تقييم سياسي لأثر الضربات الجوية المصرية لدرنة الليبية

 في سيناريو مكرر لما حدث عقب قيام تنظيم داعش بذبح مجموعة من الاقباط المصريين في ليبيا، عمد النظام بعد اجتماع مصغر لمجلس الامن القومي إلي توجيه ضربة جوية إلي بعض المناطق في مدينة درنة في الشرق الليبي، وذلك بزعم أن العناصر التى استهدفت الاقباط في محافظة المنيا بصعيد مصر تلقوا تدريباتهم في تلك المناطق، وذلك بالرغم من عدم وجود دلائل حقيقية تثبت هذه المزاعم، خاصة وأنه معروف عن مجلس شورى ثوار درنة أنه سبق وأن قام بمحاربة تنظيم داعش في ليبيا وإخراجه من المدينة، يضاف إلي ذلك أن مناطق الجوار المصرية، تسيطر عليها قوات قائد جيش الانقلاب الليبي خليفة حفتر حليف النظام والداعم الاكبر لضرباته في ليبيا والذي يحاصر درنة منذ اكثر من عام، فضلاً عن عدم وجود مصلحة حقيقية لثوار درنة في توتير الاجواء مع القاهرة في الوقت الذي بدت فيه خلال الفترة الماضية وكأنها تحاول اتباع سياسة أكثر مرونة مع مختلف الاطراف الليبية بالاتفاق مع الامارات التى قامت برعاية لقاءات ثنائية بين حفتر ورئيس حكومة الوفاق الليبية.

وفي إطار هذا السياق تثور العديد من التساؤلات حول أسباب تلك الضربات المتواصلة والسريعة، وأهدافها ونتائجها ومدي قدرتها علي تهدئة الغضب المسيحي جراء حالات الاستهداف المتكررة للأقباط خلال الفترة الأخيرة.

والواقع أن ادعاءات النظام الخاصة بمسئولية تلك المدينة عن الاحداث التى شهدتها محافظة المنيا غير واقعية، لعدة اسباب أهمها سرعة تلك الضربات التى جاءت في نفس اليوم الذي تم استهداف الاقباط خلاله، ما يعني أنه لم تتوافر المعلومات الكافية لاثبات تورط اي اطراف خارجية في الحادث، وعلي فرض أن هناك معلومات، فكيف يتم غض الطرف عنها وتركها حتى تحدث الكارثة، خاصة وأنه سبق للولايات المتحدة أن حذرت رعاياها من توخي الحذر خوفا من حدوث عمليات ارهابية في مصر، ما يعني أن هناك معلومات متوفرة وتم غض الطرف عنها وعدم التحرك الا بعد حدوث الكارثة.

ورغم أن العديد من المحللين وجه انتقاداته اللاذعة للولايات المتحدة بسبب عدم تبادل المعلومات مع الاجهزة الامنية المصرية فيما يتعلق بالتهديدات المحتملة، إلا أن سرعة رد فعل النظام علي العملية، إنما يعكس علمه بتوقيت العملية، بل قد يكون لاحد اطرافه دور فيها من أجل تسهيل وتبرير عمليات استهدافة لقوات ومناطق تركز الثوار في ليبيا.

ويهدف النظام من وراء ذلك إلي دعم خليفة حفترة ومساعدته في كسر شوكة القوات العسكرية في درنة، فعلي عكس العديد من ابناء الشعب الليبي بما في ذلك نواب في مجلس النواب الليبي وحكومة الوفاق الليبية كان حفتر الداعم الاكبر للعملية العسكرية المصرية في ليبيا.

يضاف إلي ذلك الاعلان صراحة عن حقيقة الموقف المصري الرافض لحكومة الوفاق، بعد فشل محاولات الاقتراب من حكومة الوفاق والوقوف علي الحياد من الصراع في ليبيا، فعلي ما يبدو أن المحاولات الاماراتية والمصرية التى سبقت تلك الضربة والخاصة باعتماد المسار السياسي خيارا لتحقيق اهدافهم السياسية الخاصة بالتمكين لخليفة حفتر في ليبيا لم تؤتي ثمارها، ما دفعهم للعودة للمسار القديم الخاص بالدعم العسكري واللوجستي لحسم المعركة الليبية لصالحهم.

لذلك يتوقع ان تستمر تلك الضربة المصرية، ولكن لا يتوقع أن تحدث النتائج المرجوة، وذلك لتعقد الصراع الليبي ووجود اطراف اقليمية ودولية عديدة مشاركة فيه، وهوما قد يجعل بعض الشركاء خاصة الولايات المتحدة للتدخل من أجل وقف ذلك التدخل، حفاظا علي استقرار الاوضاع الليبية ومنعا لتفاقم الصراع الداخلي بالشكل الذي قد يؤثر علي التدفقات النفطية الخارجية.

بل علي العكس سوف تنتج اثارا سلبية لتلك الضربة التى من شأنها ان توتر العلاقات المصرية مع حكومة الوفاق الرافضة لتلك الضربات والتى قد تلجأ لادانة مصر في مجلس الامن،خاصة وان المبررات المصرية غير مقنعة ولا تحمل دلائل حقيقية علي تورط درنة فيما حدث في مصر، وبذلك تكون علاقات مصر بدول الجوار المصرية والليبية قد وصلت الي إدني مستوياتها في ظل النظام الحالي، وهو ما يشكل تهديد حقيقي لاستقرار مصر خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمر النظام في هذه السياسات التى من شأنها توتير علاقات مصر بجوارها الاقليمي.

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة