مظاهرات البصرة ومستقبل الاوضاع بالعراق ودور إيران في الانفجار الشعبي

 مظاهرات البصرة ومستقبل الاوضاع بالعراق ودور إيران في الانفجار الشعبي

 

بعد حراك شعبي بدأ منذ عام 2015 في بغداد وغيرها من قبل الفيصل الشيعي النابع لمقتدي الصدر، وهزَّ سكان المنطقة الخضراء من المسؤولين عن السلطات الثلاث، شهدت البصرة الانفجار المدوي الشعبي الذي كان منتظرا مع بقية مدن جنوب العراق ووسطه أوائل شهر يوليه الماضي (2018)، بسبب انتشار الفقر والبطالة وغياب ابسط الخدمات مثل الكهرباء والمياه عن بلاد تسمي "الرافدين".

الحراك الشعبي الصاخب في البصرة والذي صب جام غضبه على الجميع، خاصة إيران وميليشياتها، هز مقرات قادة الأحزاب الإسلامية السياسية وقادة ميليشياتها الطائفية المسلحة في مختلف مدن الوسط والجنوب، التي قتلت العديد من العراقيين المتظاهرين في اوقات سابقة بدعوى ممارستهم العنف ووجود مندسين في صفوف المتظاهرين.

لذلك احرق المتظاهرون في البصرة التي تفتقد للماء والكهرباء وتشكو من الفقر والبطالة مقرات احزاب محسوبة على إيران كحزب بدر والعصائب والدعوة والمجلس الاعلى واقتحموا واحرقوا القنصلية الإيرانية بالبصرة.

أيضا أحرق المتظاهرون مقرات أحزاب شيعية (حزب الدعوة والفضيلة والحكمة والمجلس الأعلى) ومبنى ضيافة محافظ البصرة، ومقرات حركة النجباء وبدر والعصائب وحزب الله وسيد الشهداء، ومبنى قناة العراقية والغدير والفرات واذاعة النخيل

وبعد وقت قصير من إحراق مبنى القنصلية الإيرانية، حاصر المئات من المحتجين مبنى القنصلية الأميركية، ما دفع الحكومة إلى إعلان حظر التجول في المدينة، ونقلت تعزيزات عسكرية خاصة وصلت إلى جنوب العراق، بعدما قُتل 73 محتجا وأصيب العشرات معظمهم في اشتباكات مع قوات الأمن.

مشهد إنزال العلم الايراني من فوق القنصلية في البصرة ورفع العلم العراقي وصفه المراقبون بانه انتفاضة شعبية عراقية ضد إيران، ومشهد تاريخي ومقدمة لتحويل في موازين القوى في العراق وانحسار نفوذ الملالي فيها.

وبدأ الجميع يتساءل في العاصمة ووسائل الاعلام: هل بدأ شيعة العراق ومعهم السنة، في الاستيقاظ واستعادة الوعي وهل أدركوا أنهم ليسوا أكثر من وقود لمعارك الهيمنة والتسلط التي تخوضها إيران؟ (السنة 35% من سكان البصرة والباقي شيعة).

 

 

دور إيران في تعطيش العراقيين

 

كان ما حصل في البصرة نتيجة توقف إمدادات الكهرباء والماء، التي تستوردها المحافظة من إيران، ونقص المياه وقصرها على مياه اسنة غير صحية وظهور الكوليرا بسبب ذلك بين 1500 عراقي، فضلا عن الانقطاع المستمر للكهرباء سببا في هذا الغضب الشعبي الواسع.

حيث شهدت محافظة البصرة العراقية ارتفاعا كبيرا في نسبة الملوحة في أنهارها، نتيجة إلقاء إيران مخلفاتها الزراعية في شط العرب، مما اثرت على الإنسان والثروة الحيوانية والزراعية وأصبح أبناء البصرة هم المتضررين من أزمة الملوحة".

وحذرت وزارة الموارد المائية العراقية من تصاعد نسب الملوحة في شط العرب في البصرة، بسبب إقدام إيران على ضخّ مياه مالحة إلى الجانب العراقي، فيما تواجه البلاد أزمة جفاف أدت إلى حصول نزاعات عشائرية جنوباً.

أيضا اعلنت حكومة إقليم كردستان ان إيران "غيرت مجرى نهر الكارون بالكامل وأقامت ثلاثة سدود كبيرة على نهر الكرخة بعدما كان هذان النهران يمثلان مصدرين رئيسين لمياه الإقليم والعراق ككل، وأن تدفق المياه توقف كلياً، وسيؤثر تحويل إيران لمجرى 43 رافداً على المدن والمناطق المحيطة بالنهر إلى تعجيل جفاف الإقليم الجنوبي.

ورغم أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ذهب إلى المدينة ومكث فيها مؤكدا أنه لن يغادر قبل حل مشكلها، إلا أن اهل البصرة لم يهتموا بما قال معتقدين أنه يفعل هذا من أجل الفوز بتشكيل تحالف للحكم مع ائتلاف "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر.

وخرج المئات من سكان المدينة إلى الشوارع في مسيرة احتجاجية، معربين عن رفضهم لزيارة العبادي لأنه "جزء من المشكلة وليس الحل"، كما وصفوه.

وقد أصدر "العبادي" عقب لقائه مع اللجنة الوزارية الخاصة بالوضع في البصرة من أجل إيجاد الحلول العاجلة لمشاكل المحافظة، بما في ذلك نقص المياه النظيفة الصالحة للشرب ومسألتي التعيينات والصحة عدة قرارات لتخفيف الازمة المائية والبطالة ومع هذا استمر الغضب الشعبي.

وحملت الحكومة الفدرالية والإدارة المحلية للمحافظة بعضهما البعض المسؤولية عن انهيار البنى التحتية الذي ترك السكان من دون طاقة كهربائية ومياه نظيفة، في حرارة صيف تبلغ 50 درجة فوق الصفر، الأمر الذي أثار موجة الاحتجاجات الغاضبة غير المسبوقة.

 

 

رجل امريكا يخسر

 

وخلطت أزمة البصرة أوراق التحالفات السياسية في العاصمة، وتحديدا في البرلمان، وبدا أن الضحية الكبرى لأزمة البصرة هو رئيس الوزراء، فالعبادي، الذي كان يعول على تحالفه السياسي مع ائتلاف "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر وبالتالي تسميته رئيسا للوزراء لولاية ثانية، حاول الاستناد على هذا التحالف لحل أزمته.

لذلك لخصت صحيفة "واشنطن بوست" نتائج احتجاجات البصرة بأنها "حرقت رجل أميركا بالعراق"، مشيره لأن المعادين لواشنطن باتوا يتصدرون المشهد، خاصة أن المتظاهرين حاولوا أيضا حرق القنصلية الامريكية ولكن قوات الأمن تصدت لهم.

فقد وجهت الاحتجاجات العنيفة التي تشهدها مدينة البصرة النفطية لطمة سياسية لرئيس الوزراء العراقي الموالي لأميركا، حيدر العبادي، وباتت قاب قوسين أو أدنى من الإجهاز على محاولته للبقاء في منصبه لفترة ثانية.

واستغل منافسي العبادي على منصب رئيس الوزراء الغضب الشعبي، ليجعلوا من بقائه في المنصب خياراً مستحيلاً، وتضامنوا مع احتجاجات أهالي البصرة وهاجموا العبادي، بعدما ألقى المحتجون بأسباب الإحباط الذي ينتابهم على كاهل النخبة السياسية العراقية كلها، وهتفوا بشعارات ضد الحكومة والأحزاب والميليشيات المؤيدة لطهران.

وطالب ساسة من القائمتين الانتخابيتين اللتين حصلتا على أعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي عُقدت في مايو الماضي باستقالة العبادي بعد جلسة برلمانية مثيرة للجدل شهدت تلاسناً بين رئيس الوزراء ومحافظ البصرة.

وزاد أزمة الولايات المتحدة في العراق، أنه ليس لديها بدائل كثيرة للعبادي لشغل منصب رئيس الحكومة الجديدة في العراق.

وزاد من حرج موقف العبادي توجيه آية الله السيستاني صاحب الكلمة المسموعة في العراق والائتلافات السياسية الصاعدة في المشهد السياسي العراقي توبيخاً غير مسبوق للعبادي، بعد أن حاز دعم الولايات المتحدة لتولي المنصب لمدة ثانية بعد قيادة بلاده لتحقيق انتصار على تنظيم الدولة الإسلامية، واجتياز أزمة اقتصادية أثارها انخفاض أسعار النفط.

وكان كبير المبعوثين الأميركيين إلى العراق، بريت ماكغورك، في زيارة قام بها مؤخراً إلى العراق بهدف حشد الدعم للعبادي في صفوف السنة والأكراد، ضمن جهود لبناء أغلبية برلمانية تصوِّت لإعادة انتخابه، قبل أن تشتد حركة الاحتجاجات في البصرة وتنفجر لتصبح أعمال شغب واسعة النطاق ويخسر العبادي الشعبية التي حشدها له الامريكان.

وكان العبادي قد توصل على مضِّض لاتفاق مع رجل الدين العراقي مقتدى الصدر، الذي فاز حزبه بأغلبية المقاعد البرلمانية في انتخابات مايو لكنَّ النواب الذين خاضوا الانتخابات ضمن قائمة العبادي بدأوا في الإسراع بالقفز من سفينته في الأسابيع الأخيرة، حتى إنَّ الصدر نفسه تخلى عن العبادي بسبب أزمة البصرة.

وهذا ما دفع صحيفة "الجارديان" البريطانية أن تؤكد بدورها إن الاحتجاجات المتواصلة في مدن جنوبي العراق تضع مستقبل رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، على "كف عفريت"، وتهدد طموحه إلى ولاية ثانية بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني عشر من مايو الماضي.

وتأكيدها "إن التظاهرات ستحدد ما إذا كان العبادي قادراً على البقاء في منصبه لولاية ثانية أم لا؟ بعد الانتصار الهش الذي تحقق على تنظيم داعش".

 

 

مستقبل العراق ما بعد الطائفية

 

اعتبر مراقبون أن مظاهرات بغداد ثم البصرة من قبل فصيل شيعي ضد الحكومة ورئيس الوزراء الشيعي بمثابة صراع داخل البيت الشيعي ينبئ بانتهاء عصر الطائفية في العراق وتحول الصراعات لصراعات على النفوذ والمال والسلطة.

فالشعارات التي تم رفعها في بغداد والبصرة وباق المدن العراقية لم تكن طائفية كما هو الحال في مظاهرات سابقة منذ غزو امريكا للعراق، وسيطرة الشيعة على المناصب ومصادر القوة في البلاد، وتهميش باق الفصائل السنية والكردية وغيرها.

وكانت المظاهرات نفسها مختلفة ونادرة الحدوث من فئة شيعية ضد أخرى، ولم يتم التعامل معها باعتبارها خلاف في البيت الشيعي الواحد بقدر ما تم التعامل معها كمظاهرات فئوية تطالب بالإصلاح ومواجهة الفقر والفساد، خاصة من أنصار "الصدر" في مدينة الصدر المعروفة بـ "حزام الفقر" الذي يطوق بغداد.

وجاء الهجوم على مقرات الاحزاب الشيعية والفضائيات الشيعية والقنصلية الايرانية، وتمزيق صور قائد الثورة الإيرانية "الخميني" والمرشد الإيراني الحالي "علي خامنئي"، من قبل تجمعات إصلاحية عراقية بمثابة رفض لما أسماه المتظاهرون بـ «الهيمنة الإيرانية» على القرار العراقي، وليس مظاهرات دينية من شيعة ضد شيعة، ما يحول ملعب السياسة في العراق لأول مرة الي ما وراء الطائفية.

ففي غياب أي تنمية حقيقية للبصرة وصلت نسبة البطالة الحكومية بها بين الجامعيين لقرابة 50%، مع معدلات أخرى للأمية والأمراض هي الأعلى بين نظيراتها في مدن العراق التي تعد أفقر بكثير في مواردها، واشتكي اهالي المدينة من شربهم مياه قذرة بها أمراض عديدة منها الكوليرا.

واصبحت المياه التي تصل لمنازل البصرة غير صالحة للاستخدام، وانخفض منسوب مياه نهري دجلة والفرات وتوقفت محطة التحلية الرئيسية في المدينة، وبات شراء المياه العذبة الصالحة للاستخدام عبئًا ماديًا كبيرًا على الأهالي، إضافة لانقطاع شبه مستمر للتيار الكهربائي خاصة في فصل الصيف شديد الحرارة لمدة قد يصل متوسطها لـ 10 ساعات كاملة، رغم أن المدينة تضم محطات توليد الكهرباء الكبرى في العراق، وهي محطات الهارثة والرميلة والنجيبية.

وزاد من غضب مواطني المدينة الذين طالبوا في السابق بحقهم من ثروات النفط التي تخرج من باطن أرضهم، أنهم لا يحصلون على خيرات النفط المستخرج من باطن اراضيهم، رغم مناقشة البرلمان مشروع "البترودولار" الذي يقضي بتوزيع نسبة من العائدات النفطية على سكان المناطق المنتجة للنفط، وفي مقدمتهم البصرة، ثم عرقلته في البرلمان.

وجاءت المظاهرات الصاخبة لتنزع الشرعية عن حكومة بغداد والعبادي وتجعل البلاد في حالة سيولة سياسية في ظل اختلاف الآراء بين القوي الشيعية الكبرى الحاكمة والتصارع بينها لأول مرة بمثل هذه الحدة في شأن غير ديني، وإنما شأن يخص حياة وصحة أهالي البصرة وجنوب العراق ككل.

 

 

 

يمكن القول بالتالي ان مظاهرات بغداد والبصرة تؤشر وتؤرخ لحقبة جديدة في حياة ومستقبل العراق بعديا عن الطائفية، تتركز علي الصراعات حول الفقر والفساد وغياب توزيع الثروة حتى بين الفصائل والقوي الشيعية الحاكمة، ما قد يعيد التنافس السياسي علي اسس اجتماعية أكثر منها طائفية، فهل يستفيد من هذا سنة العراق وباق الطوائف المضطهدة؟...هذا ما ستجيب عنه تطورات الاحداث، إلا أنه يستلزم تنسيقا سياسيا ومناورات تدفع نحو اعادة تقسيم النفوذ والسلطات بشكل يحفظ للجميع حقوقه...

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة