اغتيال مدير سد النهضة الاثيوبي ..تداعيات وتوترات مستقبلية

  

اغتيال مدير سد النهضة الاثيوبي ..تداعيات وتوترات مستقبلية

 

بعد نحو شهر من محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس الوزراء الاثيوبي الجديد أبي أحمد علي، جاءت واقعة اغتيال مدير سد النهضة لتثير مزيد من التساؤلات حول من المسئول عن اثارة القلاقل باثيوبيا ؟  ومن المستفيد؟ والانعكاسات المستقبلية لتلك التوترات؟؟

وعثرت السلطات الإثيوبية على "سيميجني بيكيلي" مدير مشروع سد النهضة صباح الخميس مقتولاً داخل سيارته في ساحة "ميسكل" في وسط أديس أبابا  وأشارت صحيفة "إثيوبيان ريبورتر" الإثيوبية أنّه عندما وصلت الشرطة إلى مكان الحادث وجدت محرك السيارة التي كان يقودها بيكيلي، وهي من طراز "تويوتا لاند كروزر V8" ما زال يعمل.

 

وكانت الحكومة الإثيوبية تراهن على بيكيلي في تنفيذ مشروع سد النهضة الإثيوبي إذ كان مسؤولا عن كل شئ في موقع المشروع ولم يكن يسمح لأي أحد غيره بالحديث إلى وسائل الإعلام حتى وصفه البعض بأنه "ديكتاتور" سد النهضة مدير مشروع سد النهضة إثيوبيا , كما لبيكيلي الفضل في بناء سدود كهرومائية في إثيوبيا ما يفاقم من تداعيات عملية الاغتيال بالنسبة للحكومة الاثيوبية...

وترى أديس أبابا  أن سد النهضة  ضروري للتنمية حيث لا يحصل 60 مليون مواطن بها على الكهرباء وبلغت نسبة بناء السد أكثر من 63 بالمائة. وبمجرد الانتهاء منه سيولد نحو 6400 ميغاوات وهو ما يزيد على ضعف الإنتاج الحالي لإثيوبيا البالغ 4000 ميغاوات , ومن المقرر أن تطلق اثيوبيا توربينايين للعمل خلال العام 2018 لتوليد الكهرباء من إجمالي 16 توربينا رغم عدم انتهاء المفاوضات الدائرة حول عملية ملء السد بين مصر واثيوبيا..

 

أعمال عنف

 وتثير عملية اغتيال مدير سد النهضة الغامضة –حتى الآن- المزيد من المخاوف في اثيوبيا بسبب تزايد أعمال العنف الممنهجة في البلاد. ففي 24 يونيو الماضي وقعت محاولة إغتيال فاشلة لرئيس الوزراء الاثيوبي أبي أحمد علي  خلال مؤتمر جماهيري بساحة -ميسكل نحا منه - فيما قتل مواطن وأصيب نحو 127 آخرين...

 وفي مايو الماضي قتل مسلحون ديب كمارا مدير شركة دانغوت النيجيرية للأسمنت في أثيوبيا مع شخصين آخرين في كمين في منطقة أوروميا خارج أديس أبابا كما تشهد إثيوبيا منذ عشرات السنين احتجاجات واسعة زادت حدتها في عام 2015 بسبب خلاف على ملكية أراضٍ بين محتجين من عرقية أورومو والحكومة.

والأورومو تعد كبرى القوميات الإثيوبية، ويمثل المسلمون أغلبيتها الساحقة وتحتج منذ عشرات السنين على انتهاك حقوقها وشهد الإقليم عام 2015 حركة احتجاجية امتدت خلال 2016 إلى جهات أخرى منها مناطق أمهرا في الشمال , ومع ازدياد القمع الحكومي ازدادت رقعة المظاهرات واتسعت لتشمل المطالبة بالحقوق السياسية وحقوق الإنسان وأدت لمقتل المئات واعتقال الآلاف.

وازداد الموقف تعقيدًا بعد انضمام الأمهرية ثانى أكبر مجموعة عرقية فى البلاد إلى الاحتجاجات فيما بعد والتى تراجعت فقط بعد أن فرضت الحكومة حالة الطوارئ لمدة 10 أشهر فى أكتوبر 2016 
لكن كلا المجموعتين العرقيتين ظلت ساخطة على الحكومة واستمر فى تنظيم الإضرابات والاحتجاجات ولا سيما فى منطقة أوروميا الفيدرالية معقل عرقية أورومو..

ومؤخرا  تصدت الأجهزة الأمنية الإثيوبية لهجوم مجموعة مسلحة تتبع لحركة تحرير بني شنقول الإثيوبية المعارضة، وكانت تتكون المجموعة المهاجمة من 20 فردًا انطلقوا من دولة إرتريا كان هدفهم الاعتداء على سد النهضة، لكن القوات الأمنية تصدت لهم وقتلت 13 مهاجمًا وهرب 7 من المهاجمين إلى داخل الأراضي السودانية ولكن الحكومة السودانية سلمت المهاجمين فورًا إلى الحكومة الإثيوبية والتي تحقق معهم لمعرفة تفاصيل أخرى عن الحادث وفق بيان وزير الدولة الإثيوبي في مكتب الاتصال الحكومي زادقي أبرهة...

 

تكهنات حول المتورطين

 

وإزاء تلك الحوادث الممنهجة التي قد يكون وراءها أطراف متعددة سواء من الداخل الاثيوبي أو من دول الجوار الاقليمي تبرز عدة سيناريوهات حول المنفذين لتلك الحوادث...ومنها:

-الجماعات المعارضة للحكومة: كالحركة الشعبية لتحرير بني شنقول (حركة سياسية عسكرية مسلحة) تعود في نشأتها إلى ستينيات القرن الماضي وهي حركة تنتمي لفصائل المعارضة الإثيوبية، كما أنها من أوائل الحركات الساعية لانفصال إقليم بني شنقول - قماز ويتزعمها السفير الإثيوبي السابق يوسف حامد ناصر.

وللحركة دور رافض لبناء سد النهضة، ففي نوفمبر 2012 أعلنت رفضها رسميًا لمساعي الحكومة الإثيوبية لإقامة السد في مناطقها، ووصفت المشروع بأنه استنزاف لثروات الإقليم المختلفة، والتي لا يستفيد منها شعوب الإقليم، كما أنها حذرت من أن المشروع حال بناءه سيتسبب في تهجير ما يقرب من 50.000 من السكان المحليين في المنطقة المحيطة بالإنشاءات، كما هددت أكثر من مرة بتدمير السد حال إنشائه.

التهديد المسلح للحركة لم يتوقف عند البيانات والإدانات وفقط، ففي 9 من مايو 2014 شنت هجومًا مسلحًا أسفر عن مقتل تسعة جنود إثيوبيين، وقد أعلنت الجبهة مسؤوليتها عن الهجوم، وقالت إنها تقاوم ما وصفته بالاحتلال الإثيوبي للإقليم.

 

الأورومو

كما أن شعب الأورومو الذي يمثل 40% من سكان إثيوبيا وأغلبهم مسلمون، يعارضون التوجهات الاثيوبية منذ عقود من الزمن وشعب الأوروموا من أفقر الطوائف العرقية في إثيوبيا وحقوقه مهدرة وخرج مرات عدة في مظاهرات احتجاجية واجهتها السلطات بالقتل والقمع الشديد من قبل السلطة الحاكمة والتي يسيطر عليها أقلية التيجراي وتستحوذ على الثروة والوظائف العليا والقيادية في الجيش.

يذكر أن أراضي العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تخص الأورومو ووفق الدستور الإثيوبي الذي تم إقراره عام 1994 فقد تم تقسيم إثيوبيا إلى 9 أقاليم وبالتالي من حق كل منها تقرير مصيره، لكن نتيجة القمع الشديد للمعارضة يتم إسكات صوتها..

وتتقاسم أقلية التيجراي مع  شعب الأمهرة -ويمثل 25% من سكان إثيوبيا- الوظائف والموارد الاثيوبية بالرغم من أن قبائل التيجراي لا تمثل سوى  10% فقط من السكان والتي ينتمي لها رئيس الوزراء السابق - ميليس زيناوي -فيما الشعوب المسلمة مثل الأورومو والأوجادين، أصلها صومالي، ترى أنها محتلة من الأقليات..

 

تفسيرات متضاربة


وفي اطار العي للكشف عن الجهة الداعمة والمنفذة لاغتيال مدير سد النهضة تبرز عدة تفسيرات متضاربة تدور حول التوقيت والظرف التاريخي الذي تر به البلاد من نظام حكم جديد يقول أنه جاء لتنفيذ حملات اصلاحية في كافة مشارب الحياة الاثيوبية.

أولى تلك التفسيرات؛صراعات الدولة العميقة:

حيث بدت طريقة إدارة أبي أحمد للملفات الحكومية بصورة متسارعة مثيرة لبعض العداوات مع القوى السياسية المرتبطة بدول افريقية مجاورة لاثيوبيا ما يهدد بفقدان الزعامات الإفريقية لمكانتهم السياسية في المنطقة بجانب أن هناك صراع بين أجهزة الدولة المختلفة بين الحرس القديم والصاعدين الجدد في أديس أبابا.

حيث عالج "أحمد" ملفات داخلية وخارجية معقدة للغاية ومنها المصالحة مع إريتريا وفق تفعيل إتفاق الجزائر وإجراء لقاء جمع أطراف الأزمة في جنوب السودان وهذا سيشمل تحديًا جديدًا لبعض قيادات دول المنطقة خاصة أعضاء منظمة الإيجاد.

وجاءت بعض قرارات رئيس الوزراء الاثيوبي صادمة لبعض القوى السياسية الاثيوبية مثل زيارته إلى أوغندا ودول الجوار وتصريحاته في مصر وترحيبه للتفاوض مع  الجبهات المسلحة الإثيوبية.

وكذلك عزل بعض قيادات القوات المسلحة من عرقية "التجراي" وكذا القيادات السياسية المرتبطة برئيس الحكومة السابق هيلاميريام ديسيلين وتسليم الأراضي المتنازع عليها إلى حكومة إرتريا،ودعوته إريتريا للسلام الدائم مع إثيوبيا , و الإفرج عن عدد كبير من المعارضين واتخذ إجراءات لتحرير الاقتصاد 

 
كما لعب انتماء أبي لعرقية الأوروميين دورا في تأزيم الأوضاع الداخلية , حيث ترفض أقلية "التجراي"  المتخكمة في اثيوبيا منذ 27 عاما رئاسة أبي لوقوفه ضد بعض ملفات الفساد التي تورطوا فيها عبر سنوات بحسب تحقيقات عملية الاغتيال الفاشلة في اثيوبيا  قبل شهر.

ويعتبر آبي (42 عامًا) أول رئيس وزراء من عرقية "الأورومو" في تاريخ إثيوبيا وكان يشغل قبل انتخابه منصب حاكم الإقليم الذي يحمل نفس العرقية, ورغم التحركات الاصلاحية لأبي أحمد إلا أنّ ثمة تحديات صعبة تواجهه كالدولة العميقة المتغلغلة بالأمن والجيش والاقتصاد التي لا يمكن مصادمتها كما أن التماهي معها سيجعل التغيير والإصلاح اللذين تنشدهما الأجيال الجديدة أمرًا بعيد المنال.

 

أصابع مصرية

ونظرًا لكون "مصر" على خلاف واضح مع الدولة الإثيوبية فيما يتعلق بمياه نهر النيل وحصة مصر المهددة بالخفض بعد شروع  إثيوبيا في بناء “سد النهضة” على نهر النيل فإنّ مراقبين ألقوا بأصابع الاتهام حول احتمالية ضلوع مصر في التفجيرات التي من شأنها تثير القلاقل في إثيوبيا.

ما يعزز وجهة النظر تلك الاتهامات التي وجهتها إثيوبيا لمصر عام 2016 بأنها كانت تدعم الاضطرابات داخل البلاد واستضافت رموزا من المعارضة الإثيوبية وقدمت لهم دعمًا لوجستيًا وهو الأمر الذي نفته مصر..

ولا يستبعد الاثيوبيون –بحسب بيانات سابقة-  أن تكون مصر أو غيرها من الدول التي لا تحب الاستقرار لإثيوبيا قد تورطت في هذا اعتيال مدير سد النهضة  ومن قبله تفجير موكب رئيس الوزراء أبي أحمد..

وسبق أن وجهت جهات اثيوبية اتهامات مباشرة لمصر وقت تنفيذ قبائل بني شنقول هجوما على سد النهضة خاصة لكل من مصر وأوغندا بصفتهما الدول الأكثر استفادة من انهيار السد..

الاتهامات التي وجها لمصر في حال عدم صختها تبدو للبعض أنها محاولة من اثيوبيا لتوريط مصر في الامر لقطع الطريق عليها في حال كانت تفكر في اتباع سياسات عنف أو أعمال مخابراتية ضد السد لاحقا...

إلا أن الاتهامات تبدو غير واقعية في ظل مسار الحوارات الدائرة بين القاهرة واديس اباب بدعم اماراتي لتفويت فرص الصدام بين البلدين وهو ما يبدو مقبولا في ظل اتجاهات اثيوبية للتهدئة مع مصر لتمرير التمويل الدولي المتعثر بعض الشيء للسد خاصة في ظل نية اثيوبيا لانشاء سلسلة من السدود الأصغر على نهر النيل للاستفادة منها في الزراعة وتوليد الكهرباء..

 

 

سيناريوهات مستقبلية:

ومن المتوقع وعقب حوادث العنف الموجهة لسد النهضة أن تسارع اثيوبيا في انهاء الأعمال الانشائية للسد والبدء السريع في مرحلة ملء السد حيث تعهدت الحكومة الإثيوبية  بالاستمرار في بناء سد النهضة.

وقال وزير المياه والكهرباء “سلشي بقل” إن “عملية بناء السد تجري على قدم وساق وسنواصل تحقيق رؤى المهندس الراحل حتى ننتهي منه ولا يتوقف المشروع بسبب موته” , وأكد  في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية- أن موت مدير مشروع السد لن يكون سببا في توقف بنائه لكنه تحدث في المقابل عن تأخير في بعض العمليات الكهروميكانيكية.

وبدأ تشييد السد عام 2011 ومن المقرر أن يبدأ اثنان من التوربينات الـ16 التي يتضمنها مشروع السد بإنتاج الطاقة عام 2018 بحسب تصريح للسلطات الإثيوبية مطلع هذا العام .

 

.

Share:
دلالات:
التعليقات
اترك تعليق
 
  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة