكان، بالإَافة لحديثه عن اضطهاد المرأة والديانات الأخرى. وفي حين تجنبت إدارة أوباما أنصار الإصلاح الإسلامي، لكن ترامب تعهد أنه سيكون صديقا لجميع المصلحين المسلمين في الشرق الأوسط.

إعلان ترامب “بالاعتراف بأولئك الذين يشاطروننا قيمنا ويحترمون شعبنا فقط” يتوافق مع التدابير التي اتخذتها الولايات المتحدة في استبعاد الشيوعيين من أراضيها، وهي نفس الطريقة التي تحدث بها روزفلت عندما هدد الفوضويون القيم الأمريكية، فقد دعا لوضع تشريع لاستبعاد وترحيل الفوضويون وتم توقيعه عام 1903، وفي خطابه في سانت لويس 1916 لم تختلف وجهة نظره عن المهاجرين عن تلك التي تقال اليوم بشأن تقسيمهم إلى أمريكان من أصل أيرلندي ومن أصل ألماني، وإن كان السياق مختلف ولكن القضية واحدة.

إذا كانت هذه الروح هي التي ستحرك إدارة ترامب، فالنظام الجديد سوف لم يكن جديدا جدا، ولم يكن سيئا للغاية كما يخشى الكثيرون.

[1] NIALL FERGUSON, “LESSONS FROM HISTORY.. Donald Trump’s New World Order”, American Interests, 21/11/2016, available at:

http://www.the-american-interest.com/2016/11/21/donald-trumps-new-world-order/

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة